الإمام الحسين جوهر الوجود الإنساني

د. أسعــد البصــري

  تمهيد ..

ليس من شك في أن الإنسان منذ وجد على هذه الأرض وسعى في مناكبها وقضية المعتقد الديني تستحوذ على القدر الأهم في حياته وسعيه ، وإذا ما دققنا اكثر في مستوى المعتقد الذي يحمله (يعتنقه) ومدى اهتمامه به، لاتضح لنا أنه لم يكن ترفاً أو كمالياً، بقدر ما هو قضية حياة أو موت. فالإيمان الديني الذي تأسس على معتقد راسخ في أسرة تعد من أشرف الأسر على الإطلاق عند العرب، فهي التي لم تسجد لصنم ولم تنشأ على شك في ما دعى إليه الجد الكريم محمد(ص) ، بدعوته لنقل البشرية من حياة العبودية إلى حالة التحرر من عبادة الأوثان أو الاصنام، لذا كان حمل المعتقد والإيمان به إيماناً مطلقاً، هو المستقبل المليء بالأخطار التي تهدده منذ إشهاره الرفض للظلم، وهي كلها أخطار محتملة، أي أنها قد تكون وقد لا تكون، تحدث أو لا تحدث، فإذا ما حدثت فهو هالك لا محالة، حيث قال الإمام الحسين: (موت في عز خير من حياة في ذل)، وإذا لم تحدث فسوف تمضي به الحياة، ولكن أية حياة تلك التي يسودها الظلم، والترقب ويملؤها الفزع والرعب، يرى أمة تتدهور نحو رذيلة الحاكم وفساده.. أيبقى في مكانه؟ قد يجرف السيل أمة جده ويدمرها وقد لا يحدث شيئاً من ذلك على الإطلاق.. لكنه لا يستكين للظلم، فهو القائل (ع) لأخيه محمد بن الحنفيه وهما بعد في المدينة: (يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية).

ولم يكن من حل أمامه إلا أن يضع نهاية لهذا التدهور في أوضاع أمة جده المصطفى(ص)، فحمل معه أهل بيته وعشيرته طالباً الإصلاح في هذه الأمة، فهو معرض لسيل جارف من المرتدين الذين اشتراهم السلطان، وهو يعلم أن مؤيديه ومناصريه قد نكثوا العهد - من قبل - مع والده في مواقف عدة في لحظات الحسم.. وبناءً على معرفته تلك وعلمه المسبق اتخذ قراره الذي لا رجعة فيه وأدى به علمه إلى أن ذلك الطاغية لا يرحم، وانه يريد موته حتماً إذا ما أعلن الثورة عليه أو أن التعامل معه والخضوع له اكثر مرارة من الاستشهاد وإذا ما أدت معرفته إلى كل ذلك اتخذ قراره في المواجهة التي لا بد منها

والحقيقة انه ليس هناك من هو أحوج منا اليوم لأن نتذكر سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) المثال في قوة الإرادة وصلابة العزيمة في المواجهة والدفاع عن قضيته ، قضية الوجود الإنساني بأسره، ومن هنا عدت انعطافاً خطيراً في حياة الأمة، لم تمحها عشرات القرون، وما زالت تتجدد كل عام فنحن في حاجة إلى تأكيد لثورة الحسين في معناها وما آلت إليه من نتائج، وليس الواقعة بحد ذاتها، وإنما رموزها وأبعادها النفسية فلقد ظلت ذكرى استشهاد الحسين تصدع في نفس كل مسلم غيور، رفض ويرفض الذل والمهانة، فهي واقعة خسر الحسين أهله وعشيرته من أجلها، ولكنه علّم الكون كيف تكون قوة المبادئ، وقوة الإرادة، فمحي أثر يزيد بعد أن عاش مهووساً (مرض الهوس) بمقتل الحسين، وعاش اللوثة العقلية في حياته بفعل ما اقترفه من ذنب، وانمحى أثره بعد موته، وظل الحسين شاخصاً بذكراه عبر القرون، ذكرى تظل تتجدد عبر العصور.

! الدوافع السياسية والاجتماعية لثورة الإمام الحسين (ع)..

إن لكل مجتمع من المجتمعات الإنسانية صفات ينفرد بها، ورموزاً إنسانية تتعايش معه في كل حيثيات الحياة الإجتماعية ، هي الروح الإجتماعية التي تحرك المجتمع، وهذه الروح الإجتماعية هي قدرة إنسانية تحس بالمشكلات وتتلمسها بشكل واضح ودقيق، وربما تمتلك المعيار الذي به تقيس حالة النمو أو التطور أو التدهور الفردي أو الجمعي للمجتمع، ولكن الطبيعة البشرية والشخصية الإنسانية لا توجدان على أي حال إلا من خلال العلاقات بين الناس. فكان الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) يعد الروح الإجتماعية التي تحس ما يدور بفلك تلك المجتمعات، والتغيرات الطارئة التي تقود إلى التدهور والانحدار، فكان انتقال الحكم إلى بني أمية واغتصابه عنوة وتوارثه من معاوية إلى يزيد، وخلال عشرين عاماً انحدرت كل الحياة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي حديث التكوين، والذي بناه الرسول المصطفى(ص) فعودة الجاهلية من جديد بثوب ألبسه بنو أمية على البلاد الإسلامية بعد أن هدمه النبي في دعوته الإسلامية واستبدله بمجتمع القيم الإسلامية وعودة العصبية من جديد، كما أظهرها حكام بنو أمية في عصبيتهم لبني جلدتهم. فالسبب الاجتماعي كان الأكثر طغياناً ودافعاً منذ البداية، فالحسين ثار من أجل القيم الإسلامية والشعب المسلم؛ لقد ثار على يزيد باعتباره ممثلاً للحكم الأموي، هذا الحكم الذي جوع الشعب المسلم، وصرف أموال هذا الشعب في اللذات وشراء الضمائر، وقمع الحركات التحررية، هذا الحكم الذي اضطهد المسلمين من غير العرب وهددهم بالإفناء، وفرق وحدة المسلمين العرب، وبث بينهم العداوة والبغضاء، هذا الحكم الذي شرد ذوي العقيدة السياسية التي لا تنسجم مع سياسة البيت الأموي وقتلهم وقطع عنهم الأرزاق، وصادر أموالهم، هذا الحكم الذي شجع القبيلة على حساب الكيان الاجتماعي للأمة المسلمة وقتل كل نزعة إلى التحرر بواسطة التخدير والدعاية الكاذبة، كل هذا الانحطاط ثار عليه الحسين(1).. تلك وغيرها من الأسباب والعوامل السياسية التي بذرها الأمويون في الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي، الدوافع الاجتماعية التي تداخلت مع الدوافع السياسية فهي الإيغال في ضرب الروح الاجتماعية السائدة في المجتمعات الإسلامية الناشئة آنذاك، فبدلاً من زيادة النضج الاجتماعي لدى المجتمعات الإسلامية، أوغلوا في التهديم ونشر الوعي المتدني من خلال بث روح المحرمات كسلوك في المجتمع وارتكاب الفواحش في مقابل عيش خسيس، فلقد كان المجتمع الإسلامي في أيام الحسين(ع) مجتمعاً مريضاً يشترى ويباع بقليل من المال وكثير من العذاب والإرهاب(2) في حين كانت دعوة النبي محمد (ص) الإسلامية هي دعوة خلاص الإنسان من عبادة الأوثان وتوكيد وحدانية الله وتطبيق شريعته وتطبيق العدالة وتخفيف المعاناة لدى الضعفاء من الناس حيث قال الله سبحانه وتعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) (سورة القصص: الآية5).. ولكن يبدو أن استلام معاوية الحكم بعد المداهنة والاحتيال السياسي وإجهاد المسلمين في حروب جانبية مع الشرعية الحقة المتمثلة في خلافة الإمام علي بن أبي طالب(ع) ولجوء معاوية إلى استخدام الدين كغطاء لدعوته ومطالبته بالحكم، ونجاحه في هذه الأساليب لتحقيق مآربه بعد مقتل الإمام علي (ع) وإقناع الناس بالصبغة الدينية تارة والعنف والترهيب والترغيب تارة أخرى، فالدين أساساً يعد حركة اجتماعية قامت من أجل تحرير الإنسان من الجهل والتبعية ونشر الحق والعدالة الاجتماعية، فقد استخدمه معاوية كغطاء يوهم الناس به، على أساس أنه يحكم بتفويض الهي، وانه وبني أمية خلفاء رسول الله، هادفين من وراء ذلك بأن يجعلوا الثورة عليهم عملاً محظوراً، وإن ظلموا وشردوا المؤمنين، وأن يجعلوا لأنفسهم - باسم الدين - الحق في قمع أي تمرّد تقوم به جماعة من الناس وإن كانت محقة في مطالبها لذا فإن أضمن السبل لتحطيم هذا الإطار الديني هو أن يثور عليه رجل ذو مركز ديني مسلم به عند الأمة المسلمة بأسرها، فثورة مثل هذا الرجل كفيلة بأن تفضح الزخرف والغطاء الديني الذي يتظاهر به الحكام الأمويون، وأن يكشف هذا الحكم على حقيقته، وجاهليته وبعده الكبير عن مفاهيم الإسلام، ولم يكن هذا الرجل إلا الحسين(ع) (3).

ومن الأسباب والدوافع السياسية والاجتماعية التي أدت إلى قيام ثورة الحسين ، يمكن أن نجمل بعضها فيما يلي:

* الدوافع السياسية: إن بني أمية استطاعوا:

1- شق صفوف المسلمين من خلال إبعاد من هم أول من شارك في تأسيس وبناء الدولة الإسلامية في زمن الرسول(ص) ، وتقريب البعض الآخر وإغداق الأموال والهبات والعطايا عليهم.

2- شق صفوف المسلمين من خلال إبعاد المسلمين من غير العرب، ووضوح صورة التفرقة والتمييز مع أقرانهم العرب المسلمين.

3- إعلان الحكم بالوراثة من معاوية لإبنه يزيد، مع الاحتفاظ بالسلطات الدينية كغطاء لتدعيم حكم الدولة وغطاء لكل الأعمال المبتكرة.

4- إظهار العداوة العلنية لآل بيت الرسول(ص) وخصوصاً الإمام علي بن أبي طالب (ع) ومحاولة التقليل من شأنهم في المجتمع.

5- التغيير الجذري الكامل لكل السياقات القيمية السائدة التي جاءت بها الرسالة الإسلامية السمحاء.

6- إثارة النعرة القبلية العصبية التي حاربها الرسول (ص) في زمنه، وأعادها بنو أمية مرة أخرى.

* أما الدوافع الاجتماعية، فيمكن إيجاز بعضها:

1- عزل مجتمع المدينة ومكة عزلاً تاماً ودون الرجوع إليه في المسائل المتعلقة بالأمور الدينية.

2- الانحراف الواضح عن المجتمع الإسلامي الذي بناه النبي الأكرم(ص) بعد كل تلك المعاناة في سنوات الدعوة الإسلامية الأولى.

3- تكوين قيم جديدة لم يألفها المسلمون حتى قبل استلام معاوية السلطة، وتقريبه بني أمية دون المسلمين الآخرين ذوي التاريخ العريق في دعم الإسلام.

4- انتشار الفساد القيمي في المجتمع الإسلامي الحديث في عهد الأمويين، والذي رفضه المسلمون بعد انتصارهم بقيادة النبي الأكرم(ص) على الجاهلية ودحرها.

5- عودة الجاهلية بشكل محوّر، غير مباشر، والدعوة للتطبيع يقودها (الخليفة) وعائلته.

الآثار التي خلفتها ثورة الحسين(ع)..

إن ثورة الإمام الحسين (ع) أعظم أمانة اُمتحنت بها الأمة الإسلامية، فحافظت عليها بالضحايا حتى تناقلتها أجيال الأمس وسلمتها إلى هذا الجيل(4)، فالإمام الحسين هو هوية أمة بكاملها، هوية انتماء إلى عقيدة راسخة، جدلية متجددة عبر قرون من خلال الانتماء الذي حقق الصراع اللامنتهي، الذي يؤدي إلى استمرار هذه العقيدة، فهي ما أن تخفت بفعل قسوة الحكام أو عنف الأنظمة، وعودة دعاة الرؤية الأموية أحياناً أخرى في أزمنة أخرى، حتى ينبعث شعاعها من جديد، فجوهر وجود الحسين برؤياه للحياة وفلسفته القائمة على الثورة، ظلت تحمل لواء الحرية ورفض العبودية والصنمية، وهو تعبير صريح عن رفض الوجود المستكين الخاضع، فطالما ظلت ذكرى الإمام الحسين تلهج في صدور الملايين من المسلمين عبر الحقب والعقود، يظل الصراع قائماً بين آنية الوثوب، ولحظة الحزن الساكتة المتوقدة في أمة ولدت تناهض الركوع والانصياع للأصنام بكل أشكالها، وإن اختلفت عبر العصور منذ أن رفض الإمام علي بن أبي طالب (ع) في مكة الركوع للأصنام مروراً باستشهاد الإمام الحسين (ع) حتى هذا العصر الذي تغيرت الأصنام من أحجار ودمى حجرية إلى حكام من البشر.. تطلب عبادتها فكانت ثورة الحسين، صوتا يستصرخ الضمائر، حتى يمكننا القول بأن ثورة الحسين - كما هو معروف لدى عامة الناس - ثورة وعي أمة.

إن ثورة الحسين(ع) لم تكن أحادية الجانب لا بالمعنى ولا بالمبنى حيث أن معانيها استمدت من الرسالة السماوية وتعاليمها الإلهية، فهو حمل معاني القيم الإنسانية مجتمعة في الدين الإسلامي الحنيف النقي دون التخدير الكاذب كما فعل بنو أمية، عندما حكموا الناس باسم الدين وقاوموا أي تحرك يقوم به الناس باسم الدين أيضاً.

أما في مبناه، فقد بنى الإمام الحسين (ع) دعوته للثورة على امتداد مبدئية والده الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي قال في وصيته لابنه الحسين(ع): (لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة)(5).

إن الإمام الحسين (ع) هو الامتداد الطبيعي لمنهج آل البيت(ع) في التكوين والنشأة، ووجود كان مكرساً لبسط سيادة قيم هذا الخط على عامة الناس من خلال ما يقوله وما يدعو إليه، فهو على حق بكل ما يدعو إليه وبكل ما يقوله، فهو يدعو إلى تصحيح مسار الحياة السياسية والاجتماعية. فكان الإمام الحسين (ع) هو الرجل الذي يستطيع أن يثبت على تعاليم النبي الأكرم(ص) دون رياء أو تحريف أو مواربة، وهو القادر على تجسيد مبدئية علي بن أبي طالب (ع) وهو القادر بأن يفضح الحكام الأمويين ويكشف زيفهم. وأن يتوجه للشهادة طوعاً وبعزم أكيد ضد دولة الظلم والكفر والعدوان. إن ثورة الإمام الحسين ثورة أصحاب الحق الذين باتوا غرباء مضطهدين، لذا فهي قلبت الأوضاع (عقباً على رأس) بعد أن قلبها الأمويون (رأساً على عقب) ويمكن إجمال الامتداد الحقيقي لثورة الحسين من خلال المخطط التالي:

ولم تتوقف دورة الحياة باستشهاد الإمام الحسين (ع) وآل بيت الرسول ومن معه من أصحابه، وإنما تحول الرفض تمسكاً اكثر بالمبادئ والقيم التي دعى إليها الحسين(ع) كما أن يزيد وجهازه القمعي لم يثن آل بيت الرسول(ص) من الاستمرار في دعوتهم، وانتهت فاجعة كربلاء بمصرع الحسين، ولكن إصرار آل البيت بالاستمرار في سبيل إشعار المسلمين بالزيف الذي يقوم عليه الحكم الأموي، وفي سبيل بث الوعي في هذه الأمة، قد كشف هذا الزيف الذي استخدمه حكام بني أمية سريعاً خاصة بعد مصرع الحسين وآله، فقد نشر الجنود العائدون  تفاصيل الملحمة المروعة في طول البلاد الإسلامية وعرضها، فكان لذلك فعل النار بالنسبة إلى السلطان الأموي(6).

وهكذا تناقل آل بيت الرسول بعد واقعة كربلاء الحمل الفكري والدعوة إلى إحياء المبادئ فاستمرت دورة الحياة من خلال استمرار آل البيت(ع) ويبين المخطط التالي استمرارهم في حمل الرسالة:

نتائج ثورة الإمام الحسين (ع)..

يمكن حصر النتائج التي تمخضت عنها ثورة الحسين وما آلت إليه الأمور بعد فاجعة كربلاء في ما يلي:

- الجوانب العامة للمجتمع

- الآثار النفسية على الأمة الإسلامية.

- الانفعالات المصاحبة لذكرى استشهاد الإمام الحسين(ع) .. ويمكن أن نقول أن الجوانب العامة تحددت في الميادين التالية:

1- تحطيم الإطار الديني المزيف الذي كان الأمويون وأعوانهم يحيطون به سلطانهم، وفضح الروح اللادينية الجاهلية التي كانت توجه الحكم الأموي.

2- بث الشعور بالإثم في نفس كل فرد، وهذا الشعور الذي تحول إلى نقد ذاتي من الشخص لنفسه يقوم على ضوئه موقفه من الحياة والمجتمع.

3- بعث الروح النضالية في الإنسان المسلم من أجل إرساء المجتمع على قواعد جديدة(7).

لقد دأب الأمويون على استغلال الدين أبشع استغلال لصالح قضيتهم في استلاب الحكم من أصحابه الحقيقيين فلجأوا إلى تزييف الحقائق وإبداء الرأي في مسائل هم أبعد أهل قريش عنها، وموقفهم واضح من معاداة النبي(ص) في دعوته ومحاربته حتى فتح مكة. والشواهد التاريخية تغني الباحث عن الحقيقة في تاريخنا الإسلامي. فقد حول معاوية الدين إلى وسيلة لتثبيت سلطانه بعد أن نجح في استمالة طائفة كبيرة من الاتباع الذين وضعوا الأحاديث المكذوبة عن النبي (ص) وآله، وقد استغل ضعفاء النفوس من الذين كانوا يشكلون وسائل الدعاية المتبعة آنذاك لتدعيم سلطانه بنشر الأكاذيب، فثورة الحسين (ع) أزالت تلك الغشاوة التي اصطنعها معاوية ومن جاء بعده يزيد وأمثاله، واستطاعت أن تكشف هذا الحكم على حقيقته وما به من جاهلية بغيضة نقلها معه ككيان أسري وتنظيم اجتماعي لم يغادره حتى عندما أعلن الأمويون الأوائل دخولهم الإسلام عنوة، فابتعاد معاوية ودولته عن الإسلام والمفاهيم والقيم الاسلامية، والتعامل الاجتماعي الذي ساد المجتمعات الإسلامية خلال فترة حكم الرسول(ص) على الأقل، ومن الشواهد التي تناقلتها لنا كتابات المؤرخين أن معاوية ومن حكم بعده أبعدوا المسلمين من غير العرب في المشاركة بحكم الدولة الإسلامية، وفي زمن الإسلام، فضلاً عن أنه سن الوراثة أسلوباً للحكم في دولته التي أقامها في الشام على أنقاض الفتن التي قادها مع بني أمية ضد الإسلام منذ مقتل عثمان بن عفان، واستغلاله هذه الواقعة أبشع استغلال، فضلاً عن قدرة بني أمية على تشويه معالم الدين من خلال ادعائهم لصلة القرابة مع آل الرسول(ص).. ومحاولة تثبيت حكمهم على أساس تلك الادعاءات ، فكانت ثورة الحسين(ع) هي المحك الذي اسقط كل تلك الادعاءات.

أما الميدان الثاني من النتائج التي تمخضت عنها ثورة الحسين فهو بث عقدة الشعور بالإثم لدى أفراد أمة عرفت، ولم تقدم العون، وتعرف أنها على خطأ، لكنها تغاضت حباً بالأموال والعطايا تارة، وحباً بالحياة الخانعة تارة أخرى، وصفوة القول أن الخصائص العامة للعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك في المجتمع تثبت وجود عنف التأثرات والانفعالات وخلوها من الاعتدال، وكما عبر عنها علماء النفس بقولهم: استبقاء قدر من إدراك الواقع مقابل ثمن هو تحقيق بعدٍ كاف بين التراث والسلطة، ضرورياً للإبقاء على الصلة الزائفة(8)، وهذه الصلة كشفتها ثورة الحسين(ع) عندما هزت الكيان الإنساني بأسره لدى أمة عرفت الخطأ، وطأطأت الرؤوس وقبلته، ويرى (شمس الدين) أن لهذا الشعور بالإثم طرفان فهو من جهة يحمل صاحبه على أن يكفّر عن إثمه الذي ارتكبه وجرمه الذي قارفه، وهو من جهة أخرى يثير في النفس مشاعر الحقد والكراهية لأولئك الذين دفعوه إلى ارتكاب الإثم(9) فالفرد الذي وقف متفرجاً على مذبحة الحسين في كربلاء ولم يفعل شيئاً، إنما يدل على انغماس الحدود بين الذات والآخر، فشعور المرء بالعجز عن تقديم أي شيء هو في أساسه إحساس بأن كيانه أصبح نهباً يغير عليه الآخرون متى شاءوا، إنه شعور بالعجز وفي نفس الوقت بالإثم لدى من لا يقوى إلا على أن يكون مشاهداً محروماً بفعل الخواء والضعف، وهي حالة من لا يعرف لنفسه كياناً إلا بالظفر بما ظفر به الآخرون، ولا تتحدد معالم ذاته إلا بالقياس إلى ما يملكه الآخرون، فهو يرى شخصاً مغتصبا أسيراً للآخرين، ويود من جهته أن يغتصب ويأسر الآخرين، فكأنه يلعب أدوار الموقف كله لا دوره هو وحده، لأن ذاته يعوزها الاستقلال والتميز عن الآخرين..(10).

الشعور بالإثم إذن إحساس بالهزيمة والانسحاب، هزيمة يعيشها المجتمع الذي يعاني الوهن والضعف في حياته الفعلية، وبعبارة أخرى أنها ضرب من التعاطف تختلط فيه معالم الذات بالآخر، إلا أنه تعاطف معذّب ظل يشاهد المأساة ولا يستطيع أن يحرك ساكناً، ظل خانعاً مهزوماً من الداخل ولم يفعل شيئاً!! ولقد قدر لبقية آل البيت أن يلهبوا هذا الشعور بالإثم وأن يزيدوه حدّة ومرارة فهذه السيدة زينب بنت عليي(ع) وقفت في أهل الكوفة، وقد احتشدوا يحدقون في موكب الرؤوس والسبايا ويبكون فأشارت إليهم أن اسكتوا، فسكتوا ومضت تقول:

(أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون فلا سكنت العبرة، ولا هدأت الرنة).

وقد قدر لهذا الشعور بالإثم أن يبقى مشتعل الأوار، حافزاً دائماً إلى الثورة والانتقام وقدر له أن يدفع الناس إلى الثورات على الأمويين كلما سنحت الفرصة ثم لا يرتوي ولا يهدأ ولا يستكين، وإنما يطلب من صاحبه ضريبة الدم باستمرار (11).

أما العامل الأخير من النتائج التي تمخضت عنها ثورة الحسين، فهو انبعاث روح الثورة ورفض الواقع الذي فرضته الدولة الأموية بكل قوتها ودهاء مؤسسها، وانكشاف الغمامة عن الناس، لذا عدت هذه الثورة بحق البداية التي حطمت الحاجز النفسي والاجتماعي للخضوع، فبات الإنسان يعيش بين حدة تهديد الحياة، وغياب ذلك التهديد الفعلي لدرجة اعتقاد الناس انهم سيموتون حتما بفعل ما يمارس ضدهم، وزيادة مشاعر الذنب أمام المفقودين من آل البيت(ع) لذا برزت بشكل واضح أمام الناس ظاهرة التفاعل مع الحدث والفجيعة، ومن تلك الأنماط التفاعلية موقف الجمود والتوتر الذي لا يمكن للشخص التحكم فيه بعد انتهاء الفاجعة وعقدة الذنب بعدم نصرة الحسين وأهل بيته،وهذه الأعراض وإن بدت على شكل توقف عن كل حركة بعد تلك الأيام العصيبة فضلاً عن مظاهر الإحساس بتلك المشاعر وما يحيطها، هو الشعور بأن كل فرد بات غير فاعل وغير جدير بالاحترام لأنه امتنع عن تقديم المساعدة لآل البيت وهو قادر عليها، وازدادت استجابات الغضب المصاحب لعقدة الشعور بالإثم والذنب وشدة وطأة الكارثة وعواقبها النفسية. فأحداث فاجعة كربلاء لعبت الدور الكبير في توجيه سلوك الفرد وحالة التحسس نحو حجم الكارثة، لذا فان فشل المسلمين في الكوفة خصوصاً، والعراق عموماً في الوقوف مع الحق المتمثل في ثورة الحسين، هو الواقع الصادم الذي أجج مشاعر العجز عندهم وفقدان الأمل إلى حد بعيد في إيجاد حلول للمأساة، وهو شعور الأسى الذي عانوا منه، وخرجت على أثر تلك الانفعالات والأحاسيس دعوات الثأر للحسين(ع).

! الآثار النفسية لفاجعة كربلاء..

إن الألم المعنوي والشقاء المقرونين بعذاب مزمن مع ما قد يعقبهما من انعكاس(12) على الصعيد الجماعي للمجتمع يشرح الأسباب والتغيرات التي ظهرت في مراحل لاحقة إثر واقعة كربلاء، فالأحداث مرت على الأمة في العاشر من محرم عام 61هـ ، وخلفت وراءها تفاعلات لم تظهر مباشرة، وإنما ظهرت من خلال ما رصده من ثورات متلاحقة على المستوى الشعبي الجمعي، أما على المستوى الفردي، فحالة الشقاء النفسي وردود الفعل مع درجة عالية من الإحساس الداخلي لإطلاق العنان للاستجابة أمام أي فعل يقلل من عقدة الإثم والذنب، حتى وإن تعرض للقمع أو التنكيل، ومن الحالات الدافعة لإعادة تقييم الموقف، انفعال الغضب العارم، حيث يعرفه علماء النفس بأنه درجة عالية من النشاط وبشعور قوي من عدم الرضا سببه خطأ وهمي أو حقيقي فغالباً ما يكون الغضب مصحوباً برغبة في الثأر وقد يؤدي إلى سلوك صامت أو الانسحاب أو إلى الانهيار أو إلى الثأر(13) ومن المسببات التي تقود إلى الغضب ومن ثم تثير حالة الانتقام وترسيخ روح الثأر هي حالة الإحباط، وحالة الألم الجسدي والتقريع، وحالة الإهانة والتهديد والشعور بالإثم والذنب.

ولو استعرضنا حالة الإحباط الذي عاشه الناس بعد مذبحة كربلاء لوجدنا حدته قد ظهرت في الثورات التي تلت استشهاد الحسين (ع) وآل بيته، وانتشار روح الانتقام، وحالة الغضب العارم بين القبائل التي أججتها ثورة الحسين ونستعير إيجازها من الشيخ شمس الدين وهي كما يلي:

* ثورة التوابين (حركة التوابين): وقادها خمسة قادة من الشيعة، وهذه الثورة انبعثت بسبب عقدة الشعور بالإثم والندم، وعن رغبة في التكفير وقادها: سليمان بن صرد الخزاعي - المسيب بن نجية الغزاري - عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي - عبد الله بن وائل التميمي - رفاعه بن شداد البجلي.

* ثورة المدينة: وهي رد فعل آخر لمقتل الإمام الحسين (ع) وهي ثورة تختلف عن سابقتها من حيث الدوافع والأهداف، فقد كانت الدوافع لهذه الثورة شيئاً غير الانتقام فهي استهدفت تقويض سلطان الأمويين الظالم والبعيد عن الدين، ولكن تبقى ثورة الإمام الحسين هي الشعلة التي أججتها ودعت إلى قيامها، وقال الشيخ شمس الدين بأن السيدة زينب بنت علي(ع) دأبت بعد وصولها إلى المدينة على العمل للثورة، وعلى تعبئة النفوس لها وتأليب الناس على حكم يزيد.

* ثورة المختار الثقفي: تعد ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي عام 66هـ إحدى ارهاصات ثورة الحسين من حيث النتائج والدوافع، فهو ثار مطالباً بثار الحسين، وربط دعوته بمحمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب (ع) وهذا ما جعل أهل العراق يطمئنون إلى صوابية الحركة وأهدافها، ولقد جعل شعاره (يا لثارات الحسين).

* مطرف بن المغيرة: ثار عام 77هـ على الحجاج بن يوسف، وكان والياً للحجاج على المدائن، ويتصف بأنه حي الضمير، رغم أن السلطان حباه بما يريد، إلا أنه أدرك الظلم، حتى عدت ثورته هي عبير من روح كربلاء.

* ثورة زيد بن علي بن الحسين: وهي الثورة التي خنقت في مهدها بجيش أموي، فقد قامت عام 121هـ وانتهت في عام 122هـ، وقد عد زيد في ثورته هذه البداية الأولى لانهيار الدولة الأموية في الشام، وهي فاتحة لأحداث أدت إلى انهيارها.

! الانفعالات المصاحبة لذكرى استشهاد الإمام الحسين(ع)..

يرى طه حسين إن الاضطهاد يعطف القلب على الذين تلم بهم المحن وتصب على رؤوسهم الكوارث وتبسط عليهم يد السلطان الجائر. وقد دفع اشتداد المحن وتراكم المظالم على أولاد علي وفاطمة إلى إثارة دفائن القلوب والمحبة لهم، فرأى الناس فيهم شهداء الظلم والفضيلة ، فاتسع نطاق الولاء لهم وكثر أنصارهم الذين التفوا حول محور شرعية آل علي في الخلافة التي أخذت تتسع وتتعمق في الضمائر لتكسب تأييداً متنامياً عند كافة المسلمين - وكلما ازداد الظلم والاستبداد، اخذ المسلمون بالتوجه نحو من يهديهم إلى الحق والعدالة ويخلصهم من الظلم والجور(14)، ولكن هذه الهواجس وحالات التمرد الداخلي مع التنافر الوجداني بين الثورة على الطاغية الظالم، وامتداد عبير ثورة الحسين، ظلا بين نارين، بين ضعف الإقدام وقوة الأحجام، وهكذا استمرت السنوات تغلي بالانفعالات داخل صدور شيعة علي، فكانت الذكرى تصدح كل عام لتعيد للأذهان ملحمة كربلاء التي قادها رجل في أمة، وأمة في رجل، حتى بات الحسين، جوهر الوجود الإنساني في حياته، وفي شهادته، وفي خلوده بعد الاستشهاد. ولم تحظ شخصية عبر تاريخ الإنسانية منذ آلاف السنين، بما حظي به سيدنا الشهيد الإمام الحسين (ع) فكانت تعتلج الصدور بالآهات والحسرات عند اقتراب موعد ذكرى استشهاده، ولم تطفأ تلك الخلجات أو تهن رغم مرور ما يقارب الألف وثلاثمائة وستين عاماً على استشهاده ورحيله، ولنا أن نرصد في ذكرى استشهاده تلك الانفعالات الجديرة بالمشاهدة والقياس، إذا ما توخينا في المنهج العلمي الحديث، الدقة والموضوعية برصد الأحداث النفسية والاجتماعية للإنسان بوصفه كائناً بشرياً يعيش في مجتمعات تحضرت وامتدت، لها سمات التطور في نسيجها الاجتماعي، حتى تكونت حضارة جديدة، فلم تخبو هذه الذكرى، بل كلما اشتدت قسوة الحياة وازدادت تعقيداتها، وازدادت قساوة الظالم، كان الحسين شامخاً كأول ثائر ضد الانحراف والظلم والطغاة، ورغم انه ثار وهو يعرف بأنه سوف يستشهد لا محالة ولكنه كان يأمل في أن يبعث الروح في هذه الضمائر الميتة، كما قال (ع): (أني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)(15). فكل تلك المجريات للأحداث عبر القرون ولدت حالات من الانفعال والغضب الكامن داخل النفس الإنسانية حين تمر ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) لذا تكاد الحدود القائمة بين ذواتنا وآل البيت(ع) تختفي في الحالات الانفعالية، وهي سمة إنسانية تتمثل بالحب لهم والتعاطف معهم والغيرة عليهم، فالمحب يكاد يجعل حبيبه بعض نفسه، فيستشعر مشاعره وتقوم بينهما مشاركة وجدانية تختلط فيها خبرة المحب (ذاته) مع خبرة آل البيت في ما مر بهم من ألم ومعاناة وعذاب، فمحب آل البيت إذن كالهائم بين أن يرفع في ذاته عنهم جزءاً من حملهم الثقيل وما عانوه، فهو يشاركهم في مصابهم، فراح يبحث حالات التوحد معهم وبهم، وحالات الوجد فيهم، ويبحث عن الوصول إليهم بما درت مآقيه عليهم، حتى تكاد تنعدم معالم ذاتيته وحدودها معهم، وأعلى حالة من تلك هي حالات الانفعال الذي يعيشه في لحظات الألم أثناء ذكرى الاستشهاد وزمن حدوثها، ووقت حدوثها، فالانفعالات هي حالات داخلية لا يمكن ملاحظتها أو قياسها مباشرة، ففي أثناء تفاعل الأفراد مع الخبرات التي يتعرضون لها تنشأ الانفعالات فجأة، وتلك المشاعر تتصف بعدم القدرة على التحكم فيها، حيث لا يمكن بسهولة إصدارها أو كفها، ويتأثر السلوك بكل من التعلم والسياق الاجتماعي الذي يحدث فيه ومع ذلك يستجيب الأفراد دائماً لتلك المشاعر بالأفكار أو الكلمات أو الأفعال. وتبقى ذكرى الحسين واستشهاده في كربلاء شعيرة دينية يمثل الكثير لدى المسلمين عامة وخاصة عند حلول ذكرى الاستشهاد.

المصـــادر:

(1) (2) (3) (6) (7) (9) دوافع الثورة وأسبابها: محمد مهدي شمس الدين (في) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية م1،ط6، حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان (1997)، ص375، ص14،ص381،ص383.

(4) الشعائر الحسينية: ط5، السيد حسن الشيرازي، مؤسسة الإمامية للطباعة والنشر، بيروت لبنان/ 2000، ص23.

(5) تحف العقول: أبو محمد الحسن الحراني مطبعة شريعت، إيران(1421هـ)، ص65.

(8) (10) في النفس مصطفى زيور، دار النهضة العربية، بيروت لبنان(1986)، ص15، ص111.

(12) الصدمة النفسية: مجموعة من الباحثين، إشراف محمد أحمد النابلسي، دار النهضة العربية، بيروت لبنان(1991)، ص250.

(13) مدخل علم النفس: ليندا. ل، دافيدوف، ترجمة سيد الطواب وآخرون، دار ماكجروهيل القاهرة، مصر 1983، ص506، ص480، ص393.

(14) تراجيديا كربلاء: إبراهيم الحيدري، دار الساقي بيروت لبنان(1999) ص34.

(15) ثورة الحسين: محمد مهدي شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان/ 1981م ص178.

(*) (التوحد) آليه دفاعية يلجأ إليها الإنسان لا شعورياً في مواقف معينة في الحياة اليومية، وهو أول تعبير عن رابطة انفعالية بشخص آخر.