مجلة النبأ      العدد 45        صفر  1421       ايار 2000

 

الوحدة الإسلامية

 
 

أسباب التمزق ـ طرق المعالجة

 

نزار الموسوي

أسباب التمزق وعقبات الوحدة

الوحدة في الكتاب والسنة النبوية

مفهوم الوحدة

العودة إلى الإسلام هي العودة إلى الوحدة

طرق وأساليب مواجهة التمزق

مفهوم الوحدة

خلق الإنسان مجبولاً على العيش مع الجماعة بعيداً عن الفردية والانعزال لما تقتضيه الطبيعة البشرية من العيش الجماعي المترابط الذي يكمل فيه أحدهما الآخر وبمرور الزمن وتكاثر الإنسان وتنوع المصالح أصبحت الحاجة ملحة إلى مفهوم جديد وهو الوحدة كي لا يكون المنعزل فريسة لغيره من الأمم والشعوب المتحدة التي تبني نفسها وتاريخها وتراثها على حساب غيرها من الأمم والأمة الإسلامية من بين هذه الأمم التي شعرت بهذه الحاجة الملحة رغم انه من صميم دستورها هو الوحدة لذلك ظهرت دعوات الوحدة الإسلامية واقامة التكتلات في العالم العربي والإسلامي وليست هذه الدعوات وليدة الساعة بل هي قديمة قدم التمزق والتشتت والتناحر والفرقة التي عشناها ولا زلنا نعاني منها وما الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز والتكتلات الإقليمية التي قامت هنا وهناك إلا نماذج على إرادة الوحدة ومحاولة العمل من اجلها.

إن قضية الوحدة الإسلامية هي من القضايا الكبرى التي شغلت الضمير والفكر الإسلامي في القرون السالفة وطيلة القرن العشرين والى الآن وقد عالجتها اطروحات وكتب ومقالات كثيرة وكانت هذه الفكرة من أولويات الحركات والجماعات في كل أنحاء العالم الإسلامي غير أن المنطلقات التي انطلقت منها النظريات والدعوات الوحدوية، والتبريرات التي أرادت إقناع الشعب بالانخراط في العمل الوحدوي لم تكن لتنتج الوحدة الإسلامية لأنها غالباً ما كانت تنطلق من إثارة العواطف وتهييج المشاعر مستندة في ذلك إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة تدعو إلى وحدة الصف وعدم التفرقة والتنازع وكانت هذه الدعوات تثير قضية المصير المشترك والعدو المشترك الذي يتمثل في الصهيونية وإسرائيل والاستعمار الغربي والدعوات الإلحادية فتبين ضرورة الوحدة لمواجهة الأخطار المحدقة والأعداء المشتركين واكثر هذه الخطابات الوحدوية كانت تطرح لنفسها مشروعاً نهضوياً شمولياً يفلسف الواقع ويرسم المستقبل ويضع المبادئ النهائية الكاملة للعودة بالمسلمين إلى سالف عهدهم وتليد مجدهم وتحدد كل فئة الطريقة التي تعتقد أنها صحيحة للتعامل مع النصوص وفهمها ولا تقبل من الآخرين إلا الطاعة والخضوع ولا تؤمن واقعاً بضرورة الاعتراف بالآخر ضمن الإطار الوحدوي 0إن اغلب الذين طرحوا قضية الوحدة كانوا يبحثون عن مبرراتها ومسوغاتها ولم يكونوا يبحثون عن هدفها وغايتها ورسالتها تجاه المسلمين والعالم، كانوا يشعرون أن الوحدة ضرورية ولذلك يجب أن تحشد جميع الأدلة المؤيدة والداعية لها وقد فعلوا ذلك فأتوا بالأدلة وقدموها وضخموها ولكن جهودهم لم تؤد إلى الوحدة ولم تشكل قوة فكرية وروحية ملهمة للشعوب لكي تقدم الغالي والنفيس في سبيل الوحدة، إن إثارة العواطف لا تثمر عملاً منظماً مبرمجاً بل ردّات فعل هائجة غير متعقلة ولا محسوبة، والوحدة التي تقوم على أساس مواجهة العدو المشترك لا تسمى وحدة بل تحالفاً بين أناس تجمعهم قواسم مشتركة تتمثل في وجود هذا الخطر والعدو حتى إذا ما زال الخطر أو العدو لم يكن للوحدة مبررها فتعود الصراعات إلى سالف عهدها ويعود التشتت والتفرقة مرّة أخرى والتحالف يختلف عن الوحدة حيث يمكن أن يكون بين فريقين تجمعهما قواسم مشتركة سواء كانت هذه القواسم مواجهة عدو مشترك أم الوقوف في وجه خطر محدق أو تحقيق مصلحة لأطراف هذا التحالف أما الوحدة الإسلامية فينبغي أن تبنى على مشروع نهضوي رسالي يقوم على تحليل الواقع العالمي ومعرفة طبيعة الصراعات والنزاعات فيه وتحديد النقطة التي وصلت لها البشرية في الشرق والغرب تمهيداً لإيجاد البديل الأعدل والأنفع والأرحم للناس جميعاً. ونعتقد أن وضع العالم اليوم يشير إلى انه وصل إلى نقطة صار فيها التغيير حتمياً ونعتقد أن الإسلام هو المؤهل لأداء هذا الدور الرئيسي في التغيير ونجزم بأنه الحل.

الوحدة في الكتاب والسنة النبوية المطهرة

( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) آل عمران: 103.

( واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) آل عمران: 103.

( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران: 104.

( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) آل عمران: 105.

( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) البقرة: 214.

( إنما المؤمنون اخوة) الحجرات: 10.

( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) الشورى: 10.

( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) النساء: 59.

( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) الأنعام: 159.

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) الحجرات: 13.

( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) المؤمنون: 53.

( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة: 2.

( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال: 46.

( كنتم خير أمة أخرجت للناس) آل عمران: 110.

( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء: 92.

( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان) البقرة: 208.

( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) صحيح البخاري، ج1، ص7.

( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) صحيح مسلم، ج4، ص1999.

( ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً ) كنز العمال، ج1، ص1996.

( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ) صحيح مسلم، ج4، ص1999.

( احب عباد الله إلى الله انفعهم لعباده واقومهم بحقه، الذين يحبب إليهم المعروف وفعاله ) تحف العقول، ص40.

( لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا ) كنز العمال، ج1، ص177.

( إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي، فلا تظالموا ) صحيح مسلم، ج4، ص1995.

( عليكم بالجماعة وإياكم الفرقة ) سنن الترمذي، ج4، ص466.

( مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش ) تحف العقول، ص29.

أسباب التمزق وعقبات الوحدة

إن من أهم مشاكل الوحدة الإسلامية حسب ما بينه القادة والمفكرون الإسلاميون أو ما هو واضح للمهتمين بها يتمثل في ثلاث عقبات رئيسية وأخرى فرعية. هي:

أولا النعرات القومية ثانياـ النعرات الطائفية ثالثاـ الحكومات المهزومة

أو تُوضّح على أساس الجوانب الحياتية كما في 1ـ الجانب العاطفي والنفسي 2ـ الجانب الفكري 3ـ الجانب السياسي.

أولاـ النعرات القومية ـ التعصب القومي والعنصري ظاهرة تسود كل المجتمعات الجاهلية فالمجتمع الجاهلي ينتقد القيم الإنسانية ويفتقد التربية الإنسانية ولذلك يعيش أفراده في مستوى منحط من التصورات والأفكار والقيم وتصبح مظاهر اللغة أو اللون أو النسب هي معايير التمييز والتفضيل بين أبناء البشر وتهبط قيمة كل المعايير الإنسانية الصحيحة فالرسالة الإسلامية (الإلهية) تستهدف فيما تستهدف طرح معايير وتصورات إنسانية في المجتمع كي يتجاوز الكائن البشري الأُطر الضيقة التي تؤطر فكر الإنسان الجاهلي مثل المرعى والقطيع. فالإسلام واجه في الجزيرة العربية كما ذكرنا مجتمعاً فرقته العصبيات القبلية واستفحلت فيه العداءات النسبية والعرقية من هنا كانت عملية القضاء على هذه النعرات والعصبيات من اصعب مهام القائد (الرسول الأكرم(ص) ) على طريق إنشاء المجتمع الموحد وعانى القائد ما عانى لاستتباب معيار التقوى في المجتمع الإسلامي بدل المعايير الجاهلية لكن الجاهلية الحديثة أعادت لنا تلك القبائل والعصابات بأسلوب جديد ومسميات جديدة معقدة محاطة بأطر ونظريات علماء الاجتماع الأوربيين واليهود والأمريكان ومحملة بكل الوسائل الرخيصة للقضاء على الإسلام فخلقت الفرقة وروح العداء بين أبناء الأمة الإسلامية .

ثانياـ النعرات الطائفية. الاتجاهات الفكرية والاجتهادية المختلفة ظاهرة شهدها العالم الإسلامي منذ فجر الإسلام بعضها طبيعي يعود إلى طبيعة المجتمع البشري وبعضها الآخر مفتعل استحدثه المغرضون لأهدافهم الخاصة وخلال عصور تاريخية مختلفة استغلت هذه الاختلافات لأغراض شخصية مِن قبل أفراد لا يؤمنون بالإسلام أصلا ولعبت السياسة على مرّ التاريخ الإسلامي دوراً كبيراً في بروز الاتجاهات الفكرية والفقهية أو ضمورها وهذه المسألة واضحة لكل باحث في التاريخ الإسلامي، والجانب الكبير من تفشي هذه النعرات يعود إلى جهل المسلمين فرعاع الناس كانوا دوماً وقود النزاعات الطائفية واداة بيد المغرضين يستغلون تعصبهم الأعمى إلى هذه الجهة أو تلك، فيثيرون المعارك والاشتباكات 0فلكي نخطو للأمام لابد أن تزول هذه النعرات الطائفية بين المسلمين وأن يحس المسلمون اجمع أن مشكلتهم واحدة هي طواغيت الأرض الذين انقضوا على امتنا الإسلامية وسلبوا ثرواتها.

ثالثاـ الحكومات المهزومة. بعد أن فشل الغزاة في فرض سيطرتهم المباشرة على العالم الإسلامي وضعوا خطة شاملة للسيطرة غير المباشرة على هذه الأمة شملت الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمسلمين والذي ينهض بهذا الدور هو الحكّام الضعفاء في عالمنا الإسلامي فبعد أن تمزق العالم الإسلامي إلى دويلات متفرقة هنا وهناك اهتم الغزاة بتربية أفراد من هذه الأمة ليخلفوهم في تنفيذ مخطط التبعية ومارس هؤلاء دورهم بكل إخلاص فقمعوا كل حركة تحررية وقدموا ثروات الأمة المادية والمعنوية قرباناً بين يدي أسيادهم، إن هذه الحكومات رغم تصاغرها أمام الأسياد وخضوعها وتخاذلها أمام المستعمرين لكنها تقف من شعوبها موقف الطاغية الجبار المتفرعن وبذلك ينفصل الجهاز الحاكم عن شعبه ويحرم المجتمع من أحد أهم دعائم الوحدة وهي وحدة الحكّام والمحكومين.

كما ان هناك مشاكل وعقبات أمام الوحدة يمكن إيرادها على أساس أنها ثانوية وقد يعدّها البعض أو قد تصل في بعض الأحيان إلى أسباب أو مشاكل رئيسية هي:

1ـ وعاظ السلاطين، إن هذه الظاهرة في عالمنا الإسلامي ليست جديدة فقد برزت في تأريخنا الإسلامي مع بروز الانحراف عن الإسلام كما أنها لا تختص بالإسلام بل تظهر كلما عصفت الأهواء والأغراض بالرسالات الإلهية ومهمتهم هي إصدار الفتاوى التي تسند ذوي السلطة والنفوذ وتضفي عليهم الشرعية على انحرافهم وقد ظهرت ذروة المأساة حينما تولى زمام الأمور قيادات معادية للإسلام ومعادية لكل تحرك إسلامي بنّاء وهذه القيادات بدورها مارست كل ألوان الضغوط على علماء الدين كي يساعدوها على مسخ الإسلام والقضاء على الروح الإسلامية وحماية المشاريع الاستعمارية في بلاد المسلمين.

2ـ خلو ساحة الرسالة من القادة المبدئيين والأمة المؤمنة.

3ـ فشل الاطروحات الداعية للوحدة لأن اغلبها انطلقت من الأوساط المنحرفة عن الرسالة الإلهية.

4ـ عدم تشخيص السبب الرئيسي للصراع ومن ثم عدم الاستطاعة في تقديم العلاج الناجح.

5ـ استغل المستعمرون سلبيات الحكومات الضعيفة فطرحوا الأفكار البديلة للدولة الإسلامية مثل فكرة الدولة القومية خاصة أيام ضعف الحكم العثماني.

6ـ الهزيمة الداخلية بين قطّاع كبير من الأمة وذلك بعد الغزو الاستعماري من خلال الابتعاد عن القيم والتعاليم الإسلامية واللجوء إلى الثقافة الغربية الرامية إلى تفكيك الأمة والسيطرة عليها.

طرق وأساليب مواجهة التمزق

إن قضية الوحدة هي من القضايا المصيرية المرتبطة بالتحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية ولكي نعيش مرحلة التحدي لابد من اتخاذ طرق وأساليب للمواجهة منها.

1) الطريقة المثالية،2) التي تتمثل بمواجهة الهدف بالتبسيط وذلك باعتبارها مشكلة بسيطة يمكن للزمن أن يحلها وللأجواء الشعبية الحماسية الدور الرئيسي في الضغط على الأعداء وحلها ومن ثم يكون مدلولها سلبي بحيث يشعرك السائرون بهذا الاتجاه بأن المشروع الوحدوي لا يواجه أي مشكلة بل ويسير وفق النظام ويرون دعوات الحماس والجدية من الآخرين نوعاً من العدوانية وربما يتخذ أصحاب هذا الخط نوعاً من المواجهة في حالة الاضطرابات والقلق الذي يحدث في البلاد لأسباب أخرى وقد يحصل أصحاب هذا الخط على نوع من الانتصار وذلك بالسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي والأهداف الإيجابية وهذا دليلهم على صحة نظرياتهم أو طريقتهم في الوحدة وفي حال الفشل يكون المبرر هو الظروف الطارئة أو القوى الغاشمة التي لا يستطيعون مواجهتها الآن لكنهم سيواجهونها في الغد أو بعد غد والمستقبل هو الذي يكشف ذلك. المهم أن القافلة تسير نحو تحقيق الهدف أما كيف ليس من المهم أن نفكر في ذلك ومن خصائص هذه الطريقة هي العمل على إثارة الجماهير بالخطب السياسية الحماسية والشعارات المثيرة والمهرجانات الصاخبة وهكذا تبقى القضية هدفاً يبحث عن طريق ودوراً يبحث عن ساحة.

3) الطريقة الواقعية. وهي التي تواجه الهدف بمنطق الواقع حيث أن لكل ظاهرة أسبابها ولكل واقع ظروفه المحددة في الزمان والمكان والأشخاص ولكل هدف وسائله ومراحله وآفاقه لذلك فإن الذين يفكرون بهذه الطريقة يعملون على دراسة المشروع من خلال ظروفه الجغرافية أولا والشروط التي يجب أن تتوفر في المتصدين له ومن معهم والمشاكل التي يواجهها المشروع على جميع المستويات ثم يضعون الخطة والسير وفقها والتقدم على حساب النتائج الإيجابية والتوقف ودراسة الأخطاء ومعالجتها في النتائج السلبية ثم المواصلة حتى الوصول إلى نهاية المطاف لذلك تتميز هذه الطريقة بالاعتماد على التحليل الدقيق للأشياء والأشخاص والواقع أي إعمال العقل في كل صغيرة أو كبيرة لأنها أساسا قائمة على التفكير العميق للأحداث وبذلك يكون الحماس والجدية جزءاً من الخطة أو الطريقة لا حالة مزاجية أو عدوانية هاتان الخطتان أو الطريقتان هما اللتان تحكمان الواقع العملي للإنسان الهادف ونحن نرجح الطريقة الثانية أي الواقعية القائمة على أساس إعمال العقل والفكر في كل حدث.

العودة إلى الإسلام هي العودة إلى الوحدة

لاحظنا مما تقدم أن الوحدة الإنسانية لا تتحقق في الواقع إلا في إطار الرسالة الإلهية لان هذه الرسالة هي القادرة على تربية الفرد والمجتمع الإنساني وفق قيم ومعايير تزول معها كل ألوان الصراع المصلحي المادي بين أبناء البشر وليس معنى هذا أن الدين الإلهي يستهدف خلق نوع من المصالحة بين الظالم والمظلوم في المجتمع الإنساني بل انه يتأمل الظلم والظالمين من المجتمع ويخلق بين الأفراد وحدة في القلوب والأفكار ووحدة في الهدف والمسير ووحدة في المصالح والطموحات وهذه المسألة لا تخفى على كل متتبع لأهداف الرسالات الإلهية التي جاء بها الأنبياء لا التي اختلقتها الكنائس والأديرة والبلاطات . والفترة القصيرة التي مرت بها التجربة الإسلامية - بداية البعثة النبوية- قبل انحراف المجتمع الإسلامي سجّلت في تاريخ البشرية أروع انتصار في خلق المجتمع الموحد في الأفكار والعواطف والأهداف.

فالإسلام انطلق من أرض تسودها ألوان الصراع القبلي والعنصري والطبقي وما أن انتصرت كلمة الإسلام حتى خلق مجتمعاً رافضاً لكل تمييز عنصري (الأسود والأبيض) أو طبقي (السيد والعبد) أو قبلي (قريش وغيرها) وساد الإخاء بين أفراده ومن أول مصاديقه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وزال الصراع الدامي بين القبائل العربية وانتهى عهد الرق والاستغلال الجاهلي وقطعت أيادي المتسلطين في ذلك المجتمع وبقيت التجربة الإسلامية ومع كل ما عصف بها من انحراف تمارس دورها خلال العصور التالية للبعثة في صهر القوميات المختلفة في بوتقة الإسلام وتربية العواطف الإنسانية والسمو بها عن الهبوط إلى مستوى الصراع المصلحي البهيمي إلا إننا نلاحظ من خلال دراستنا للتأريخ والأحداث انه خلال القرون الأخيرة انحسر الإسلام وتراجع للأسباب المتقدمة ومعه انحسرت الوحدة الإسلامية (الإنسانية) حيث أصبحت البلدان مستعمرات والشعوب أناساً مستعبدين واصبحت الساحة مسرحاً تصول به ذئاب كاسرة انطلقت من الغرب وهي مجهزة بأسلحة جديدة وتكنولوجيا عالية لاستنزاف خيرات الأمة المادية والمعنوية ونتيجة هذا الإختلال في التوازن نشأة الصراعات الدموية التي مزقت الأمة شر ممزق بحيث اصبح توازن القوى هو الحائل الوحيد دون نشوب الحروب العالمية الطاحنة. إذن لابد من الرجوع إلى القاعدة الأساسية التي وضعها الإسلام وطبقها الرسول(ص) ولا تتحقق هذه إلا بزوال ما أمامها من مشاكل وعقبات لذا نرى أن الطريق الأمثل للوصول إلى الوحدة الإسلامية وإعادة العزة للمسلمين جميعاً هو رفع مستوى المسلمين الفكري واطلاعهم على آراء الإسلام ومعارفه التي يحتويها القرآن والسنة النبوية والروايات وسيرة الأئمة(ع) فذلك كفيل بمعالجة المشكلة وسلب الأعداء إمكانية الاستفادة من عوامل الخلاف السالفة الذكر .إن زيادة الوعي الديني والثقافي والعلمي لدى المسلمين هو خير وسيلة لتجنب بروز الخلافات التي تثيرها العوامل المذكورة ولشدة تأثير ذلك كان الإسلام يحث اتباعه دائماً وفي كثير من الآيات على التفكر والتدبر بدقة والتعرف على النفوس وما يحيط بها .إذن لابد أن نضع أيدينا بأيدي بعض من اجل إزالة الغبار عن وجه الإسلام الحقيقي الناصع ليطلع عليه المسلمون .فلو أدرك المسلمون حقيقة الإسلام وما يدعو إليه لما تفرقوا ولأصبحوا اعظم قوة في العالم وارقى الشعوب وانجحها في جميع الميادين.

 

اكتب لنا

اعداد سابقة

العدد 45

الصفحة الرئيسية