مجلــة النبــأ  ــ  العــدد  35  ــ  السنــة الخامســة  ــ  ربيــع الثــاني  1420

الفرق بين 

الدعوة والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

د.محمد عصمت بكر


في العدد الفائت من مجلة «النبأ» ذكرت معنى الدعوة في القرآن الكريم، وفي هذا العدد أذكر إن شاء الله معنى التبليغ والفرق بين كل من الدعوة والتبليغ في المعنى، وفي المجال العملي وإحلال كل من اللفظين في معنى الآخر.

معنى التبليغ

البلوغ، والإبلاغ، والتبليغ بمعنى: الانتهاء، والوصول، والإيصال، والتوصيل إلى غاية مقصودة أو حدٍ مراد، سواء كان هذا الحد أو تلك الغاية مكاناً أو زماناً أو أمراً من الأمور المقدرة معنوياً (1).

ومن هذا المعنى أخذ معنى المبالغة في البيان التي هي الوصول باللفظ إلى أبعد من الحد للمعنى الواقعي.

وما ورد في القرآن الكريم من لفظ «بلغ» ومشتقاته يعود في أصله لهذا المعنى. نحو قوله تعالى:( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه)(2). أي حتى يصل الهدي المكان المخصص له، والغاية أو الهدف هنا مكاني.

ونحو قوله تعالى:( حتى إذا بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك..)(3).

بمعنى حتى إذا وصل إلى الزمن الذي يكون فيه متكاملاً عقلاً وجسداً وهو الزمن الذي يكون قد مضى من عمره أربعون سنة. والغاية كما هو واضح زمانية.

ونحو قوله تعالى:( قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً)(4).

أي أنني قد وصلت إلى الحد الذي لا يقبل عنده عذري. وهو أمر معنوي.

ومن ثم فإن معنى التبليغ المراد بيانه هو إيصال شيء إلى شيء آخر، وغالباً ما يستعمل معنى التبليغ في الأمور المعنوية ويقل في الأمور المحسوسة نحو قولنا: أبلَغت أو بلّغت زيداً رسالة، أو فلاناً إنذاراً.

قال تبارك وتعالى:( أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم)(5).

بمعنى أنني مكلف بأن أوصل لكم رسالات الله وهي تعاليمه وإرشاداته وقد ورد مشتقات لفظ (بلغ) في القرآن الكريم لمقاصد منها:

قوة التوكيد:

( قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)(6).

والحجة البالغة هنا بمعنى الحجة الواصلة إلى الحد النهائي وهذا التعبير يفيد قوة توكيد الحجة.

ومنها الكفاية:

( إن في هذا لبلاغ لقومٍ عابدين)(7).

بمعنى إن في هذا الإنذار والبلاغ ما يكفي من القوة للردع أو الإرشاد.

ومنها قصد الإنذار:

( هذا بلاغ للناس لينذروا به)(8).

بمعنى هذا إنذار للناس، ونفس هذا المعنى جاء في قوله تعالى أيضاً ( بلاغ أفهل يهلك إلا القوم الفاسقون)(9).

بمعنى هذا بلاغ. حذف المبتدأ لتوجيه الاهتمام على الخبر. بمعنى هذا إنذار.

ومما تقدم نصل إلى المعنى المراد من تبليغ الإسلام وهو:

إيصال التعاليم والإرشادات الإسلامية إلى الناس.

( يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واله يعصمك من الناس)(10).

ويمكن أن نستنبط من هذا المعنى العام للتبليغ معنى اصطلاحي، بأن التبليغ الإسلامي هو العرض والتقديم للتعاليم والإرشادات السماوية الإسلامية للناس...

وقبل الدخول في الفرق بين الدعوة والتبليغ يجدر بنا أن نذر الحكم الشرعي منهما على ضوء العقل والنقل.

الحكم الشرعي للدعوة الإسلامية

من طبيعة الإنسان ـ كل إنسان- إنه إذا اعتقد عقيدة معينة وصل إليها بعقله أو تذوقها وأدركها بوجدانه من طبيعته أن يدعو إلى هذه العقيدة فيبني محاسنها ويدرأ عنها ما يعيبها. وهذه طبيعة جُبل عليها الإنسان.

وينطبق هذا على الجماعات. فكل جماعة بنهج حياتي اختارته لنفسها سواء عن طريق الثورات أو عن طريق الإهتداء الذاتي، فإنها تقوم بالدعوة إلى نهجها وعقيدتها فيه فغريزة حب البقاء ليست محصورة في البقاء الجسدي أو المادي، بل تتعداه إلى البقاء المعنوي الذي يتمثل في العقيدة والفكر.

والمنشأ النفس للدعوة يعود إلى النفور والخوف من الوحدة والانعزال، وانفطار الإنسان على غريزة حب الانتماء، لأن الإنسان كما هو معروف خلق بطبعه مدنياً أي أنه خلق اجتماعياً.

فيندفع بغريزة الخوف من الوحدة والعزلة الاجتماعية إلى دعوة غيره إلى ما يؤمن به ويعتقده ليجد فيمن يتبعه وينتمي إليه أنساً وأماناً اجتماعياً.

وهناك عامل نفسي آخر يدفع الإنسان إلى الدعوة وهو عامل الحب الذي يولد الخوف على المحبوب.

وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى هذا العامل النفسي في الدعوة. في قوله تعالى في قصة نوح (ع) :( وهي تجري بهم في موج كالجبال. ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء واستوت على الجودي وقيل بُعداً لـــلقوم الظالمين ونادى نــــوح ربه فقــــــال رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق وأنت أحم الحاكمين)(11).

هذه الآيات من قصة نوح (ع) تبين الدافع في دعوة نوح لابنه فإن حبه لابنه الذي هو من أهله وبضعة منه دفعه إلى دعوته بأسلوب يشوبه الخوف عليه من غضب الله في الدنيا بالغرق والآخرة بالنار.

والخوف المتولد من الحب يظهر بجلاء في الألفاظ والأسلوب ( يا بني اركب معنا) ونداءه بالبنوّة لتذكيره بالعلاقة الروحية بينهما. وقوله ( رب إن ابن من أهلي) أسلوب رجاء واستعطاف يؤكد دافع الحب للخوف على ابنه.

وفي سورة الأحقاف مورد آخر لا يقل في ظهور دافع الحب في الدعوة عن هذا المورد.

( والذي قال لوالديه أُفٍ لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن، إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين)(12).

فإن استغاثة الوالدين بالله ليعينهما في دعوة ابنهما العاق إلى الإيمان وقولهم ( ويلك آمن) أسلوب تغمره المشاعر بالحب لولدهما والخوف عليه من الهلكة وغضب الله.

والدعوة إلى الإسلام لا تختلف عن هذه الفطرة والمشاعر فهي تنطلق من منطلقة ومبنية على نفس القاعدة، إلا أنها تزيد عليه في سمو الهدف وطهارة الوسيلة، فالإسلام هدفه السمو الروحي للإنسان والرقي الفكري للفرد والمجتمع، والدعوة إلى الإسلام تعني الدعوة إلى تلك المثل والمعاني السامية.

والفطرة وغريزة الفرد المسلم تدعوه للدعوة إلى ما يعتقد به، علاوة على ذلك العقيدة التي رسخها في النفوس أتباعه بقول النبي (ص):«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

فالعقل والنفس الروح توجب على المسلمين دعوة غيرهم إلى الإسلام ودعوة بعضهم إلى التمسك به والالتزام بتعاليمه بدافع الحب للآخرين والخوف من الضعف والعزلة ورجاءً في الثواب من الله سبحانه وتعالى ورغبة في إسعاد البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

الأدلة النقلية على وجوب الدعوة

أدلة وجوب الدعوة إلى الإسلام والحث عليها وردت في أكثر من موضع في كتاب الله الكريم أذكر منها على سبيل ذكر الأصرح والأوضح دلالة.

1- قوله تعالى:( إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن»(13).

2- وقوله تعالى:( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكن من المشركين) -(14).

3- وقوله تعالى:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (15).

وجه الاستدلال في الآيتين الأولى والثانية. هو أن حكم وجوب الدعوة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس ضمن الأحكام الخاصة به صلوات الله عليه وآله كوجوب قيام الليل عليه بقوله:( ثم الليل إلا قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا) .

بل يتعدى الوجوب في الآيتين إلى المؤمنين الذين اتبعوه وآمنوا برسالة الإسلام. ويدل على تعد الوجوب قوله تعالى:( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)(16).

وكذلك قوله تعالى:( ومن أحسن قولاً ممن دعا الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) .

فإن أسلوب الحث والتحريض على الدعوة إلى الإسلام، وتفضيل الانشغال بالدعوة عن غير ذلك من انشغالات يدل دلالة صريحة على تعدي وجوب العمل بالدعوة إلى الإسلام العزيز.

وأما الآية الثالثة فدلالة وجوب الدعوة الإسلامية فيها صريحة وقاطعة:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) فدخول لام الأمر على الفعل المضارع المجزوم بها ( ولتكن) يقوّي معنى الأمرية في الجملة.

ونظراً لوجود مقومات أصالة الأمرية في الآية، صيغة الأمر، والاستعلاء والإلــــزام، فالأمر على أصل وضعه وهو لزوم الأمر والإتيان بالفعل وتنجيزه.

نوع الوجوب

بعد بيان حكم الوجوب الشرعي للدعوة يلزمنا البحث عن نوع هذا الوجوب، هل هو وجوب عيني يلزم كل فرد من أفراد المسلمين إن لم يأتي به يأثم كالصلاة اليومية؟.

أم أنه وجوب كفائي إن قام به بعض المسلمين سقط عن الآخرين وإن لم يفعلوا جميعاً أثموا جميعاً كصلاة الجنازة؟.

فقد ذهب أكثر الفقهاء والمفسرين على أن الوجوب للدعوة الإسلامية كفائي وليس عيني وذهبت القلة منهم على انه وجوب عيني. ومنشأ الخلاف ناتج عن اختلاف نظرهم في الآية الشريفة ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير..) .

فالقائلون بالوجوب العيني رأوا أن حرف الجر (من) في قوله (منكم) للتبيين. أي لتبيين الجنس بمعنى: ولتكونوا أمة تدعون إلى الخير، أو بعبارة أخرى، ولتكونوا جنس أمة تدعوا إلى الخير، وكان القصد من حرف الجر (من) تخصيص المخاطبة الإسلامية دون غيرها.

وأما القائلون بالوجوب الكفائي فقد رأوا أن حرف الجر (من) ليس لبيان الجنس وإنما القصد منه التبعيض بمعنى وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وبعبارة أخرى وليكن منكم جماعة تتخصص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو رأي الجمهور من الفقهاء ورأي اغلب المفسرين، والحق معهم إذ يدل على هذا المعنى تخصيص الوجوب بطائفة من المسلمين تتخصص وتتحمل مسؤولية الدعوة وإرشاد الناس وهدايتهم في قوله تعالى:( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )(17).

فقد استثنى الله سبحانه وتعالى من القتال طائفة من كل قبيلة من القبائل التي دخلت الإسلام لتتخصص بالتفقه والتعلم للجهاد في ميدان آخر لا يقل أهمية عن ميدان القتال والجهاد في سبيل الله وهو ميدان الدعوة إلى الإسلام.

فإن شأن الدعوة يحتاج عقلاً إلى فرقة من المؤمنين الرساليين ليتخصصوا ويتزودوا بما يلزم من علم وعقل وفهم وحكمة وبصيرة للتصدي للدعوة إلى الله وسياقة الناس إليه تبارك وتعالى. لأن الداعية لا شك أنه سوف يواجهه معارضات فطرية وعقائدية وجدلية وتساؤلات فقهية وحجج وبراهين، وغير ذلك مما لا يستطيع غير المتخصص القيام بها أو التصدي لها.

ومن ثم فإن وجوب الدعوة الإسلامية وجوب كفائي، ومع ذلك فهناك وجوب آخر يفرضه حق الإسلام على كل فرد ينتمي إليه وهو أن يكون داعيه بسلوكه وأخلاقه وبما يقدر عليه. فإن احترام الإسلام حقه على المسلمين ألا يهينوه أو يشوهوه بسلوكهم، فسلوك المسلم واجهة لدينه ومعتقده. فالمسلم إذا شرب الخمر أو ساير بسلوكه غير المسلمين وتخلق بالخلق السيء فإن ذلك يوحي للفهم الخاطئ للإسلام وشرائعه. وإذا تخلق بأخلاق الإسلام وتعاليمه فإن ذلك مما يحبب الآخرين للإسلام ويرغبوا بالدخول في هديه.

حكم التبليغ

بعد أن بينت حكم الدعوة إلى الإسلام يأتي دور حكم التبليغ الإسلامي.

إن من الملاحظ في الآيات الموجبة للدعوة مثل ما ورد في وقوله تعالى:( وإن تكذبوا فقد كذّب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين)(18).

نجد أن الوجوب كما هو ظاهر في جميع الآيات التي تتحدث عن التبليغ مخصوصة بالرسل صلوات الله عليهم أجمعين وليست متعدية إلى غيرهم، وذلك على خلاف ما جاء في وجوب الدعوة صحيح! إن ذلك لا يعني وقف التبليغ على الرسل فقط. لأن مرحلة التبليغ الديني خاصة الإسلامي منه يكون على مرحلتين المرحلة الأولى هي مرحلة إبلاغه من الله سبحانه وتعالى إلى الناس، وأستطيع أن أعبر عنه بمرحلة التلقّي، وهذه المرحلة لا شك في أنها مقصورة على الرسل الذين يتلقون من الله تعاليمه ثم يبلغونها لمن حولهم من الناس ثم تأتي المرحلة الثانية للتبليغ وهي مرحلة الانتشار، وهذه المرحلة – مرحلة الانتشار – من وظائف أتباع الرسل الذين آمنوا بتعاليمهم، وفي الأمة الإسلامية المكلف بها العلماء باعتبار أنهم ورثته في من تعاليمه ودينه.

فإن من أهم وظائف نشر التعاليم الإسلامية ونشرها بين الناس وهذا هو معنى التبليغ وحكمه الوجوب على العلماء القادرين على ذلك.

ومن هنا يكون حكم التبليغ كحكم الدعوة واجب كفائي.

إلا أن حكم التبليغ واجب على كل عالم وإن لم يكن واجب على كل فرد من أفراد الأمة.

الفرق بين الدعوة والتبليغ

بعد أن بينا معنى الدعوة وحكمها والتبليغ وحكمه يظهر للمتأمل ثمة فوارق بينهما في المعنى والتطبيق العملي.

فحكم الدعوة في القرآن الكريم كما ذكرت سابقاً شمل النبي (ص) وطائفة من المؤمنين الواعين المخلصين.

وأما حكم التبليغ فهو مخصوص بالأنبياء والعلماء بصفتهم ورثتهم. ومن ثم كان الفارق بين الداعية والمبلغ، فالداعية لا يلزمه أن يكون متبحّراً في أحكام الشريعة على عكس المبلغ الذي يلزمه معرفة أحكام الشريعة وأبعادها ومحيطاً بها إحاطة تؤهله إلى تقديمها وتبليغها للناس.

كما أن المبلغ لا يلزمه معرفة الثقافة العامة للشعوب والمجتمعات ولا لغات المجتمعات الأخرى على العكس من الداعية الذي يلزمن معرفة أمور كثيرة سوف نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.

فالدعوة: هي حسن الطلب والتلطف فيه من الداعية لدخول الناس إلى الإسلام أو التمسك به إن كانوا مسلمين قد ابتعدوا عن أصل الإسلام وروحه.

أما التبليغ: فهو حسن العرض لتعاليم الإسلام وتعليمها وإرشاد الناس إليها ومن هنا فإن الدعوة تتقدم على التبليغ في الرتبة. بمعنى الدعوة إلى الإسلام تسبق تبليغ تعاليمه.

وبعبارة أخرى. التبليغ مرحلة ثانية تلي مرحلة الدعوة.

وللتوضيح أكثر امثل لذلك برجل أعدّ وليمة وجهزها للناس. فإن أول ما يقوم به ويفعله هو أن يدعو الناس إليها. وبعد تلبية الدعوة تأتي مرحلة تقديم المائدة.

وهذا هو عين ما أشار إليه الرسول (ص) في معنى ما ورد عنه:«ومثلي ومثلكم كرجل اعدّ وليمة ودعا الناس إليها فمن دخل أكل ومن لم يدخل لم يأكل».

ومع هذه الفوارق التي ذكرتها إلا أن التوافق والمشتركات بين الدعوة والتبليغ أكثر وأعم مما أدى إلى استعمال كل لفظ منهما مقام الآخر وأهم هذه المشتركات هو التداخل بين وظيفة المبلغ ووظيفة الداعية.

الفرق بين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن كثيراً من المفسرين خاصة القدماء منهم لم يفرقوا بين مسألة الدعوة ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوهموا أن المسألتين مسألة واحدة يدرك ذلك من يراجع تفسير الآية الكريمة:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) .

فعلى سبيل المثال نذكر قول ابن كثير القرشي في تفسير الآية نجده يقول:«والمقصود في هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من أفراد الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» انتهى.

وبعدها ساق ابن كثير روايات كلها تتعلق بمسألة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر.

واستشهاده بروايات تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على تفسير آية تشمل الدعوة أيضاً دليل على عدم تفريقه بين المسألتين. لذلك أضربت فتواه بين الوجوب الكفائي الظاهر من الآية وبين الوجوب العيني الظاهر من الروايات.

والحق أن الروايات مدارها حول الأمر بالمعروف وليس الدعوة.

وكذلك ما ذكره جلال الدين السيوطي في )الدر المنثور( لم يخرج عما ذكره ابن كثير وتابعهما على ذلك عدد كبير من المفسرين.

لكن الواقع الذي لا ريب فيه أن ثمة فارق كبير بين مسألة الدعوة، ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهم هذه الفوارق:

1 ـ اختلافهما في الآية الشريفة:

تقول الآية:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..) .

فإن الوصل بين جملة ( يدعون إلى الخير) وجملة يأمرون بالمعروف) بحرف العطف (واو) يدل على تباعد معنى الجملتين وإن كان الفاعل لهما واحد وهذا التباعد بين معنيي الجملتين يظهر الفارق بين الموضوعين، موضوع الدعوة وموضوع الأمر بالمعروف.

ولو كان كل منهما بمعنى الآخر وبينهما وحدة موضوع ما عطفت الثانية على الأولى لأن العطف يشير إلى اختلاف المعطوفات، وتكون الجملة على الشكل التالي (أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، بدون حرف العطف (الواو) وتكون جملة (يأمرون) حينئذٍ بدلاً للجملة قبلها ولكن العطف أكد اختلاف الموضوعين.

2) الاختلاف في المعنى:

فالدعوة إلى الخير الذي هو الإسلام تعني طلب الدخول في هذا الخير بكل جزئياته سواء كانت عقائدية أو تشريعية.

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنوانهما يتعلق بالأعمال وهي جزء من الإسلام، كالفواحش والكبائر والصغائر التي أمر الله بتركها وكالصلاة والصوم وصلة الرحم والبر وعمل الخير وغيرهما مما أمر الله بإتيانها.

3) الاختلاف في الترتيب الطبيعي:

فالدعوة – إلى الإسلام – بحسب الترتيب الطبيعي (المنطقي) مقدمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فبعد دعوة الناس للإسلام ودخولهم فيه تأتي مرحلة التبليغ – كما ذكرت سابقاً – فيصل المسلمون حينئذٍ شرائع الإسلام وتعاليمه. فيتعلم المسلم ما عليه فعله، وما عليه تركه، فإن فعل ما أمر بتركه، أو ترك ما أمر بفعله حينئذٍ يأتي دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4) اختلافهما في ميدان التطبيق:

دائرة الدعوة وميدان العمل فيها أوسع من ميدان الأمر بالمعروف لأن الدعوة ميدانه المجتمعات الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية. وأما الأمر بالمعروف فميدانه المجتمع الإسلامي فقط.

مثال على ذلك:

لو رأينا شخصاً مسيحياً أو يهودياً أو ينتمي إلى دين يبيح شرب الخمر رأيناه يشرب خمراً فإنه لا يحق للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يأمره أو ينهاه.

ولكنه إذا رأى مسلماً يشرب الخمر فعليه أمره ونهيه إذا كان من الآمرين بالمعروف قس على ذلك.

5) الاختلاف في كيفية الأداء:

الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال الحسن، والحوار الهادف ولا سبيل للداعية بعدها على المدعو.

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكون باليد (القوة) إذا كان للآمر سلطان أو اللسان أو الهجران عن الشخص المرتكب للمنكر.

ويكفي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عارفاً بالمعروف والمنكر أما الداعية فيلزمه معارف عديدة وقدرات خاصة.

هذه هي أهم الفوارق بين الدعوة والتبليغ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

(1) بتصرف من مفردات الراغب الأصفهاني: مادة (بلغ).

(2) سورة البقرة: 196.

(3) سورة الأحقاف: 15.

(4) سورة الكهف: 76.

(5) سورة الأعراف: 62.

(6) سورة الأنعام: 149.

(7) سورة الأنبياء: 106.

(8) سورة الأعراف: 52.

(9) سورة الأحقاف: 35.

(10) سورة المائدة: 67.

(11) سورة هود: 42- 45.

(12) سورة الأحقاف: 17.

(13) سورة النحل: 125.

(14) القصص: 87.

(15) سورة آل عمران: 104.

(16) سورة يوسف: 108.

(17) سورة التوبة: 16.

(18) سورة العنكبوت: 18.

إتصل بنا

أعداد سابقة

العدد 35

الصفحة الرئيسية