مجلـــة النبــــأ       العددين (23 ـ 24 )       السنــــة الرابعــــة       ربيع الثاني ـ جماد الأول  1419 هـ

الدعايات السلبية.. أهدافها ووسائلها

مرتضى السعد

(إنّ الذين يحبون أنْ تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ) ( النور: 19)

هنالك اتجاهان متعاكسان للإشاعات أو الدعايات التي وردت في القرآن الكريم:

الاتجاه الأول: هو الاتجاه الإجابي للدعاية أو الدعوة، وهو الدعوة إلى الله تعالى، الدعوة إلى بناء الحياة لا هدمها، الدعوة إلى الحق لا التضليل والتزييف، كما ورد في القرآن الكريم(ولتكنْ منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104).

الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه السلبي؛ وهو الدعوة إلى الباطل والخراب والى الشيطان، كما ورد قوله تعالى (أولئك يدعون إلى النار واللهُ يدعو إلى الجنة)(البقرة: 231).

ويتركز البحث هنا في دراسة الدوافع لهذا الاتجاه وأساليب الدعوة الضالة ونتائجها وعلاجاتها على ما استطعنا أن نحصل عليه.

تعريفها

الدعاية: هي محاولة التأثير في الإفراد والسيطرة على سلوكهم لأغراض مشكوك فيها، وذلك في مجتمع معيّن وهدف معين، هذا في المصطلح(1)، أما في اللغة: فهي مثل الدعاء إلى الشيء: الحثّ على قصده(2) وعلى التعريفين الاصطلاحي واللغوي يتبين في الدعاية عموم الاتجاهين المذكورين آنفاً وهو الدعوة إلى الله والحق والدعوة إلى الباطل ومثله:

الإشاعة: هي النبأ الهادف الذي يكون مصدره مجهولاً وهي سريعة الانتشار ذا طابع استفزازي أو هادئ حسب طبيعة ذلك النبأ، هذا في المعنى اصطلاحي(3). أما في اللغة: الشياع: الانتشار والتقوية، يقال شاع الخير أي كثر وقوي(4). وكذلك هنا، التعريفان الاصطلاحي واللغوي يبينان المعنى العام للإشاعة.

والإشاعة والدعاية هنا يتبين لنا أنه لا فرق بينهما فهما يصبان في معنى واحد وهي الحث على شيء والقصد إليه ولنصطلح على الاتجاه الإيجابي للدعاية بالدعاية الطيبة والاتجاه السلبي لها بالدعاية الخبيثة وكل واحدة مهما تتميز بدوافعها ووسائلها وغاياتها فالأولى تدعو إلى الحق والخير وبالتالي إلى الإسلام إنْ اهتدت والثانية تدعو إلى الباطل والنار.

تاريخها

في التاريخ الروماني القديم واليوناني، عُرفــــت الدعاية منذ فجر التاريخ وكانت الخطابة اليونانية القديمة وسيلة من وسائلها، واعترف أفلاطون بقيمة الخطابة في ميدان الدعاية السياسية، وكذلك كان الشعر عند اليونان القدماء، وكان اعتماد اليونان والرومان القدماء على الشعر كبير جداً، وهم الذين اتخذوا من الشعر الحماسي في كل من (الإلياذة) و(الأوديسّا) وسيلة لإثارة الجماهير وإلهاب مشاعرهم.

أما في المجال الديني فقد لعبت الدعاية دوراً في غاية الخطورة، وفي عهد البابا (غريغور السابع) عقد مؤتمر لنشر الدعاية للمذهب الكاثوليكي، ويقال أن من هذا المؤتمر أخذت كلمة (الدعاية) معناها في اللغات الأوروبية الحديثة.

أما في تاريخ العرب والإسلام فقد كان اعتماد العرب على الشعر في الدعاية أكبر من اعتماد غيرهم باستثناء اليونان والرومان القدماء. وفي التاريخ الإسلامي - وفي الحروب الصليبية بنوع خاص- فقد لعبت الدعاية دوراً أهم واخطر من جميع الأدوار السابقة، ذلك أن فكرة الحرب من حيث هي اشترك في الترويج لها فقهاء الدين عن طريق «القصص الديني» الذي كان يلقى على الجنود في الميدان.

أما في القرن العشرين ومنذ بداية الحرب العالمية الأولى وفي أثناء هذه الحرب ظهرت الحاجة الماسّة إلى (الدعاية السياسية) وتطوّرت الدعاية ذاتها حتى أصبحت عِلماً من العلوم له قواعده وأصوله.

الدعاية الخبيثة أو الأراجيف

سنتناول في البحث هنا التركيز على الدعاية الخبيثة ومحاولة فهم دوافعها ووسائلها ونتائجها وبالتالي تشخيص العلاجات لها، وقد ورد في القرآن هذا المعنى من الدعايات تحت عنوان المرجفون فقال تعالى:(لئن لم ينتهِ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم)(الأحزاب:60).

الرجف: الاضطراب الشديد، والإرجاف: إيقاع الرجفة إما بالفعل وإما بالقول والأراجيف: ملاقيح الضن والملاقيح: النوق التي في بطنها أولادها.

ومن هذا يتبين أن الأراجيف: هي الفتن المخفية داخل إطار الكلمة والتي تحدث في الفرد والمجتمع اضطراباً شديداً وتخريباً، وتأخذ هذه الأراجيف دورها التخريبي في وقت الأزمات السياسية والاقتصادية أو عند الحروب وحالات التوتّر الاجتماعي فينشط المخرّبون ودوائر الدعاية والمضادّة لبث الإشاعات والأراجيف الباطلة في سبيل تحطيم معنويات الأمة وإثارة الخوف والقلق والبلبلة والشك، وقد حدثت هذه الحروب النفسية في عهد الرسول (ص) في مجتمع المدينة إذ كان المنافقون واليهود يبثون الأراجيف وسط المجتمع في المدينة والقوم بعد جديدو عهد بالإسلام، لذلك هدّد القرآن طابور المرجفين بالعقاب وتطهير المجتمع من أساليبهم لأنها أداة فساد في المجتمع وفتنه.

من دوافع الدعايات الخبيثة

1/ ( ومنْ يكسبْ خطيئة أو إثماً ثم يرمِ به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا) (النساء:112)، فالخطيئة ههنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله(5). اكتساب الخطيئة: سواء أي خطأ في أمر دينه أو دنياه لا عن قصد إلى فعله كما يذكر في اللغة، فذلك الإنسان يحاول أن يدفع بالخطيئة إلى غيره فيكون قد قصد الخطيئة ههنا وقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا، فيحاول أن يرمي بها شخصاً بريئاً ويشيعها عليه إما لخوفه من العقوبة أو لمحاولة إشراك الناس في خطيئته.

2/ ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند اللهِ عظيم) (النور: 15).

اللغو واللامسؤولية في الكلمة دافع من دوافع الدعايات الخبيثة، البعض من الناس تراه محبّاً للحديث في أي جانب من جوانب الحياة وكأنه الكشكول الناطق، فمهنته الثرثرة يأخذ من هنا وهناك وينقل الإشاعات السلبية وهو لا يعلم ما يقول سوى علمه بأنه يتكلّم ويريد أن يتكلّم وينبعث هذا من الإحساس بالفراغ والتعويض عن الفشل في الغالب.

3/ الظن والتسرّع: قد يقوم بعض الناس لمجرّد سماعهم لقضية معينة بنشرها وترويجها وهم بعد لم يحرزوا العلم بها وإنما ظنوا فحكموا وتسرّعوا في إشاعتها وفي هذا قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنّ بعض الظنِّ إثمٌ) (الحجرات:14)، وعن رسول الله (ص): «والتسرّع من سلاح الشياطين»(6)، ويقول الشاعر:

تأنّ ولا تعجل بلومك صاحباً            لعلّ له عذراً وأنت تلوم

4/ الحالة النفسية المضطربة: ومن مصاديقها عدم الارتكاز إلى قاعدة فكرية ثابتة وفقدان الموازين الفكرية وكذلك القاعدة الاجتماعية ومنها الفطن، والحيرة والشك تدعو هذه الحالة الإنسان إلى تقبّل الأفكار دونما تفحّصها وتمحيصها وينقلها على لسانه بحالة فاترة من الشعور فيصبح بذلك مطية الأغراض السلبية من حيث لا يشعر.

5/ المحافظة على الحكم والمصالح: وهي من أهم الدوافع لإثارة الإشاعات الخبيثة حيث تدعمها الحكومات الجائرة من اجل تثبيت سلطانها ومصالحها بكل الوسائل والإمكانيات المادية والمعنوية.

6/ تأثير العقل الجمعي: تدعو المرء إلى نقل الإشاعة والتصديق بها بفعل هذا التأثير، ولهذا أشار الإمام أبو عبد الله (ع) إذ نقل عنه: «انه قال لرجل من أصحابه لا تكوننّ إمعة تقول: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس»(7)، إمعة: مخفف: أنا معه.

7/ الشعور بالنقص: يحاول صاحب الشخصية الضعيفة في المجتمع ونتيجة شعوره بالنقص وعدم اهتمام الغير له فيحاول هذا أن يتقنّص الأخبار الغريبة ويطرحها على المجتمع حتى يلفت أنظار الناس إليه (والناس بطبعهم ميّالون إلى الجديد) فيشعر أن هذه الإلتفاتة قد أعطته مكانة في المجتمع، وأشار إليها القرآن ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون) (الأحزاب:60)، فهنا قد يكون (الذين في قلوبهم مرض) مشيراً إلى أهل الشعور بالنقص ويجعلهم مصداقاً من مصاديقها.

8/ حبّ الجديد والثورة على الواقع المعاش ومحاولة تجديده وقد تدعو بالبعض إلى إثارة الإشاعات والأفكار الموهومة والباطلة في سبيل إرضاء هذه النزوة طبعاً هذا فيما إذا كان الواقع المعاش على الحق فتكون الثورة على الباطل.

9/ الحقد: يدفع الحقد الذين في قلوبهم مرض بإثارة الإشاعات السلبية حول الناس الذين يحقدون عليهم وقد يكون حول أمة بكاملها أو دين سماوي فيقول القرآن ( إن الذين يحبون أن تشيعَ الفاحشة في الذين آمنوا) (النور:16).

ومن خلال ملاحظة هذه النقاط التسع في الدوافع للدعايات السلبية نجد محورين تتمركز عليهما هذه النقاط وهما:

1) محور الهوى: كثيراً ما يدفع الهوى إلى إثارة الإشاعات السلبية إرضاءً للهوى، كالحقد والشعور بالنقص والظن وما إلى ذلك.

2) محور الطاغوت: وهذا المحور الطاغوتي نستطيع أن نعتبره هو العامل الماورائي الأساس في إثارة الدعايات الخبيثة لتحقيق مآربه السلطوية والمصلحية ويمكن أن نلاحظ هذا على مرّ تاريخ البشرية ممّا لا مجال لذكرها هنا، وإنما نذكر ما جاء في القرآن الكريم في تبيين الأدوار التخريبية للهوى والطاغوت في النفس والمجتمع:

( ولا تتبعْ الهوى فيضلّك عن سبيلِ الله) (ص:26).

( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أنْ اعبدوا اللهَ واجتنبوا الطاغوت) .

( والذين اجتنبوا الطاغوت أنْ يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البُشرى فبشّر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) (الزمر:17-18).

أنواع الدعايات

1/ الدعاية البيضاء: هي الدعاية المكشوفة غير المستورة وهي عبارة عن النشاط العلني من اجل هدف معيّن كما يكون ذلك في الصحف والإذاعة ووسائل الاتصال بالجماهير.

2/ الدعاية السوداء: وهي الدعاية المستورة، وتقوم عادة على نشاط المخابرات السرية، ولا تكشف الدعاية السوداء مطلقاً عن مصادرها الحقيقية، ولكنّها تتوالد وتنمو بطريقة سرية.

3/ الدعاية الرمادية: وهي الدعاية التي لا تخشى من أن يقف الناس على مصادرها الحقيقية، ولكنها تختفي وراء هدف من الأهداف، ويعبّر عنها بالدعاية غير المباشرة، والدعاية غير المباشرة أقوى تأثيراً بدون شك من الدعاية المباشرة.

من وسائل الدعايات: أن وسائل الدعايات كثيرة ولكن نذكر بعضها:

الجهال في المجتمع.

الإذاعة والتلفزيون.

الصحف والمجلات والكتب.

العملاء والجواسيس.

مرضى النفوس.

المناشير.

مراكز التربية والتعليم.

رياض الأطفال.

مراكز الشباب الرياضية.

الملابس والديكورات.

المسرح.

وغيرها..

ومعلوم أن بعض هذه الوسائل هي كالسيف قد تكون لك وقد تكون عليك إلا أننا نذكر الوسائل بشكل عام ويبقى الهدف من ورائها والأيادي التي تحركها هي التي تحكم عليها بالإيجاب أو السلب.

من أساليب الدعايات

1/ أسلوب النكتة: وللنكتة اثر كبير في الرأي العام وخاصة في الشعوب التي تميل بطبيعتها إلى ذلك، وقد يحدث أحياناً أن يكون لبعض النكات تأثير في الرأي العام اكبر واعمق من تأثير المقالات الصحفية والأحاديث الإذاعية، ولذلك تعني البلاد المعادية دائماً بجمع النكات ذات الهدف السياسي.

2/ أسلوب التكرار: فالدعاية السياسية أو الاجتماعية لا غنى لها مطلقاً عن التكرار وهي وسيلة من وسائل تثبيت المعلومات المراد إشاعتها بين الجماهير، ونحن عندما نعدّد هذه الأساليب قد لا تخص فقط الدعاية السلبية فقد تتعداها إلى الدعاية الطيبة الداعية إلى الحق.

3/ الأسلوب الديني: يستعمل مثل هذا الأسلوب وهو خطر جداً إذ ينفذ إلى الأمة من أعماقها من عقائدها ويحاول ضربها ونسف كيانها العقائدي وتحقيق مصالحهم وفق ما يشتهون إذا ملكوا الأداة لتسيير الأمة.

4/ أسلوب الاستضعاف والاستعطاف: ويستعمل هذا الأسلوب بغية التأثير في نفوس المقابل، وعليه تعتمد الصهيونية كثيراً في نشر دعاياتها ضد الدول العربية في ربوع أمريكا، ومثاله، استخدمت الصهيونية عبارات مؤثرة في نفوس الشعب الأمريكي مثل قوله (أعطونا لنعيش)، ومع هذه العبارة رسم طفلاً صغيراً يريد طعاماً فلا يجده، بذلك يستدرّون عطف الأمريكيين ويستجدون عطاءهم.

5/ الشعارات: وهي عبارة عن الكلمات البسيطة التي تصدر عن الزعماء في كل حركة من الحركات السياسية والاجتماعية ثم يرددها الشعب نفسه وربما تدخل الأناشيد والقصائد الشعرية والأغاني كواحد من مصاديقها أيضاً.

6/ أسلوب منطاد الاختبار أو جس نبض الرأي العام: ويكون ذلك غالباً عن طريق الإشاعات وإطلاقها بين الناس في وقت معين، ثم القيام بتحليل الرأي العام بالنسبة لهذه الشائعات، فإذا اثبت التحليل نجاحها ذاعت وتكررت، وإذا اثبت فشلها عدل عنها إلى غيرها وهكذا.

7/ أسلوب الكذب والاختلاق.

8/ الصورة الكاريكاتيرية: وتستخدم للنفاذ إلى العقل بدون عناء، وهي وسيلة مختصرة ولكن عميقة الدلالة والأثر.

9/ الأسلوب الاستنكاري: هو أن تطرح الإشاعة بلهجة استنكارية تثير لدى الإنسان تحفّزاً استنكارياً مقابلاً لمعرفة الحقيقة واستنكارها، وثم يأتي الأسلوب الإثباتي، وهو تثبيت امتداد الأسلوب الأول حيث أن إيجابية رد الفعل في الأسلوب الأول هو تقرير معلومات الإشاعة لحقيقة ثابتة.

10/ ومن الأساليب الحديثة في تمرير الإشاعة هي محاولة خلق عدو وهمي للأمة، يحاول أن يفترس الأمة في أية لحظة (وهماً)، وهنا يصبح من الميسور إصدار مختلف أنواع الإشاعات بشكل مهوّل وفي أي وقت، وهذا أسلوب يستخدمه الزعماء الديكتاتوريون في الغالب إذ يصنعون أمام نظر الشعب عدواً كبيراً وخطيراً ليروا سياساتهم الخاطئة ويصرفوهم إليه بدلاً من قضاياهم المصيرية.

11/ الأسلوب العلمي: يحاول البعض أن يطرح الدعاية بأسلوب يدّعي أنه علمي ويتفلسف في الكلام في سبيل جلب ثقة المقابل بأنه عالم وفاهم فيتقبل منه الإشاعة برحابة صدر.

12/ أسلوب الاحتواء: وهو محاولة إفهام المقابل انه على رأيه ومذهبه وبعد أن يطمئن إليه يبدأ المشيع ببث أفكاره شيئاً فشيئاً فلا يجد معارضة من الطرف المقابل في تقبّل رأيه لأنه وثق أن المشيع معه في المبدأ والفكرة بينما المشيع يحاول تمرير إشاعته وأفكاره بهذا الأسلوب، ويشير القرآن إلى مثل هؤلاء الناس بقوله: ( ومن الناس مَنْ يقول آمنّا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسَهم وما يشعرون) (البقرة: 8-9).

13/ أسلوب التربية والتعليم.

من مميزات الإشاعة الناجحة

1/ احتواؤها على جزء من الحقيقة، وهذا الجزء هو النواة الأساسية لبناء الإشاعة وانتشارها.

2/ تنشط الإشاعة في الأوساط التي تعاني خنقاً فكرياً عنيفاً حيث تقل مصادر الأنباء الحقيقية.

3/ تستثمر الإشاعة في هذا الوسط لخدمة أهداف معينة.

من آثار الإشاعات في المجتمع وغاياتها

1/ وسيلة لتمزيق معنويات الطرف المقابل.

2/ ستار لحجب الحقائق.

3/ تحطيم مصادر الأخبار الحقيقية.

4/ طعم للحصول على الحقيقة، حيث تشاع أنباء كاذبة عن موضوع معين بقصد الحصول على الأنباء الصحيحة عنه.

5/ تشتيت المجتمع إلى فرق متناحرة وإرباك الرأي العام.

6/ فصل الأمة عن الدين وإشاعة روح التحلل والفساد الأخلاقي فيها وتربيتها من خلال تناول الإشاعات على الكذب والبهتان واللغو والسخرية وما إلى ذلك من العادات السيئة.

من المعالجات

ونشير هنا إلى بعض المعالجات لمشكلة الإشاعة:

1/ اجتناب الطاغوت: ونستقي هنا المعالجات من الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أنْ اعبدوا اللهَ واجتنبوا الطاغوت) ، وقال تعالى: ( والذين اجتنبوا الطاغوت أنْ يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشّرْ عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك هم أولوا الألباب) (الزمر: 17-18)، عن رسول الله (ص): «مَنْ رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

لكي نواجه الدعايات السيئة التي هي مصداق من مصاديق المنكر التي يبثّها الطاغوت في المجتمع علينا أولاً أن نتحذّر فعله هذا بقلبنا ثم نحرك به لساننا فإذا لم ينفع ولم يرتدع الطاغوت فعلينا أن نواجه الطاغوت ونحاربه بما أوتينا من قوة فإنْ كان ذلك مدعاة للهلاك دون النصر فعلينا أن نجتنبه ونضمر له ولفعله البغضاء في قلوبنا وعدم الركون إلى الطاغوت ومجالسته ومجالسة اتباعه ولكل ذلك موازين في كتب الفقه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي كتب الحديث، أما إذا لم يستطع الإنسان المسلم أن يتحرك بأي أسلوب في ظل نظام الطاغوت فعليه أن يهاجر إلى بلاد أخرى يستطيع معه أن يمارس أعماله العبادية وينشر الإسلام ويخرج من جو ذلك المجتمع المريض الذي قد ضيق الطاغوت عليه الخناق ويبثّ فيه ما يشاء من الدعايات السلبية والافتراءات على الإسلام والحق فيه مغبون، فإن البقاء في مثل هذا الجو المريض يخلق حالة من التطبّع والألفة مع هذا المجتمع المريض التابع للطاغوت فتنفذ إلى المؤمن أفكار مجتمعه باللاشعور حتى يتطبّع عليها شيئاً فشيئاً بما كان يكفر به والى ذلك تشير الآية الكريمة ( إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللهِ واسعةً فتهاجروا فيها) . إذاً السبيل الأخير للمؤمن للتخلّص من الطاغوت ودعاياته الخبيثة هو الهجرة.

2/ الهوى: وردت كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة في معالجة الهوى المؤدي إلى إثارة الإشاعة والشغب داخل المجتمع الإسلامي، قال تعالى ( ولا تتبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله) (ص:26)، ولعلّنا نتمكن من السيطرة على الهوى إذا خطونا بعض الخطوات هي:

أ) في معالجة الحق: عن أبي عبد الله (ع): «مَن روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان»(8) هذا إنذار للإنسان حتى يرتدع عندما يرى جزاءه في الآخرة النار فيرتدع من نفسه أما إذا سمعه المؤمنون الآخرون وهو يتحدث بهذه الأحاديث المسقطة فعليهم أن يردعوه عن فعله طبقاً لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ب) عدم مجالسة الأشرار: عن أمير المؤمنين(ع): «مجالسة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار»، وعن الصادق(ع): «من رأى أخاه على أمر يكرهه فلم يرده عنه وهو يقدر عليه فقد خانه، ومن لم يجتنب الأحمق أوشك أن يتخلّق بأخلاقه»، وسئل أمير المؤمنين (ع): «أي صاحبٍ شرّ؟ قال: المزين لك معصية الله»، وعن أبي عبد الله (ع) قال: «قال رسول الله (ص): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يُسبّ فيه إمام ويُغاب فيه مسلم، إنّ الله يقول ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) (الأنعام: 68)»(9).

ج) عدم السماع إلى الجهال وأهل الباطل: قال أمير المؤمنين (ع): «قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل»(10). وعن أمير المؤمنين (ع): «أيها الناس من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الناس أما انه قد يرمي الرامي ويخطئ ويحيل الكلام وباطل ذلك يبور، والله سميع شهيد، أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع، فسئل عن معنى هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه، ثم قال:الباطل أن تقول سمعت، والحق أن تقول رأيت»(11).

د) عدم التسرّع في الكلام والاتهام: عن الإمام علي (ع): «مَنْ أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون»، وعن رسول الله (ص): «.. فإياكم والعجلة إلى أحد فلعلّه مؤمن وأنتم لا تعلمون وعليكم بالأناة واللين، والتسرّع من سلاح الشياطين، وما من شيء أحبّ إلى الله من الأناة واللين»(12).

هـ) عدم التكلّم بدون علم: عن علي بن الحسين (ع): «.. وليس لك أن تتكلم بما شئت لأنّ الله عزّ وجل قال ( ولا تقفُ ما ليس لك به علم) (الإسراء: 36)، ولأن رسول الله (ص) قال: رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو صمت فسلم»(13).

و) رد النكتة: فبدلاً من أن يضحك الرد للفكاهة التي تستهدف التحريف والباطل يستطيع أن يردّ الفكاهة على أذن قائلها ويعلمه كيف أن بعض الناس يصبحون كالأجهزة الميكانيكية تتقبل المعلومات وتنقلها بلا تعمد أو وعي.

ز)السعي الدائم للدفاع عن حيثيات المؤمنين وردّ الشبهات الموجهة إليهم من المغرضين.

هذا بعض الشيء عن الدعايات السلبية ولا يسع المجال لتفصيل ذلك فنرجئه إلى وقت آخر.

(1) الأعلام والدعاية: الدكتور عبد اللطيف حمزة.

(2) مفردات الراغب الأصفهاني.

(3) الرأي العام الإسلامي: زهير الأعرج.

(4) مفردات الراغب.

(5) المصدر السابق.

(6) بحار الأنوار: ج75/ص148.

(7) معاني الأخبار: الشيخ الصدوق.

(8) بحار الأنوار: ج75/ص168.

(9) المصدر السابق: ج74/ص190ـ195.

(10) المصدر السابق: ص198.

(11) المصدر السابق: ج75/ص197.

(12) المصدر السابق: ص148ـ151.

(13) المصدر السابق: ج74/ص193.