صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن "سلسلة ترجمان" كتاب الشعبوية والسياسة العالمية: سبر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود، وهو من تحرير فرانك ستنغل وديفيد ماكدونالد وديرك نابرز، وترجمة محمد حمشي. يقع الكتاب في 532 صفحة، ويشتمل على إرجاعات ببليوغرافية وفهرس عام.

يدعو الكتاب إلى الاهتمام أكثر بالكيفية التي تؤثر بها الشعبوية في السياسة العالمية، مثل السياسة الخارجية، أو الصراع الدولي، أو التعاون الدولي، أو النظام العالمي؛ حيث ينطلق المساهمون من الحجة التالية: بما أن للشعبوية عواقبها على السياسة الداخلية، فمن المنطقي افتراضُ امتدادها إلى السياسة الدولية، ولا سيما أن الحدود بينهما أصبحت غير واضحة مع صعود النزعات القومية والحمائية والشعبوية المعادية للتعاون الدولي وللمؤسسات الدولية منذ بداية عام 2020، حين كان يفترض بالعالم التعاون في مواجهة جائحة كورونا.

ويسعى إلى ردم الهوة بين دراسات الشعبوية وحقل العلاقات الدولية، من خلال التركيز على جانبَيْن أساسيَيْن، هما: تسييس السلطة الدولية وتعبئة الناخبين ضد قضايا دولية مثل التعاون والاندماج الدوليَيْن والمؤسسات والترتيبات ما فوق الوطنية، والتفاعل العابر للحدود بين الشعبويين، حركاتٍ وأحزابًا وزعاماتٍ فردية.

قضايا نظرية في بحوث الشعبوية العالمية

يقدم القسم الأول من الكتاب المقاربات النظرية لدراسة الشعبوية والسياسة العالمية. فيستكشف يان زيمان في فصله الافتتاحي إمكانيات مشروعٍ شعبوي عالمي؛ إذ في حين يُنظَر إلى الشعبوية بصفة عامة على أنها متشابكة مع القومية nationalism، يتساءل زيمان عما إذا كان مفهوم الأمة nation يُعَدُّ جزءًا ضروريًا من طرائق التعبير في الشعبوية. ويشدد على أن التركيز على الشكل أكثر من المحتوى يمكّننا من تصور الشعبوية خارج حدود الدولة-الأمة. فيخلص إلى أن حركة شعبوية عالمية قد تكون جزءًا من الحل في مواجهة تحديات معاصرة كالتغير المناخي أو الأزمات الاقتصادية.

ومن زاوية نظرية مختلفة، تحلل ماريا إسبيرانزا كاسولو دور الزعامة الشعبوية، وتحاجّ بأن ثمة العديد من النصوص الخطابية المتاحة اجتماعيًّا التي يمكن أن تتوسط المجال بين المستويين الاجتماعي والفردي؛ فالقادة الشعبويون يقدمون أنفسهم بوصفهم رجالًا عسكريين وطنيين، أو زعماء حركات اجتماعية، أو رجال أعمال غير أنانيين. ويخلص الفصل إلى أن الانتشار العالمي لهذه النصوص تتولد عنه إمكانات مختلفة لمشاريع شعبوية.

ويحلّل بريشوس شاترجي دودي وريس كريلي العلاقة بين الشعبوية ووسائل الإعلام العالمية، ويبتكران نموذجًا بديلًا للنظر إلى الشعبوية بوصفها "نظام اتصال عابرًا للأوطان"، بحيث يطبقانه، بعد تطويره، على ثلاث حالات إمبريقية، هي: الوسائط القديمة legacy media، والحركات السياسية المعارضة، والبث الدولي.

الشعبوية والسياسة الخارجية

ينقل القسم الثاني من الكتاب التركيز إلى السياسات الخارجية الشعبوية، مع جملة من دراسات الحالة المقارنة، إضافة إلى مجموعة من التأملات النظرية. أولًا يبدأ ديرك نابرز وفرانك ستنغل بنظرة عامة على سياسة ترامب الخارجية. ويقدم الباحثان مفهوم الممارسات المترسبة sedimented practices بوصفه مفهومًا نظريًّا في مجال الخطاب، ويستعملان في ذلك خطابات الحملة الانتخابية والبيانات المتعلقة بالسياسة الخارجية للرئيس الأميركي الخامس والأربعين أمثلةً توضيحية. ويُجري نابرز وستنغل تحليلًا للخطاب مستوحًى من نظرية خطاب ما بعد البنيوية ونظريات الشعبوية.

في المقابل، يلقي براين بود الضوء على الكيفية التي تُبنى بها في كندا المظاهر المعاصرة للشعبوية بصورة مشتركة co-constructed على الرغم من ضروب من الأداء المعياري ذي الطابع الجندري. ويركز خاصة على حملة الزعامة الانتخابية الفاشلة التي قادتها عضو البرلمان من حزب المحافظين، كيلي ليتشKellie Leitch، وحاولت من خلالها نشر أشكال أصلانية من الشعبوية المعادية للمهاجرين بغرض استمالة ناخبي حزبها. ويشير بود، من الناحية النظرية، إلى أن هذا النوع من الخطاب فشل في كندا على الرغم من أنه حقق نجاحًا كبيرًا في الولايات المتحدة، ما يشي بأن انتشار الشعبوية من دولة إلى أخرى ممكن في ثقافات سياسية متمايزة.

يقدم غرانت بورير، في الفصل السابع من الكتاب، دراسة منهجية للشعبوية والسياسات الخارجية لبلدان أميركا اللاتينية. ويركز على سياسات الدفاع والتجارة للتأكد مما إذا كانت الرئاسات الشعبوية قد أحدثت انعكاساتٍ جوهريةً، وعبر دراسات مقارِنة طولية longitudinal مبتكرة من أميركا اللاتينية المعاصرة.

ويركز دانييل فاينر بدوره على قضايا أميركا اللاتينية ليبحث في الأنماط المحتملة لصوغ السياسات الخارجية وتنفيذها بين الأنظمة الشعبوية خلال الفترات المعروفة بـ "الشعبوية الكلاسيكية" (بين ثلاثينيات القرن العشرين وخمسينياته)، و"الشعبوية النيوليبرالية الجديدة" (بين ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته)، و"الشعبوية التقدمية الجديدة" (منذ بداية القرن الحادي والعشرين إلى الآن). وحين يحلل فاينر هذا التباين عبر الزمان والمكان، يكشف عن نزعة بين الأنظمة الشعبوية في أميركا اللاتينية لدعم السياسات الإقليمية والعالمية من خلال التمكين لوشائج التضامن القائمة على الهوية.

ثم يقدم ديفيد ماكدونالد نقدًا للمقارنات المضلِّلة التي تُعقَد غالبًا بين الشعبوية والتعددية. ويستخدم حالة الحزب السياسي نيوزيلندا أولًا New Zealand First وزعيمه ونستون بيترز Winston Peters ليثبت أن الأحزاب الناجحة انتخابيًّا والأحزاب ذات الصلة بها غالبًا ما تقارب الشعبوية بوصفها أسلوبًا يمكن إما نشرُه وإما التقليل من شأنه بحسب ما يقتضيه الوضع.

هناك تركيز على حالة فريدة من الشعبوية، يروج لها زعيم من السكان الأصليين، الماوري Maori، وتكتل حزبي يقوده السكان الأصليون.

ويستند ثورستن فويتشفسكي، في الفصل العاشر، إلى إطار نظري ما بعد بنيوي لتحليل الخطاب من أجل فهم الكيفية التي يستخدم بها الحزب الهندوسي القومي في الهند (بهاراتيا جاناتا، BJP)، وزعيمه نارندرا مودي Narendra Modi، السياسة الخارجية موقعًا لبناء تحالف انتخابي شعبوي والمحافظة عليه. وعلى نقيض الفهم الشائع للأيديولوجيا باعتبارها "تشويهًا للواقع"، يحاجّ فويتشفسكي بأن البُعد الأيديولوجي للشعبوية يكمن في إخفاء الطابع الخطابي لما يتبدّى لنا واقعًا اجتماعيًا، والاستحالة الناتجة من تشكيل موضوع مكتمل من مثل مصطلح "الشعب".

الشعبوية والسياسة الدولية

يركز القسم الثالث من الكتاب على الأبعاد العالمية والدولية لصعود الشعبوية، فتقيّم مساهمة روبرت باتمان كيف أثبت النظام الليبرالي أنه أكثر مرونة في مواجهة ضغوط القوى القومية والشعبوية مما تصوَّر كثير من المراقبين. ويؤكد باتمان أن التأثير الرئيس لِما بعد الحقيقة في الشعبوية post-truth populism قد لا يكون وضع نهاية للعولمة، بل تكثيف الجهود الليبرالية لمعالجة سلبياتها، ومنها الصراعات المدنية المتفاقمة، والتدهور البيئي، واللامساواة المتصاعدة.

وعبر مقاربة مختلفة إلى حدّ ما، يفحص شين ماركوفيتز صعود الشعبوية باعتبارها ظاهرة سوسيومادية. ويوظف في ذلك استبصارات من خطاب الكيانات المعدَّلة وراثيًا في الاتحاد الأوروبي. ويستكشف الكيفيات التي تنشأ من خلالها الخطابات الشعبوية بشأن هذه القضية، لا عبر البلاغة التي تسبغ سياق الانتخابات الإقليمية والوطنية فحسب، بل أيضًا عبر مجموعة من الكيانات والقوى المادية والطبيعية والتكنولوجية.

أخيرًا، تبحث إيمي سكونتْشني في العلاقة بين الشعبوية والتجارة العالمية عبر تمحيص النقاشات الدائرة حول الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP والتجارة الأميركية مع الصين والمكسيك. وتدرس دور العواطف في السرديات الشعبوية المعادية للتجارة لأجل تطوير فهمٍ للأسئلة التالية: لماذا تكون الشعبوية قوية عاطفيًا؟ وكيف؟ وما الذي يدفع هذه السردية بالذات إلى الاندماج مع النزعة الحمائية المعادية للتجارة؟

وفي الخاتمة، يؤلِّف ستنغل وماكدونالد ونابرز بين الحجج المختلفة التي يضمّها الكتاب بين دفتيه، ويقدمون أجندة أولية خاصة بالبحث المستقبلي في مجال الشعبوية والسياسة العالمية.

الكتاب: الشعبوية والسياسة العالمية: سبر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود
تحرير: فرانك ستنغل، ديفيد ماكدونالد، ديرك نابرز
فرانك ستنغل، متخصص في علم الاجتماع السياسي الدولي والنظرية السياسية والاجتماعية.
ديفيد ماكدونالد، أستاذ كرسي العلوم السياسية وبحوث القيادة في كلية العلوم الإنسانية الاجتماعية والتطبيقية، في جامعة غويلف في كندا.
ديرك نابرز، حاز الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة مونستر في ألمانيا. أستاذ متفرغ في علم الاجتماع السياسي الدولي في جامعة كيل
ترجمة: محمد حمشي
اصدار: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-سلسلة ترجمان
عدد الصفحات: 532 صفحة

اضف تعليق