بقلم: ريتشارد هاس

نيويورك ــ في مثل هذا الشهر قبل خمس سنوات، نُـشِـر كتاب لي بعنوان "عالَـم في فوضى". كانت الفرضية التي طرحها الكتاب تتلخص في أن نهاية الحرب الباردة لم تكن إيذانا ببدء عصر يتسم بقدر أعظم من الاستقرار، والأمان، والـسِـلم، كما توقع كثيرون. فبدلا من ذلك ظهر عالَـم حيث أصبحت الـغَـلَـبة للصراع وليس التعاون.

انتقد بعض الناس الكتاب في ذلك الوقت على أنه سلبي ومتشائم على نحو مفرط. الآن، بعد الأحداث التي شهدتها تلك السنوت الخمس، فربما يستحق الكتاب الانتقاد بسبب تفاؤله النسبي. لقد أصبح العالَم الآن مكانا أشد فوضوية مما كان عليه قبل خمس سنوات ــ وأغلب الميول والنزعات تسير في الاتجاه الخاطئ.

الواقع أن الفجوة بين التحديات والاستجابات على المستوى العالمي ضخمة ومتنامية. كشفت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) عن أوجه القصور التي تعيب الآليات الصحية الدولية. ونحن ندخل الآن عامنا الثالث من الجائحة، ومع ذلك لا نزال نجهل أصولها ومنشأها، بسبب المماطلة الصينية.

ما نعرفه هو أن أكثر من خمسة ملايين من البشر، وفي الأرجح خمسة عشر مليونا، فقدوا حياتهم. ونعرف أيضا أن نحو ثلاثة مليارات إنسان (كثير منهم في أفريقيا) لم يتلقوا حتى الآن ولو جرعة واحدة من لقاح كوفيد-19. كما نعرف أن الجائحة المستمرة تسببت في تقليص الناتج الاقتصادي العالمي بما يعادل تريليونات الدولارات.

ويستمر زحف تغير المناخ. لقد أصبح العالَـم بالفعل أكثر دفئا بما يزيد عن درجة مئوية واحدة مقارنة بما كان عليه عند بداية الثورة الصناعية، وهو في طريقه لأن يصبح أكثر دفئا. وأصبحت أحداث الطقس الشديدة القسوة أكثر تواترا. وارتفعت مستويات استخدام الوقود الأحفوري.

تعهدت الحكومات بتحسين أدائها، لكن أداءها لم يتضح بعد؛ في بعض الحالات، بما في ذلك الصين والهند، وهما أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان، كانت التعهدات جديرة بالملاحظة بسبب افتقارها إلى الطموح وحس الإلحاح والضرورة العاجلة.

ويظل الفضاء السيبراني (الإلكتروني) أشبه بالغرب المتوحش، حيث لا يوجد مأمور على استعداد لوضع حدود للسلوك المقبول أو قادر على ذلك. لن نجد حتى أي قدر من التظاهر بالتعاون العالمي. بل نرى بدلا من ذلك التكنولوجيا تتفوق على الدبلوماسية، حيث تبذل الحكومات الاستبدادية جهودا كبيرة لتطويق مجتمعاتها بالجدران في حين تنتهك فضاء الآخرين السيبراني لزرع بذور الفتنة السياسية أو سرقة التكنولوجيا.

ويستمر الانتشار النووي. فقد زادت كوريا الشمالية من حجم ترسانتها النووية كما ونوعا ونجحت في تحسين مدى ودقة توجيه صواريخها. وفي أعقاب القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة من جانب واحد في عام 2018 بالخروج من الاتفاق الذي وضع سقفا مؤقتا لقدرات إيران النووية، انتقلت الجمهورية الإسلامية من كونها على بُـعـد عام واحد من امتلاك سلاح نووي إلى ما لا يتجاوز بضعة أشهر أو حتى أسابيع.

وأصبح التنافس بين القوى العظمى أشد وضوحا من أي وقت مضى منذ الحرب الباردة. فقد تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بسرعة بالغة، ويرجع هذا في الأغلب إلى القمع الصيني المتزايد في الداخل، والاحتكاكات التجارية والاقتصادية، فضلا عن قوة الصين العسكرية المتنامية وسياستها الخارجية المتزايدة العدوانية. وعلى خلفية المنافسة الاقتصادية المتزايدة الحدة والصراع المحتمل بشأن تايوان، لم يعد من الواضح ما إذا كان البلدان قادرين على التعاون بشأن تحديات عالمية مثل الصحة العامة وتغير المناخ.

ربما يكون بوسعنا أن نزعم أن روسيا أصبحت أشد سُـخطا على النظام العالمي. فبعد مرور ثلاثة عقود من الزمن منذ انتهت الحرب الباردة، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، الذي يبدو مستقرا في السلطة في المستقبل المنظور، إلى وقف توسع حلف شمال الأطلسي أو عكس اتجاهه إن أمكن. لقد أثبت بوتن أنه لا يجد غضاضة في استخدام القوة العسكرية، وإمدادات الطاقة، والهجمات السيبرانية، لزعزعة استقرار البلدان والحكومات التي يرى أنها عدائية. وهدفه المباشر هو أوكرانيا، لكن التحدي الاستراتيجي الذي تفرضه روسيا في عهد بوتن بات أوسع كثيرا.

لا يخلو الأمر أيضا من تطورات أخرى تدعو إلى القلق. فقد تجاوز عدد النازحين المشردين الثمانين مليون ــ واحد من كل مائة. وأضعاف هذا الرقم من البشر يتحملون ما لا يمكن وصفه إلا على أنه أزمة إنسانية. كما أصبح الشرق الأوسط موطنا لعدة حروب جارية ــ أهلية وإقليمية في ذات الوقت.

وتتقهقر الديمقراطية في أجزاء كثيرة من العالم، ليس فقط في الحالات المأساوية مثل ميانمار والسودان، بل وأيضا في أجزاء من أميركا اللاتينية بل وحتى أوروبا. وتُـعَـد هايتي وفنزويلا دولتين فاشلتين في الأساس، وكذا ليبيا، وسوريا، واليمن. وتبدو أفغانستان في طريقها إلى التحول مرة أخرى إلى دولة رائدة على مستوى العالم في تصدير الإرهاب، وإنتاج الأفيون، والبؤس.

أضف إلى كل هذا عاملا حاسما آخر: فقد أصبحت الولايات المتحدة في حالة من الفوضى الداخلية أشد مما كانت عليه قبل خمس سنوات، حيث بلغ الاستقطاب السياسي مستويات غير مسبوقة من الارتفاع، وبرز العنف السياسي كتهديد بالغ الخطورة. ولم يعد من الممكن اعتبار التداول السلمي للسلطة السياسية بعد الانتخابات أمرا مفروغا منه. وبدوره، أدى هذا الواقع الداخلي إلى التعجيل بانسحاب أميركا من القيادة العالمية بعد خمسة وسبعين عام. ولا يوجد بلد أخر قادر ومستعد للاضطلاع بهذا الدور.

من المؤكد أن بعض التطورات الإيجابية تستحق الـذِكر: الإنشاء السريع للقاحات التي تقلل بشكل كبير من التعرض لخطر الإصابة بعدوى كوفيد-19؛ والتكنولوجيات الخضراء الجديدة التي تقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري؛ والتعاون المتزايد بين الولايات المتحدة والعديد من شركائها لمقاومة الصين الأكثر قوة وشراسة؛ وحقيقة بسيطة مفادها أن التنافس بين القوى العظمى لم يتدهور حتى الآن إلى مستوى الحرب.

تُـرى ماذا يتطلب الأمر لتجنب مستقبل تحكمه الفوضى؟ قد تشمل القائمة المختصرة التطعيم ضد كوفيد-19 على نطاق واسع، وإنتاج لقاحات جديدة فَـعّـالة ضد أي متحورات قد تنشأ في المستقبل؛ وتحقيق اختراق تكنولوجي أو دبلوماسي من شأنه أن يقلل بشكل كبير من استخدام الوقود الأحفوري وأن يعمل على إبطاء تغير المناخ؛ والتوصل إلى تسوية سياسية في أوكرانيا تعزز الأمن الأوروبي؛ والتوصل إلى نتيجة مع ايران تحول دون تحولها إلى قوة نووية أو حتى شبه نووية؛ وعلاقات أميركية صينية قادرة على وضع حواجز حماية لإدارة المنافسة وتجنب الصراع؛ والولايات المتحدة القادرة على إصلاح ديمقراطيتها بالقدر الكافي حتى يتسنى لها التركيز على أحداث العالم.

كما هي الحال دوما، لا مفر من الرضا بالقليل، في السراء والضراء. لكن الأمر الواضح الآن هو أن الاتجاهات لن تتحسن من تلقاء ذاتها. نحن في احتياج إلى الإبداع، والدبلوماسية، والإرادة الجماعية لتحويل الأمور. ولكن من المؤسف أننا نعاني من عجز واضح في المدد من البندين الأخيرين.

* ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، مؤلف كتاب عالم في الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم، وكتاب العالم: مقدمة موجزة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق