يمتد شارع ناصر خسرو جنوب العاصمة
الايرانية المزدحم والذي تقوم على جانبيه ابنية يتجاور فيها القديم
بطابعه التراثي العابق بتاريخ غابر والجديد الذي يصعد في السماء
ليعوض مافاته من مواكبة العصر.
ويلمح الداخل الى هذا الشارع الذي يحمل اسم
الشاعر والرحالة الايراني الكبير ناصر خسرو والمكتظ بالمكتبات
الممتلئة بالكتب العربية صورة مختصرة لكنها معبرة عن طبيعة الحياة
التي يحياها سكان جنوب العاصمة وهم يكافحون لتأمين مستلزمات حياتهم
او يحلمون لسد النقص الذي لم يستطع كدحهم المضني طوال النهار
تلافيه او حين يبحثون عمن يعينهم على تبديد همومهم والكشف عما تخبئه
الايام لهم مما هو مقدر ومحتوم.
وتقع عين الداخل الى شارع ناصر خسرو على
مجموعة من النسوة يفترشن ارصفة الشارع
والازقة المؤدية اليه ويكاد يتوهم لرثاثة
الثياب وفقر الحال البادي عليهن انهن متسولات يستدررن عطف المارة
ويثرن دوافع الاحسان في نفوسهم.
غير ان ايماءة محترفة من احداهن بطلب التقدم
تجعل الزائر يدرك خطاه على الفور فهو امام قارئة الحظ او الفوالة
التي تكشف لزبائنها اسرار المستقبل وما تخبئه الايام ولها قدرة
خارقة كما تدعي على استمالة قلب الزوج النافر ومشاعر الحبيبة الغضبى.
ومع ان الفوالين والمنجمين وقراء البخت من
الرجال لهم حضورهم ايضا في هذا الشارع وغيره من مناطق العاصمة حتى
المترفة منها في الشمال الا ان الملاحظ ان النساء هن اكثر قدرة على
استمالة الزبائن وايقاع الباحثين عن السعادة في حبائلهن.
وعلى الرغم من دستة الخواتم بفصوصها الملونة
المثيرة التي يحلي الرجال اصابعهم بها وملابسهم الفضفاضة المتناغمة
مع اللحى الطويلة المنسرحة على الصدور فان قارئات الحظ البندريات (نسبة
الى بندر عباس في جنوب ايران) يحظين بثقة الرواد واموالهم اكثر من
الرجال.
ولايرتضي رواد الفوالات ما اعتاد عامة
الايرانيين القيام به حين يترددون في الاقدام على عمل معين من
استفتاح بالقران الكريم واختيار لما يعتقدون ان الايات الكريمة
توجههم نحو فعله فهم يتلون قبل الاستخارة دعاء خاصا يطلبون فيه من
الله سبحانه ان يختار لهم ما فيه الصلاح لحالهم.
وبعدها يفسرون الايات السبع في اعلى الصفحة
اليمنى التي ينفتح علها المصحف الشريف وفقا لما يرد فيها من معاني
الوعد والوعيد او غير ذلك من المعاني التي يستفيد منها المستفتح
بالقران (عادة ما يكون من المعروفين بالتقوى) الامر بارتكاب العمل
او النهي عنه او التخيير فيه.
كما لايروي ظمأ هؤلاء الزبائن ما درج
عليه مواطنوهم من التفاؤل بديوان الشاعر الايراني المعروف حافظ
الشيرازي حين يفتحون الديوان دونما قصد لصفحة معينة ثم يقررون
افعالهم تبعا لما يجدونه من المعاني في ابيات الشعر الواردة.
وتستعرض فاتحة الفال او قارئة الحظ مهاراتها
في استكشاف المخبوء عن طريق قراءة الكف او الفنجان او التمعن في
خطوط الجبين ثم تنظر في قرص من النحاس حفر على صفحته اسماء لاولياء
وارقام وكلمات غير مفهومة وتخبر الباحث عن الحظ ماتدعي انها قراته
في جبينه وانبأها به القرص العتيد.
ويبدأ عمل القارئة مع
الزبون بالثناء على محاسنه والاشادة بفضائله الاخلاقية في محاولة
كما يبدو لاسترضاء غروره الشخصي واستئصال الشعور بالشك من نفسه تجاه
ماتحدثه به ثم تعرج على الصعوبات والمشاكل التي سيواجهها في المستقبل
وتوصيه بالصبر والثبات امام هذه المشاكل لتختم حديثها ببشرى المال
والبنين الذي سيراه الزبون بعد اجتيازه لهذه الصعاب.
ولكي تضفي الفوالة بعدا عمليا على حديثها
تطلع الزبون على خيط معقود وتؤكد له ان اعداء يتربصون به هم الذين
عقدوا هذا الخيط وانها ستحل عقدته اذا رغب في ذلك وتزيل العقبات عن
طريق سعادته في المستقبل.
وتطلب الفوالة من الزبون ان يضع في يده
اليمنى الخيط المعقود ومبلغا من المال قدره ألفا تومان ايراني (2ر5
دولار أمريكي) ويضم يده على صدره قريبا من القلب ثم تبدأ هي بتلاوة
كلمات والنطق بمقاطع ومفردات لايدرى من اية لغة هي لتأمره في نهاية
المطاف بفتح يده وتختطف بمكر حذقته المال والخيط الذي تنحل عقدته
بمجرد ان تمسه يدها.
وتتمتع هؤلاء النسوة بذلاقة لسان كبيرة
وقدرة فائقة على اقناع الزبائن الذين يكون الشباب والنساء اغلبيتهم
الساحقة والتلاعب بمشاعرهم وهي قدرة اكتسبنها من طول ممارستهن
لمهنتهن وخبرتهن الطويلة في احاسيس ضحاياهن وما يحبون ان يقال لهم على
الرغم من ان قارئة الحظ هذه تخاطب الزبون وكانها تردد كلاما تحفظه و
كررته مئات المرات.
وكثيرا ماتستعين الفوالات بانواع من الخرز
والاحجار تزعم ان لكل واحدة منها وظيفة تخصها فهذه خرزة منتزعة من
راس حية ترقق قلب الزوج الساخط على زوجته وتلك عقيقة لاتقدر بثمن
لاستمالة قلب المحبوب وغيرها حرز يحفظ صاحبه وينجيه من الاخطار.
وسألت (كونا) عددا من الشباب الذين كانوا
يجلسون الى هؤلاء الفوالات ويستمعون الى مايقلنه لهم باهتمام عن سبب
لجوئهم الى هذه الطريقة وهل يصدقون ما يقال لهم فاجابوا بطريقة
واحدة تقريبا "بانهم لايأخذون مايقلنه لهم على محمل الجد ولاينظرون
الى كلامهن اكثر من كونه خزعبلات وهراء لاسند له من الواقع".
غير ان جلسة الاهتمام والاصغاء الجاد الذي
يبدو على وجوه هؤلاء الزبائن لدى استماعهم الى قارئة الكف يحمل
المرء على الاعتقاد بان شيئا اكثر من مجرد الفضول هو الذي دفع هؤلاء
الباحثين عن الحظ للرضا بتلقي التطمينات والاحساس بالامل.
وربما كان ما يدفع زبائن الفوالات الى
الذهاب اليهن هو نفسه الذي يدفع بالمريض الذي اعياه دواء الاطباء
الى اللجوء للتمائم والاساليب الشعبية في العلاج رغم عدم ايمانه بها
وانكاره لفاعليتها وكثير من الناس يجد في اللجوء الى واحة الاوهام والاحلام
ملاذا من صلابة الواقع وقسوة الحياة التي لاترحم.
وسألنا البندرية التي رفضت ان تذكر اسمها
وكادت ان تكسر الكاميرا عند محاولة تصويرها عن السر في الجلوس على
الارصفة وتحمل تقلبات الطقس لكي تحل مشاكل الناس وتعلمهم سبل
السعادة ولاتفكر هي باتباع نفس هذه الطرق للوصول الى السعادة المنشودة
والعيش الهنيء بعيدا مصاعب الجلوس في الطرقات ومناكدة الزبائن.
الا ان هذه البندرية اكتفت بالرد على سؤالنا
بابتسامة عريضة وغامضة "ابتسامة ربما كانت تحكي اعتذارا عن التوسل
بالحيلة طريقا لكسب العيش".(كونا)
|