توحيد صفوف أهل العلم وأثره في المجتمعات.. في رؤية الإمام الشيرازي (قده)

الباحث الاجتماعي/عبد الكريم العامري

شبكة النبأ: حصرَ الله تعالى الخشية في أعلى مراتبها بالعلماء لأنهم العارفون بأصول العبادة وانواعها وقواعدها التامة الصحيحة الموصلة له عز وجل.. فعلمهم والدرجة الكبيرة من التقوى التي وصلوا اليها هي التي زادتهم خشية من الله تعالى..

ولكن توحيد صفوف أهل العلم له الدور الحاسم في تقدم البلاد الاسلامية. كما وان اختلافهم له دور كبير في تأخير البلاد وتحيّر العباد..

من هنا كانت نظرية توحيد المراجع في مجلس أعلى او ما يدعى بـ شورى الفقهاء من اهم ما نادى به المجدد الثاني الإمام الشيرازي (قده) حيث نذر جزءا كبيرا من حياته الشريفة في البحث والتنقيب لإثبات هذه النظرية بالإضافة الى تحمله قدس سره أقسى الظروف تحت نير الحكومات السلطوية من أجل تمسكه بهذه النظرية..

المجدد الثاني وأطروحات توحيد أهل العلم

توحيد صفوف اهل العلم له دور كبير في تقدم البلاد الاسلامية.. كما وان اختلافهم له دور كبير في تاخير البلاد. وبحسب رؤية الإمام الشيرازي، لايتوحد اهل العلم طالما:

1- ظل المال مبعثراً.

2- ما دامت الدراسة الدينية دون أطُر محددة بدايةً ونهاية.

3- ما دام النظام السياسي لايتفق وطموح أهل العلم.

معايير الاتفاق

لايمكن علاج هذه الامور الثلاثة إلا بوضع معايير تقويم للرئاسة وقواعد لايجاد الرئاسة. ولايتم ذلك الا بتكوين مجلس استشاري يتكون من اهل الحل والعقد من علما الدين العدول لاختيار الاصلح من المراجع القائمين. ومن الطبيعي ان يلاحظ المجلس مؤهلات المرجع وقدراته الادارية الى جانب المزايا والمؤهلات الدينية الاخرى. التي تجعله قادرا على القيام بدور الريادة في المجتمع. وبمقدور المجلس تعيين معاونيين للمرجع يساعدونه على القيام بالمهمات الثانوية مثل تنظيم الدراسة, وتنظيم شوؤن القضاء, وتنظيم امور المال.

ويرى الإمام الشيرازي انه، اذا كان للامة مراجع متعددين كما هو الغالب كان (المجلس الاعلى) المتشكل من المراجع هو السلطة العليا.. إذ لايحق لمرجع ان يضغط على مقلد مرجع آخر ويفرض رأيه عليه.

إستدراك النظرية

ولأجل إستدراك النظرية كانت هناك أمور تبناها الإمام الشيرازي وحتّم ولوجها اولاً:

اولاً- هل ان أهل العلم يرضون بتنفيذ هذه النظرية?

في الاجابة على هذا السؤال لابد من القول: ان اهل العلم يُصنَفون امام هذه النظرية الى صنفين اثنين:

صنف يؤيد النظرية ويعمل من اجل تنفيذها. وصنف يحاربها ويعمل على هدمها.

وهذا التصنيف امر طبيعي, تجده في جميع المجالات الحياتية, فحول أي موضوع ينقسم النلس بين مؤيد ومعارض.

وطالما ان الاسلام علّمنا ادب الحوار والمناقشة, فيجب ان نعمل وفق الادب الاسلامي. ففي تاريخ اهل البيت حكايات كثيرة لمناقشة الائمة (ع) مع الزنادقة والمنحرفين وغيرهم. فكان لابد من التحلي بالاخلاق الحسنة. فبالأخلاق الحسنة وحدها تنتهي المشاكل, وبالأدب الاسلامي الرفيع يستطيع أي انسان ان يناقش آراء الاخرين حتى لو كانت مضادة له.

ثانيا- ما هي نظرة الحكومات الى هذه النظرية?

في الجواب يرى الإمام الشيرازي:

أ‌-     من الضروري انتزاع اعتراف الحكومات - اذا كانت ديكتاتورية, بالنظرية ليكون لها شان خاص تقره الحكومات وتعترف به حتى يتم السماح لأصحاب هذه النظرية بالحركة في الافق الاجتماعي والاقتصادي ايضاً، وفي تعيين القضاة وائمة المساجد والمسؤلين..

ب‌-    واذا كانت النظرية في ظل حكومة حرة, فالحكومة لاشأن لها بها مع الافتراض بانها حرة.

وباختصار الكلام ان الحركة يجب ان لاترتبط بالحكومة وانما يجب عليها ان تحصل على اعتراف الحكومة.

اما السؤال الوارد: هل الحكومة ينبغي ان تتدخل في شؤن الحركة بما ينفعها ام لا? وهل امكانيات تدخل الحكومة في شوؤن المرجع الفرد  اكثر او امكانيات تدخل الحكومة في شوؤن المرجع الاستشاري اكثر؟ فلابد ان يكون الجواب في الشق الثاني من السؤال، فلا خوف إذاً على الحركة من هذه الجهة.

ثالثا- هل هناك لكل شيعة مرجع او مراجع حينئذ?

الجواب: ان من الصعب جدا ان يكون للشيعة مرجع واحد, بعد تقسيم البلاد الى خرائط جغرافية سياسية. وان لم يكن ذلك بمستحيل في نفسه, ويدل على صعوبته البالغة الاشباه و النظائر كالرئاسة المسيحية والرئاسة السنية, حيث ان التقسيمات السياسية للبلاد لاتسمح لسيطرة رئيس ديني واحد على كل البلدان.

اما اذا تمكن المجلس الاستشاري  بالاقناع على توحيد المرجعية  في كل الاقطار بمرجع واحد يقود المسلمين فيها, فلا شئ احسن من هذا الامر. واذا لم يكن المجلس الاستشاري قادرا على ذلك, فسيظهر هناك مرجعان في قطرين او مراجع في اقطار متعددة ولا باس بذلك ما دام ان التوحد غير ممكن, ومن ثم يكون بين المرجعين او المراجع نوع من الاتحاد الحركي والعملي حتى يوجب التنسيق بصورة مماثلة لجامعة الدول العربية او مؤتمر القمة الاسلامي او اتحاد الدول الافريقية.

وعلى أي حال: (لابد من صنعا وان طال السفر).. كما قال الشاعر، وانه لو ابتدأت هذه الحركة بكل همّة وجد واخلاص فسوف لايمضي ربع قرن إلا وتظهر النتائج المطلوبة كما هو متوقع.

إطار حفظ النظرية ونجاحها

ويرى الشيرازي ان هناك أطُر لا بد من توفرها لحفظ مبادئ هذه النظرية تتمثل في:

1-  ألا يكون طالب العلم الديني مُهاناً في المجتمع.

2- ألا يكون راتبه الشهري اقل من راتب الموظف الاداري.

3- ألا تكون مدة دراسته مجهولة.

4- ألا تكون بداية دراسته كآخرها مجهولة, اذ لابد من منهاج دراسي واضح ومحدد.

5-    ألا يكون هدف الطالب مجهول المصير, فلا بد من تحديد مستقبلي لكل طالب علم, ولا بد من برنامج يتم خلاله استثمار طاقة الفرد.

6-    ألا يكون هناك صراع ونزاع بين حواشي المرجع بل تكون الحواشي نظيفة وبعيدة عن الصراعات والنزاعات.

7- ان تكون الادارة في المجتمع العملي ادارة قوية وواعية,وبعيدة عن الفوضى.

8- ان يكون هناك توزيع عادل لرجال العلم بين المدن الاسلامية ,كذلك ائمة الجماعة والموجهين الدينيين.

9- يجب الاهتمام بالتبليغ الديني بنفس الحجم الذي نهتم به في الامور الاخرى.

10-   الايحدث فراغ عند موت المرجع, ونهوض مرجع اخر, والناس في حيرة من تقليدهم وسائر شوؤنهم الدينية.

11-   ألا يكون بموت المرجع موت للؤسسات المرجعية التي بناها هو وحاشيته بل على كل مرجع ان يقيم المؤسسات, فمتى ما مات, تبقى المؤسسات لتواصل خدمتها للدين وانها لا تتوقف بتوقفه عن الحياة. وعندما تكون هناك مؤسسات, فالمرجع ياتي بعد موت المرجع الاول وسوف لايبدأ من الصفر وإنما ستكون له قواعد عمل سابقة يبني عليها..

12-   ان تصرف الحقوق الشرعية في الموارد الصحيحة والاتجمد في امور لافائدة ترجى منها,او ان تصرف في موارد غير مواردها الشرعية.

13- على عالم الدين ان يعطي صبغة الفاعلية لمجمل اعماله.

14- ان يتوقف هدر الاموال الكثيرة والطاقات الكبيرة على الدعاية للمرجع وحاشيته ووكلائه.

15- الحفاظ على القدسية نحو المراجع والا تتحول المرجعيات الى ملوك الطوائف في نظر الناس.

16- تفعيل الادارة المسؤلة عن تدريس الطلبة بما يضمن التقدم المستمر لطالب العلم.

17- ان يمنح طالب العلم شهادة كما هو حال كل الجامعات في العالم, فعصرنا اليوم هو عصر الشهادات.

18- لا يكون المرجع مكتوف الايدي قبال تعيين او عزل وكيل, والا يترك الامور الى الحاشية لتفعل ما تريد.

19-   يضاف الى المواد التدريسية في الحوزة الفقه والاصول, العلوم الانسانية المرتبطة بالمجتمع كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والادارة والاعلام مما يحتاجها طالب العلم لئلا يصيب الناس الازدراء من اهل العلم والدين.

20-   ولا يكون للمرجعية وكيلان في مدينة واحدة, خصوصا اذا كان الوكيلان يوجهان الامة توجيهين مختلفين فحينئذ ستختل الموازين ويحدث الاختلاف حتى في تعيين اوائل الاشهر.

ولا شك ان عصارة ما تبقى اليوم من الاسلام هو الذي يتمثل بالمرجعية فالتطور الذي طرأ في العالم اكتسح جميع الاساليب السابقة التي كانت تتبناها المرجعيات التقليدية, فلو لم تغير المرجعية من اساليبها في العمل مع الحفاظ على الجوهر, سوف لا تتمكن من اداء رسالتها كما هو مطلوب0

.............................................

المصادر/

1- لكيلا تتنازعوا/ المجدد الثاني الإمام الشيرازي (قده)

2- رحلة في آفاق الحياة/ محمد طالب الاديب

شبكة النبأ المعلوماتية- الاربعاء  6/تموز/2008 - 4/شعبان/1429

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1429هـ  /  1999- 2008م