فلم 'فتنة' الهولندي والتوظيف السلبي للممارسات الخاطئة

ياسر جعفر

الفلم  الهولندي المسيء للاسلام 'فتنة' والذي اصدره عضوالبرلمان الهولندي  كريت ويلدرز اذا اردنا ايجازه  في سطور عبارة عن تركيب لمجموعة من الايات القرانية التي تتحدث عن القتال مع الكفاربالاضافة الى مقاطع من الخطب والمحاضرات المحرضة على الجهاد والقتال ومعاداة اليهود (وهناك تركيز بعض الشيء على حالة العداء لدى المسلمين تجاه اليهود) لخطباء الدين المسلمين ولقطات مصورة من الافلام ومجموعة من الصور المرتبطة بالاعمال الارهابية كاحداث 11 سبتمبر وانفجارات مدريد ولندن واشارة الى خطر تزايد عدد المسلمين في أروبا وهولندا على وجه الخصوص وصور لتنفيذ القصاص واخرى للتطبير... استعراض الايات وما ياتي بعدها يوحي بان هذه الاعمال هي تطبيق لما جاء في القران فقد تم استخدام الايات القرانية و توظيفها لكي تكون مقدمة لنتيجة اومسبب لسبب.

 انه بلاشك تركيب وترتيب لئيم لسلسلة الصور والأفلام  يسعى الى اعطاء انطباع سلبي عن الاسلام وتعاليمه واثارة الفتنة بين العالمين الاسلامي والغربي تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي. فالاسلام كما يعرضه الفلم دين الارهاب والقتل واللانسانية ومذهب يقف بوجه كل قيم أوروبا من حريات وما يتعلق بحقوق الانسان وتقبل الاخر.

قد تكون السلسلة المتكررة الأخيرة لمحاولات الأساءة وتزامنها مؤشر لوجود مخطط لاثارة حرب اعلامية وخلق تيارات عاطفية لدى الغرب معادية للاسلام والمسلمين. ولكن خلافاً لما كان يحدث من ممارسات مسيئة للاسلام  او لشخصية الرسول الأكرم والتي كانت اخرها وقبل صدور فلم 'فتنة' هي الرسوم الدنماركية التي اثارت غضب المسلمين في بقاع العالم هناك خصوصية لفلم 'فتنه' لابد من اخذها بعين الاعتبار وهي جعل تصرفات المسلمين أنفسهم مادة لهذا الفلم هذه المرة ليقوم المسلمون فيه بدور البطل وبذلك لتبقى مساحة قليلة للمناورة وكأنه يقول 'انظر ايها الغربي الى ما يقولون وما يفعلون  وأحكم انت بنفسك'.

 الفلم ما عدا آيات القران وما يتعلق بالقصاص والتي لاغبار على صحتها من حيث المبدأ وان كانت قد عرضت بصورة مبتورة مشوهة (اذ ان ايات القتال والعذاب المعروضة فيها شروط موضوعية وأسباب نزول وقد تم استخدامها في غير محلها وتطبيق القصاص ايضاً فيه مقدمات وشروط ) ليس الا عرض لمجموعة من الممارسات الخاطئة -عفوية كانت ام غير عفوية-  التي هي فعلاً من صنع المسلمين.

 التركيز العام في فلم 'فتنة' يتم على ثلاثة محاور رئيسية  جميعها تولدت في داخل البيت الاسلامي:

اولاً - الاعمال الارهابية : التي اصبحت ظاهرة في السنوات الاخيرة وتعد تحولاً خطيراً من قبل مجموعة ظلامية  في فهم مبتور للنصوص والروايات واضفاء الشرعية والقدسية على الفهم الخاطيء والتأويل الذي ينحرف تماماً عن النص الشرعي ويقف امامه.  والغريب ان الممارسات هذه قد دفع ضريبتها المسلون الابرياء أكثر بكثير من الغربيين الأبرياء وما نشاهده من ارهاب مستمر في افغانستان والعراق على وجه الخصوص دليل على ذلك.

ثانياً - خطباء المساجد ورجال الدين : والذين يندفعون مع العاطفة فيصولون ويجولون وهم في اقوالهم المعروضة في 'فتنة' لا يمثلون  تعاليم ومباديء الشريعة بقدر ما يمثلون الانسان الساخط على الوضع القائم والمتأثر بحكم عاطفته بما يشاهد ويسمع من أخبار البؤس والشقاء التي يعاني منها المسلمون في هذا البلد اوذاك والقضية الفلسطينية طبعاً تتصدر هذه الاهتمامات.

ولابد من الاشارة الى مسئولية 'الكلمة' لدى الخطباء فلا اثارة للمشاعرعلى حساب تعاليم الاسلام ولا اثارة للمشاعر على حساب سمعة الاسلام والمسلمين وهناك عيون واذان متربصة مغرضة لالتقاط عبارات قد يساء استخدامها وتوظيفها من قبل الاخرين مما قد حصل في فتنة 'فتنة' وعبارات واثارات قد يساء فهمها من قبل المخاطب المسلم وخاصة ذلك المثار عاطفياً الذي قد تترك هذه الخطبة الحماسية وتلك ثغرة في عقله وقلبه يستطيع الفكر المتطرف الارهابي ان يستغلها لكي يتحول هذا المسكين الى جسد يتفجر هنا وهناك ليقتل نفسه ويقتل الأبرياء وليشوه صورة الاسلام الناصعة بالدماء.

ثالثاً - الممارسات العفوية الخاطئة : من قبيل صور لمتظاهرين مسلمين يرفعون شعارات ولافتات استفزازية كـ' الله يبارك في هيتلر' كتأييد  ضمني لما فعله هيتلر باليهود أو'استعدوا للمحرقة الحقيقية' و' الجهاد ضد الاروبيين الصليبيين' او'لتذهب الحرية للجحيم' اومقابلة لطفلة مسلمة صغيرة وهي تسأل هل تحبين اليهود؟ تقول لا. لماذا لانهم قردة وخنازير؟ من قال؟ ربنا. أين؟ في القران وغيرها.

والطريف ان من مجموع 15 دقيقة وهي مدة الفلم هناك 13-14 دقيقة من استعراض لافعال واقوال بعضها يخالف الشريعة واخرى لا علاقة للشريعة بها اطلاقاً وهي من صنع المسلمين لا الاسلام.

للتصدي لهذا الاعلام المعادي المسيء والذي هو اشارة الى تخوف غربي حقيقي من خطر قادم هوالاسلام هناك حاجة الى العمل على مستووين:

 أولاً وفي اطار البيت الاسلامي بحاجة الى استنكاروتقويض والغاء  الممارسات اللاسلامية الارهابية التي تقوم بها مجموعة من حملة الفكر الخوارجي الذين فصلوا الاسلام على مقاسهم الضيق فجعلوا من اياته البينة بعد ان شوهوا معانيها منطلقاً للافعال الارهابية الفجيعة التي لاعلاقة لها بالاسلام لا من قريب ولامن بعيد وهذا عمل لابد ان تتصدى له القيادات الدينية الواعية والمؤثرة والنخب الفكرية الاسلامية و ان كنا نشكوا قلة عددها وعدم تناسب طرحها مع متطلبات المرحلة. حتى وعلى اسواء التقادير لولم نكن قادرين على تغيير فكر من قد تقولب في اطار الفكر المتطرف فعلى المستوى البعيد وبحملة توعوية فكرية نستطيع ايقاف عملية غسيل الادمغة لكي لا تتحول في المستقبل الى حالة مكررة تعاني منه الاجيال القادمة كما نعاني منها نحن اليوم وبحاجة ايضاً الى استنكار والعمل على  الغاء الممارسات الخاطئة والتصرفات التي تنسب الى الاسلام وتعاليمه زوراً وظلماً. قد تكون تلك الممارسات عفوية جماهيرية عاطفية أوقد تكون غير ذلك.

وثانياً وعلى مستوى تعاملنا مع الاخر فنحن بحاجة الى خطاب اسلامي جريء يتمتع بوضوح في الرؤية وقوة في الطرح وياخذ بعين الاعتبار ثلاثي الزمان والمكان والانسان وينطلق في اطاره. خطاب يتبنى فصل بين كل ما هواسلامي من صميم الشريعة وكل ما هومتطفل عليها وبعد ذلك ينطلق ليعرض الصورة المشرقة لرسالة السماء، رسالة الخير والرحمة والسلام والمحبة للعالم.

 أفضل رد فعل غير مرحلي ناجع هوطرح الاسلام كمشروع حضاري للعالم وعندها لسنا بحاجة الى الرد على الاستفزازات التي تصدر من هنا وهناك لاثارة المشاعر والاحاسيس  فقد تم تصويرها في القران الكريم بقوله تعالى:

{يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوكَرِهَ الْكَافِرُونَ} (سورة الصف آية 8)

شبكة النبأ المعلوماتية- الاحد 13 نيسان/2008 - 6/ربيع الثاني/1429