الثقافة والأنثروبولوجيا

 الاستاذ زكي الميلاد

 في كتابه الممتع (لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟) الصادر سنة 1992م, حاول مايكل كاريذرس أستاذ ورئيس قسم الأنثروبولوجيا بجامعة دورهام البريطانية, أن يضع علم الأنثروبولوجيا في دائرة المراجعة والتفكير بقصد تجديد مهمته المعرفية, وتطوير آفاقه واتجاهاته في النظر والبحث النظري والتطبيقي, وإعادة الثقة التي كادت تتقوض وتقوض معها هذا الحقل برمته.

كما حاول كاريذرس أن يظهر إمكانية التوافق والانسجام بين المدرستين الأنثروبولوجيتين البريطانية والأمريكية, بعد أن تحددت اتجاهاتهما الرئيسية مع بداية القرن العشرين وخلال النصف الأول منه, مع مزيد من الاهتمام بإعطاء الأهمية والفاعلية للمدرسة الأنثروبولوجية البريطانية التي ينتصر إليها المؤلف, ويظهر تفوقها في هذا العلم, لكي يبرهن على بقاءها واستمراريتها والحاجة إليها, وكأن هذه هي مهمة الكتاب وجوهر أطروحته, التي استحوذت على القسم الأعظم من الكتاب, وبذل المؤلف من أجلها جهداً كبيراً في جمع الأدلة والبراهين حولها, وتوثيقها بتجريبات وتطبيقات تنتمي إلى حقول وميادين علمية ومعرفية عديدة ومختلفة, بحيث يظهر وكأن الكتاب في مهمة دفاعية عن المدرسة الأنثروبولوجية البريطانية, والترويج لها, وهي المدرسة التي ينتمي إليها المؤلف ويدافع عنها.

ومع قبيل القرن العشرين وبداياته بدأت الأنثروبولوجيا الأمريكية تتشكل على قاعدة ثقافية, في حين تشكلت الأنثروبولوجيا البريطانية على قاعدة اجتماعية, وهذا التمايز حرض بعض الرواد البريطانيين المؤسسيين إلى نوع من المقاومة والممانعة, خوفاً وحذراً من هيمنة الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية, وفي هذا الصدد يقول كاريذرس إن مالينوفسكي وهو أحد اثنين من أعظم البريطانيين تأثيراً كان نزّاعاً في أعماقه إلى تأييد النهج الأمريكي, غير أن راد كليف براون وهو الثاني من بين علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين المبرزين, كان معارضاً عنيداً للحديث عن الثقافة, وأدى به ذلك إلى شل عزيمة الكثيرين من زملائه وخلفائه في بريطانيا.

وتأكد هذا الخلاف وكشف عن نفسه بصورة عميقة كما يرى كاريذرس بعد صدور كتاب (أنماط الثقافة) عام1935م, للأنثروبولوجية الأمريكية روث بنيديكت, وهو الكتاب الذي لم تتوقف طبعاته المتتالية منذ ذلك الحين, وعبرت فيه مؤلفته عن غالبية الأفكار التي ظهرت مع الدراسة الوليدة للأنثروبولوجيا الثقافية على يد معلمها فرانز باوس بالاشتراك مع مساعديه وتلاميذه, وعبرت فيه أيضاً عن نفسها بقوة ووضوح, واستخدمت صوراً كان لها تأثير واسع النطاق, وهذا الخلاف العميق تجلى بصورة خاصة مع مدرسة العالم الإنجليزي راد كليف براون ذات النفوذ الكبير آنذاك.

وترددت أصداء الرؤية التي عبرت عنها بنيديكت على لسان زميلتها وصديقتها المقربة إليها مارجريت ميد, كما يشير كاريذرس, التي كتبت تقول: إذا ما أدركنا أن كل ثقافة إنسانية, شأن كل لغة هي كل متكامل.. إذن نستطيع أن نرى بأن الأفراد أو جماعات البشر إذا ما كان لا بد أن يتغيروا فسوف يكون الشيء الأهم هو أن يتحولوا من نمط كلي متكامل إلى آخر.

وتأسيساً على هذه النظرة حسب رأي كاريذرس يغدو العالم البشري حولنا من كيانات متمايزة ومستقلة, مجتمع واحد وثقافة لها الهيمنة, وهو ما أشار إليه جميس كليفور مؤرخ علم الأنثروبولوجيا بقوله: إن كل ثقافة يمكن تصورها باعتبارها نوعاً طبيعياً, شأن تصورنا لكيانات العالم الطبيعي, أنواع النباتات, وأنواع الحيوانات, وأنواع المعادن باعتبارها أنواعاً طبيعية, لذلك ينزع الباحثون في هذه المدرسة في الغالب الأعم إلى النظر للثقافة باعتبارها واقعاً مستقلاً. 

مع ذلك فقد كان كاريذرس حريصاً على التقليل من أهمية الخلاف أو النزاع بين المدرستين, والتأكيد على أن هاتين المدرستين مشتركتان معاً في الفروض الأساسية, وأن هذين التراثين قد امتزج كل منهما بالآخر فيما بعد, واندمجا على نحو وثيق حتى أصبح بالامكان, والنظر إليهما باعتبارهما ضربين لتراث واحد أوسع نطاقاً, وأنهما يشتركان على نحو قاطع في الالتزام بالبحث الميداني باعتباره المصدر المحدد والنهائي للمعرفة.

وتعزيزاً لهذا المنحى التوفيقي يرى كاريذرس إن المكونات المهمة للهوية الجمعية للأنثروبولوجيا الثقافية في أمريكا, وسارت حذوها الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية, إنما نجم عن الرفض العنيد للتفسيرات البيولوجية والتطورية للسلوك البشري, وهذه مجالات تتسم بالمرارة والتشدد, وتقف شاهداً على أنه من الصعوبة بمكان أن نكتب أو نقرأ عن مثل هذه الموضوعات بهدوء أو وضوح.

وفي إطار هذه المحاولة التوفيقية كان كاريذرس يعزز من مكانة الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية, التي جعل منها إطاراً يفسر بواسطتها الأنثروبولوجيا الثقافية نفسها, وكأنها أي الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية هي الأصل والأساس, وهذه القضية كانت في صلب اهتمام الكتاب الذي تضمن الكثير من الشواهد والحقائق والأدلة والبراهين لتأكيد هذه القضية وتثبيتها, وفي هذا الشأن يقول: تذهب نظرية الثقافة إلى أن الناس يفعلون ما يفعلون من أشياء, بسبب ثقافتهم, ولكن تأسيساً على نظرية روح المعاشرة الاجتماعية, فإن الناس يفعلون ما يفعلون من أشياء عن طريق استخدامهم الوسائل التي يمكن أن نصفها بأنها أشياء ثقافية, وذلك من أجل بعضهم البعض, وبالتعاون مع بعضهم البعض, وفيما يخص ببعضهم البعض..

 وإن أهمية مفهوم الروح الاجتماعية تنبع جزئياً من قدرة المفهوم على أن يصحح هدفاً تضمنته فكرة الثقافة ولم يتحقق, لقد أكد علماء الأنثروبولوجيا في البداية من ناحية على أن الثقافة شأن اجتماعي, ولكن هذا التسليم في واقع الحال نزع إلى التوقف في موضع قلق عند منتصف الطريق, وهو موضع عاجز حتى الآن عن الإدراك الكامل للطبيعة الاجتماعية للبشر من حيث هم نوع, فضلاً عن أنه أخفق تماماً في التسليم بأن البشر في المقام الأول يرتبطون ببعضهم البعض وليس بالثقافة في صيغة مجردة.

ويضيف في مكان آخر أن الثقافة التي تعني العناصر الذهنية في الأساس وأشكال المعارف والقيم التي نعيش بها وعليها, أو التي تعلمناها أو ابتدعناها إنما لا نعقلها إلا حين يستخدمها الناس, وبالنسبة للآخرين فالثقافات تفترض مسبقاً وجود العلاقات.

وحين يلخص مهمته الأساسية في الكتاب يعتبرها في تأليف نظرة تطورية وانثروبولوجية اجتماعية.

مع ذلك فقد نجح كاريذرس بقدر كبير في أن يظهر جاذبية لعلم الأنثروبولوجيا الذي كادت قيمته المعرفية والوظيفية تتراجع, وبعد أن أخذت الشكوك تحوم حول هذا العلم وكادت تطيح به, لذلك تركز الاهتمام نحو تجديد نشاط هذا العلم, وهذا النشاط حسب رؤية كاريذرس ينبغي أن يتركز على فهم التنوع البشري اجتماعياً وثقافيا, وكيف يكشف لنا عن سبل التعامل مع هذا التنوع.

* باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة، رئيس تحرير مجلة الكلمة.

http://www.almilad.org

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 25 تشرين الاول/2007 - 13/شوال/1428