|
نظرية التلقي: Reception theory
شبكة النبأ: لقد تطورت نظرية التلقي
على يد منظرين مثل هانز روبرت جوس ولفنجانج أيزر، وكلاهما أستاذ بجامعة
كونستانس في ألمانيا، إن خطا متوازياً يمكن أن يوجد بين نظرية المنفعة
والبهجة Uses and gratification ونظرية التلقي Reception theory، حيث
طور بعض منظري وسائل الإعلام الجماهيرية مفهوم المنفعة والبهجة، الذي
لا يركز – فحسب – على تأثير وسائل الإعلام على الأفراد بل أيضاً على
طريقة الاستخدام لهذه الوسائل وعلى المتعة التي يحصلون عليها من هذه
الوسائل. وعلى نحو غامض أيضاً يذهب أصحاب نظرية التلقي في ذلك الأمر
حين يركزون على الدور الذي يلعبه الجمهور المتلقي، حيث يفضون النصوص
decoders of texts في نظام الأشياء لا على النصوص ذاتها، وذلك على نحو
ما ذهب إليه lsar (72/1988) حين كتب يقول:
عند التفكير في العمل الأدبي، تركز النظرية الفينومينولوجية تركيزاً
تاماً على الفكرة، التي تقول إن على المرء ألا يدخل في اعتباره النص
الفعلي فحسب، بل كذلك – وبنفس القدر – يهتم بالأفعال المتضمنة في
الاستجابة للنص، ولذلك يتصدى رومان إنجاردن لبنية النص الأدبي بالطرق
التي يمكن بها أن يتحقق هذا النص. فالنص في ذاته يقدم زوايا تخطيطية
Schematized views من خلالها يمكن للنص أن يتكشف ويتبدى، إلا ان الحضور
الفعلي لا يتم إلا في فعل التحقق Konkretisation.
ومن ثم فإن lser يلمح من ذلك إلى أن الجمهور المتلقي – في حالة عمل
محدد مثل الرواية هو القراء – يلعب دوراً مهماً فيما يمكن أن نسميه
(تحقق النص realiza – tion).
فقد قام lsar بعمل تمييز بين قطبين: الأول فني ويشير إلى العمل الذي
أبدعه الفنان، والآخر إستطيقي ويشير إلى العمل الذي يتم بواسطة القارئ
(المتلقي)، ويبسط هذه بقوله:
(إذا كان الأمر كذلك، فإن للعمل الفني – إذن قطبين، هما ما ينبغي أن
نسميهما الفني artistic والإستطيقي aesthwtic: الفني يشير إلى النص
الذي يبدعه المؤلف والإستطيقي يشير إلى التحقق الجمالي الذي ينجزه
القارئ وينتج عن ذلك الاستقطاب أن العمل الأدبي لا يتطابق مع النص، أو
مع تحقق النص، وإنما هو يقع في منتصف الطريق بين القطبين فالعمل الأدبي
لا يزيد شيئاً على النص، ذلك لأن النص لا تدب فيه الحياة إلا عندما
يكون موضوعاً للإدراك. ناهيك عن أن هذا التحقق له لا يكون غير مستقل
البتة عن موقف القارئ وإن كان ذلك بدوره يتأثر بالأنماط المتغايرة للنص.
فبمعنى من المعاني لا يكون للأعمال الأدبية وجوداً إلا متى كانت
موضوعاً لإدراك قارئ. (وقد يرد إلى الذهن شعار باركلي القائل: الموجود
هو المدرك to be is to bo perceived) فالنصوص حقيقة افتراضية virtuel
Reality، أو كامنة وهي لا تتحقق تحققاً فعلياً إلا متى قام قارئ أو
جمهور متلقي بقراءة أو رؤية أو سماع ذلك النص.
في عام 1968 ذهب إنجاردن إلى انه لو قمنا بدفع الأمور بقدر كافٍ،
فإن القارئ له إسهام مكافئ في الأهمية في إدراك النصوص. وعلى ذلك فإن
العالم قد ينقلب رأساً على عقب بقدر اهتمامنا بإبداع المؤلف
authorship، لأن النصوص لا يكون في مقدورها مواصلة التبدي والحدوث
بذاتها، كما لم يعد في مقدور الفنانين والمؤلفين – الذين منحوا هذه
النصوص الوجود – أن يدعوا الامتلاك الأحادي، إن جاز التعبير، لمعنى
نصوصهم. فإن نحن قمنا بترجمة هذه الفكرة إلى مصطلحات نظرية الاتصال،
فيمكن أن يصبح المتلقي في هذه الحال مساوياً، أو مكافئاً في الأهمية
لمرسل الرسالة.
نظرية الاتصال تؤكد على أننا يجب أن نكون أصحاب امتياز، وأن نعطي
أهمية ملائمة للنص، كما يجب أن نأخذ في اعتبارنا دور القارئ (1984 Eco)
ونهج القراء المختلفين (أو المشاهدين في حالة الوسائل المرئية) في
تفسير النصوص.
فبمعنى ما من المعاني أن النصوص لا يكون لها وجود أو بالأحرى لا
يخلع عليها الوجود إلا بواسطة القراء. فالعديد من المؤلفين لا يستحبون
الفكرة التي تذهب إلى القول بأن أعمالهم – كما في حكاية سندريلا – لا
تدب فيها الحياة إلا بقبلة قارئ / فتنة أمير، ولكن lsar وآخرين من
منظري التلقي يقبلون بوجهة النظر هذه.
متعلقات
منهج التلقي أو نظرية القراءة
والتقبل(1)
لقد عرف النقد العربي الحديث والمعاصر مجموعة من المناهج النقدية
نتيجة الانفتاح على الثقافة الغربية (ترجمة واطلاعا وتعلما) كالمنهج
النفسي الذي يحلل النص الأدبي من الوجهة الشعورية واللاشعورية، والمنهج
الاجتماعي الذي ينظر إلى الأدب على أنه مرآة تعكس الواقع بطريقة مباشرة
قائمة على المحاكاة الحرفية أو الجدلية، والمنهج البنيوي التكويني الذي
يعتبر الأدب بنية جمالية مستقلة تعكس الواقع بمختلف مستوياته
السوسيوتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية بطريقة غير مباشرة أو
عبر التماثل.
أما المنهج البنيوي اللساني فينظر إلى النص الأدبي على أنه بنية
مغلقة أو نسق من العناصر اللغوية القائمة على علاقات اختلافية أو
ائتلافية، بينما المنهج السيميائي فيقوم على التفكيك والبناء من خلال
دراسة النص باعتباره نظاما من العلامات اللغوية وغير اللغوية. ولكن
منهج التلقي والتقبل يركز على القارئ أثناء تفاعله مع النص الأدبي قصد
تأويله وخلق صورة معناه المتخيلة. إذا، ماهي نظرة التلقي والتقبل؟ ومن
هم روادها؟ وما هي مرجعياتها الأبستمولوجية والفلسفية والأدبية؟ وماهي
مرتكزاتها المنهجية؟ وما هي تطبيقاتها في الساحة النقدية العربية؟
ظهرت نظرية التأثير والتقبل في ألمانيا في أواسط الستينيات (1966م)
في إطار مدرسة كونسطانس وبرلين الشرقية قبل ظهور التفكيكية ومدارس
مابعد الحداثة على يدي كل من فولفغانغ إيزرWolfgang Iser (1) وهانز
روبير ياوسHans Robert Jauss (2) . ومنظور هذه النظرية أنها تثور على
المناهج الخارجية التي ركزت كثيرا على المرجع الواقعي كالنظرية
الماركسية أو الواقعية الجدلية أو المناهج البيوغرافية التي اهتمت
كثيرا بالمبدع وحياته وظروفه التاريخية، والمناهج النقدية التقليدية
التي كان ينصب اهتمامها على المعنى وتصيده من النص باعتباره جزءا من
المعرفة والحقيقة المطلقة، والمناهج البنيوية التي انطوت على النص
المغلق وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصل الأدبي ألا وهو القارئ
الذي ستهتم به نظرية التلقي والتقبل الألمانية أيما اهتمام.
ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة
الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي إن الفهم
الحقيقي للأدب ينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار
له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ
الحقيقي له: تلذذا ونقدا وتفاعلا وحوارا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا
تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من
جديد؛ لأن المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة وهذا ما يجعل التناص
يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي له
قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه
المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية
قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية، أي إن القطب
الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا. أما القطب الجمالي، فيكمن في
عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي
يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويقوم التأويل
بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه
دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء البيضات والفراغات
للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية
والواقعية. ويجعل التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا لا يدعي امتلاك
الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. لأن القراءة
تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم. لذلك يرى أمبرطو
إيكو U.ECO أن هناك أنماطا من القراءة والقراء في دراساته عن النص
المفتوح والنص الغائب:
1- نص مفتوح وقراءة مفتوحة.
2- نص مفتوح وقراءة مغلقة.
3- نص مغلق وقراءة مغلقة.
4- نص مغلق وقراءة مفتوحة. (3)
ولايكون العمل الإبداعي إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعالة بين
المؤلف والنص والجمهور القارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون
من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب
الواقعية والخيالية والقارئ الذي يتقبل آثار النص سواء أكانت إيجابية
أم سلبية في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح - غضب - متعة - تهييج
- نقد - رضى...) . وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي
(النص) والتأثير الشعوري (القارئ) في شكل ردود تجاه حمولات النص. وهذا
إن دل على شيء فإنما يدل على أن العمل الأدبي يتموقع في الوسط بين النص
والقراءة من خلال التفاعل الحميمي والوجداني الاتصالي بين الذات
والموضوع أي النص والقارئ. ومن ثم، فالعمل الأدبي أكبر من النص وأكبر
من القراءة، بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة.
وإذا كانت المناهج الأخرى تركز على اتجاه واحد في القراءة من النص إلى
القارئ فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من
النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص على غرار القراءة الظاهراتية
(الفينومينولوجية). ولا يحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا
من خلال فعل التحقق القرائي وتجسيده عبر عمليات ملء الفراغات والبياضات
وتحديد ماهو غير محدد، وإثبات ما هو منفي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف
على مستوى استخلاص المعاني عن طريق الفهم والتأويل والتطبيق. ولن تكون
القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد
بناء النص عن طريق نقده وتأويله انطلاقا من تجربة جمالية وفنية بعيدا
عن تصور القارئ المعاصر الواقعي. والقارئ الضمني: "ليس له وجود في
الواقع، وإنما هو قارئ ضمني، يخلق ساعة قراءة العمل الفني الخيالي. ومن
ثم، فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لا يرتبط مثله بشكل
من أشكال الواقع المحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا
عن بنائه، ومركز القوى فيه، وتوازنه، وواضعا يده على الفراغات الجدلية
فيه فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له"(4)
وتفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها فينا الأعمال
الأدبية ولاسيما الخالدة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما
يقوله النص ولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية بل ما
يتركه العمل من آثار شعورية ووقع فني وجمالي في النفوس والبحث عن أسرار
خلود أعمال مبدعين كبار وأسباب ديمومتها وحيثيات روعتها وعبقريتها
الفنية. كما تحاول هذه النظرية أن تعيد قراءة الموروث الأدبي والإبداعي
من خلال التركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم وكيفية
تعاملهم معها أثناء التقبل وطبيعة التأثير التي تتركها نفسيا وجماليا
لدى القراء عبر اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية. وهكذا يدعو كل
من إيزر ويوس إلى إعادة كتابة تاريخ الأدب الغربي على ضوء جمالية
القراءة لمعرفة الذوق السائد وطبيعة التفكير والتفاعل بين الذوات
والنصوص الإبداعية والمقاييس الجمالية التي استخدمت في التأويل عبر
التطور التاريخي والتحقيب الأدبي والنقدي. يقول يوس في هذا الصدد: "إذا
أردنا كتابة تاريخ أدبي جديد، من خلال رسم يعيد تكوينه، انطلاقا من
بقايا الأعمال والتفرعات التاريخية، والتأويلات، ودعاوي التواصل الأدبي
المتخفاة تحته، علينا أن نسارع إلى تاريخ التجربة الجمالية ونظريتها.
وتظهر لي ضرورة كل هذا لأنه يمنحنا (الجسر الهرمنوتيكي) لبلوغ حقب
بعيدة في الزمان وفي الثقافات الأجنبية ذات التقليد الأوربي".(5) ويشير
إيزر أيضا إلى مدى أهمية إعادة تاريخ الأدب الأوربي اعتمادا على شهادات
القراء ورصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية أثناء تفاعل ماهو شعوري
(القراءة) مع ماهو لفظي (النص): "كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف
جمهور معين؟ عن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات
النظر وبعض الضوابط السائرة بين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل
الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، يمارس تأمله داخل الأدب. وهذا أيضا،
صحيح حين يعمد تاريخ التلقي إلى شهادات، القراء الذين يطلقون، عبر
فترات مختلفة من الزمن، أحكاما على أثر معين. وفي هذه الحالة، يكشف
تاريخ التلقي الضوابط التي توجه هذه الأحكام مما يشكل نقطة انطلاق
لتاريخ الذوق، الشروط الاجتماعية لجمهور القراء."(6)
وعليه، فإن العمل الأدبي قد يراعي أفق انتظار القارئ عندما يستجيب
لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية عبر عمليات المشابهة النصية
والمعرفة الخلفية وقواعد الأجناس والأنواع الأدبية التي تعرفها في
نظرية الأدب. ولكن قد يخيب توقعه ويفاجأ إذا واجه نصا حداثيا جديدا لم
ينسجم مع القواعد التي يتسلح بها في مقاربة النص الأدبي. فعندما نقرأ
الروايات الكلاسيكية فإنها تراعي أفق انتظار القارئ الذي تعود على
قراءتها من خلال معايير وآليات تجنيسية وتحليلية معروفة. بيد أنه إذا
أعطيت لهذا القارئ الكلاسيكي رواية حداثية فإنها ستصدمه بطرائق فنية
جديدة تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية بسبب الانزياح الفني
بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. ويعني أن
هناك مسافة جمالية تربك القارئ وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا
الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية ويجعلها خالدة مثل:
رواية دون كيشوط لـ (سيرفانتيس) لدى يوس، ويقصد – يوس- بالمسافة
الجمالية: "ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق
انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال
القراء على الأثر، أي من تلك الأحكام النقدية التي يطلقونها عليه. وهنا
أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور
بالخيبة، إذ الآثار الأخرى التي ترضي آفاق انتظارها وتلبي رغبات قرائها
المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، عادة، باستعمال النماذج الحاصلة في
البناء والتعبير، وهي نماذج تعود عليها القراء. إن آثارا من هذا النوع
هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. أما الآثار التي
تخيب آفاق انتظارها وتغيظ جمهورها المعاصر لها، فإنها آثار تطور
الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، أو هي آثار ترفض إلى حين
حتى تخلق جمهورها خلقا."(7) وهناك نصوص تغيير أفق انتظار القارئ الذي
يجمع بين الذكاء والفطنة حيث يتعلم بسرعة كل ما هو جديد ويتكيف مع كل
نص طليعي أو حداثي حيث يغير هذا القارئ من آليات قراءته وأدواته حتى
ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. ويمكن لنا أن نوضح ما قلناه في هذه
الخطاطة:
ويبدو أن الدراسة الأدبية عند يوس: "ليس تحليل النصوص تحليلا
هيكلانيا مضمنا بها، وليس هو أيضا استعراض المعارف المتعلقة بالكاتب
وبالأثر، وإنما هو التخاطب الأدبي من خلال ما تتسم به الأوضاع
التاريخية والاجتماعية والثقافية من خصائص. إن موضوع الدراسة الأدبية
هو أن نعرف كيف أجاب الأثر الأدبي على ما لم تجب عليه الآثار السابقة
من قضايا، وكيف اتصل بقرائه أو خلقهم خلقا".(8)
وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية فيمكن حصرها في المفاهيم
التالية:
1- ثنائية القارئ والنص ،
2- التأثير والتواصل ،
3- العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي ،
4- التحقق والتأويل ،
5- القارئ الافتراضي المثالي ،
6- أفق الانتظار ،
7- ملء البيضات والفراغات والبحث عن النص الغائب ،
8- النص المفتوح ،
9- المسافة الجمالية.
أما عن مرجعيات هذه النظرية الأدبية، فإن روب هولمب يوجزها في خمسة
مؤثرات هي على التوالي:
1- الشكلانية الروسية ،
2- بنيوية براﯖ ،
3- ظواهرية "رومان إنجاردان" ،
4- هيرمينوطيقا "جادامر" ،
5- سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر. (9)
هذا، وقد كانت هناك مؤثرات وراء تشكل نظرية التقبل منها النظرية
الفنومولوجية أو الفلسفة الظاهراتية التي ظهرت في ألمانيا مع هوسرل
ورومان إنجاردان، وترتكز هذه الفلسفة على ترابط الفكر والوجود الظاهري
للأشياء. وبتعبير آخر، تؤمن هذه الفلسفة بتفاعل الذات والموضوع بطريقة
تواصلية من الصعب الفصل بين القطب الذاتي والموضوعي. أما المعنى فإنه
يستخلص من خلال التفاعل والتواصل بين هذين الفاعلين. وهذا ينطبق على
تفاعل القارئ مع النص تفاعلا تأويليا تحققيا قصد الوصول إلى الدلالة
وإعادة بنائها من جديد. وساهمت التأويلية لدى جادامر في دراسة الكيفية
التي نتعامل بها النصوص عن طريق استنتاج المعنى سواء أكان ظاهرا أم
مخفيا عبر عملية الفهم والانتقال من المعنى إلى الدلالة ثم تأويل
النصوص وذلك بتفسيرها جماليا وفنيا. وهذا التأويل التفسيري يختلف من
سياق تاريخي إلى سياق تاريخي آخر. كما تقوم سوسيولوجية الأدب بدور مهم
في استقراء إحصائي للقراءة الجماهيرية وطبيعة القراء والقراءة وكيفية
الاتصال. كما أن البنيوية سواء أكانت شكلانية أم لسانية وظيفية أيضا
كان لها تأثير في دراسة النص والإشارة إلى عملية القراءة وأنظمة
التواصل الجاكبسوني (التركيز على عناصر التواصل الست: المرسل
والمرسل(10) إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة) والتركيز على
البنيات الشكلية للنص كالإشارة إلى عوامل السرد من كاتب ضمني وقارئ
ضمني...
ويقول إيزر محددا مؤثرات أخرى لنظريته: "من الشائع الآن أن النظريات
تمارس تأثيرا معينا على الساحة الثقافية الألمانية: الماركسية، ونظرية
التحليل اللغوي، ونظرية الإعلام، والتأويل، والتحليل النفسي. أما
بالنسبة للدراسات الأدبية بوجه خاص، فيبدو أن أبرز هذه الاتجاهات هو
التحليل النفسي، وفن التأويل. وفضلا عن ذلك ينبغي أن نذكر نظرية
تجريبية في الأدب، اكتسبت شهرة عظيمة في الأعوام الأخيرة؛ هي تسجيل
استجابات الناس واستخلاص استدلالات فيما يتعلق بالقانون الاجتماعي الذي
يتحكم في اتجاهاتهم.
وقبل التأثير الذي تركته النظريات السالفة الذكر، انتشرت النقدية
الجديدة في الدراسات الأدبية الألمانية؛ إذ أثبتت هذه النزعة أنها رد
فعل للانتفاع بالنص الأدبي في أغراض شتى، وبخاصة في الأغراض السياسية،
في ماضي ألمانيا القريب.
ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي نستحضر مجموعة من الأقلام
النقدية على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، منها: عبد الفتاح كليطو
في كتابيه: الحكاية والتأويل(11) والأدب والغرابة(12) وحميد لحمداني في
كتابه: القراءة وتوليد الدلالة(13) ومحمد مفتاح في كتابه: التلقي
والتأويل(14)، وكلهم باحثون ودارسون مغاربة.
...............................................................
الهوامش/
(1) - A regarder. Iser : théorie de l’effet
esthétique, éd. Pierre Margada. 1985 ;
(2) - A regarder, H. R. Jauss : Pour une
esthétique de la réception. Gallimard. Paris 1978 ;
(3) - A regarder : Umberto Eco : L’œuvre ouverte
éd. Seuil. Paris 1965/La structure absente. Ed. Mercure de France.
Paris .1972 ;
(4) د. نبيلة إبراهيم: (القارئ في النص: نظرية
التأثير والاتصال) مجلة فصول المصرية، المجلد5، العدد1، 1984، ص103
(5) هانز روبير يوس: (جمالية التلقي والتواصل
الأدبي) الفكر العربي المعاصر، بيروت، لبنان، عدد 38، ص112
(6) فولفغانغ إيزر: (فعل القراءة، نظرية الوقع
الجمالي) ترجمة أحمد المديني؛ آفاق المغربية، العدد6، 1987، ص28-29
(7) د. حسين الواد: في مناهج الدراسات الأدبية،
منشورات الجامعة ط2، 1985م، ص79-80
(8) د. حسين الواد: في مناهج الدراسات الأدبية، ص80
(9) د. صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا
الشرق، الدارالبيضاء، ط1، 2002، ص118
(10) د. نبيلة إبراهيم: (حديث مع ولفغانغ إيزر)،
مجلة فصول المصرية، المجلد 5، العدد1، 1984، ص105
(11) د. عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، دار
توبقال للنشر، الدارالبيضاء، ط1، 1988
(12) د. عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، دار
الطليعة، بيروت، لبنان، ط1982؛
(13) د. حميد لحمداني: القراءة وتوليد الدلالة،
المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ط1 ،2003
(14) د. محمد مفتاح: التلقي والتأويل، المركز
الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ط1، 1994
المحاولات الأولى للاهتمام
بالقارئ(2)
إن مقولة القارئ كمكون أساسي في العملية الإبداعية ، أثير منذ
القديم إذ نجد أصداءه في التداول الشعري القديم في الإنشاد ، فالشاعر
وهو ينشد قصيدته يفترض قارئا إما أن يكون هو الممدوح أو المثقف الذي
يحضر عملية الإنشاد والإلقاء ، وفي تلك الأفعال التي يبدأ بها العلماء
والنقاد والفقهاء في كتاباتهم مثل " اعلم، فافهم ".
ونجد لذلك أمثلة في الكتابة الروائية ، فدنيـس ديــدور في
روايـــــتــه " جاك القدري " يستحضر القارئ ويتحاور معه ويوجهه ويكشف
له عن لعبة الكتابة. .
وقد بدا الاهتمام بالقارئ والقراءة قبل ظهور نظرية التلقي ، غير أن
هذا الاهتمام لم يسفر عن تصور منهاجي نسقي لهذه العملية ، بحيث بقي في
طور البدايات ، وإن الفصل الذي خصصه جون بول سارتر في كتابه " ما الأدب
؟ " تحت عنوان " لمن نكتب ؟ ". يبرز بجلاء الانشغال المبكر لدى هذا
الفيلسوف الوجودي بمسألة القارئ والقراءة.
فهو يذهب في إطار التفاعل بين الكتابة والقراءة إلى " أن الكاتب
إنما يكتب للقارئ من حيث هو فرد من أفراد الناس في العالم " وفي هذا
السياق يحدد طبيعة القارئ المستهدف ، ففي تصوره " ليس القارئ الذي
أتوجه إليه بالإنسان الذي جمع في نفسه بين معرفة العالم الأكبر والأصغر
، على غرار " ميكرو ميجاس " وليس هو نموذج " الساذج ". كما أنه ليس هو
الله. فليس فيه جهل الساذج الوحشي الذي يجب أن يشرح له كل شيء حتى
البدائيات ، وليس هو روحا ولا صفحة بيضاء. وليس عالما بكل شيء شأن الله
... وإنما أكشف له بعض مظاهر العالم فاستفيد مما يعلم لأحاول تلقينه
ما لا يعلم. وهو معلق بين الجهل المطلق والعلم التام. ولديه بضاعة
محدودة تتغير من لحظة إلى أخرى. وهي كافية للإيماء بصفته التاريخية "
. إن مواصفات القارئ التي يضعها جون بول سارتر تتحدد من خلال مفهوم
الحرية والتاريخية، فالقارئ شخص منخرط في التاريخ ليس بالقارئ المثالي
ولا بالقارئ الساذج. ومعالمه تتحدد أيضا في ثنايا العمل الأدبي ، إذ
ما دامت " حرية المؤلف وحرية القارئ تبحث كل مها عن الأخرى، ويتبادلان
التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد ، فمن الممكن أن يقال : إن ما
يقوم به المؤلف من اختيار لبعض مظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ ، كما
يمكن أن يقال أيضا إن الكاتب - حينما يختار قارئه - يفصل بذلك في موضوع
كتابه. ولذلك كانت كل الأعمال الفكرية محتوية في نفسها على صورة القارئ
الذي كتبت لــــــه "
إن صورة القارئ المتضمنة في العمل هي ما سيصطلح عليها بالقارئ
الضمني ينم تحليل جون بول سارتر ، عن وعي عميق بوظيفته القارئ في
انفتاح العمل الأدبي على إمكانيات لا نهاية من التأويلات ، حيث انتقد
التصور الذي يعلي من شأن المؤثرات الخارجية من جهة المؤلف يقول : "
سيستهوي قوما القول بأن كل محاولة لتفسر عمل الفكر ، عن طريق الجمهور
الذي يتوجه به إليه ، محاولة زائفة مفتعلة تتناول العمل تناولا غير
مباشر . ألا يكون الأمر أيسر وأقوم وأدق إذا أخذنا ظروف الكاتب نفسه
عاملا حاسما في إنتاجه ؟ ألا يكون من الأوفق القول بفكرة " تين " في
تأثير البيئة ؟ غير أني أجيب هؤلاء بأن التفسير بالبيئة حاسم حقا من
حيث إن البيئة تنتج الكاتب، ولذلك لا أعتقد في هذا التفسير. إذ الشأن
في الجمهور أن يكون على النقيض من ذلك ، لأنه يهيب بالكاتب ، أن يضع
أسئلة يتوجه بها إلى حريته. والبيئة قوة دافعة إلى الخلف ، ولكن
الجمهور على النقيض انتظار ، وفراغ يملأ.
من خلال هذا النقد الذي يوجهه سارتر للمنهج الوضعي، الذي يحاول
تفسير الإبداع بمقولات علية خارجية متحكمة ومقيدة للحرية ، تبرز
الخلفية الفلسفية المتحكمة في تصوره للإشادة بمقولة القارئ باعتباره
محررا للعمل الأدبي وضامنا لاستمراريته في الحاضر والمستقبل ، في حين
أن كل تفسير يعطي الأولية للعلل المتحكمة يسقط في دفع العمل إلى الماضي
وإلى الخلف.
تبقى هذه الأفكار حول مفهوم القراءة والقارئ لبنات أولية في بروز
نظرية التلقي ، هذه النظرية
التي ستتخذ صيغتها النسقية في ألمانيا ، في مدرسة كونسطانس وقد كان
من أبرز رواد هذه النظرية كل من هانس روبير ياوس وفولفغانغ آيزر. فكيف
تمت بلورة هذه النظرية وما هي خلفياتها الفلسفية ومفاهيمها الأساسية ؟
نظرية التلقي : النشأة والأسس:
إن نشوء نظرية ما هو جواب عن سؤال ، واستجابة لحاجة ، بالإضافة إلى
أن النظرية تحمل معها نموذجا استبداليا جديدا يتجاوز النماذج السابقة ،
ولا تنشأ النظرية إلا إذا وقعت أزمة في الأسس ، وبذلك تكتسب النظرية
الجديدة مشروعيتها. فما هي الأسئلة التي طرحت على نظرية التلقي ؟ وما
هي طبيعة الأزمة التي سعت هذه النظرية إلى اقتراح حلول لها ؟
يذهب " فانسون يوف " في كتابة " ما القراءة ؟ " إلى أن السبب في
الاهتمام بالقراءة والقارئ هو المأزق الذي عرفته الدراسات الشكلانية ،
والتطور الذي حصل في ميدان اللسانيات ، لقد بدأ الاهتمام بالقراءة
يتطور " في الوقت الذي عرفت فيه المقاربات البنيوية بعض الفتور ، إذ
تبين أن اختزال النص الأدبي إلى مجموعة من الأشكال عديم الفائدة ، لقد
أصبحت الشعرية في مأزق ـ إذ كل دراسة تعنى بالبنيات فقط تؤدي إلى نماذج
عامة وناقصة جدا " أما السبب الثاني فهو الانطلاقة التي ستعرفها
التداوليات بحيث أضافت للسانيات في وصفها لاشتغال اللغة فرعا ثالثا
للفرعين المعهودين : " التركيب " الذي يعنى بدراسة العلاقة بين
العلامات ، و " علم الدلالة " الذي يبحث في علاقة العلامات بما تدل
عليه ، وهو التداوليات، أي البحث في علاقة العلامات بمستعمليها. وهكذا
فالتداوليات ستركز على التفاعل داخل الخطاب، بين الإرسالية والمرسل
إليه وبين النص والقارئ. ومن تم سيحدث تحول كبير في علاقة المكونات
التي يتم بها التواصل ، وسيعاد النظر في تحديد الأدب وطريقة دراسة
النصوص. فالسؤال ما الأدب ؟ يعني أن نتساءل لماذا نقرأ كتابا ما ؟ لقد
" أصبحت أحسن وسيلة لفهم قوة واستمرارية بعض الأعمال هي أن نتساءل حول
ما يجده القراء فيها .
أما روبير هولوب ، في كتابه نظرية التلقي ( مقدمة نقدية ) ، فإنه
اعتمد مقالة لهانس روبير ياوس نشرت سنة 1969 تحت عنوان " التغيير في
أنموذج الدراسات الأدبية ". حيث لخص فيها هذا الأخير تاريخ المناهج
الأدبية مفترضا أن بداية ثورة ما في الدراسات المعاصرة كانت على وشك
الحدوث. وقد أكد ياوس في هذه المقالة " أن دراسة الأدب ليست عملية
تشتمل على التراكم التدريجي للوقائع والحجج التي من نشأتها أن تقرب
أكثر ، كل جيل متعاقب ماهية الأدب في الواقع أو تقربه من فهم صحيح
للأعمال الأدبية الفردية ، بل بالأحرى يتميز التطور الأدبي بالقفزات
النوعية والانقطاعات ونقط الانطلاق الأصلية. ويتم إقصاء الأنموذج الذي
سبق أن وجه البحث الأدبي في الوقت الذي لم يعد يستجيب للمتطلبات التي
وضعتها له الدراسات الأدبية ، وهكذا فإن أنموذجا جديدا يكون ملائما
أكثر لهذه المهمة ومستقلا عن النمط الأسبق ويحل هذا الأنموذج محل
المقاربة المتقادمة إلى أن يصبح هو بدوره عاجزا على مسايرة وظيفته التي
هي تفسير الأعمال الماضية للأجيال في الوقت الحاضر. يتبين من خلال هذا
النص أن ياوس استفاد من بعض المفاهيم الأبستيمولوجية ، وهي مفهوم "
الأنموذج paradigm " و " الثورة العلمية " محاولا بذلك إعادة تفسير
طبيعة التطور الأدبي محتذيا في ذلك منهجية العلوم الطبيعية ، فمفهوم
الأنموذج مكنه من رصد الانقطاعات الحاصلة في التطور الأدبي ؛ حيث أن كل
أنموذج يحمل معه رؤية ترتبط بأسئلة معينة وتستجيب لحاجيات خاصة ؛
وحينما يعجز الأنموذج على مسايرة التطورات الحاصلة ولا يقدر على إيصال
الأعمال القديمة للقارئ الحديث فإنه يخلي المكان لنموذج آخر ، قادر على
خلق تقنيات تأويل جديدة وكذا الموضوعات التي ينبغي تأويلها.
ولكي يبرز ياوس جدة الأنموذج الذي سيطلق عليه نظرية التلقي ، سيصنف
النماذج السابقة مبرزا طبيعتها وخلفياتها وحدودها وهي كالتالي:
أ/ أنموذج ما قبل المرحلة العملية : وهو أنموذج كلاسيكي ذو نزعة
إنسانية يعتمد كمعيار مقارنة الأعمال الأدبية بالنماذج المتفق عليها
لدى القدماء. فالأعمال التي قلدت الأعمال الكلاسيكية بنجاح كانت تعتبر
جيدة أو مقبولة ، أما تلك التي خرجت عن أعراف النماذج العريقة فكانت
تعتبر رديئة أو غير مرضية. وكانت مهمة الناقد هي قياس الأعمال الأدبية
في الحاضر مقابل القواعد الثابتة.
ب/ أنموذج الثورة العلمية للنزعة التاريخية : ظهر هذا الأنموذج بعد
انهيار النموذج الأول في القرنــــين 18 و 19 وقد ظهر عقب تأسيس الأمم
والاتصالات من أجل الوحدة الوطنية في كل أرجاء أوربا . وكنتيجة
للتغيرات السياسية والتخمينات الإيديولوجية ، فقد أصبح تاريخ الأدب
لحظة مؤملة من لحظات الشرعية الوطنية وبالتالي ارتكز النشاط على دراسات
المصادر وعلى محاولات إعادة بناء ما قبل التاريخ لنصوص القرون الوسطى
المعيارية ... وغالبا ما ارتبطت هذه المقاربة " التاريخانية " الوضعية
من حيث المنهج بمقاربة آلية للنصوص وكذا برؤية ضيقة تكاد تكون شفينية.
ج/ النموذج " الجمالي-الشكلاني": داخل هذا الأنموذج مناهج متعددة
كالأسلوبية وتاريخ الأفكار، والشكلانية الروسية ، والنقد الجديد ، وما
يربط مختلف هؤلاء النقاد والمدارس هو التحول من التفسيرات التاريخية
والسببية إلى التركيز على العمل نفسه.
إن الوقوف على محدوديته هذه الأنموذجات سيفسح المجال لظهور أنموذج
رابع ، ولو أنه " لا يمكن تحديده بعد شكل دقيق 2 كما يذهب هيلوب ، غير
أن ياوس يضع مجموعة من المقتضيات المنهجية تحدد طبيعة هذا النموذج
وتميزه عن النماذج الأخرى. فبالإضافة إلى التأويل والتوسط وتحيين فن
الماضي وهو شرط أساسي استوفته كل أنموذج سابق. هناك شروط أخرى وهي :
- الوساطة بين التحليل الجمالي ، والشكلي ، والتاريخي ، والتحليل
المرتبط بالتلقي ، وكذا بين الفن والتاريخ والواقع الاجتماعي.
- ربط المناهج البنائية والمناهج التأويلية.
- سبر أعماق جمالية التأثير ( التي لم تعد ترتبط بالوصف وحده ) ،
وبلاغة جديدة تستطيع فعلا تفسير الأدب " الراقي " وكذا الأدب الشعبي
وظواهر وسائل الإعلام في آن واحد .
من خلال هذه المقتضيات يتضح لنا الطابع التركيبي لنظرية التلقي ؛
حيث أن هذه الأخيرة تسعى إلى تجاوز النزعة البنائية والشكلانية
المعتمدة على الوصف وتجاوز النزعة التاريخانية التي تعتمد على تفسير
الحدث محاولة بذلك تركيب هذين التوجيهين بفتحها على القارئ وعلى
الهرمينوطيقا ، بغية إحداث بلاغة جديدة تكسر الحدود ما بين ما اصطلح
عليه بالأدب الراقي والأدب الشعبي.
من توقعات القاريء الى معنى التجربة
الجمالية(3)
يعد الناقد والمؤرخ الأدبي هانز روبرت يدوس (1921-1997) من أبرز
أعلا مدرسة كونستانس التي عني أفرادها بصورة عامة، بعلاقة دلالة النص
الأدبي بالقاريء. وقد طور ياوس، مع زملائه في جامعة كونستانسى
الألمانية، وعلى رأسهم وولفغانغ آيسر، ما عرف في سنوات الستينات
والسبعينات بـ " نظرية التلقي ". وكان لأستاذه هانز جورج نما داعر،
الذي درس على يديه في جامعة هايديلبيرغ، أكبر الأثر على أفكاره التي
دارت حول معنى التأويل وعلاقة ما يتوقعه القراء من العمل الأدبي في زمن
بعينه، بمعنى هذا العمل وتاريخيته.
درس يدوس فقه اللغات الرومانسية والنقد الأدبي في جامعة كونستانس،
كما درس أيضا في جامعتي كولومبيا وييل الأمريكية ن وجامعة السوربون في
فرنسا، وتركزت التاثيرات الأساسية على عمله النقدي في تأويلية غادامر
وشعرية الشكلانيين الروس حيث تنازعه مزان التياران، من تيارات التفكر
النقدي، على مدار أعماله ويلحظ الدارسون هذه التأثيرات في حوليات مدرسة
كونستانس، التي بدات في اصدارها منذ عام 1963،.
والتي ظلت تصدر تحت عنوان "الشعريات والتأويل "، وهما كلمتان تبينان
حالة الانقسام داخل المدرسة بين تيارين أساسيين في مجموعة "نظرية
التلقي" الألمانية يحاولان، رغم تباين وجهات النظر حول معنى العمل
الآدبي ان يتوصلا الى طبيعة العلاقة التي تقوم بين النص والقاري، ففي
الوقت الذي يركز التأويل على تحديد المعنى تقوم الشعرية بالوصف العلمي
للنص دون الانشغال بالدلالة.
من الواضح في عمل هانز روبرت يدوس انه ينتمي الى التيار الذي يشدد
على تأويل النص وتاريخيته وتركز أعماله الأولى على تجديد معنى
"التاريخ الأدبي" وجعله يحتل قلب الدراسة الأدبية. ومع أنه لا يدعو الى
العودة الى التركيز على حياة المؤلف وبينته التاريخية، كما يفعل النقد
التقليدي، فإن جوهر دعوته النقدية يتمثل في محاولة التوفيق بين الجدل
التاريخي الماركس والشكلانية الروسية. لكنه في الوقت نفسه يرفض النظرية
الماركسية في الانعكاس لأنها تختزل العمل الأدبي الى عملية نسخ وظيفي
للواقع. وهو، رغم تأثره الواضح بالشكلانيين الروس وخصوصا بمفهوم "نزح
الالفة " الذي صكه الناقد الشكلاني الروسي فكتور شكلوفسكي، يشدد على أن
عملهم غير كاف لأنه "لا يرى العمل الفني في التاريخ، أي في أفق انتاجه
التاريخي، ولا يعاين وظيفته الاجتماعية، وأثره التاريخي." (نحو فهم
جمال لعملية التلقي، ص 18).
في اعتراض مواز لنقدد عمل الشكلانيين الروس يقول ياوس أن اصرار
الناقد البنيوي الفرنسي رولان بارت على "لعبة القناص الحر. التي لا
حدود لها" لا تنتب قراءات تاريخية، أو جمالية. وبالمقابل فإن مدرسة
التأويل الأدبي (الهيرمونيطيقا) "تقدم فرضية شديدة الأهمية وهي أن
تعيين معاني الأعمال الأدبية يتطور تاريخيا ويستند الى منطق محدد مما
يساعد في تشكل المعايير الأدبية. ويضيف على جديدا الى سلسلة الأعمال
الأدبية الكبرى، كما يساعد في عملية تحول هذه المعايير على مدار
التاريخ. والأهم من ذلك أن هذه الفرضية تسمح بعملية التمييز بين
"التأويلات الاعتباطية وتلك التأويلات التي حظيت بنوء من الاجماع " بين
القراء والنقاد والدوائر الأدبية المختلفة. (نحو فهم جمالي، ص 148).
في هذا السياق صاغ يدوس تعبير "أفق التوقعات " ليفسر أسس عملية
الاستقبال الأدبي حيث تتحدد قيمة أي نص بالاستناد الى المسافة التي
تقوم بينه وبين "أفق التوقعات ".
يذكرنا مصطلح "أفق التوقعات " بتعبير " اندماج الآفاق " الذي صاغه
وفسر استنادا اليه عمليات فهم الماضي والآخر، اذ بدلا من الحديث عن
الفهم كحقيقة موضوعية يرى غا دامر أن الفهم لا يتحقق الا من خلال تكييف
المعنى وتسوية الخلاف في وجهات النظر. ان عملية القراءة، حسب غا
دامر،هي نوع من تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر، ونحن إذ نمارس فعل
القراءة في الحاف لا نستطيع التخلص من الأفكار الجاهزة والتميزات
المستقرة في ثقافتنا. ولكننا مم ذلك نستطيع في هذا الأفق المحدود
تاريخيا اذن نتوصل الى بعض الفهم الذي يمكننا من القاء بعض الضوء على
النصوص القديمة. وفي أثناء عملية الفهم هذه قد يحصل نوع من الاندماج
بين " أفق توقعاتنا" وآفاق كتابة الماضي وقراءته.
ومع أن يدوس يحاول، في فهمه علاقة العمل الأدبي بالمتلقي أن يفسر
الطبيعة المتغيرة لمعنى العمل الأدبي، إلا أن تأثيرات في غادامر
ومارسته التأويلية، التي تشدد على أن المعنى لا يتحقق الا عبر علاقة
مجاورة أو من خلال المصادفة،واضحة في عمله. لكن الاختلاف بين غادامر
ويدوس يكمن في طبيعة مشروع يدوس. انه لا يعني بالتركيز على المؤلف،أو
النص، أو التأثيرات الأدبية بل هي عملية تلقي النحى بدءا من رهن كتابته
وانتهاء بعملية تأويله من قبل القاريء أو مجموعة القراء في الوقت
الحاضر. ليس النص في هذه الحالة، وجودا موضوعيا محاطا بعدد غير محدود
من التأويلات التي تشكل ظلالا شبحية له، بل إن هوية هذا النص لا تتحقق
الا في أفق عملية استقباله، ومن خلال عملية التأويل الجماعي لأجيال
متتالية من القراء.
يقول يدوس في مقالته الشهيرة، " التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية
الأدبية (1970).
لا تستند تاريخية الأدب الى من مسممة " الحقائق الأدبية " (...لا بل
الى التجارب السابقة للقراء مع العمل الأدبي".
يثير العمل الأدبي بهذا المعنى، أصداء مختلفة لدى القراء ومن ثم
يحرر نفسا من مادية الكلام ويحقق وجودا في العالم المعاصر. ومن هنا فإن
تأريخ الأدب يتشكل من عملية التلقي والانتاج الجمالي على صعيد القاريء
والناقد والمؤلف في سيرورة انتاجه الأدبي. أن النص يقيم حوارا لا ينقطه
بين الماضي والحاضر حيث يتم فهم الماضي واستقبالة من خلال الأفق
الثقافي للحاضر. ولكي يصبح فهم الماضي ممكنا يطالب يدوس بنوع من
"اندماج الآفاق " لتوحيد الماضي والحاضر.
ان يدوس يموضع العمل الأدبي في " أفقه " التاريخي، وفي سياق المعاني
الثقافية التي سبق انتاجها، ثم يعمل على تفحص العلاقات المتغيرة بين
هذه المعاني و" الآفاق " المتغيرة لقراء العمل التاريخيين. وهدف الناقد
الألماني، من هذا الاختبار، هو خلق نور؟. جديد من التاريخ الأدبي الذي
لا يركز على المؤلف ن والتأثيرات والتيارات الأدبية، بل على تأويلات
الأدب في لحظات "استقباله " التاريخية. وحسب نظرية يدوس فإن الأعمال
الأدبية لا تبقى ثابتة. في الوقت الذي نتغير التأويلات بل أن النصوص
والتقاليد الأدبية نفسها تتغير استنادا الى "الآفاق " التاريخية التي
تستقبل ضمنها.
لكن كيف يمكن للعمل الأدبي الجديد، الذي ينتهك القواعد المستقرة
المعروفة لدى القراء، أن يقدم نفسه ؟
يرى هانز روبرت يدوس أن العمل الأدبي الجديد لا يقدم نفسه للقاريء
بوصفه جديدا تماما. انه يعرض نفسه على القاريء من خلال الاشارات
الصريحة والمقنعة والتلميحات الضمنية والخصائص المالوفة بالنسبة
للقاريء موقظا بذلك بعض الذكريات في نفسه جاعلا اياه يتوقع شكل بداية
القحل ونهايته حيث يعمل في هذه الحالة على مخالفة توقعات القاريء
واعادة توجيهه، على. مدار النص أو ايقاظ حسن المفارقة فيه بحيث يكون
باستطاعة الكاتب ان منوه على هذا التوقعات أو مقوم بتغيرها أو تصحيحها
أو اعادة انتاجها. كل ذلك يحدث استنادا الى القواعد والقوانين الخاصة
بالنوع. بالشكل الأدبي للنص لكي يحدث. ما يسميه يدوس. " تغيرا في آفاق
التوقعات ". وهو يخالف بذلك جماعة سوسيولوجيا الأدب الذين يحقدون أن
الكاتب موثق الى جمهور قرائه، الى الوسط الذي يوجد فيه والى الاراء
والايديولوجية السائدة في زمنة بحيث يتوجب عليه ان ينقب كتابا يوافق "
توقعات قرائه ". ويقدم لهم الصورة التي يحبون أن يروها لأنفسهم.
ان هذا النوع مدن الحتمية الوضعية مرفوض من قبل ياوس. وهو من خلال
تفسيره كيفية دخول الأعمال الجديدة التي تنتقك " توقعات " القراء
وكيفية استقبالهم للأعمال الأدبية، في السلسلة الادبية يفسر عملية
التطور الأدبي وتطور الأشكال وتغيرات.أثارات مقالة هانز روبرت يدوس
"التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية الادبية " ردود فعل كثيرة في
ألمانيا. وقد واصل الناقد الألماني الغربي بتأثير ردود الفعل هذه
الدفاع عن التصوراته النظرية التي طرحها في مقالته الشهيرة. ولكنه في
الوقت نفسه قام بتعديل همزه التصورات منذ سنوات السبعينات أكثر من مرة،
في معاركة النقدية مع ممثلي مدرسة فرانكفورت ونخص بالذكر هنا انتقاداته
لعمل ثيودور
ادورنو، اورده على النقاد الذين ينتمون الى جمهورية المانيا
الديمقراطية مسابقا.
أن ثيودور ادورنو اذ يبحث، في كتابه "نظرية علم الجمال " (وقد نشر
بعد وفاته )، معنى الثيمات الأساسية في علم الجمال _ استقلالية العمل
الأدبي والعمل الأدبي بوصفه ظاهرة اجتماعية _ تاريخية والجمال المشترك
بين الطبيعة والفن - يشدد على دور علم الجمال الفلسفي في فهم طبيعة
الفن الحداثي، الذي يصر على النفي السلبي للمجتمع كنوع من النقد
الاجتماعي والكفاح ضد التكيف الاجتماعي والسلبية اللاعقلانية التي سادت
في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا فإن الفن العظيم بالنسبة
لادورنو هو بمثابة المزاولة التاريخية - الفلسفية التي تضيء جوانب من
الواقع الاجتماعي ولكنها تنكره وتوجه أشد الانتقاد له في الوقت نفسه.
انه بهذا المعنى ينكر أي دور تغييري مباشر للفن في المجتمع.
يعارض يدوس نظرية أدورنو قائلا ان بامكان الأدب والفن أن يلعبا دورا
تقدميا في المجتمع، وينتقد النظرة النخبوية للفن ومفهوم استقلالية
العمل الأدبي والتجربة الجمالية نفسها، والمتعة المتضمنة في التواصل مع
العمل الأدبي أو الفني وهو يقوم من ثم باستبدال مصطلحه، الأثير على
نفسه، "أفق التوقعات " بتعبير التجربة الجمالية بوصفها المتعة الذاتية
التي يحصل عليها المرء من خلال التواصل مع متعة جمالية الأخرى.
لقد تعرضت نظرية "التلقي" لهجوم عنيف من قبل عدد من نقاد ألمانيا
الديمقراطية في أوائل السبعينات حيث عدوها نتيجة منطقية لرفض مدرسة
"التلقي" الالمانية الغربية، الاقرار بتشخيص الماركسية لتنقاضات
المجتمع البرجوازي، وقد اختار هؤلاء هانز روبرت يدوس لتوجيه انتقادات
عنيفة لعمله، بسبب محاولته تطعيم نظريته في الدراسة الأدبية بمفهوم
ذاتي غير ماركسي للتاريخ. ومن بين أبرز نقاد جمهورية المانيا
الديمقراطية (سابقا) روبرت فايمان الذي يؤكد في كتابه "البنية والمجتمع
في التاريخ الأدبي" (1976) أن عمل يدوس يقع أسير مذهب الذاتانية
الخالصة عندما يعتقد أن وعي القراء الأفراد هو الذي يحدد التاريخ بصورة
نهائية. كما أنه ينتقد يدوس قائلا أنه لا يزودنا بأية معايير نستند
اليها لتقييم النص أو عملية التلقي والحكم عليهما.
بسبب هذه الانتقادات لطبيعة فهم يدوس للعملية المثلثة الاطراف،
المنتج الأدبي _ النص _ المتلقي، أدرك يدوس وجوه التقصير في نظريته
فتحول من التشديد على عملية التلقي الى التشديد على التجربة الجمالية.
لقد أصبحت اهتمامات هانز روبرت يدوس ء في فترة السبعينات ء ذات
طبيعة تأويلية خالصة، وأصبح تعبير "التجربة الجمالية " يتردد بصورة
مستمرة في معظم كتاباته، حتى أن كتابه الأساسي الذي أصدره بالالمانية
عام 1977 حمل عنوان "التجربة الجمالية ونظرية التأويل الأدبي" (وهو يضم
مقالة بالعنوان نفسه كان اصدرها عام 1972). في هذا الكتاب يميز يدوس
بين أنواع ثلاثة من التجربة : انتاج الممارسة الجمالية، وعملية التلقي،
والعملية التواصلية (التي تحقق عملية التطهير، مما يذكر بالفهم الأوسطي
لوظيفة العمل الأدبي). ويمكن القول أن النوع الثالث من أنواع التجربة،
ممثلا بالعملية التواصلية، يحتل في هذه المرحلة من مراحل تفكير يدوس
بؤرة مركزية وهو يعرفه بأنه "متعة الشاعر التي يحركها الكلام أو الشعر
الذي يستطيع أن يحدث تغييرا في المعتقد، ويؤدي في الوقت نفسه الى تحرير
عقل السامع أو المتشاهد "أي أن التجربة الجمالية تحقق ثلاث وظائف في
المجتمع : فهي تعمل على ايجاد المعايير والقيم، وانها تبقي على
المعايير السائدة في المجتمع، أو ترفض التكيف مع هذه المعايير السائدة.
بناء على هذا التصور النظري الجديد للعلاقة بين النص والقاريء يرى
يدوس أن هناك خمسة أنماط من التفاعل بين العمل الأدبي وكيفية تلقيه :
وهي علاقات التداعي،والاعجاب، والتعاطف والتطهير، والاحساس بالمفارقة،
ومن ثم فإنه يوفر نموذجا شاملا لفهم العلاقة بين علم الجمال وعملية
استقبال الأعمال الأدبية، متوجا بذلك نظريته في التلقي التي ركزت في
البداية على بنية " توقعات " القراء وانتهت الى التشديد على معنى
التجربة الجمالية ووظائفها المتحققة من خلال عملية القراءة.
يعد الناقد والمؤرخ الأدبي هانز روبرت يدوس (1921-1997) من أبرز
أعلا مدرسة كونستانس التي عني أفرادها بصورة عامة، بعلاقة دلالة النص
الأدبي بالقاريء. وقد طور ياوس، مع زملائه في جامعة كونستانسى
الألمانية، وعلى رأسهم وولفغانغ آيسر، ما عرف في سنوات الستينات
والسبعينات بـ " نظرية التلقي ". وكان لأستاذه هانز جورج نما داعر،
الذي درس على يديه في جامعة هايديلبيرغ، أكبر الأثر على أفكاره التي
دارت حول معنى التأويل وعلاقة ما يتوقعه القراء من العمل الأدبي في زمن
بعينه، بمعنى هذا العمل وتاريخيته.
درس يدوس فقه اللغات الرومانسية والنقد الأدبي في جامعة كونستانس،
كما درس أيضا في جامعتي كولومبيا وييل الأمريكية ن وجامعة السوربون في
فرنسا، وتركزت التاثيرات الأساسية على عمله النقدي في تأويلية غادامر
وشعرية الشكلانيين الروس حيث تنازعه مزان التياران، من تيارات التفكر
النقدي، على مدار أعماله ويلحظ الدارسون هذه التأثيرات في حوليات مدرسة
كونستانس، التي بدات في اصدارها منذ عام 1963،.
والتي ظلت تصدر تحت عنوان "الشعريات والتأويل "، وهما كلمتان تبينان
حالة الانقسام داخل المدرسة بين تيارين أساسيين في مجموعة "نظرية
التلقي" الألمانية يحاولان، رغم تباين وجهات النظر حول معنى العمل
الآدبي ان يتوصلا الى طبيعة العلاقة التي تقوم بين النص والقاري، ففي
الوقت الذي يركز التأويل على تحديد المعنى تقوم الشعرية بالوصف العلمي
للنص دون الانشغال بالدلالة.
من الواضح في عمل هانز روبرت يدوس انه ينتمي الى التيار الذي يشدد
على تأويل النص وتاريخيته وتركز أعماله الأولى على تجديد معنى
"التاريخ الأدبي" وجعله يحتل قلب الدراسة الأدبية. ومع أنه لا يدعو الى
العودة الى التركيز على حياة المؤلف وبينته التاريخية، كما يفعل النقد
التقليدي، فإن جوهر دعوته النقدية يتمثل في محاولة التوفيق بين الجدل
التاريخي الماركس والشكلانية الروسية. لكنه في الوقت نفسه يرفض النظرية
الماركسية في الانعكاس لأنها تختزل العمل الأدبي الى عملية نسخ وظيفي
للواقع. وهو، رغم تأثره الواضح بالشكلانيين الروس وخصوصا بمفهوم "نزح
الالفة " الذي صكه الناقد الشكلاني الروسي فكتور شكلوفسكي، يشدد على أن
عملهم غير كاف لأنه "لا يرى العمل الفني في التاريخ، أي في أفق انتاجه
التاريخي، ولا يعاين وظيفته الاجتماعية، وأثره التاريخي." (نحو فهم
جمال لعملية التلقي، ص 18).
في اعتراض مواز لنقدد عمل الشكلانيين الروس يقول ياوس أن اصرار
الناقد البنيوي الفرنسي رولان بارت على "لعبة القناص الحر. التي لا
حدود لها" لا تنتب قراءات تاريخية، أو جمالية. وبالمقابل فإن مدرسة
التأويل الأدبي (الهيرمونيطيقا) "تقدم فرضية شديدة الأهمية وهي أن
تعيين معاني الأعمال الأدبية يتطور تاريخيا ويستند الى منطق محدد مما
يساعد في تشكل المعايير الأدبية. ويضيف على جديدا الى سلسلة الأعمال
الأدبية الكبرى، كما يساعد في عملية تحول هذه المعايير على مدار
التاريخ. والأهم من ذلك أن هذه الفرضية تسمح بعملية التمييز بين
"التأويلات الاعتباطية وتلك التأويلات التي حظيت بنوء من الاجماع " بين
القراء والنقاد والدوائر الأدبية المختلفة. (نحو فهم جمالي، ص 148).
في هذا السياق صاغ يدوس تعبير "أفق التوقعات " ليفسر أسس عملية
الاستقبال الأدبي حيث تتحدد قيمة أي نص بالاستناد الى المسافة التي
تقوم بينه وبين "أفق التوقعات ".
يذكرنا مصطلح "أفق التوقعات " بتعبير " اندماج الآفاق " الذي صاغه
وفسر استنادا اليه عمليات فهم الماضي والآخر، اذ بدلا من الحديث عن
الفهم كحقيقة موضوعية يرى غا دامر أن الفهم لا يتحقق الا من خلال تكييف
المعنى وتسوية الخلاف في وجهات النظر. ان عملية القراءة، حسب
غا دامر،هي نوع من تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر، ونحن إذ نمارس
فعل القراءة في الحاف لا نستطيع التخلص من الأفكار الجاهزة والتميزات
المستقرة في ثقافتنا. ولكننا مم ذلك نستطيع في هذا الأفق المحدود
تاريخيا اذن نتوصل الى بعض الفهم الذي يمكننا من القاء بعض الضوء على
النصوص القديمة. وفي أثناء عملية الفهم هذه قد يحصل نوع من الاندماج
بين " أفق توقعاتنا" وآفاق كتابة الماضي وقراءته.
ومع أن يدوس يحاول، في فهمه علاقة العمل الأدبي بالمتلقي أن يفسر
الطبيعة المتغيرة لمعنى العمل الأدبي، إلا أن تأثيرات في غادامر
ومارسته التأويلية، التي تشدد على أن المعنى لا يتحقق الا عبر علاقة
مجاورة أو من خلال المصادفة،واضحة في عمله. لكن الاختلاف بين غادامر
ويدوس يكمن في طبيعة مشروع يدوس. انه لا يعني بالتركيز على المؤلف،أو
النص، أو التأثيرات الأدبية بل هي عملية تلقي النحى بدءا من رهن كتابته
وانتهاء بعملية تأويله من قبل القاريء أو مجموعة القراء في الوقت
الحاضر. ليس النص في هذه الحالة، وجودا موضوعيا محاطا بعدد غير محدود
من التأويلات التي تشكل ظلالا شبحية له، بل إن هوية هذا النص لا تتحقق
الا في أفق عملية استقباله، ومن خلال عملية التأويل الجماعي لأجيال
متتالية من القراء.
يقول يدوس في مقالته الشهيرة، " التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية
الأدبية (1970).
لا تستند تاريخية الأدب الى من مسممة " الحقائق الأدبية " (...لا بل
الى التجارب السابقة للقراء مع العمل الأدبي".
يثير العمل الأدبي بهذا المعنى، أصداء مختلفة لدى القراء ومن ثم
يحرر نفسا من مادية الكلام ويحقق وجودا في العالم المعاصر. ومن هنا فإن
تأريخ الأدب يتشكل من عملية التلقي والانتاج الجمالي على صعيد القاريء
والناقد والمؤلف في سيرورة انتاجه الأدبي. أن النص يقيم حوارا لا ينقطه
بين الماضي والحاضر حيث يتم فهم الماضي واستقبالة من خلال الأفق
الثقافي للحاضر. ولكي يصبح فهم الماضي ممكنا يطالب يدوس بنوع من
"اندماج الآفاق " لتوحيد الماضي والحاضر.
ان يدوس يموضع العمل الأدبي في " أفقه " التاريخي، وفي سياق المعاني
الثقافية التي سبق انتاجها، ثم يعمل على تفحص العلاقات المتغيرة بين
هذه المعاني و" الآفاق " المتغيرة لقراء العمل التاريخيين. وهدف الناقد
الألماني، من هذا الاختبار، هو خلق نور؟. جديد من التاريخ الأدبي الذي
لا يركز على المؤلف ن والتأثيرات والتيارات الأدبية، بل على تأويلات
الأدب في لحظات "استقباله " التاريخية. وحسب نظرية يدوس فإن الأعمال
الأدبية لا تبقى ثابتة. في الوقت الذي نتغير التأويلات بل أن النصوص
والتقاليد الأدبية نفسها تتغير استنادا الى "الآفاق " التاريخية التي
تستقبل ضمنها.
لكن كيف يمكن للعمل الأدبي الجديد، الذي ينتهك القواعد المستقرة
المعروفة لدى القراء، أن يقدم نفسه ؟
يرى هانز روبرت يدوس أن العمل الأدبي الجديد لا يقدم نفسه للقاريء
بوصفه جديدا تماما. انه يعرض نفسه على القاريء من خلال الاشارات
الصريحة والمقنعة والتلميحات الضمنية والخصائص المالوفة بالنسبة
للقاريء موقظا بذلك بعض الذكريات في نفسه جاعلا اياه يتوقع شكل بداية
القحل ونهايته حيث يعمل في هذه الحالة على مخالفة توقعات القاريء
واعادة توجيهه، على. مدار النص أو ايقاظ حسن المفارقة فيه بحيث يكون
باستطاعة الكاتب ان منوه على هذا التوقعات أو مقوم بتغيرها أو تصحيحها
أو اعادة انتاجها. كل ذلك يحدث استنادا الى القواعد والقوانين الخاصة
بالنوع. بالشكل الأدبي للنص لكي يحدث. ما يسميه يدوس. " تغيرا في آفاق
التوقعات ". وهو يخالف بذلك جماعة سوسيولوجيا الأدب الذين يحقدون أن
الكاتب موثق الى جمهور قرائه، الى الوسط الذي يوجد فيه والى الاراء
والايديولوجية السائدة في زمنة بحيث يتوجب عليه ان ينقب كتابا يوافق "
توقعات قرائه ". ويقدم لهم الصورة التي يحبون أن يروها لأنفسهم.
ان هذا النوع مدن الحتمية الوضعية مرفوض من قبل ياوس. وهو من خلال
تفسيره كيفية دخول الأعمال الجديدة التي تنتقك " توقعات " القراء
وكيفية استقبالهم للأعمال الأدبية، في السلسلة الادبية يفسر عملية
التطور الأدبي وتطور الأشكال وتغيرات.أثارات مقالة هانز روبرت يدوس
"التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية الادبية " ردود فعل كثيرة في
ألمانيا. وقد واصل الناقد الألماني الغربي بتأثير ردود الفعل هذه
الدفاع عن التصوراته النظرية التي طرحها في مقالته الشهيرة. ولكنه في
الوقت نفسه قام بتعديل همزه التصورات منذ سنوات السبعينات أكثر من مرة،
في معاركة النقدية مع ممثلي مدرسة فرانكفورت ونخص بالذكر هنا انتقاداته
لعمل ثيودور
ادورنو، اورده على النقاد الذين ينتمون الى جمهورية المانيا
الديمقراطية مسابقا.
أن ثيودور ادورنو اذ يبحث، في كتابه "نظرية علم الجمال " (وقد نشر
بعد وفاته )، معنى الثيمات الأساسية في علم الجمال _ استقلالية العمل
الأدبي والعمل الأدبي بوصفه ظاهرة اجتماعية _ تاريخية والجمال المشترك
بين الطبيعة والفن - يشدد على دور علم الجمال الفلسفي في فهم طبيعة
الفن الحداثي، الذي يصر على النفي السلبي للمجتمع كنوع من النقد
الاجتماعي والكفاح ضد التكيف الاجتماعي والسلبية اللاعقلانية التي سادت
في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا فإن الفن العظيم بالنسبة
لادورنو هو بمثابة المزاولة التاريخية - الفلسفية التي تضيء جوانب من
الواقع الاجتماعي ولكنها تنكره وتوجه أشد الانتقاد له في الوقت نفسه.
انه بهذا المعنى ينكر أي دور تغييري مباشر للفن في المجتمع.
يعارض يدوس نظرية أدورنو قائلا ان بامكان الأدب والفن أن يلعبا دورا
تقدميا في المجتمع، وينتقد النظرة النخبوية للفن ومفهوم استقلالية
العمل الأدبي والتجربة الجمالية نفسها، والمتعة المتضمنة في التواصل مع
العمل الأدبي أو الفني وهو يقوم من ثم باستبدال مصطلحه، الأثير على
نفسه، "أفق التوقعات " بتعبير التجربة الجمالية بوصفها المتعة الذاتية
التي يحصل عليها المرء من خلال التواصل مع متعة جمالية الأخرى.
لقد تعرضت نظرية "التلقي" لهجوم عنيف من قبل عدد من نقاد ألمانيا
الديمقراطية في أوائل السبعينات حيث عدوها نتيجة منطقية لرفض مدرسة
"التلقي" الالمانية الغربية، الاقرار بتشخيص الماركسية لتنقاضات
المجتمع البرجوازي، وقد اختار هؤلاء هانز روبرت يدوس لتوجيه انتقادات
عنيفة لعمله، بسبب محاولته تطعيم نظريته في الدراسة الأدبية بمفهوم
ذاتي غير ماركسي للتاريخ. ومن بين أبرز نقاد جمهورية المانيا
الديمقراطية (سابقا) روبرت فايمان الذي يؤكد في كتابه "البنية والمجتمع
في التاريخ الأدبي" (1976) أن عمل يدوس يقع أسير مذهب الذاتانية
الخالصة عندما يعتقد أن وعي القراء الأفراد هو الذي يحدد التاريخ بصورة
نهائية. كما أنه ينتقد يدوس قائلا أنه لا يزودنا بأية معايير نستند
اليها لتقييم النص أو عملية التلقي والحكم عليهما.
بسبب هذه الانتقادات لطبيعة فهم يدوس للعملية المثلثة الاطراف،
المنتج الأدبي _ النص _ المتلقي، أدرك يدوس وجوه التقصير في نظريته
فتحول من التشديد على عملية التلقي الى التشديد على التجربة الجمالية.
لقد أصبحت اهتمامات هانز روبرت يدوس ء في فترة السبعينات ء ذات
طبيعة تأويلية خالصة، وأصبح تعبير "التجربة الجمالية " يتردد بصورة
مستمرة في معظم كتاباته، حتى أن كتابه الأساسي الذي أصدره بالالمانية
عام 1977 حمل عنوان "التجربة الجمالية ونظرية التأويل الأدبي" (وهو يضم
مقالة بالعنوان نفسه كان اصدرها عام 1972). في هذا الكتاب يميز يدوس
بين أنواع ثلاثة من التجربة : انتاج الممارسة الجمالية، وعملية التلقي،
والعملية التواصلية (التي تحقق عملية التطهير، مما يذكر بالفهم الأوسطي
لوظيفة العمل الأدبي). ويمكن القول أن النوع الثالث من أنواع التجربة،
ممثلا بالعملية التواصلية، يحتل في هذه المرحلة من مراحل تفكير يدوس
بؤرة مركزية وهو يعرفه بأنه "متعة الشاعر التي يحركها الكلام أو الشعر
الذي يستطيع أن يحدث تغييرا في المعتقد، ويؤدي في الوقت نفسه الى تحرير
عقل السامع أو المتشاهد "أي أن التجربة الجمالية تحقق ثلاث وظائف في
المجتمع : فهي تعمل على ايجاد المعايير والقيم، وانها تبقي على
المعايير السائدة في المجتمع، أو ترفض التكيف مع هذه المعايير السائدة.
بناء على هذا التصور النظري الجديد للعلاقة بين النص والقاريء يرى
يدوس أن هناك خمسة أنماط من التفاعل بين العمل الأدبي وكيفية تلقيه :
وهي علاقات التداعي،والاعجاب، والتعاطف والتطهير، والاحساس بالمفارقة،
ومن ثم فإنه يوفر نموذجا شاملا لفهم العلاقة بين علم الجمال وعملية
استقبال الأعمال الأدبية، متوجا بذلك نظريته في التلقي التي ركزت في
البداية على بنية " توقعات " القراء وانتهت الى التشديد على معنى
التجربة الجمالية ووظائفها المتحققة من خلال عملية القراءة.
التلقي العربي لدون كيخوتي(4)
تمهيد:
تستتبع نظرية التلقي علاقة جدلية بين أفق التوقع ( ما يتضمنه النص)
وأفق التجربة ( ما يفترضه المتلقي)، وتفتح حوارا بين الماضي والحاضر"
مدرجة التفسير الجديد ضمن السلسلة التاريخية لتفعيلات المعنى"( 1). وقد
جاءت هذه النظرية لاستدراك مسألة تاريخ الأدب التي استبعدت نتيجة
الخلاف المحتدم بين الشكلانية والماركسية، وردم الفجوة الفاصلة بين
المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية، وإعادة الاعتبار للنزعة
الإنسانية التي غيبت من المحفل الأدبي إثر الإعلان عن موت الكائن
البشري. وهي تنطلق من معاودة النظر في ثبات النظرة التقليدية للنص "
فالمعنى ..ليس شيئا يستخرج من النص، أو يتم تجميعه من إيحاءات نصية، بل
يتم التوصل إليه من خلال عملية تفاعلية بين القارئ والنص"(2 ). لقد
زعزعت نظرية التلقي التقليد السائد الذي كان يتعامل مع النص بوصفه
قاعدة ثابتة للتأويل ، وانزاحت عن المفاهيم التأويلية القديمة واضعة
القارئ في مركز مشروعها الـتأويلي، و مؤكدة عدم الفصل بين النص المقروء
وتاريخ تلقيه. وهكذا أصبحت للقارئ مهمة جديدة لا تختزل في التلقي
السلبي والتواطؤ للبحث عن المعنى الوحيد والمحدد سلفا، وإنما تقوم على
ملء فراغات النص وفرجاته ، وإدراكه في صيرورته وليس باعتباره كينونة
ثابتة، وبناء المعنى المتعدد من خلال التفاعل والتواصل معه ( فعل
القراءة).
إن الهدف المنشود الذي سعت إليه نظرية التلقي- رغم أنه ما يزال
بعيدا عن التحقيق- هو إدراك " نظرية عامة للتواصل" ذات اختصاصات
متداخلة، وهي نظرية تحتوي على جميع الاختصاصات وتتكون منها في الوقت
نفسه"( 3). كما "أنها مطالبة أخيرا بالانفتاح على نظريات التواصل
والسلوك وسوسيولوجية المعرفة حتى يمكنها فهم كيفية إسهام الفن، بما هو
أحد وسائط الممارسة الاجتماعية في صنع التاريخ… وتكون السلوك الاجتماعي
وتنقله"( 4). ولقد كرست جهدها لوضع لبنات ما اصطلح عليه بالتواصل
الأدبي. ويمكن في هذا الصدد الاستشهاد بالقولتين الآتيتين:
يقول إيزر: " فالتواصل الأدبي هو عملية لا يحركها ولا ينظمها سنن
معطى بل تفاعل مقيد وموسع بطريقة متبادلة بين ما هو صريح وضمني، بين
الكشف والإخفاء"( 5).
ويقول ياوس " ويعتبر إدراك التواصل الأدبي، الذي يضمره ما يدعى
"الظواهر الأدبية" ، غاية تستهدفها أبحاث جديدة تتطلب نظرية كفيلة
باعتبار التفاعل بين الإنتاج والتلقي ضمن تحليل سيرورات التلقي.
فبواسطة هذا التفاعل يتم التبادل الدائم بين المؤلفين والمؤلفات
والقراء، بين تجربتي الفن الحاضرة والماضية"( 6).
يضع إيزر التواصل ضمن مصطلحين آخرين وهما البنية والوظيفة. وتحيل
المصطلحات الثلاثة إلى ثلاث مقاربات متباينة تتمثل فيما يلي: التحليل
البنيوي الذي يهتم بوصف بنية العمل وتصنيف عناصرها، ثم التحليل الوظيفي
الذي ينكب على إبراز كيفية إدماج النصوص في علاقة متبادلة مع محيطها،
ثم جمالية التلقي التي تعتبر التواصل الأدبي نشاطا مشتركا بين القارئ
والنص.
ويرصد ياوس تاريخ التجارب الجمالية مركزا على مقولات أساسية، وهي:
الإبداع والإدراك والتطهير. ويعتبر التجربة الجمالية التواصلية (
التطهير) جزأ من الثالوث الجمالي الذي يضم أيضا التجربة الجمالية
المنتجة ( الإبداع) والتجربة الجمالية المستقبلة ( الإدراك الجمالي).
ويركز في التجربة الجمالية التواصلية على مفهوم التماهي ، الذي لا
يعتبره تلقيا سلبيا، وإنما "يستلزم حركة مد وجزر بين الملاحظ المحرر
جماليا وبين موضوعه غير الحقيقي حيث يمكن للذات خلال استمتاعها الجمالي
أن تمر عبر عدد كبير من المواقف"( 7).
تعتبر نظرية التلقي التواصل الأدبي جزءا من التفاعل الإنساني الذي
يعتبر من بين انشغالات مدرسة فرانكفورت في إطار نظرية تحررية للتواصل.
وتتعامل معه بوصفه نشاطا مشتركا يجمع بين النص والقارئ، وبين التجربة
الجمالية والواقع المعيش، وبين الماضي والحاضر. وهكذا أعادت نظرية
التلقي الاعتبار لوظائف الإنتاج والتلقي وتفاعلهما، ووجهت الاهتمام من
استقرار النص وثباته إلى أفق القراءة وحركيتها، وركزت مجهودها على دور
القارئ في إصدار تأويلات جديدة وإضفاء الحركية على النص. " إن حياة
العمل ناتجة ليس من وجوده في ذاته بل من التفاعل الحاصل بينه وبين
البشرية"( 8).
1-إعادة الاعتبار لمفهوم التطبيق في الهرمونطيقا الأدبية:
يحلل ياوس التواصل الأدبي اعتمادا على الفهم والتأويل والتطبيق،
وتمثل هذه المفاهيم الوحدة الثلاثية للمنهجية الهرمنطيقية عند هانس
غادامر. وفي هذا الصدد يرى ياوس أن الهرمنطيقا الأدبية-على عكس
المجالات الهرمنطيقية الأخرى- لم تول أهمية تذكر لمفهوم التطبيق لكونه
ظل لمدة طويلة رهن التاريخانية والتأويل المحايث. إن الاهتمام بهذا
المفهوم أفضى، بالإضافة إلى عوامل أخرى، إلى ظهور نظرية التلقي التي
أحدثت إبدالا في مجال المعرفة الأدبية، وحتمت قراءة ثالثة من الصنف
التاريخي، تستتبع إعادة تكوين أفق الانتظار وطرح أسئلة من قبيل : ماذا
يقول النص بالنسبة لي؟ وماذا أقول بصدد موضوع النص؟ لقد اهتمت
الهرمنطيقا الأدبية أساسا بالقراءة الأولى ( الفهم) وبالقراءة الثانية
( التأويل) واستبعدت القراءة الثالثة ( التطبيق) من اهتماماتها بدعوى
أنها حكر على المجالات ذات المنحى أو النزوع العلمي. ومن خلال السياقات
التي ورد فيها مفهوم التطبيق يمكن أن نستنتج ما يلي:
1-إنه يستدعي الاستجابة للرغبة في قياس أفق تجربة القارئ وتمديدها،
وذلك بمقارنتها بتجربة الآخر في إطار التواصل الأدبي مع الماضي( 9).
2-ليست الغاية من استحضار نص قديم أن يكون مفهوما وإنما راهنيا ويتم
تعليل صلاحيته المقننة ( 10).
3- إن مشكل التطبيق لا يشمل فقط الدلالة الممنوحة للماضي، بل أيضا
الدلالة التي يكتسيها المستقبل بالنظر إلى الوضعية الراهنة ( 11).
سنقوم في البداية باستجلاء كيف تلقى العرب دون كيخوتي على المستوى
النقدي والإبداعي في إطار ما اصطلح عليه بالتواصل الأدبي، ثم سنحاول
إبراز طبيعة الأسئلة التي انطلقت منها بحثا عن أجوبة محددة، واستجلاء
كيف تعاملت مع القراءة الثالثة ( التطبيق) في ضوء ما استنتجناه من
تصورات ياوس التي أعادت الاعتبار له.
2- على المستوى النقدي(12 ):
1-في دراسة محمد منذور( 13) يتضح أنه رغم إحباطات دون كيخوتي
وانكساراته، فقد ظل وفيا لإحلام الشباب، ساعيا إلى المجد بحد السيف أو
سنان القلم. لقد اتخذ ثرفانتيس من هذه الشخصية رمزا لشبابه وعنوانا
للمغامرات الجنونية. وركز محمد مندور، في تلخيصه لرواية دون كيخوتي
،على أهم التحديات التي واجهته لإثبات فروسيته وإقدامه، لكنه لم يجن
منها إلا أسوأ الجزاء، ولم يستطع أن يرفع الظلم لفساد نفوس البشر. لقد
أغراه كل فشل بمغامرة أخرى إلى أن مات حسرة على انهزامه في معركة دارت
بينه وبين فارس آخر. "مات فتلقى الموت كما يتلقى محب ابتسامة حبيبته أو
شهيد وجه ربه. مات بعد أن علم أن القتال لخير البشر قتال مع طواحين
هواء. مات بعد أن فشلت جهوده ولم تعد لديه القدرة على استئناف حياة
بليدة راتبة كالتي يحياها ملايين البشر من الخاملين"( 14). ويستنتج
محمد مندور من مغامرات دون كيخوتي عبرا ودروسا للأجيال الساعية إلى
المثل الأعلى والملتمسة للخير والفناء.
2- يذكر التهامي الوزاني ، في إحدى مقالاته التي كان ينشرها في
جريدة الريف( 15)، أن عيد الكتاب بمدينة تطوان خصص سنة 1942 للاحتفاء
بالكاتب الإسباني سربانطيس. إن مثل هذا العرس الثقافي يسعف العرب على
استحضار رموز الثقافة العربية في الأندلس على نحو ابن طفيل وابن رشد
والمعتمد بن عباد وابن زيدون وابن هاني. وفي هذا الصدد يرى التهامي
الوزاني أن الثقافة تلعب دورا أساسيا في الربط بين الشرق والغرب،
وتمثل قسطا مشاعا وإرثا مشتركا يتقاسمه البشر دون تفاوت وتباعد. ف" فلا
مزية لأحد على أحد إلا بمقدار ما أنتجه من المنافع التي تدفع البشرية
نحو التقدم في معنوياتها وماديتها". وأبرز التهامي الوزاني أن عيد
الكتاب في الإسلام هو يوم عظيم. فلم يكن لليلة القدر خيرا من ألف شهر
إلا لأنها كانت أول الأمر ظرفا لنزول القرآن الكريم. وفي هذا السياق
اقترح عبد الخالق الطريس أن يتخذ المسلمون ليلة القدر عيد كتابهم."
وإنه لاقتراح وجيه تشهد له السنة والكتاب والشريعة والدين، وأن
المسلمين ليحتفلون بهذه الليلة ولا يرون في نزول الكتاب فيها إلا فضلا
من فضائلها دون أن يهتموا بشأن الكتاب نفسه وعندنا أنها ما عظم شأنها
والله أعلم إلا لنزول القرآن فيها".
وفي مقال آخر( 16) أبرز التهامي الوزاني الظروف التي نشأ فيها
سربانطيس، و تتجلى في احتدام الصراع بين المسلمين والمسيحيين. وبما أن
سربانطيس قد أسر في الجزائر وأصيب في الحرب بآفات جسمية، فكان يقول إنه
كما جاهد الإسلام بيده فكذلك سيحاربه بقلمه. ويرى التهامي الوزاني أن
خلود رواية دون كيخوتي، إلى جانب حفولها بالعناصر الجمالية، يكمن في
الحض على أخلاق البطولة، والدفاع عن الوطن و المسيحية. ورغم ما في
الرواية من مواقف عدائية تجاه الإسلام ، فإن التهامي الوزاني يشارك
الإسبانيين في التمتع بعوالمها وضروب صنعتها ، ويغفر لكاتبها تهكمه من
المسلمين جزاء ما يتوفر عليه كتابه من علم وأدب.
من خلال هذين المقالين نلاحظ أن صاحبهما يؤكد التلقي الإيجابي لدون
كيخوتي في مدينة تطوان رغم طابعها المحافظ في الفترة المتحدث عنها. ولم
تصرف بعض المواقف السلبية المضمنة في الرواية سكان مدينة تطوان عن
الاحتفاء بسربانطيس في يوم عيد الكتاب. وهذا ما يبين حرصهم على استثمار
العناصر الإيجابية التي يمكن أن تسهم في تعزيز العلاقة بين المغرب
وإسبانيا، وتوطيد الرباط التاريخي والثقافي الذي يجمعهما. ولا يجدون
غضاضة في الاحتفال بيوم " عيد الكتاب" الإسباني لأن اللغة العربية
أسهمت بقسط وافر في الأدب الإسباني، ولأن الأمر يتعلق بكاتب " عبقري"
و" فذ" و" عظيم" يفيد القارئ "بخيالاته وتصوراته وحسن أسلوبه وطريقة
عرضه للقضايا". ورغم إشارة التهامي إلى بعض العناصر الجمالية التي تحفل
بها الرواية، فهو لم يتوقف عندها. فهو قد صرف اهتمامه إلى بعض القضايا
التي تستمد نسغها من احتدام الصراع بين الدين الإسلامي والمسيحي، ومن
السيرة الذاتية لسيربانطيس ( المشاركة في الحروب، الأسر، الإصابة بآفة
جسمية..).
3-بمناسبة احتفال العالم الإسباني الأمريكي بذكرى مرور أربعة قرون
على ولادة الكاتب الإسباني سرفانتيس، حرر عبد الكريم الفاسي بحثا عن
حياة هذا الكاتب وعن كتابه الشهير" دون كيخوتي"( 17). ويشير عبد الكريم
الفاسي أن الكتاب نقل إلى اللغة العربية( 18)، ولو لم ينقل لبقي نقص
في المكتبة العربية المعاصرة نظرا للصلات التاريخية والثقافية العديدة
التي تربط العرب بالأمة الإسبانية رغما عن الفوارق السياسية. وتنقسم
دراسة عبد الكريم الفاسي قسمين: أحدهما خصصه للتعريف بحياة سرفانتيس،
وثانيهما يهم بعض القضايا المثارة في الرواية. يرى عبد الكريم الفاسي
أن الرواية تمثل مرآة للحياة اليومية، وآلة عراك في سبيل الحرية
والإنسانية بجميع مظاهرها،ومعولا لتحرير الفكر الإنساني من القيود التي
قيده بها علماء اللاهوت في القرون الوسطى، وحلما يذلل المصاعب التي
تحول دون إدراك المبتغى وتحقيق" التناسب الكامل بين أفعال الروح
ومطالبها"
( 19)، و "رواية فروسية بطلها بطل فارس يغامر بنفسه لإحقاق الحق
وإزهاق الباطل وسفك دماء الظلمة والعمالقة ولكنه كثيرا ما يرى كل ذلك
لا كما هو في الواقع ولكن كما يوحيه إليه خياله و وهمه"ص247.
قدم عبد الكريم الفاسي الكتاب في حلة بيداغوجية للتعريف بالرواية
وصاحبها، وحفز القراء العرب على قراءتها. وركز اهتمامه على إبراز
مضامينها وأبعادها. فهي- في ظاهرها- تبدو كما لو كان الغرض منها هو
التسلية، في حين يستضمر باطنها البعد الرمزي. قصد به صاحبه انتقاد
النقائص على المستوى الأخلاقي والفكري، والسعي إلى قلب الأوضاع لنشر
قيم العدالة بين الناس. ويدعم عبد الكريم الفاسي الفكرة نفسها التي
أثارها التهامي الوزاني، والمتعلقة بتأثر سرفانتيس بالثقافة العربية.
لكن يكاد مفكرو الغرب أن يغلفوا أو يتغافلوا عن " أثر مجهودات مفكري
العرب في الأندلس في فكر سرفنطيس.. ولا يبعد أن يكون تأثره كغيره ببعض
مخلفات العرب في الأدب والأخلاق ككتب ابن المقفع وابن طفيل ( حي بن
يقظان) كما أشار إلى ذلك الأستاذ كونزليس في كتابه عن الآداب العربية
الاسبانية" ص250.
4-تطرق عزالدين إسماعيل إلى مؤلف دون كيخوتي في فصل وسمه بالقصة،
واعتبره " قصة خالدة" ومن " عيون الأدب العالمي"( 20). ومن خلال هذا
الفصل يتضح أن عزالدين إسماعيل يدرج القصصي والروائي والحكائي ضمن خانة
واحدة دون مراعاة مواضعات هذه الأجناس وضوابطها الخاصة، كما أنه لم
يميز بين المادة الحكائية ( القصة) وطريقة سردها ( السرد) ووضعها في
قالب حكائي مناسب ( الجنس). وفي أحد الهوامش لخص أطوار رواية دون
كيخوتي مركزا على الجوانب الآتية: سخرية ثرفانتيس من أدب الفروسية وما
يتضمنه من تصنع وزيف، وابتعاده عن الواقع، ونزوعه المثالي، واحتفاؤه
بالمثل والقيم الروحية والمفاجآت العجيبة.
5-خصص غبريال وهبة دراسة مفصلة لدون كيخوتي في كتابه المعنون ب دون
كيشوت بين الوهم والحقيقة ( 21). وهي تتكون من بابين. وكل باب يتكون من
ثلاثة فصول. بين المؤلف في الباب الأول الظروف التاريخية والاجتماعية
التي عاش فيها ثرفانتيس، وأبرز مغامراته التي تتشخص بعض آثارها
ومعالمها في روايته دون كيخوتي، وأثبت سجلا مسلسلا بأعوام لها دلالتها
في حياته.
وانكب في الباب الثاني على سرد مغامرات دون كيخوتي المفعمة بالغرابة
والجنون، وبيان رغبته في إضفاء رداء النبالة والجمال على عالم تافه
وفظ، وإصلاح ما في العالم من شرور. كما قدم جردا لأهم شخصيات الرواية
محاولا إثبات إرسائها الاجتماعي والتاريخي، ومبرزا مواصفاتها و
وظائفها، ومتوخيا تحديد مكانتها في مركز اهتمامات دون كيخوتي. وفي
الأخير حاول رصد الأصداء التي خلفتها رواية دون كيخوتي في أقطار
مختلفة، وفي نفوس كتاب من طينة هنري فيلدينج وغوستاف فلوبير ووالتر
سكوت وشار ديكنز وبوشكين وتورجنيف. كما أن تأثيرها لم يقتصر على المجال
الروائي وإنما تعداه إلى مجال المسرح والموسيقى والتشكيل.
من خلال هذه الدراسة يتبين أن غبريال وهبة كان يبحث أساسا عن
المطابقة بين الرواية والواقع ، وذلك من خلال استحضار أشخاص من لحم
ودم تنطبق عليهم مواصفات شخصيات من ورق، وتعليل أحداث الرواية
وتفسيرها من المنظور التاريخي كما لو وقت فعلا. واكتفى برصد وقائعها
وتلخيص مضامينها دون التوقف عند مستوياتها التخييلية والبنائية. ومن
إيجابية العمل أن صاحبه صوب الخطأ الشائع في نطق ترفانتيس باللغة
العربية( 22)، وتعامل مع دون كيخوتي بوصفها جنسا روائيا و"لغزا محيرا"
و"تحفة تاريخية" و"عملا فريدا وعظيما"، وخصص للرواية دراسة مفصلة
بعدما لاحظ أنه " لم يكتب في مصر عن حياة ميجل ثرفانتس، مبتدع دون
كيخوتي، إلا النزر اليسير.. بضع صفحات هنا وهناك في مقالات قصار أو
مقدمات يستهلون بها رواية " دون كيخوتي" المترجمة إلى العربية"( 23).
6-أشار عبد القادر الشاوي إلى خضوع دون كيخوتي للقيود التي كان
يفرضها المجلس الملكي على نشر أمثاله من الكتب. وبمقتضاه حظي الكتاب
ببراءة التصويب، وحددت تسعيرته الرسمية. وتمتاز النسخة الأصلية
باحتوائها على كلمة التشريف الملكي كتبها خوان أميسكيطا بالنيابة. ثم
تطرق عبد القادر الشاوي إلى الإهداء الذي وجهه ثرفانتيس إلى الدوق (
بيجار) دون ألفونصو دييغو لوبيز، ثم نوه بترجمة ألين شولمان لرواية
دون كيخوتي باللغة الفرنسية لقدرتها على مخاطبة فئات واسعة من القراء،"
على عكس الترجمات الأخرى التي لم تفلح في تقريبها إليها، لالتصاق بعضها
بالنص الأصلي"( 24). وفي الأخير،بين عبد القادر الشاوي النجاح الذي
حققته رواية دون كيخوتي على مستوى إقبال القراء عليها من مختلف الأعمار
والأجيال. وقد انعكس هذا النجاح على مجموع أعمال ثرفانتيس الأدبية.
7-عالج عبد الفتاح كليطو(25) رواية دون كيخوتي من زاوية أنها تقدم
نفسها باعتبارها مؤلفا كتبه مؤلفون عديدون. فمنذ بداية الفصل الأول
يثير ثرفانتس أن ما يرويه قد نهله من مصادر مختلفة. وفي نهاية الفصل
الثامن يعتبر نفسه مجرد "مؤلف ثاني" يضطلع فقط باستنساخ نص كتبه Cide
Hamete Benengeli تحت عنوان "تاريخ دون كيخوتي دي لامنشا". وقد اضطر
عبد الفتاح كليطو إلى كتابة اسم المؤرخ العربي المفترض بالأحرف
اللاتينية نظر لاختلاف المترجمين العرب في ترجمتها ( 26). اعتقد
ثرفانتس في البداية أن الكاتب المفترض لدون كيخوتي هو إنسان حكيم يتمتع
بطاقات وقدرات فوق-طبيعية، لكنه تعجب واندهش لما علم أنه إنسان مغربي
عادي. لقد تعامل ثرفانتس مع النص السابق بمكر مضفيا عليه الطابع
المسيحي القشتالي ومستبعدا الأنساق الثقافية العربية. وهكذا يرى عبد
الفتاح كليطو أن الترجمة الماكرة لم تسعف ثرفانتس من استعادة الشكل
العربي الأصلي( 27).
تنطلق قراءة عبد الفتاح كليطو من موضوع واحد هو Benengeli بوصفه
موضوعا للتأمل، وذلك لمعرفة هوية المؤلف الحقيقي لرواية دون كيخوتي،
وبيان غاية ثرفانتس من إسناد فعل الحكي إلى كاتب عربي مجهول وضرب من
ضروب الخيال، واستجلاء جدلية الكتابة والمحو أو لعبة التطريس في دون
كيخوتي. ما يثير في قراءة عبد الفتاح كليطو أنها استدراكية. تقول الشيء
ونقيضه، و تصدع بحقيقة ثم تستدركها فيما بعد دون الإحالة عليها بصريح
العبارة. قد توقع هذه القراءة القارئ المتسرع في شرك الإبهام والتناقض.
لكنها تحتم على القارئ اليقظ أن يفكك ألاعيب اللغة الإبداعية معيدا
تشكيل معانيها بطريقة نسقية. يصرح عبد الفتاح كليطو بما يلي : " بعد
ذلك، سيبلغ إلى علمه أن مغامراته قد صاغها في كتابCide Hamete
Benengeli، وفورا يبدي رغبته في الاطلاع على الطريقة التي وصفه بها
ويسأل عن كيف ينظر إليه القارئ"( 28). وفيما بعد يصدع بما يلي:" قد
نتساءل لماذا لم يكتب دون كيخوتي روايته بنفسه. إنه يمتلك، وهو المتشرب
بالأدب، كل الصفات اللازمة"( 29). مرة يقول أن كاتب الرواية هو
ثرفانتيس ومرة يعتبر كاتبها هو دون كيخوتي. لكنه، في نهاية الدراسة،
يشيد حقيقة على أنقاض ما سبقها مؤكدا أن هم القارئ ( الوحيد الجدير
بشخصية دون كيخوتي) ليس الجري وراء سراب مخطوط Cide Hamete Benengeli
وإنما الانكباب على إعادة كتابة رواية دون كيخوتي وبنائها للإمساك
بالأثر العربي المنفلت. وعلى عكس الدراسات السالفة، فإن كليطو يتعامل ،
بطريقة محايثة، مع قضية معينة ، وينطلق من أسئلة محددة للبحث عن
أجوبتها بين ثنايا الرواية.
8-يبين عبد الوهاب مؤدب ( 30) أن رواية دون كيخوتي تتعامل مع
الإسلام بوصفه عدوا مهيبا يمثل الشرق في نضاله ضد الغرب على حلبة البحر
الأبيض المتوسط. يستند مؤدب إلى مقاطع حكائية تدعم تطرحه، ومسعاه وتجيب
عن الأسئلة التي ينطلق منها. ومن ضمنها صراع الخرفان الذي توهمه دون
كيخوتي حربا بين جيشين. يشف هذا التصوير عن "العلاقة بين الغيرية
المذهبية والاقتران الجسدي" ( 31)، كما يكشف عن " البنية الحربية لحوض
المتوسط" (32). يتعامل عبد الوهاب مؤدب مع دون كيخوتي بوصفها ميثولوجيا
حربية تشيد الهوية الإسبانية التي تقوم على ثلاثة أسس، وهي الجبال
(إسبانيا المنيعة) والمسيحي العريق ونقاوة الدم.
وفي السياق نفسه يحلل حكاية " الأسيرة وزريدة" لإبراز ما كانت تتسم
به المنطقة الوسيطية ( ما بين الفضاءين) من " حداثة كوسموبوليتانية"
على المستوى اللغوي، ومن تضارب المواقف على المستوى الإيديولوجي (
الإخلاص، والخيانة، والتظاهر). وتمثل حكاية الموريسكي ( ريكوتة) وابنته
(آنا فيليكس) وسيلة جذرية للتخلص من إسلام التقية ، وهذا ما يفسر أن "
المعيار كان عرقيا أكثر منه دينيا"( 33). إن العوائق جميعها التي تعترض
مشاريع دون كيخوتي المجنونة تعزى إلى " مورو ساحر" " هذا الجني المنتمي
إلى هذا الشعب الباطني، وغير المرئي، الذي ما فتئ يؤرق الوعي الإسباني
بلا فكاك"
( 34).
إن مخطوط السيد حامدي هو من البقايا والآثار التي تستدعي من إسبانيا
إنعاشها وإعادة بعثها للتذكير بالدين الإسلامي. " كان يوما ما "
داخليا" بالنسبة لأوروبا، وها هو اليوم مطرود، محول إلى " خارج" يساهم
في تحديدها، وإلى جار هو من القرب سيما وأنها ترغب باستبعاده"( 35).
من خلال هذه القراءة يتضح أن عبد الوهاب مؤدب يتعامل مع دون كيخوتي
كما لو كانت رواية أطروحة تبرز الصراع القائم بين المسيحية والإسلام،
كما يستنتج منها درسا لا يتجلى في إقبار الدين أو العيش على حداده،
وإنما في عرضه والاحتفاء به في حقيقته. فإذا ما نبش الإسبان في تلك
البقايا والآثار فهم سيساهمون في إعادة إعادة تأسيس ذاكرتهم نفسها،
واستجماع الخيوط التي تربطهم بالبلدان المتاخمة لبلدهم. إن الخلفية
التي تؤطر قراءة مؤدب هي الإجابة عن السؤال الذي يؤرقه بوصفه مسلما
يعاني من تجربة المنفي في فرنسا( 36)، والبحث عن موضع ثقافي " ما بيني"
يحل التعاون والتآزر بين الحضارتين (الإسلام والمسيحية ) محل التنابذ
والتصارع، والتقاط صدى التعايش الأندلسي بين الأديان الثلاثة . " إنه
حنين إلى عصر وسيط جميل لكنه منصرم"(37 ).
9-ينطلق مقال عبد الكبير الخطيبي( 38) من فرضية رائجة مفادها أن
ثرفانتس يحدث، في روايته "دون كيخوتي"، قطيعة مع روايات الفروسية
والأنواع الأدبية السائدة في عصره، ويمارس الكتابة على نصوص سابقة.
انصب عبد الكبير الخطيبي على جنون ثرفانتس انطلاقا من ثلاثة مستويات،
وهي :
1-أقام فصلا بين العقل والجنون، وبين القراءة والواقع.
2-يوجد تنافذ بين العقل والجنون، وبين القراءة والواقع.
3-في ما وراء الفصل بين العقل والجنون، أشرع ثرفانتس الكتابة على
قارئ مجنون . فهذا الأخير يعتبر " قارئا مجنونا أكثر منه فارسا"( 39).
ويعتبر عبد الكبير الخطيبي موضوع الجنون ناجما عن وضعية الكتابة،
وعن مواجهة الكاتب لنفسه، وعن اللغة المشخصة.
تتميز قراءة عبد الكبير الخطيبي بالانزياح عن القراءة الواقعية
التقليدية التي تعنى بجنون الشخصية محاولة رصده في العمل الأدبي.
وبالمقابل ، يتوخى عبد الكبير الخطيبي الكشف عن جنون ثرفانتس نفسه،
وبيان كيف تخلص منه وعالجه بواسطة الكتابة. وما يثير في قراءة عبد
الكبير الخطيبي أنه يبحث عن " الأسطورة الشخصية" لثرفانتس من خلال عمله
كما لو كان مرآة مجلوة، ويقيم تقابلا بين توماس ( بطل قصة حامل
الليسانس الزجاجي في المجموعة القصصية " قصص نموذجية") ودون كيخوتي من
حيث انخراطهما في عالم الأسفار، وإصابتهما بأغرب جنون ( جنون مسكون
بالحقيقة)، وتبنيهما لتصورات كانت موجودة سلفا.
3-على المستوى الإبداعي:
سأبين كيف تلقت عينات من السرد العربي رواية دون كيخوتي وتفاعلت
عمليا مع عوالمها التخييلية:
1-تتكون رواية حارسة الظلال دون كيشوت في الجزائر لواسيني الأعرج(
40) من مستويين سرديين متباينين. يتعلق المستوى الأول ( المحكي-الإطار)
باضطلاع السارد بوصف رحلة فسكيس دي سرفانتس دالميريا ( الملقب بدون
كيشوت) إلى الجزائر وتتبع مختلف مراحلها بهدف اكتشاف المغارة التي حجز
فيه جده سرفانتس وأخيه رودريغو. فبمجرد وصوله إلى الجزائر اتصل بحسيسن
الموظف بوزارة الثقافة لمساعدته على تنفيذ مشروعه الصحفي الذي نصحه به
بيدرو دو سيفي، وتبنته الجريدة التي يعمل بها. وقبل سفره جمع معلومات
عن كل المواقع التي مكث بها سرفانتيس ، وقرر أن ينفذ مشروعه الصحفي
مهما كلفه ذلك من ثمن. لما وصل إلى المغارة رفقة حسيسن جذب صورة قديمة
لها مقارنا بين حالتها السابقة وحالتها الحالية. لقد كانت –بفضل
مجهودات الجالية الإسبانية بالجزائر- معلمة حضارية وثقافية وقبلة
سياحية . ومع مر السنين اندثرت آثارها ،وتآكلت ملامحها، وانحسر جمالها
ورونقها، ونهبت محتوياتها ومآثرها النفيسة (اللوح التذكاري لسرفانتيس
وتمثاله النصفي) ليعاد بيعها خلسة في المفرغة. وبعيد مغادرة المغارة
احتجزت الشرطة دون كيشوت بحجة دخوله إلى الجزائر بطريقة غير قانونية،
فقام حسيسن بمختلف المساعي لإبعاد تهمة الجوسسة عنه وإطلاق سراحه. لم
يعان حسيسن فقط مع موظفي الأمن ووزارة الداخلية وإنما أيضا مع وزير
الثقافة والإرشاد الوطني الذي عاتبه على مساعدة "جاسوس" يهدد أمن
الدولة، و انتزع منه ملف ندوة غرناطة ليسلمه إلى رئيس جامعة الجزائر
المركزية.
ويتعلق المستوى الحكائي الثاني (المحكي المؤطر) بسرد دون كيشوت ما
وقع له في السجن (نسخة الكورديلو التي سلمها الكباييرو إلى السارد).
وهو عبارة عن يوميات حاول من خلالها أن يستحضر ما دونه في كناشتة التي
حجزتها منه السلطات الجزائرية. وقد سعى من خلالها أن يقتفي أثر جده لما
أراد تأليف كتاب الجزائر Le traité d'Alger وكذلك البرتغالي كاسكا
رينهاس Mascarenhas الذي ألف كتاب أسير الجزائر. ورصد دون كيشوت في
يومياته وقائع تتعلق بحالته النفسية وأحلامه واستيهاماته، وتذكر ما
وقع لجده في سفينة "الشمس"Le soleil ومحكيات نانا عن حارسة الظلال،
ومحاورته لزوار حقيقيين(الحراس وكباييرو الملحق الثقافي للسفارة
الإسبانية بالجزائر) أو مفترضين ( على نحو المرأة النبيلة والشهمة زريد
أو مايا، وملء الفراغات والبياضات التي تخللت المحكي-الإطار).
من خلال هذه الرواية نستنتج ما يلي:
ا-توخى دون كيشوت من مشروعه الصحفي تقديم أكبر تكريم لجده سرفانتس ،
وإبراز الحالة المأساوية التي أصبحت عليها المغارة من جراء الإهمال
والنهب. كانت تعتبر من المآثر التاريخية التي يتردد عليها السياح
لاستحضار روح سرفانتس ومغامراته. ومن بين اللحظات المشعة التي مرت منها
المغارة اضطلاع الجالية الإسبانية بتخليد الذكرى السنوية الثالثة
لصدور كتاب دون كيخوتي بحضور لويس ماريناس قنصل إسبانيا في الجزائر.
ومن خلال الرسالة التي حملها الكباييرو رفقة نسخة من الكورديلو إلى
السارد يحكم دون كيشوت على نفسه بأنه أوفر حظا من جده سرفانتس لأنه
استطاع أن يرى في خمسة أيام ما لم يستطع هو رؤيته في خمس سنوات. أطلق
سراح سرفانتس سنة 1580 مقابل فدية قدرها خمس مائة إيكو ذهبية، أما دون
كيشوت في الرواية فقد طرد بدعوى أنه يشكل خطرا على أمن الدولة.
ب-وموازاة مع الرحلة الاستكشافية لدون كيشوت، تميط الرواية اللثام
عن الهاجس الأمني بالجزائر، وتفاقم ظاهرة الاستخفاف بالثقافة رغم
دورها في تقدم الشعوب ورقيها، وظهور فئات جديدة متخصصة في تصنيع
الفضلات والنفايات وترميم الآثار المسروقة لإعادة بيعها بأثمان باهضة
إثر تزايد الطلب عليها من طرف البورجوازية الصاعدة.
ج- تقوم بنية الرواية على صنفين من التعارض. يتمثل الأول في تضارب
موقف السلطة وموقف حسيسن من دون كيشوت. يجمع أفراد السلطة ( الشرطة،
وزير الثقافة، وزارة الداخلية) على أنه جاسوس دخل إلى الجزائر بطريقة
غير قانونية لتهديد أمنها واستقرارها. في حين أن حسيسن يفند هذه التهمة
مبرزا أنه صحافي كبير يعشق مهنته باستماتة ." فوق كل هذا فهو رجل طيب
ويحب هذا الوطن كثيرا وإلا لما زاره في وقت يخلي فيه الجميع أمكنتهم
بسبب الإرهاب" ص227. ويتشخص التعارض الثاني بين السلطة وعالم المفرغة.
وإن كانت السلطة تعارض ظاهرة البيع غير المهيكل في المفرغة، فهي لا
تستطيع أن تحد من ظاهرة استفحالها وتفاقمها بحجة كونها مجرد مزبلة لحرق
النفايات والأشلاء غير القابلة للاستعمال " هذا المكان مفرغة لحرق
النفايات وليس مكانا لإعادة تصنيع الفضلات.السلع التي تصل إلى هذا
المكان لا وجود رسمي لها لأنها قانونا، يفترض أن تكون قد أحرقت كمادة
تالفة.كل شيء ههنا خاضع لنظام محكم تسيره الظلال" ص69. وقد أسعف عالم
المفرغة على ظهور فئات جديدة ( البحاثة، البائعون، المسيرون) تعزل
النفايات المفرغة من الشاحنات، وتتكفل بإعادة تصنيعها وترميم الآثار
المسروقة لإعادة بيعها.
2- تتكون حكاية ابنة أخ دون كيخوتي ( 41)أيضا من مستويين سرديين .
يهم أحدهما( المحكي-الإطار) تجربة عبد الله في قراءة الكتب ( وخاصة
الروايات). كان يكتفي في البداية بتصفح الصور وتهجي الكلمات، ولما
اكتسب ملكة القراءة اتضح له أن الرواية جنس ملتبس بل وماكر.ويتمثل
ثانيهما ( المحكي المؤطر) في شكل استطرادات عالمة وتأملات نقدية واصفة
تتمحور حول مفهوم القراءة ومستواياتها المختلفة، وعلاقة الكتابة
بالصورة والجنون والقتل والحرق. وفي هذا الصدد يتخيل السارد أن دون
كيخوتي-بعد استرجاع صوابه- كان يرغب في قراءة كتب دينية عن حياة
القديسين، وذلك على نحو ما ألت إليه حياة القديسة تيريزا الآبلية التي
ألفت رواية فروسية قبل أن تتحول إلى التصوف رغبة منها في الموت مثل
القديسين لتظفر بالإكليل الذي حظوا به. ثم يستطرد لإبراز رغبة ابنة أخ
دون كيخوتي في حرق الكتب بدعوى أنها أفسدت عقل عمها المحبوب، و" مسكونة
بشياطين فظيعة، وسحرة معتدين يعكرون سلام البيت ويشكلون تهديدا
متواصلا"( 42). قرر الخوري إحراق الكتب استجابة لطلب ابنة أخ دون
كيخوتي، "لكن الغريب أنه أنقد بعضها من النار، ومنها رواية أماديس دي
غول لمونتالفو، ويحكم عليها فقط بالحبس في بئر جافة" (43 ). واحتكم في
عملية الانتقاء على ملكته النقدية التي تستنكر كل ما هو رديء ومؤذ.
نستنتج من هذه الحكاية ما يلي:
ا-استثمر كليطو شخصية دون كيخوطي من جديد لإثارة موضوعة أثيرة لديه،
وتتعلق أساسا بإحراق الكتب لكونها تفتن العقول وتفسدها ، وتهدد سلام
الناس وطمأنينتهم.
ب-إن من يحيط بدون كيخوطي- باستثناء ابنة أخيه - أو يطلع على
مغامراته، يجد نفسه مورطا في لعبته، ومصابا بعدوى جنونه، ومجردا من
هويته.
3- تتكون قصة دون كيشوت ( 44) من أربع شخصيات يمكن أن تصنف على
المستوى الجنسي إلى ذكر (دون كيشوت وجندب) وأنثى ( أميمة وأمية)، وعلى
المستوى العاطفي إلى علاقة دون كيشوت بأميمة وعلاقة جندب بأمية. يعيد
السارد تنشيط شخصية دون كيشوت مركزا على بعض سماتها وخصائصها، ومضفيا
عليها شحنات دلالية جديدة اقتضتها الوظيفة المسندة لشخصية دون كيشوت في
القصة، وطبيعة العلاقة التي نسجتها مع شخوص من إبداع السارد وتخيله.
فمن بين المواضيع التي حافظ عليها نذكر أساسا إلحاح دون كيشوت على
الخروج منتصرا في أي معركة يواجهها، ورغبته في منازلة الطواحين
الهوائية وتطويعها.
إن طبيعة السياق جعلت دون كيشوت يؤدي وظائف جديدة ويدافع عن قضايا
معينة. لقد جعل منه السارد شخصية عربية مولعة بلعب النرد في المقهى،
وتدخين النرجيلة، ومنشغلة بالمد الإمبريالي والتخلف والتجزئة، ومعجبة
بأغنية نصري شمس الدين التي يدور موضوعها حول الطواحين. فهي ، بالنسبة
لدون كيشوت، تمثل رمزا دائما، وتعبر عن الصراع الذي يخوضه الإنسان في
هذا العالم على مختلف الأصعدة. " إذا هدأت انتهت مشاكلنا، وإذا تحركت،
فالعياذ بالله"( 45).
من خلال هذه القصة نخلص إلى ما يلي:
ا-وإن حافظ السارد على بعض صفات ومميزات دون كيشوت، فقد أسند له
وظيفة جديدة تتمثل في تشخيص وضع الإنسان العربي في مواجهة المشاكل التي
تحذق به من كل جانب. لم تدم نشوة احتفاء دون كيشوت ( شخصية هاني
الراهب) بانتصاره الوهمي إلا لحظات عابرة ، فاستحالت إلى هزيمة قاسية
ونكراء. وهكذا يجتر الهزائم الدونكخوتية ( نسبة إلى شخصية سرفانتس) كما
لو حكمت عليه الأقدار بأن يعيش حياة سيزيفية.
ب-من خلال موضوع الطواحين اضطلع السارد بتشخيص ثلاثة مواقف متباينة.
موقف ( تمثله أميمة) لا يقيم أي وزن لرمز الطواحين حاصرا مهمتها في
إنتاج الطحين، ثم موقف ( الجماهير) يكتفي بمعاينة ما يراه في الواقع
من معارك دون الإسهام فيها بدعوى أنها مغامرات مجنونة غير محمودة
العواقب، ثم موقف ( دون كيشوت) يجازف بحياته لمواجهة مشاكل الحياة
العاتية بما أوتي من شجاعة وقوة. وبعد سقوط دون كيشوت يظهر دون كيشوت
جديد( 46) محاولا محو الصورة الباهتة التي ظهر عليها سلفه ويتندر بها
الرواة، وواعدا الجماهير بتحقيق الانتصارات الباهرة.
خاتمة:
حددنا، فيما سبق، بعض مقومات القراءة الثالثة ( التطبيق)، وحصرناها
في ثلاثة عناصر جوهرية ( المقارنة، الراهنية، النظرة إلى المستقبل)،
يتضح من خلالها ليس فقط كيف تلقى العرب دون كيخوتي على اختلاف
منطلقاتهم ومستوياتهم، وإنما أيضا كيف تم تحليلها وتشريحها نقديا، وكيف
استثمرت عوالمها التخييلية إبداعيا.
1- لما نقارن بين عينات المتن يتضح أن رواية دون كيخوتي استأثرت
باهتمام النقاد والمبدعين العرب على حد سواء نظرا لغنى مواضيعها،
وتشابك مستوياتها وبنياتها الحكائية، واستجابتها لأسئلة وآفاق جديدة.
ففيما يخص الجانب النقدي تباينت مستويات المقاربات واختلفت
مرجعياتها وفرضياتها. ويمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أصناف: أحدها ركز على
تلخيص دون كيخوتي مركزا على موضوعات محددة (السفر، والجنون، والقتال،
والموت..)، وثانيها بين الظروف التي اكتنفت إنتاج الرواية وطبعها
وترجمتها إلى اللغة العربية، وثالثها انطلق من مضامينها لإبراز علاقة
الشرق والغرب وموقف الإسبان من الإسلام.
أما فيما يخص الجانب الإبداعي، فنلاحظ أن عينة واحدة ( قصة هاني
الراهب) أعادت استثمار شخصية دون كيخوتي مسندة لها وظائف جديدة أملاها
الوضع السياسي العربي المتأزم، أما العينتان الأخريان ( رواية واسيني
الأعرج وحكاية عبد الفتاح كليطو) فاهتمتا، على التوالي، بحفيد دون
كيخوتي وبابنة أخيه. وإن اختلفت المحكيات في التعامل مع شخصية دون
كيخوتي، فهي تتفق في اعتبارها رمزا ثقافيا ومعلمة حضارية.
وما يلفت النظر في مختلف العينات اختلاف النطق في الأعلام
(سرفانتس/ثرفانتس/ سيربانطيس/ سيربنطيس؛ دون كيشوط/ دون كيشوت/ دون
كيخوتي/ دون كيخوطي/ دون كيخوط/ دون كيخوتة؛ سيدي حامد بن الأيلي/
وسيدي حامد بن الإنجيلي/ سيدي حامد بن النجيلي/ والسيد حامد ابن الغالي
/السيد حامد بن إنخيلي). وهذا ما حذا بعبد الفتاح كليطو أن يتعمد كتابة
هذا الأسم الأخير بالأحرف اللاتنية تجنبا للبس المثار حوله في اللغة
العربية نظرا لكثرة التأويلات والتخمينات.
2- انصبت بعض العينات على إبراز راهنية دون كيخوتي بتأكيد مكانتها
الإبداعية، وقدرتها على إثارة أسئلة معيشة تهم علاقة الشرق
بالغرب،وإمكان إستثمارها لفضح الواقع العربي المهترئ ( على نحو رواية
واسيني الأعرج، وقصة هاني الراهب).
3-تكشف بعض العينات ( على نحو ما كتبه عبد الوهاب مؤدب والتهامي
الوزاني وعبد الكبير الفاسي وعبد الفتاح كليطو وواسيني الأعرج) عن
أهمية التفاعل الثقافي بين الحضارة العربية ومثيلتها الإسبانية، وذاك
لكونهما يتقاسمان إرثا ثقافيا وحضاريا مشتركا ، وتجمعهما صلة تاريخية
عريقة . لقد عرفت هذه العلاقة كثيرا من التوترات التي تركت بعض جراحها
في نفسية الشعبين على حد سواء. وتمثل رواية دون كيخوتي نموذجا لهذا
التفاعل الحضاري الذي انتابته صراعات ونزاعات ذات خلفية دينية، وحافزا
على تجاوز العوائق ( وفي مقدمتها التعصب الديني الأعمى)( 47) التي تحول
دون إرساء دعامة ثقافية مشتركة تنزع إلى التفتح وتبادل الخبرات
والتجارب لما يعود بالفائدة على الحضارتين المتاخمتين على حد سواء.
4-انطلقت بعض العينات من رواية دون كيخوتي نفسها لاستشراف آفاق
المستقبل. وفي هذا الصدد استنتج محمد مندور من مغامرات دون كيخوتي
عبرا ودروسا للأجيال الساعية إلى المثل الأعلى، وأشرع هاني الراهب قصته
على احتمالات حكائية مفترضة نتيجة ظهور دون كيشوت جديد بإمكانه تفادي
أخطاء سابقه لإصلاح أحوال الأمة العربية، وتظل الجزائر-حسب رواية
واسيني الأعرج- مخبأة في الظل حتى يأتي خويا حمو ويكشف سره ويحفظه من
التلف ويعيد الاعتبار إلى الوظيفة الثقافية لأهميتها في رقي المجتمع
وتوسيع دائرة إشعاعه السياحي والحضاري ، ويرى عبد الوهاب مؤدب أن بعث
مخطوط السيد حامدي من مرقد النسيان هو تذكير الإسبان بضرورة إعادة
الدفء إلى العلاقات التي كانت تجمعهم بالمسلمين خاصة وأنهم يتقاسمون
تاريخا وذاكرة مشتركة. ومع ذلك يظل السؤال الأساسي معلقا أيمكن لدون
كيخوتي في مختلف صوره وتجلياته أن يحقق ما كان يصبو إليه ( إصلاح أحوال
الناس) أم تنطبق عليه أسطورة الرجوع الأبديLe retour éternel ( حسب
وجهة نظر نيتشة).
.....................................ز
المراجع:
1-هانس روبيرت ياوس، جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي،
ترجمة رشيد بنحدو، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة،
العدد 484، ط1، 2004، ص103.
2 -روبرت س. هولاب، نظرية التلقي ( مقدمة نظرية)، ترجمة خالد
التوزاني والجلالي الكدية، منشورات علامات،ط1،1999،ص141.
3 -االمرجع نفسه، ص99.
4 -هانس روبيرت ياوس، جمالية التلقي.. م.سا ص134.
5 -فولفغانج إيزر، فعل القراءة نظرية جمالية التجاوب ( في الأدب)،
ترجمة حميد لحمداني والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، مطبعة
النجاح الجديدة،1995،ص100.
6 -هانس روبيرت ياوس، جمالية التلقي..م.سا ص102.
7 -روبرت س. هولاب، نظرية التلقي، م.سا ص73.
8 -قولة أخذها هانس روبيرت ياوس عن كارل ماركس ( مقدمة لنقد
الاقتصاد السياسي)، جمالية التلقي..م.سا ص35.
9 -Hans robert Jauss,Pour une herméneutique littéraire, traduit
de l’allemand par Maurice Jacob , ed Gallimard,1982,366.
10 -المرجع نفسه ص 18.
11 -المرجع نفسه ص 19.
12 -اكتفينا ببعض العينات مع العلم أنه توجد دراسات ومتابعات كثيرة
لدون كيخوتي باللغة العربية. نذكر منها :
13 -حسين مؤنس، كتب وكتاب، ج1، القاهرة، 1969.
14- د. عبد العزيز الأهواني: دون كيخوتي لثرفانتيس، العدد 2، المجلد
الثالث من سلسلة تراث الإنسانية، القاهرة،1965.
15-عمران المليح، الباب الكاذب ومصير الاستعارة، الكرمل،
العدد17،1985.
- - المعطي قبال، دون كيخوتي سليل مشهدنا الثقافي، الملحق الثقافي
لجريدة الاتحاد الاشتراكي ( فكر وإبداع)، العدد 7832،2005.
16- العياشي أبو الشتاء، كيف كتب المغربي المورسكي أحمد البنذنجلي
رواية دون كيخوتي دي لا منشا، الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي
( فكر وإبداع)، العدد 7846، 2005
كما سبق للأدباء العرب أن ترجموا دراسات عن دون كيخوتي إلى اللغة
العربية ، ومن بينها نذكر أساسا:
-برترون راسكو: عمالقة الأدب 3أجزاء، ترجمة دريني خشبة، القاهرة
1961.
-جورج كروثرز: حول مائدة المعرفة، النساء في الأدب، ترجمة جلال
مظهر، القاهرة-نيويورك 1961.
-خوليو كورتيس: دون كيخوتي في القرن العشرين، مختارات من مقالات
إسبانية، ترجمة د. خوليو كورتيس ود. محمد صبح، مدريد 1968.
13 -"دون كيشوط Don Quichotte"، في : نماذج بشرية، دار المعرفة،
ط3،1961، ص/ص55-65.
14 - المرجع نفسه ص64-65.
15 - التهامي الوزاني" عيد الكتاب يوم الأدباء"، الريف، 18 أبريل
1942.
16 -التهامي الوزاني،"سربانطيس كما يراه الأديب المغربي"،
الريف،1ماي عام 1942
17 -عبد الكريم الفاسي،" مكيل دي سرفنطيس (1547-1616).، رسالة
المغرب، ع4 السنة 6، دجنبر 1947.
18 - لم يبرز عبد الكبير الفاسي الكاتب الذي نقل دون كيخوتي إلى
اللغة العربية. فقبل أن يصدر عبد العزيز الأهواني القسم الأول من دون
كيخوتي اضطلع التهامي الوزاني بترجمة فصول منها لكنها لحد الآن لم
تطبع. ويبقي السؤال ما هي النسخة العربية لدون كيخوتي التي اطلع عليها
عبد الكريم الفاسي؟
19 -جورج لوكاش، نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان، منشورات
التل،ط1،1988،ص25.
20 -عزالدين إسماعيل، النقد الأدبي الحديث، دار الثقافة،دار العودة،
بيروت،1983، ص/ص502-504.
21 - صدر عن الهيئة العامة للكتاب، 1979.
22 - ينطق بالإسبانية ثرفانتيس وليس سرفنتيس وفق نطقه بالإمجليزية
أو الفرنسية.
23 -المرجع نفسه ص6.
24 - عبد القادر الشاوي، " ميغيل سرفانتيس: رواية الفروسية والأحلام
المستحيلة"، الحوارات، منشورات الموجة، ط1، 2003،ص10.
25 - عبد الفتاح كليطو، « Cide Hamete Benengeli" في لسان آدم
ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر،ط1،1995،91-97.
26 - من بين الترجمات المقترحة ،في إطار تأويل الاسم وإيجاد ما
يعلله باللغة العربية، نذكر ما يلي: سيدي حامد بن الأيلي، وسيدي حامد
بن الإنجيلي، وسيدي حامد بن النجيلي، والسيد حامد ابن الغالي، والسيد
حامد بن إنخيلي..ألخ.
27 -عبد الفتاح كليطو، Cide Hamete Benengeli، م.سا ص97.
28 -المرجع نفسه ص94.
29 -المرجع نفسه ص96.
30 - " وضعيات الإسلام في دون كيخوتة"، الكرمل، العدد 11،1985،
ص/ص101-111.
31 -المرجع نفسه ص102.
32 -المرجع نفسه ص103.
33 -المرجع نفسه ص 108.
34 -المرجع نفسه. يقصد الإسبان بالموروLos Moros المسلمين بصفة
عامة.
35 -المرجع نفسه ص110.
36 -الانطلاق من الأثر الإسلامي الذي مازال يفعل في كيانه إن لم يكن
كمعتقد فعلى الأقل كثقافة، والبحث عما يمكن أن يضفي على إقامته نوعا من
الصفاء والهدوء في قلب التناحر التارخي الذي ما زال يجثم على حوض
البحر الأبيض المتوسط. انظر في هذا الصدد إلى ص101.
37 -المرجع نفسه ص 101.
38 - " المستويات المتعددة للكتابة"، الكرمل، م.سا ص/ص112-114.
39 -المرجع نفسه ص113.
40 -صدرت في طبعتها العربية عن دار الجمل، المانيا، 2000.
41 - هذه الحكاية مثبتة في: عبد الفتاح كليطو، حصان نيشتة، ترجمة
عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر،ط1،2003، ص-ص54-62.
ربما يعو د اللبس في ترجمة الكلمة الاسبانية sobrina. يترجمها عبد
الفتاح كليطو بابنة أخ دون كيخوتي. في حين نجد في ترجمات أخرى ابنة
أخت دون كيخوتي. فالطرف الأول يعتبر دون كيخوتي عم أنطونيا كيخانا.أما
الطرف الثاني فيعتبره عمها. ورغم تباين الاسمين فهما يؤديان الوظيفة
نسفها تقريبا. وتتجلى أساسا في حفز دون كيخوتي على إحراق كتب الفروسية
بدعوى أنها أفسدت عقله.ولما نعود إلى رواية دون كيخوتي لترفانتيس نجد
أن ابنة أخته – صحبة الأمة- كانت تسخر من مناقب خالها دون كيخوتي
وتنهاهه عن القيام بمغامرات ثالثة متوخية من ذلك أن يضع حدا لجنونه.
ورغم انتقاداتها اللاذعة له فقد أوصى لها بممتلكاته بعد وفاته. وفي
حالة تأكدها بأن من سيتزوجها يعرف كتب الفروسية أوصى دون كيخوتي في
البند نفسه من الوصية أن توزع تلك الممتلكات على الأعمال الخيرية.
انظر في هذا الصدد إلى ترجمة سليمان العطار لدون كيخوتي دي لا
مانشا، ( خاصة بداية فصول الجزء الثاني ونهايته)، المجلس الأعلى
للثقافة ط1،2002.
42 -المرجع نفسه ص 58.
43 -المرجع نفسه ص58.
44 - في المجموعة القصصية لهاني الراهب، جرائم دون كيشوت، المؤسسة
العربية للدراسات والنشر،ط2،1979، ص/ص112-118.
45 -المرجع نفسه ص 115.
46 - انظر في هذا الصدد إلى قصة " جندب هريشلان أو مغوار"، المرجع
نفسه ص130.
47 -تتجلى بعض مظاهر هذا التعصب في اتخاذ دون كيخوتي مواقف سلبية
تجاه المسلمين، وتصرف المترجم ( وإن شخصية خيالية) في المخطوط العربي
الذي كتبه المؤرخ العربي السيد حامدي؛ وذلك بحذف الأنساق العربية
وتعويضها بالطابع المسيحي القشتالي.
ملاحظات في نقد "تلقي" نظرية
التلقي(5)
صدرت منذ أقل من سنتين ترجمة عربية لكتاب الناقد الألماني
الشهير هانس روبرت ياوس "جماليات التلقي : من اجل تأويل جديد للنص
الأدبي" (ترجمة: رشيد بنحدو ،الدار البيضاء،2004) ممهورة بمقدمة من
المترجم (رشيد بنحدو) يكشف فيها عن الدافع إلى إنجاز عمله بأنه جاء
استجابة لرغبة المؤلف نفسه؛ إذ التقى المترجم بـ“ياوس” عند زيارته
لكلية الآداب في فاس سنة 1994، وألقى حينها محاضرتين لخَّص فيهما تصوره
“للتأويلية الأدبية”، وقد كانت تلك الزيارة مناسبة قدم فيها المترجم
للأستاذ ياوس صورة مختزلة عن وضعية النقد الأدبي في المغرب والعالم
العربي، فأبدى هذا الأخير رغبته في أن تترجم كتبه وخاصة كتابه هذا
“جمالية التلقي”، مؤكدا أن ذلك لو تم سيُحدث “انقلابا جذريا” في النقد
الأدبي العربي!.
قد ينظر إلى هذا الكلام الذي سطره المترجم على أنه نوع من الدعاية
المشروعة للكتاب، لكن عند التأمل في مقدمة المترجم، ودراسة كيفية
تلقينا للنظريات النقدية الأوروبية عامة، يتبين أن مثل هذا التقريظ ليس
إشهارا للكتاب ولا دعاية له فقط، بل الأمر يعبر عن تصور نظري ينمذج
مواقفنا من الإبداعات الغربية، تصور انبهاري مقلد؛ صحيح أنه لا يجب أن
نراهن على التقليد من أجل إنجاز انقلابات أو تجديدات في مناهج الدراسة
النقدية العربية، ولكن يجب المراهنة على الإبداع الذاتي الأصيل؛ فمناهج
النقد ومدارس الفكر هي نتاج شروط ثقافية خاصة، لا يمكن استنباتها في
شروط مغايرة إلا بافتعال لن يؤدي أبدا إلى أن يثمر ثمارا ذات قيمة. وقد
سلف أن قلت في مقال سابق إن نظرية التلقي إضافة نوعية إلى الدرس
النقدي، لكن أشرت إلى أنها تعتورها إشكالات ومآزق ينبغي الإشارة إليها
وعدم الاكتفاء بهذه الكتابات التقريظية والشارحة التي تسود الخطاب
النقدي العربي.
في سياق هذه القراءة النقدية واحتكاما لمنطقها، نكتب هذه السطور، من
أجل ملاحظة بعض إشكالات هذه النظرية على مستوى المفاهيم وكذا على مستوى
الإجراء والتطبيق. ولنركز على المفهوم المحوري لهذه النظرية، أي
القارئ، الذي يرتفع عندها إلى مستوى ضامن البقاء والاستمرار للنص، حيث
يرى ياوس أن العمل الفني لا يكون له البقاء إلا بوساطة جمهور.
ولنتساءل: من هو هذا القارئ الذي تدعونا نظرية التلقي إلى الاهتمام
به؟
ليس بين منظّري ونقاد “نظرية التلقي” اتفاق على ماهية هذا القارئ،
ففي بداية ظهور “جمالية التلقي” تبلورت هذه النظرية بوصفها علما لدراسة
“تاريخ الأدب”. ومن هنا نلاحظ أن ياوس مثلا يطرح نظرية التلقي بوصفها
منظورا تحليليا للتاريخ الأدبي، مستثمرا غادامير وهوسرل في صياغة مفهوم
“أفق التوقع”. لكنْ ثمة إسهام آخر من داخل مدرسة كونسنتانس أنجزه آيزر
الذي لم يترك “علم جمال التلقي” كمقاربة منهجية للتاريخ، بل سيحوله إلى
دراسة للنص الأدبي من حيث هو علاقة تواصلية مع القارئ الفرد؛ لذا نجده
يتحدث عن القارئ الضمني. ذلك لأن فعل الكتابة هو فعل قصدي يقوم على
استهداف القارئ، وإحداث تأثير فيه. وفي هذا كان "آيزر" يستثمر النظرية
الفينومينولوجية التي قامت منذ تأسيسها على نقد الكوجيتو الديكارتي
الذي كان حسب هوسرل مغلقا وساقطا في الأناوحدية، وأن معالجته لا يمكن
أن تتحقق إلا باستحضار الخاصية الأساسية للوعي بوصفه وعيا قصديا. هذا
الدرس الفينومنولوجي (الظاهراتي) هو الذي وعاه آيزر وحلل به فعل
الكتابة والقراءة منتهيا إلى أن كل نص يطرح نمط قراءة خاص، لذا يجب على
الناقد أن يدرس ويستخلص نظام القراءة الذي “يقترحه” النص لتحقيق
الاستجابات المنتظرة من القارئ. وفي السياق نفسه، يمكن أن ندرج موقف
أمبرتو إيكو، في كتابه المعنون بـ “القارئ داخل النص”. فالكاتب يحس عند
صياغته لنصه بعوائق لسانية وثقافية ومجتمعية تعوق انطلاقه في التعبير،
لذا فالنص حسب إيكو لا يقول كل شيء ومن ثم فهو يحتاج إلى القارئ. وعلى
الناقد أن يحدد نمط “القارئ النموذجي”، أو “القارئ المثالي” الخاص
بالنص الذي يدرسه، وهو النموذج الذي يتوقعه المؤلف ويتمناه، ليس ليقرأ
ملفوظات نصه بل أيضا مسكوتاته وما بين سطوره.
لكن في منتصف الثمانينات سيبرز بشكل واضح نقاش حول جدوى البحث عن
قارئ مفترض بين تلافيف النص، وإهمال القارئ الفعلي المتحقق عينيا. حيث
قدم "ميشيل بيكار" في كتابه “القراءة بوصفها بوصفها لعبة”. مفهوما
للقارئ المتعين، أي القارئ الفعلي الذي له كينونة وجودية في الواقع،
كما تقول "آني روكسيل"، وليس القارئ الضمني أو المتخيل الذي انساقت
إليه أعمال "آيزر" و"أمبرتو إيكو". بيد أن هذا التصور الجديد للقارئ
الذي اقترحه "بيكار"، تعوقه أيضا عوائق عدة، ومن أهمها في تقديري أنه
لو اتخذناه منطلقا إلى دراسة تاريخ الأدب فإننا سنكون عاجزين عن تناول
أدباء ومبدعين مغمورين، وسنكون مضطرين إلى اختيار المؤلفات التي أثارت
اهتمام النقاد/ القراء، وبذلك سنغفل ثروات مهمة في تاريخ الأدب. وهذا
الاعتراض يعوق أيضا التطبيق الإجرائي لمنهج التلقي عند "ياوس" و"ستانلي
فيش"، وآية ذلك ماذا بإمكان منهج نظرية التلقي، بمفهوم بيكار للقارئ/
المتلقي، أو مفهوم "ياوس"، أو "ستانلي فيش" الباحث عن جماهير القراء،
أن يفيدنا في دراسة أشكال تلقي نصوص وتآليف مهملة. أليس من الأولى أن
ندعو هنا إلى أن نشتغل بما يمكن أن نسميه بمنهجية عدم التلقي، أي دراسة
أسباب إهمال هذه النصوص؟
ثمة إذن أمام تطبيق نظرية التلقي اعتراضات وصعوبات، على مستوى
الإجراء والتطبيق، سواء كان مفهوم القارئ مجردا أو عينيا.
لكن إضافة إلى هذه العوائق النظرية، يجب أن نلتفت إلى أمر مهم وهو
السياق الثقافي العام الذي ظهرت فيه هذه النظرية، لكي نعي واقعها وندرك
ضرورة الانتباه إلى أنها وليدة ظرف ثقافي خاص: إن نظرية التلقي هي
عملية زحزحة لمركزية المؤلف تتناغم مع جوهر المشروع الفلسفي لما بعد
الحداثة الذي يتحدد في نقد مركزية الذات، تلك التي نهض عليها المشروع
الحداثي ابتداء من ديكارت. ومن ثم فهي في تقديري الشخصي أحد أشكال
وتجليات فلسفة ما بعد الحداثة، ولتوضيح وجهة نظري هذه أقول: عندما بدأت
الحداثة الأوروبية مع الديكارتية بدأت بتسييد الكوجيتو، أي تسييد الذات
المفكرة. بيد أن ديكارت كان له مع تسييده للكوجيتو موقف إيجابي من
الدين، لكن صيرورة تطور الفكر الفلسفي الأوروبي من بعد "ديكارت"
و"مالبرانش" وغيرهما من الديكارتيين الذين كان للدين موقع داخل أنساقهم
الفلسفية، ستفتح المجال نحو تسييد مطلق للذات المفكرة/ العقل، وهكذا
نلاحظ أنه ابتداء من نهاية القرن السابع عشر أخذ الفكر الأوروبي ينحو
منحى متطرفا في تقدير العقل الإنساني والنظر إليه بوصفه قادرا على بلوغ
الحقيقة، كما كانت للثورة الصناعية ولمنتجاتها بالغ التأثير في صياغة
هذا الموقف الواثق من العقل وإمكاناته على المعرفة إلى درجة تأليهه.
بيد أن هذا الموقف الواثق من العقل سيتعرض لاهتزاز كبير.بدأ في
القرن الثامن عشر بالنقد الكانطي لقدرات العقل ، وتنسيب حصيلته
المعرفية بحد إمكانه المعرفي بحدود الظاهر، وجعل الماهية النومينية غير
قابلة للإمساك بمقولاته؛ لتظهر من بعد فلسفة ما بعد الحداثة كمشروع
لنقد مركزية الذات الإنسانية. ففلسفة نيتشه هي نقد لهذه المركزية
ولنمطها العقلاني، وسيكولوجية فرويد هي كذلك نقد لمركزية العقل
والإرادة بإبراز مقولة اللاشعور، وفلسفة البنيوية هي تمويت للإنسان
لمصلحة البنية واللغة، فمناداة "رولان بارت" بتمويت المؤلف يندرج ضمن
السياق ذاته المناهض لفلسفة الحداثة.
ونظرية التلقي عندما استبعدت المؤلف تندرج هي أيضا في سياق زحزحة
مركزية الذات، وعندما ندرسها يجب الوعي بالشروط التاريخية والثقافية
الخاصة التي ساهمت في إنتاجها؛ ذلك أن النتاجات الثقافية لا ينبغي
استنساخها؛ بل الاستفادة منها مع الوعي بكونها جاءت استجابة لحاجات
وإشكالات خاصة. وبهذا الوعي تكون استفادتنا منها ممكنة، لأنها تكون
بالفعل استفادة مبنية على وعي نقدي وليس تقليداً مبنياً على الانبهار.
|