مصطلحات ادبية: نظرية التلقي

نظرية التلقي: Reception theory

 

شبكة النبأ: لقد تطورت نظرية التلقي على يد منظرين مثل هانز روبرت جوس ولفنجانج أيزر، وكلاهما أستاذ بجامعة كونستانس في ألمانيا، إن خطا متوازياً يمكن أن يوجد بين نظرية المنفعة والبهجة Uses and gratification ونظرية التلقي Reception theory، حيث طور بعض منظري وسائل الإعلام الجماهيرية مفهوم المنفعة والبهجة، الذي لا يركز – فحسب – على تأثير وسائل الإعلام على الأفراد بل أيضاً على طريقة الاستخدام لهذه الوسائل وعلى المتعة التي يحصلون عليها من هذه الوسائل. وعلى نحو غامض أيضاً يذهب أصحاب نظرية التلقي في ذلك الأمر حين يركزون على الدور الذي يلعبه الجمهور المتلقي، حيث يفضون النصوص decoders of texts في نظام الأشياء لا على النصوص ذاتها، وذلك على نحو ما ذهب إليه lsar (72/1988) حين كتب يقول:

عند التفكير في العمل الأدبي، تركز النظرية الفينومينولوجية تركيزاً تاماً على الفكرة، التي تقول إن على المرء ألا يدخل في اعتباره النص الفعلي فحسب، بل كذلك – وبنفس القدر – يهتم بالأفعال المتضمنة في الاستجابة للنص، ولذلك يتصدى رومان إنجاردن لبنية النص الأدبي بالطرق التي يمكن بها أن يتحقق هذا النص. فالنص في ذاته يقدم زوايا تخطيطية Schematized views من خلالها يمكن للنص أن يتكشف ويتبدى، إلا ان الحضور الفعلي لا يتم إلا في فعل التحقق Konkretisation.

ومن ثم فإن lser يلمح من ذلك إلى أن الجمهور المتلقي – في حالة عمل محدد مثل الرواية هو القراء – يلعب دوراً مهماً فيما يمكن أن نسميه (تحقق النص realiza – tion).

فقد قام lsar بعمل تمييز بين قطبين: الأول فني ويشير إلى العمل الذي أبدعه الفنان، والآخر إستطيقي ويشير إلى العمل الذي يتم بواسطة القارئ (المتلقي)، ويبسط هذه بقوله:

(إذا كان الأمر كذلك، فإن للعمل الفني – إذن قطبين، هما ما ينبغي أن نسميهما الفني artistic والإستطيقي aesthwtic: الفني يشير إلى النص الذي يبدعه المؤلف والإستطيقي يشير إلى التحقق الجمالي الذي ينجزه القارئ وينتج عن ذلك الاستقطاب أن العمل الأدبي لا يتطابق مع النص، أو مع تحقق النص، وإنما هو يقع في منتصف الطريق بين القطبين فالعمل الأدبي لا يزيد شيئاً على النص، ذلك لأن النص لا تدب فيه الحياة إلا عندما يكون موضوعاً للإدراك. ناهيك عن أن هذا التحقق له لا يكون غير مستقل البتة عن موقف القارئ وإن كان ذلك بدوره يتأثر بالأنماط المتغايرة للنص.

فبمعنى من المعاني لا يكون للأعمال الأدبية وجوداً إلا متى كانت موضوعاً لإدراك قارئ. (وقد يرد إلى الذهن شعار باركلي القائل: الموجود هو المدرك to be is to bo perceived) فالنصوص حقيقة افتراضية virtuel Reality، أو كامنة وهي لا تتحقق تحققاً فعلياً إلا متى قام قارئ أو جمهور متلقي بقراءة أو رؤية أو سماع ذلك النص.

في عام 1968 ذهب إنجاردن إلى انه لو قمنا بدفع الأمور بقدر كافٍ، فإن القارئ له إسهام مكافئ في الأهمية في إدراك النصوص. وعلى ذلك فإن العالم قد ينقلب رأساً على عقب بقدر اهتمامنا بإبداع المؤلف authorship، لأن النصوص لا يكون في مقدورها مواصلة التبدي والحدوث بذاتها، كما لم يعد في مقدور الفنانين والمؤلفين – الذين منحوا هذه النصوص الوجود – أن يدعوا الامتلاك الأحادي، إن جاز التعبير، لمعنى نصوصهم. فإن نحن قمنا بترجمة هذه الفكرة إلى مصطلحات نظرية الاتصال، فيمكن أن يصبح المتلقي في هذه الحال مساوياً، أو مكافئاً في الأهمية لمرسل الرسالة.

نظرية الاتصال تؤكد على أننا يجب أن نكون أصحاب امتياز، وأن نعطي أهمية ملائمة للنص، كما يجب أن نأخذ في اعتبارنا دور القارئ (1984 Eco) ونهج القراء المختلفين (أو المشاهدين في حالة الوسائل المرئية) في تفسير النصوص.

فبمعنى ما من المعاني أن النصوص لا يكون لها وجود أو بالأحرى لا يخلع عليها الوجود إلا بواسطة القراء. فالعديد من المؤلفين لا يستحبون الفكرة التي تذهب إلى القول بأن أعمالهم – كما في حكاية سندريلا – لا تدب فيها الحياة إلا بقبلة قارئ / فتنة أمير، ولكن lsar وآخرين من منظري التلقي يقبلون بوجهة النظر هذه.

متعلقات

منهج التلقي أو نظرية القراءة والتقبل(1)

لقد عرف النقد العربي الحديث والمعاصر مجموعة من المناهج النقدية نتيجة الانفتاح على الثقافة الغربية (ترجمة واطلاعا وتعلما) كالمنهج النفسي الذي يحلل النص الأدبي من الوجهة الشعورية واللاشعورية، والمنهج الاجتماعي الذي ينظر إلى الأدب على أنه مرآة تعكس الواقع بطريقة مباشرة قائمة على المحاكاة الحرفية أو الجدلية، والمنهج البنيوي التكويني الذي يعتبر الأدب بنية جمالية مستقلة تعكس الواقع بمختلف مستوياته السوسيوتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية بطريقة غير مباشرة أو عبر التماثل.  

أما المنهج البنيوي اللساني فينظر إلى النص الأدبي على أنه بنية مغلقة أو نسق من العناصر اللغوية القائمة على علاقات اختلافية أو ائتلافية، بينما المنهج السيميائي فيقوم على التفكيك والبناء من خلال دراسة النص باعتباره نظاما من العلامات اللغوية وغير اللغوية. ولكن منهج التلقي والتقبل يركز على القارئ أثناء تفاعله مع النص الأدبي قصد تأويله وخلق صورة معناه المتخيلة. إذا، ماهي نظرة التلقي والتقبل؟ ومن هم روادها؟ وما هي مرجعياتها الأبستمولوجية والفلسفية والأدبية؟ وماهي مرتكزاتها المنهجية؟ وما هي تطبيقاتها في الساحة النقدية العربية؟

ظهرت نظرية التأثير والتقبل في ألمانيا في أواسط الستينيات (1966م) في إطار مدرسة كونسطانس وبرلين الشرقية قبل ظهور التفكيكية ومدارس مابعد الحداثة على يدي كل من فولفغانغ إيزرWolfgang Iser (1) وهانز روبير ياوسHans Robert Jauss (2) . ومنظور هذه النظرية أنها تثور على المناهج الخارجية التي ركزت كثيرا على المرجع الواقعي كالنظرية الماركسية أو الواقعية الجدلية أو المناهج البيوغرافية التي اهتمت كثيرا بالمبدع وحياته وظروفه التاريخية، والمناهج النقدية التقليدية التي كان ينصب اهتمامها على المعنى وتصيده من النص باعتباره جزءا من المعرفة والحقيقة المطلقة، والمناهج البنيوية التي انطوت على النص المغلق وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصل الأدبي ألا وهو القارئ الذي ستهتم به نظرية التلقي والتقبل الألمانية أيما اهتمام.

ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي إن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذا ونقدا وتفاعلا وحوارا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي له قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية، أي إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويقوم التأويل بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم. لذلك يرى أمبرطو إيكو U.ECO أن هناك أنماطا من القراءة والقراء في دراساته عن النص المفتوح والنص الغائب:

1- نص مفتوح وقراءة مفتوحة.

2- نص مفتوح وقراءة مغلقة.

3- نص مغلق وقراءة مغلقة.

4- نص مغلق وقراءة مفتوحة. (3)

ولايكون العمل الإبداعي إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعالة بين المؤلف والنص والجمهور القارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب الواقعية والخيالية والقارئ الذي يتقبل آثار النص سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح - غضب - متعة - تهييج - نقد - رضى...) . وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي (النص) والتأثير الشعوري (القارئ) في شكل ردود تجاه حمولات النص. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العمل الأدبي يتموقع في الوسط بين النص والقراءة من خلال التفاعل الحميمي والوجداني الاتصالي بين الذات والموضوع أي النص والقارئ. ومن ثم، فالعمل الأدبي أكبر من النص وأكبر من القراءة، بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة. وإذا كانت المناهج الأخرى تركز على اتجاه واحد في القراءة من النص إلى القارئ فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص على غرار القراءة الظاهراتية (الفينومينولوجية). ولا يحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا من خلال فعل التحقق القرائي وتجسيده عبر عمليات ملء الفراغات والبياضات وتحديد ماهو غير محدد، وإثبات ما هو منفي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف على مستوى استخلاص المعاني عن طريق الفهم والتأويل والتطبيق. ولن تكون القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد بناء النص عن طريق نقده وتأويله انطلاقا من تجربة جمالية وفنية بعيدا عن تصور القارئ المعاصر الواقعي. والقارئ الضمني: "ليس له وجود في الواقع، وإنما هو قارئ ضمني، يخلق ساعة قراءة العمل الفني الخيالي. ومن ثم، فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لا يرتبط مثله بشكل من أشكال الواقع المحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه، ومركز القوى فيه، وتوازنه، وواضعا يده على الفراغات الجدلية فيه فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له"(4)

وتفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها فينا الأعمال الأدبية ولاسيما الخالدة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله النص ولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية بل ما يتركه العمل من آثار شعورية ووقع فني وجمالي في النفوس والبحث عن أسرار خلود أعمال مبدعين كبار وأسباب ديمومتها وحيثيات روعتها وعبقريتها الفنية. كما تحاول هذه النظرية أن تعيد قراءة الموروث الأدبي والإبداعي من خلال التركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم وكيفية تعاملهم معها أثناء التقبل وطبيعة التأثير التي تتركها نفسيا وجماليا لدى القراء عبر اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية. وهكذا يدعو كل من إيزر ويوس إلى إعادة كتابة تاريخ الأدب الغربي على ضوء جمالية القراءة لمعرفة الذوق السائد وطبيعة التفكير والتفاعل بين الذوات والنصوص الإبداعية والمقاييس الجمالية التي استخدمت في التأويل عبر التطور التاريخي والتحقيب الأدبي والنقدي. يقول يوس في هذا الصدد: "إذا أردنا كتابة تاريخ أدبي جديد، من خلال رسم يعيد تكوينه، انطلاقا من بقايا الأعمال والتفرعات التاريخية، والتأويلات، ودعاوي التواصل الأدبي المتخفاة تحته، علينا أن نسارع إلى تاريخ التجربة الجمالية ونظريتها. وتظهر لي ضرورة كل هذا لأنه يمنحنا (الجسر الهرمنوتيكي) لبلوغ حقب بعيدة في الزمان وفي الثقافات الأجنبية ذات التقليد الأوربي".(5) ويشير إيزر أيضا إلى مدى أهمية إعادة تاريخ الأدب الأوربي اعتمادا على شهادات القراء ورصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية أثناء تفاعل ماهو شعوري (القراءة) مع ماهو لفظي (النص): "كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف جمهور معين؟ عن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات النظر وبعض الضوابط السائرة بين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، يمارس تأمله داخل الأدب. وهذا أيضا، صحيح حين يعمد تاريخ التلقي إلى شهادات، القراء الذين يطلقون، عبر فترات مختلفة من الزمن، أحكاما على أثر معين. وفي هذه الحالة، يكشف تاريخ التلقي الضوابط التي توجه هذه الأحكام مما يشكل نقطة انطلاق لتاريخ الذوق، الشروط الاجتماعية لجمهور القراء."(6)

وعليه، فإن العمل الأدبي قد يراعي أفق انتظار القارئ عندما يستجيب لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية عبر عمليات المشابهة النصية والمعرفة الخلفية وقواعد الأجناس والأنواع الأدبية التي تعرفها في نظرية الأدب. ولكن قد يخيب توقعه ويفاجأ إذا واجه نصا حداثيا جديدا لم ينسجم مع القواعد التي يتسلح بها في مقاربة النص الأدبي. فعندما نقرأ الروايات الكلاسيكية فإنها تراعي أفق انتظار القارئ الذي تعود على قراءتها من خلال معايير وآليات تجنيسية وتحليلية معروفة. بيد أنه إذا أعطيت لهذا القارئ الكلاسيكي رواية حداثية فإنها ستصدمه بطرائق فنية جديدة تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية بسبب الانزياح الفني بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. ويعني أن هناك مسافة جمالية تربك القارئ وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية ويجعلها خالدة مثل: رواية دون كيشوط لـ (سيرفانتيس) لدى يوس، ويقصد – يوس- بالمسافة الجمالية: "ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال القراء على الأثر، أي من تلك الأحكام النقدية التي يطلقونها عليه. وهنا أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور بالخيبة، إذ الآثار الأخرى التي ترضي آفاق انتظارها وتلبي رغبات قرائها المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، عادة، باستعمال النماذج الحاصلة في البناء والتعبير، وهي نماذج تعود عليها القراء. إن آثارا من هذا النوع هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. أما الآثار التي تخيب آفاق انتظارها وتغيظ جمهورها المعاصر لها، فإنها آثار تطور الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، أو هي آثار ترفض إلى حين حتى تخلق جمهورها خلقا."(7) وهناك نصوص تغيير أفق انتظار القارئ الذي يجمع بين الذكاء والفطنة حيث يتعلم بسرعة كل ما هو جديد ويتكيف مع كل نص طليعي أو حداثي حيث يغير هذا القارئ من آليات قراءته وأدواته حتى ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. ويمكن لنا أن نوضح ما قلناه في هذه الخطاطة:

 ويبدو أن الدراسة الأدبية عند يوس: "ليس تحليل النصوص تحليلا هيكلانيا مضمنا بها، وليس هو أيضا استعراض المعارف المتعلقة بالكاتب وبالأثر، وإنما هو التخاطب الأدبي من خلال ما تتسم به الأوضاع التاريخية والاجتماعية والثقافية من خصائص. إن موضوع الدراسة الأدبية هو أن نعرف كيف أجاب الأثر الأدبي على ما لم تجب عليه الآثار السابقة من قضايا، وكيف اتصل بقرائه أو خلقهم خلقا".(8)

وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية فيمكن حصرها في المفاهيم التالية:

1- ثنائية القارئ والنص ،

2- التأثير والتواصل ،

3- العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي ،

4- التحقق والتأويل ،

5- القارئ الافتراضي المثالي ،

6- أفق الانتظار ،

7- ملء البيضات والفراغات والبحث عن النص الغائب ،

8- النص المفتوح ،

9- المسافة الجمالية.

أما عن مرجعيات هذه النظرية الأدبية، فإن روب هولمب يوجزها في خمسة مؤثرات هي على التوالي:

1- الشكلانية الروسية ،

2- بنيوية براﯖ ،

3- ظواهرية "رومان إنجاردان" ،

4- هيرمينوطيقا "جادامر" ،

5- سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر. (9)

هذا، وقد كانت هناك مؤثرات وراء تشكل نظرية التقبل منها النظرية الفنومولوجية أو الفلسفة الظاهراتية التي ظهرت في ألمانيا مع هوسرل ورومان إنجاردان، وترتكز هذه الفلسفة على ترابط الفكر والوجود الظاهري للأشياء. وبتعبير آخر، تؤمن هذه الفلسفة بتفاعل الذات والموضوع بطريقة تواصلية من الصعب الفصل بين القطب الذاتي والموضوعي. أما المعنى فإنه يستخلص من خلال التفاعل والتواصل بين هذين الفاعلين. وهذا ينطبق على تفاعل القارئ مع النص تفاعلا تأويليا تحققيا قصد الوصول إلى الدلالة وإعادة بنائها من جديد. وساهمت التأويلية لدى جادامر في دراسة الكيفية التي نتعامل بها النصوص عن طريق استنتاج المعنى سواء أكان ظاهرا أم مخفيا عبر عملية الفهم والانتقال من المعنى إلى الدلالة ثم تأويل النصوص وذلك بتفسيرها جماليا وفنيا. وهذا التأويل التفسيري يختلف من سياق تاريخي إلى سياق تاريخي آخر. كما تقوم سوسيولوجية الأدب بدور مهم في استقراء إحصائي للقراءة الجماهيرية وطبيعة القراء والقراءة وكيفية الاتصال. كما أن البنيوية سواء أكانت شكلانية أم لسانية وظيفية أيضا كان لها تأثير في دراسة النص والإشارة إلى عملية القراءة وأنظمة التواصل الجاكبسوني (التركيز على عناصر التواصل الست: المرسل والمرسل(10) إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة) والتركيز على البنيات الشكلية للنص كالإشارة إلى عوامل السرد من كاتب ضمني وقارئ ضمني...

ويقول إيزر محددا مؤثرات أخرى لنظريته: "من الشائع الآن أن النظريات تمارس تأثيرا معينا على الساحة الثقافية الألمانية: الماركسية، ونظرية التحليل اللغوي، ونظرية الإعلام، والتأويل، والتحليل النفسي. أما بالنسبة للدراسات الأدبية بوجه خاص، فيبدو أن أبرز هذه الاتجاهات هو التحليل النفسي، وفن التأويل. وفضلا عن ذلك ينبغي أن نذكر نظرية تجريبية في الأدب، اكتسبت شهرة عظيمة في الأعوام الأخيرة؛ هي تسجيل استجابات الناس واستخلاص استدلالات فيما يتعلق بالقانون الاجتماعي الذي يتحكم في اتجاهاتهم.

وقبل التأثير الذي تركته النظريات السالفة الذكر، انتشرت النقدية الجديدة في الدراسات الأدبية الألمانية؛ إذ أثبتت هذه النزعة أنها رد فعل للانتفاع بالنص الأدبي في أغراض شتى، وبخاصة في الأغراض السياسية، في ماضي ألمانيا القريب.

ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي نستحضر مجموعة من الأقلام النقدية على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، منها: عبد الفتاح كليطو في كتابيه: الحكاية والتأويل(11) والأدب والغرابة(12) وحميد لحمداني في كتابه: القراءة وتوليد الدلالة(13) ومحمد مفتاح في كتابه: التلقي والتأويل(14)، وكلهم باحثون ودارسون مغاربة.

...............................................................

الهوامش/

(1) - A regarder. Iser : théorie de l’effet esthétique, éd. Pierre Margada. 1985 ;

(2) - A regarder, H. R. Jauss : Pour une esthétique de la réception. Gallimard. Paris 1978 ;

(3) - A regarder : Umberto Eco : L’œuvre ouverte éd. Seuil. Paris 1965/La structure absente. Ed. Mercure de France. Paris .1972 ;

(4) د. نبيلة إبراهيم: (القارئ في النص: نظرية التأثير والاتصال) مجلة فصول المصرية، المجلد5، العدد1، 1984، ص103

(5) هانز روبير يوس: (جمالية التلقي والتواصل الأدبي) الفكر العربي المعاصر، بيروت، لبنان، عدد 38، ص112

(6) فولفغانغ إيزر: (فعل القراءة، نظرية الوقع الجمالي) ترجمة أحمد المديني؛ آفاق المغربية، العدد6، 1987، ص28-29

(7) د. حسين الواد: في مناهج الدراسات الأدبية، منشورات الجامعة ط2، 1985م، ص79-80

(8) د. حسين الواد: في مناهج الدراسات الأدبية، ص80

(9) د. صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، ط1، 2002، ص118

(10) د. نبيلة إبراهيم: (حديث مع ولفغانغ إيزر)، مجلة فصول المصرية، المجلد 5، العدد1، 1984، ص105

(11) د. عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، دار توبقال للنشر، الدارالبيضاء، ط1، 1988

(12) د. عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط1982؛

(13) د. حميد لحمداني: القراءة وتوليد الدلالة، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ط1 ،2003

(14) د. محمد مفتاح: التلقي والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ط1، 1994 

المحاولات الأولى للاهتمام بالقارئ(2) 

      إن مقولة القارئ كمكون أساسي في العملية الإبداعية ، أثير منذ القديم إذ نجد أصداءه في التداول الشعري القديم في الإنشاد ، فالشاعر وهو ينشد قصيدته يفترض قارئا إما أن يكون هو الممدوح أو المثقف الذي يحضر عملية الإنشاد والإلقاء ، وفي تلك الأفعال التي يبدأ بها العلماء والنقاد والفقهاء في كتاباتهم مثل " اعلم، فافهم ".

ونجد لذلك أمثلة في الكتابة الروائية ، فدنيـس ديــدور في روايـــــتــه " جاك القدري " يستحضر القارئ ويتحاور معه ويوجهه ويكشف له عن لعبة الكتابة.  .

وقد بدا الاهتمام بالقارئ والقراءة قبل ظهور نظرية التلقي ، غير أن هذا  الاهتمام لم يسفر عن تصور منهاجي نسقي لهذه العملية ، بحيث بقي في طور البدايات ، وإن الفصل الذي خصصه جون بول سارتر في كتابه " ما الأدب ؟ " تحت عنوان " لمن نكتب ؟ ". يبرز بجلاء الانشغال المبكر لدى هذا الفيلسوف الوجودي بمسألة القارئ والقراءة.

فهو يذهب في إطار التفاعل بين الكتابة والقراءة إلى " أن الكاتب إنما يكتب للقارئ من حيث هو فرد من أفراد الناس في العالم " وفي هذا السياق يحدد طبيعة القارئ  المستهدف ، ففي تصوره " ليس القارئ الذي أتوجه إليه بالإنسان الذي جمع في نفسه بين معرفة العالم الأكبر والأصغر ، على غرار " ميكرو ميجاس " وليس هو نموذج " الساذج ". كما أنه ليس هو الله. فليس فيه جهل الساذج الوحشي الذي يجب أن يشرح له كل شيء حتى البدائيات ، وليس هو روحا ولا صفحة بيضاء. وليس عالما بكل شيء شأن الله ...  وإنما أكشف له بعض مظاهر العالم فاستفيد مما يعلم لأحاول تلقينه ما لا يعلم. وهو معلق بين الجهل المطلق والعلم التام. ولديه بضاعة محدودة تتغير من لحظة إلى أخرى. وهي كافية للإيماء بصفته التاريخية " .  إن مواصفات القارئ التي يضعها جون بول سارتر تتحدد من خلال مفهوم الحرية والتاريخية، فالقارئ شخص منخرط في التاريخ ليس بالقارئ المثالي ولا بالقارئ الساذج. ومعالمه تتحدد أيضا في ثنايا العمل الأدبي ، إذ ما  دامت " حرية المؤلف وحرية القارئ تبحث كل مها عن الأخرى، ويتبادلان التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد ، فمن الممكن أن يقال : إن ما يقوم به المؤلف من اختيار لبعض مظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ ، كما يمكن أن يقال أيضا إن الكاتب - حينما يختار قارئه - يفصل بذلك في موضوع كتابه. ولذلك كانت كل الأعمال الفكرية محتوية في نفسها على صورة القارئ الذي كتبت لــــــه "  

إن صورة القارئ المتضمنة في العمل هي ما سيصطلح عليها بالقارئ الضمني  ينم تحليل جون بول سارتر ، عن وعي عميق بوظيفته القارئ في انفتاح العمل الأدبي على إمكانيات لا نهاية من التأويلات ، حيث انتقد التصور الذي يعلي من شأن المؤثرات الخارجية من جهة المؤلف  يقول : " سيستهوي قوما القول بأن كل محاولة لتفسر عمل الفكر ، عن طريق الجمهور الذي يتوجه به إليه ،  محاولة زائفة مفتعلة تتناول العمل تناولا غير مباشر . ألا يكون الأمر أيسر وأقوم وأدق إذا أخذنا ظروف الكاتب نفسه عاملا حاسما في إنتاجه ؟ ألا يكون من الأوفق القول بفكرة " تين " في تأثير البيئة ؟ غير أني أجيب هؤلاء بأن التفسير بالبيئة حاسم حقا من حيث إن البيئة تنتج الكاتب، ولذلك لا أعتقد في هذا التفسير. إذ الشأن في الجمهور أن يكون على النقيض من ذلك ، لأنه يهيب بالكاتب ، أن يضع أسئلة يتوجه بها إلى حريته. والبيئة قوة دافعة إلى الخلف ، ولكن الجمهور على النقيض انتظار ، وفراغ يملأ.

من خلال هذا النقد الذي يوجهه سارتر للمنهج الوضعي،  الذي يحاول تفسير الإبداع بمقولات علية خارجية متحكمة ومقيدة للحرية ، تبرز الخلفية الفلسفية المتحكمة في تصوره للإشادة بمقولة القارئ باعتباره محررا للعمل الأدبي وضامنا  لاستمراريته في الحاضر والمستقبل ، في حين أن كل تفسير يعطي الأولية للعلل المتحكمة يسقط في دفع العمل إلى الماضي وإلى الخلف.

تبقى هذه الأفكار حول مفهوم القراءة والقارئ لبنات أولية في بروز نظرية التلقي ، هذه النظرية

التي ستتخذ صيغتها النسقية في ألمانيا ، في مدرسة كونسطانس وقد كان من أبرز رواد هذه النظرية كل من هانس روبير ياوس  وفولفغانغ آيزر. فكيف تمت بلورة هذه النظرية وما هي خلفياتها الفلسفية ومفاهيمها الأساسية ؟

نظرية التلقي : النشأة والأسس:

إن نشوء نظرية ما هو جواب عن سؤال ، واستجابة لحاجة ، بالإضافة إلى أن النظرية تحمل معها نموذجا استبداليا جديدا يتجاوز النماذج السابقة ، ولا تنشأ النظرية إلا إذا وقعت أزمة في الأسس ، وبذلك تكتسب النظرية الجديدة مشروعيتها. فما هي الأسئلة التي طرحت على نظرية التلقي ؟ وما هي طبيعة الأزمة التي سعت هذه النظرية إلى اقتراح حلول لها ؟

يذهب " فانسون يوف " في كتابة " ما القراءة ؟  " إلى أن السبب في الاهتمام بالقراءة والقارئ هو المأزق الذي عرفته الدراسات الشكلانية ، والتطور الذي حصل في ميدان اللسانيات ، لقد بدأ الاهتمام بالقراءة يتطور " في الوقت الذي عرفت فيه المقاربات البنيوية بعض الفتور ، إذ تبين أن اختزال النص الأدبي إلى مجموعة من الأشكال عديم الفائدة ، لقد أصبحت الشعرية في مأزق ـ إذ كل دراسة تعنى بالبنيات فقط تؤدي إلى نماذج عامة وناقصة جدا "  أما السبب الثاني فهو الانطلاقة التي ستعرفها التداوليات بحيث أضافت للسانيات في وصفها لاشتغال  اللغة فرعا ثالثا للفرعين المعهودين : " التركيب " الذي يعنى بدراسة العلاقة بين العلامات ، و " علم الدلالة " الذي يبحث في علاقة العلامات بما تدل عليه ، وهو التداوليات، أي البحث في علاقة العلامات بمستعمليها. وهكذا فالتداوليات ستركز على التفاعل داخل الخطاب، بين الإرسالية والمرسل إليه وبين النص والقارئ. ومن تم سيحدث تحول كبير في علاقة المكونات التي يتم بها التواصل ، وسيعاد النظر في تحديد الأدب وطريقة دراسة النصوص. فالسؤال ما الأدب ؟ يعني أن نتساءل لماذا نقرأ كتابا ما ؟ لقد " أصبحت أحسن وسيلة لفهم قوة واستمرارية بعض الأعمال هي أن نتساءل حول ما يجده القراء فيها .

 أما روبير هولوب ، في كتابه نظرية التلقي ( مقدمة نقدية ) ، فإنه اعتمد مقالة لهانس روبير ياوس نشرت سنة 1969 تحت عنوان " التغيير في أنموذج الدراسات الأدبية ". حيث لخص فيها هذا الأخير تاريخ المناهج الأدبية مفترضا أن بداية ثورة ما في الدراسات المعاصرة كانت على وشك الحدوث. وقد أكد ياوس في هذه المقالة " أن دراسة الأدب ليست عملية تشتمل على التراكم التدريجي للوقائع والحجج التي من نشأتها أن تقرب أكثر  ، كل جيل متعاقب ماهية الأدب في الواقع أو تقربه من فهم صحيح للأعمال الأدبية الفردية ، بل بالأحرى يتميز التطور الأدبي بالقفزات النوعية والانقطاعات ونقط الانطلاق الأصلية. ويتم إقصاء الأنموذج الذي سبق أن وجه البحث الأدبي في الوقت الذي لم يعد يستجيب للمتطلبات التي وضعتها له الدراسات الأدبية ، وهكذا فإن أنموذجا جديدا يكون ملائما أكثر لهذه المهمة ومستقلا عن النمط الأسبق ويحل هذا الأنموذج محل المقاربة المتقادمة إلى أن يصبح هو بدوره عاجزا على مسايرة وظيفته التي هي تفسير الأعمال الماضية للأجيال في الوقت الحاضر.  يتبين من خلال هذا النص أن ياوس استفاد من بعض المفاهيم الأبستيمولوجية ، وهي مفهوم " الأنموذج paradigm  " و " الثورة العلمية " محاولا بذلك إعادة تفسير طبيعة التطور الأدبي محتذيا في ذلك منهجية العلوم الطبيعية ، فمفهوم الأنموذج مكنه من رصد الانقطاعات الحاصلة في التطور الأدبي ؛ حيث أن كل أنموذج يحمل معه رؤية ترتبط بأسئلة معينة وتستجيب لحاجيات خاصة ؛ وحينما يعجز الأنموذج على مسايرة التطورات الحاصلة ولا يقدر على إيصال الأعمال القديمة للقارئ الحديث فإنه يخلي المكان لنموذج آخر ، قادر على خلق تقنيات تأويل جديدة وكذا الموضوعات التي ينبغي تأويلها.

ولكي يبرز ياوس جدة الأنموذج الذي سيطلق عليه نظرية التلقي ، سيصنف النماذج السابقة مبرزا طبيعتها وخلفياتها وحدودها وهي كالتالي:

أ/ أنموذج ما قبل المرحلة العملية : وهو أنموذج كلاسيكي ذو نزعة إنسانية يعتمد كمعيار مقارنة الأعمال الأدبية بالنماذج المتفق عليها لدى القدماء. فالأعمال التي قلدت الأعمال الكلاسيكية بنجاح كانت تعتبر جيدة أو مقبولة ، أما تلك التي خرجت عن أعراف النماذج العريقة فكانت تعتبر رديئة أو غير مرضية. وكانت مهمة الناقد هي قياس الأعمال الأدبية في الحاضر مقابل القواعد الثابتة.  

ب/ أنموذج الثورة العلمية للنزعة التاريخية : ظهر هذا الأنموذج بعد انهيار النموذج الأول في القرنــــين 18 و 19 وقد ظهر عقب تأسيس الأمم والاتصالات من أجل الوحدة الوطنية في كل أرجاء أوربا . وكنتيجة للتغيرات السياسية والتخمينات الإيديولوجية ، فقد أصبح تاريخ الأدب لحظة مؤملة من لحظات الشرعية الوطنية وبالتالي ارتكز النشاط على دراسات المصادر وعلى محاولات إعادة بناء ما قبل التاريخ لنصوص القرون الوسطى المعيارية ... وغالبا ما ارتبطت هذه المقاربة " التاريخانية " الوضعية من حيث المنهج بمقاربة آلية للنصوص وكذا برؤية ضيقة تكاد تكون شفينية.

ج/ النموذج " الجمالي-الشكلاني": داخل هذا الأنموذج مناهج متعددة كالأسلوبية وتاريخ الأفكار، والشكلانية الروسية  ، والنقد الجديد ، وما يربط مختلف هؤلاء النقاد والمدارس هو التحول من التفسيرات التاريخية والسببية إلى التركيز على العمل نفسه.

 إن الوقوف على محدوديته هذه الأنموذجات سيفسح المجال لظهور أنموذج رابع ، ولو أنه " لا يمكن تحديده بعد شكل دقيق 2 كما يذهب هيلوب ، غير أن ياوس يضع مجموعة من المقتضيات المنهجية تحدد طبيعة هذا النموذج وتميزه عن النماذج الأخرى. فبالإضافة إلى التأويل والتوسط وتحيين فن الماضي وهو شرط أساسي استوفته كل أنموذج سابق. هناك شروط أخرى وهي :

- الوساطة بين التحليل الجمالي ، والشكلي ، والتاريخي ،  والتحليل المرتبط بالتلقي ، وكذا بين الفن والتاريخ والواقع الاجتماعي.

- ربط المناهج البنائية والمناهج التأويلية.

- سبر أعماق جمالية التأثير ( التي لم تعد ترتبط بالوصف وحده ) ، وبلاغة جديدة تستطيع فعلا تفسير الأدب " الراقي " وكذا الأدب الشعبي وظواهر وسائل الإعلام في آن واحد .

من خلال هذه المقتضيات يتضح لنا الطابع التركيبي لنظرية التلقي ؛ حيث أن هذه الأخيرة تسعى إلى تجاوز النزعة البنائية والشكلانية المعتمدة على الوصف وتجاوز النزعة التاريخانية التي تعتمد على تفسير الحدث محاولة بذلك تركيب هذين التوجيهين بفتحها على القارئ وعلى الهرمينوطيقا ، بغية إحداث بلاغة جديدة تكسر الحدود ما بين ما اصطلح عليه بالأدب الراقي والأدب الشعبي.

من توقعات القاريء الى معنى التجربة الجمالية(3) 

يعد الناقد والمؤرخ الأدبي هانز روبرت يدوس (1921-1997) من أبرز أعلا مدرسة كونستانس التي عني أفرادها بصورة عامة، بعلاقة دلالة النص الأدبي بالقاريء. وقد طور ياوس، مع زملائه في جامعة كونستانسى الألمانية، وعلى رأسهم وولفغانغ آيسر، ما عرف في سنوات الستينات والسبعينات بـ " نظرية التلقي ". وكان لأستاذه هانز جورج نما داعر، الذي درس على يديه في جامعة هايديلبيرغ، أكبر الأثر على أفكاره التي دارت حول معنى التأويل وعلاقة ما يتوقعه القراء من العمل الأدبي في زمن بعينه، بمعنى هذا العمل وتاريخيته.

درس يدوس فقه اللغات الرومانسية والنقد الأدبي في جامعة كونستانس، كما درس أيضا في جامعتي كولومبيا وييل الأمريكية ن وجامعة السوربون في فرنسا، وتركزت التاثيرات الأساسية على عمله النقدي في تأويلية غادامر وشعرية الشكلانيين الروس حيث تنازعه مزان التياران، من تيارات التفكر النقدي، على مدار أعماله ويلحظ الدارسون هذه التأثيرات في حوليات مدرسة كونستانس، التي بدات في اصدارها منذ عام 1963،.

والتي ظلت تصدر تحت عنوان "الشعريات والتأويل "، وهما كلمتان تبينان حالة الانقسام داخل المدرسة بين  تيارين أساسيين في  مجموعة "نظرية التلقي" الألمانية يحاولان، رغم تباين وجهات النظر حول معنى العمل الآدبي ان يتوصلا الى طبيعة العلاقة التي تقوم بين النص والقاري، ففي الوقت الذي يركز التأويل على تحديد المعنى تقوم الشعرية بالوصف العلمي للنص دون الانشغال بالدلالة.

من الواضح في عمل هانز روبرت يدوس انه ينتمي الى التيار الذي يشدد على تأويل النص وتاريخيته  وتركز أعماله الأولى على تجديد معنى "التاريخ الأدبي" وجعله يحتل قلب الدراسة الأدبية. ومع أنه لا يدعو الى العودة الى التركيز على حياة المؤلف وبينته التاريخية، كما يفعل النقد التقليدي، فإن جوهر دعوته النقدية يتمثل في محاولة التوفيق بين الجدل التاريخي الماركس والشكلانية الروسية. لكنه في الوقت نفسه يرفض النظرية الماركسية في الانعكاس لأنها تختزل العمل الأدبي الى عملية نسخ وظيفي للواقع. وهو، رغم تأثره الواضح بالشكلانيين الروس وخصوصا بمفهوم "نزح الالفة " الذي صكه الناقد الشكلاني الروسي فكتور شكلوفسكي، يشدد على أن عملهم غير كاف لأنه "لا يرى العمل الفني في التاريخ، أي في أفق انتاجه التاريخي، ولا يعاين وظيفته الاجتماعية، وأثره التاريخي." (نحو فهم جمال لعملية التلقي، ص 18).

في اعتراض مواز لنقدد عمل الشكلانيين الروس يقول ياوس أن اصرار الناقد البنيوي الفرنسي رولان بارت على "لعبة القناص الحر. التي لا حدود لها" لا تنتب قراءات تاريخية، أو جمالية. وبالمقابل فإن مدرسة التأويل الأدبي (الهيرمونيطيقا) "تقدم فرضية شديدة الأهمية وهي أن تعيين معاني الأعمال الأدبية يتطور تاريخيا ويستند الى منطق محدد مما يساعد في تشكل المعايير الأدبية. ويضيف على  جديدا الى سلسلة الأعمال الأدبية الكبرى، كما يساعد في عملية تحول هذه المعايير على مدار التاريخ. والأهم من ذلك أن هذه الفرضية تسمح بعملية التمييز بين "التأويلات الاعتباطية وتلك التأويلات التي حظيت بنوء من الاجماع " بين القراء  والنقاد والدوائر الأدبية المختلفة. (نحو فهم جمالي، ص 148).

في هذا السياق صاغ يدوس تعبير "أفق التوقعات " ليفسر أسس عملية الاستقبال الأدبي حيث تتحدد قيمة أي نص بالاستناد الى المسافة التي تقوم بينه وبين "أفق التوقعات ".

يذكرنا مصطلح "أفق التوقعات " بتعبير " اندماج الآفاق " الذي صاغه وفسر استنادا اليه عمليات فهم الماضي والآخر، اذ بدلا من الحديث عن الفهم كحقيقة موضوعية يرى غا دامر أن الفهم لا يتحقق الا من خلال تكييف المعنى وتسوية الخلاف في وجهات النظر. ان عملية القراءة، حسب غا دامر،هي نوع من تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر، ونحن إذ نمارس فعل القراءة في الحاف لا نستطيع التخلص من الأفكار الجاهزة والتميزات المستقرة في ثقافتنا. ولكننا مم ذلك نستطيع في هذا الأفق المحدود تاريخيا اذن نتوصل الى بعض الفهم الذي يمكننا من القاء بعض الضوء على النصوص القديمة. وفي أثناء عملية الفهم هذه قد يحصل نوع من الاندماج بين " أفق توقعاتنا" وآفاق كتابة الماضي وقراءته.

ومع أن يدوس يحاول، في فهمه علاقة العمل الأدبي بالمتلقي أن يفسر الطبيعة المتغيرة لمعنى العمل الأدبي، إلا أن تأثيرات في غادامر ومارسته التأويلية، التي تشدد على أن المعنى لا يتحقق الا عبر علاقة مجاورة أو من خلال المصادفة،واضحة في عمله. لكن الاختلاف بين غادامر ويدوس يكمن في طبيعة مشروع يدوس. انه لا يعني بالتركيز على المؤلف،أو النص، أو التأثيرات الأدبية بل هي عملية تلقي النحى بدءا من رهن كتابته وانتهاء بعملية تأويله من قبل القاريء أو مجموعة القراء في الوقت الحاضر. ليس النص في هذه الحالة، وجودا موضوعيا محاطا بعدد غير محدود من التأويلات التي تشكل ظلالا شبحية له، بل إن هوية هذا النص لا تتحقق الا في أفق عملية استقباله، ومن خلال عملية التأويل الجماعي لأجيال متتالية من القراء.

يقول يدوس في مقالته الشهيرة، " التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية

الأدبية (1970).

لا تستند تاريخية الأدب الى من مسممة " الحقائق الأدبية " (...لا بل الى التجارب السابقة للقراء مع العمل الأدبي".  

يثير العمل الأدبي بهذا المعنى، أصداء مختلفة لدى القراء ومن ثم يحرر نفسا من مادية الكلام ويحقق وجودا في العالم المعاصر. ومن هنا فإن تأريخ الأدب يتشكل من عملية التلقي والانتاج الجمالي على صعيد القاريء والناقد والمؤلف في سيرورة انتاجه الأدبي. أن النص يقيم حوارا لا ينقطه بين الماضي والحاضر حيث يتم فهم الماضي واستقبالة من خلال الأفق الثقافي للحاضر. ولكي يصبح فهم الماضي ممكنا يطالب يدوس بنوع من "اندماج الآفاق " لتوحيد الماضي والحاضر.

ان يدوس يموضع العمل الأدبي في " أفقه " التاريخي، وفي سياق المعاني الثقافية التي سبق انتاجها، ثم يعمل على تفحص العلاقات المتغيرة بين هذه المعاني و" الآفاق " المتغيرة لقراء العمل التاريخيين. وهدف الناقد الألماني، من هذا الاختبار، هو خلق نور؟. جديد من التاريخ الأدبي الذي لا يركز على المؤلف ن والتأثيرات والتيارات الأدبية، بل على تأويلات الأدب في لحظات "استقباله " التاريخية. وحسب نظرية يدوس فإن الأعمال الأدبية لا تبقى ثابتة. في الوقت الذي نتغير التأويلات بل أن النصوص والتقاليد الأدبية نفسها تتغير استنادا الى "الآفاق " التاريخية التي تستقبل ضمنها.

لكن كيف يمكن للعمل الأدبي الجديد، الذي ينتهك القواعد المستقرة المعروفة لدى القراء، أن يقدم نفسه ؟

يرى هانز روبرت يدوس أن العمل الأدبي الجديد لا يقدم نفسه للقاريء بوصفه جديدا تماما. انه يعرض نفسه على القاريء من خلال الاشارات الصريحة والمقنعة والتلميحات الضمنية والخصائص المالوفة بالنسبة للقاريء موقظا بذلك بعض الذكريات في نفسه جاعلا اياه يتوقع شكل بداية القحل ونهايته حيث يعمل في هذه الحالة على مخالفة توقعات القاريء واعادة توجيهه، على. مدار النص أو ايقاظ حسن المفارقة فيه بحيث يكون باستطاعة الكاتب ان منوه على هذا التوقعات أو مقوم  بتغيرها أو تصحيحها أو اعادة انتاجها. كل ذلك يحدث استنادا الى القواعد والقوانين الخاصة بالنوع. بالشكل الأدبي للنص لكي يحدث. ما يسميه يدوس. " تغيرا في آفاق التوقعات ". وهو يخالف بذلك جماعة سوسيولوجيا الأدب الذين يحقدون أن الكاتب موثق الى جمهور قرائه، الى الوسط الذي يوجد فيه والى الاراء والايديولوجية السائدة في زمنة بحيث يتوجب عليه ان ينقب كتابا يوافق " توقعات قرائه ". ويقدم لهم الصورة التي يحبون أن يروها لأنفسهم.

ان هذا النوع مدن الحتمية الوضعية مرفوض من قبل ياوس. وهو من خلال تفسيره كيفية دخول الأعمال الجديدة التي تنتقك " توقعات " القراء وكيفية استقبالهم للأعمال الأدبية، في السلسلة الادبية يفسر عملية التطور الأدبي وتطور الأشكال وتغيرات.أثارات مقالة هانز روبرت يدوس "التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية الادبية " ردود فعل كثيرة في ألمانيا. وقد واصل الناقد الألماني الغربي بتأثير ردود الفعل هذه الدفاع عن التصوراته النظرية التي طرحها في مقالته الشهيرة. ولكنه في الوقت نفسه قام بتعديل همزه التصورات منذ سنوات السبعينات أكثر من مرة، في معاركة النقدية مع ممثلي مدرسة فرانكفورت ونخص بالذكر هنا انتقاداته لعمل ثيودور 

ادورنو، اورده على النقاد الذين ينتمون الى جمهورية المانيا الديمقراطية مسابقا.

أن ثيودور ادورنو اذ يبحث، في كتابه "نظرية علم الجمال " (وقد نشر بعد وفاته )، معنى الثيمات الأساسية في علم الجمال _ استقلالية العمل الأدبي والعمل الأدبي بوصفه ظاهرة اجتماعية _ تاريخية والجمال المشترك بين الطبيعة والفن - يشدد على دور علم الجمال الفلسفي في فهم طبيعة الفن الحداثي، الذي يصر على النفي السلبي للمجتمع كنوع من النقد الاجتماعي والكفاح ضد التكيف الاجتماعي والسلبية اللاعقلانية التي سادت في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا فإن الفن العظيم بالنسبة لادورنو هو بمثابة المزاولة التاريخية - الفلسفية التي تضيء جوانب من الواقع الاجتماعي ولكنها تنكره وتوجه أشد الانتقاد له في الوقت نفسه. انه بهذا المعنى ينكر أي دور تغييري مباشر للفن في المجتمع.

يعارض يدوس نظرية أدورنو قائلا ان بامكان الأدب والفن أن يلعبا دورا تقدميا في المجتمع، وينتقد النظرة النخبوية للفن ومفهوم استقلالية العمل الأدبي والتجربة الجمالية نفسها، والمتعة المتضمنة في التواصل مع العمل الأدبي أو الفني وهو يقوم من ثم باستبدال مصطلحه، الأثير على نفسه، "أفق التوقعات " بتعبير التجربة الجمالية بوصفها المتعة الذاتية التي يحصل عليها المرء من خلال التواصل مع متعة جمالية الأخرى.

لقد تعرضت نظرية "التلقي" لهجوم عنيف من قبل عدد من نقاد ألمانيا الديمقراطية في أوائل السبعينات حيث عدوها نتيجة منطقية لرفض مدرسة "التلقي" الالمانية الغربية، الاقرار بتشخيص الماركسية لتنقاضات المجتمع البرجوازي، وقد اختار هؤلاء هانز روبرت يدوس لتوجيه انتقادات عنيفة لعمله، بسبب محاولته تطعيم نظريته في الدراسة الأدبية بمفهوم ذاتي غير ماركسي للتاريخ. ومن بين أبرز نقاد جمهورية المانيا الديمقراطية (سابقا) روبرت فايمان الذي يؤكد في كتابه "البنية والمجتمع في التاريخ الأدبي" (1976) أن عمل يدوس يقع أسير مذهب الذاتانية الخالصة عندما يعتقد أن وعي القراء الأفراد هو الذي يحدد التاريخ بصورة نهائية. كما أنه ينتقد يدوس قائلا أنه لا يزودنا بأية معايير نستند اليها لتقييم النص أو عملية التلقي والحكم عليهما.  

بسبب هذه الانتقادات لطبيعة فهم يدوس للعملية المثلثة الاطراف، المنتج الأدبي _ النص _ المتلقي، أدرك يدوس وجوه التقصير في نظريته فتحول من التشديد على عملية التلقي الى التشديد على التجربة الجمالية.

لقد أصبحت اهتمامات هانز روبرت يدوس ء في فترة السبعينات ء ذات طبيعة تأويلية خالصة، وأصبح تعبير "التجربة الجمالية " يتردد بصورة مستمرة في معظم كتاباته، حتى أن كتابه الأساسي الذي أصدره بالالمانية عام 1977 حمل عنوان "التجربة الجمالية ونظرية التأويل الأدبي" (وهو يضم مقالة بالعنوان نفسه كان اصدرها عام 1972). في هذا الكتاب يميز يدوس بين أنواع ثلاثة من التجربة : انتاج الممارسة الجمالية، وعملية التلقي، والعملية التواصلية (التي تحقق عملية التطهير، مما يذكر بالفهم الأوسطي لوظيفة العمل الأدبي). ويمكن القول أن النوع الثالث من أنواع التجربة، ممثلا بالعملية التواصلية، يحتل في هذه المرحلة من مراحل تفكير يدوس بؤرة مركزية وهو يعرفه بأنه "متعة الشاعر التي يحركها الكلام أو الشعر الذي يستطيع أن يحدث تغييرا في المعتقد، ويؤدي في الوقت نفسه الى تحرير عقل السامع أو المتشاهد "أي أن التجربة الجمالية تحقق ثلاث وظائف في المجتمع : فهي تعمل على ايجاد المعايير والقيم، وانها تبقي على المعايير السائدة في المجتمع، أو ترفض التكيف مع هذه المعايير السائدة.

بناء على هذا التصور النظري الجديد للعلاقة بين النص والقاريء يرى يدوس أن هناك خمسة أنماط من التفاعل بين العمل الأدبي وكيفية تلقيه : وهي علاقات التداعي،والاعجاب، والتعاطف والتطهير، والاحساس بالمفارقة، ومن ثم فإنه يوفر نموذجا شاملا لفهم العلاقة بين علم الجمال وعملية استقبال الأعمال الأدبية، متوجا بذلك نظريته في التلقي التي ركزت في البداية على بنية " توقعات " القراء وانتهت الى التشديد على معنى التجربة الجمالية ووظائفها المتحققة من خلال عملية القراءة.

يعد الناقد والمؤرخ الأدبي هانز روبرت يدوس (1921-1997) من أبرز أعلا مدرسة كونستانس التي عني أفرادها بصورة عامة، بعلاقة دلالة النص الأدبي بالقاريء. وقد طور ياوس، مع زملائه في جامعة كونستانسى الألمانية، وعلى رأسهم وولفغانغ آيسر، ما عرف في سنوات الستينات والسبعينات بـ " نظرية التلقي ". وكان لأستاذه هانز جورج نما داعر، الذي درس على يديه في جامعة هايديلبيرغ، أكبر الأثر على أفكاره التي دارت حول معنى التأويل وعلاقة ما يتوقعه القراء من العمل الأدبي في زمن بعينه، بمعنى هذا العمل وتاريخيته.

درس يدوس فقه اللغات الرومانسية والنقد الأدبي في جامعة كونستانس، كما درس أيضا في جامعتي كولومبيا وييل الأمريكية ن وجامعة السوربون في فرنسا، وتركزت التاثيرات الأساسية على عمله النقدي في تأويلية غادامر وشعرية الشكلانيين الروس حيث تنازعه مزان التياران، من تيارات التفكر النقدي، على مدار أعماله ويلحظ الدارسون هذه التأثيرات في حوليات مدرسة كونستانس، التي بدات في اصدارها منذ عام 1963،.

والتي ظلت تصدر تحت عنوان "الشعريات والتأويل "، وهما كلمتان تبينان حالة الانقسام داخل المدرسة بين  تيارين أساسيين في  مجموعة "نظرية التلقي" الألمانية يحاولان، رغم تباين وجهات النظر حول معنى العمل الآدبي ان يتوصلا الى طبيعة العلاقة التي تقوم بين النص والقاري، ففي الوقت الذي يركز التأويل على تحديد المعنى تقوم الشعرية بالوصف العلمي للنص دون الانشغال بالدلالة.

من الواضح في عمل هانز روبرت يدوس انه ينتمي الى التيار الذي يشدد على تأويل النص وتاريخيته  وتركز أعماله الأولى على تجديد معنى "التاريخ الأدبي" وجعله يحتل قلب الدراسة الأدبية. ومع أنه لا يدعو الى العودة الى التركيز على حياة المؤلف وبينته التاريخية، كما يفعل النقد التقليدي، فإن جوهر دعوته النقدية يتمثل في محاولة التوفيق بين الجدل التاريخي الماركس والشكلانية الروسية. لكنه في الوقت نفسه يرفض النظرية الماركسية في الانعكاس لأنها تختزل العمل الأدبي الى عملية نسخ وظيفي للواقع. وهو، رغم تأثره الواضح بالشكلانيين الروس وخصوصا بمفهوم "نزح الالفة " الذي صكه الناقد الشكلاني الروسي فكتور شكلوفسكي، يشدد على أن عملهم غير كاف لأنه "لا يرى العمل الفني في التاريخ، أي في أفق انتاجه التاريخي، ولا يعاين وظيفته الاجتماعية، وأثره التاريخي." (نحو فهم جمال لعملية التلقي، ص 18).

في اعتراض مواز لنقدد عمل الشكلانيين الروس يقول ياوس أن اصرار الناقد البنيوي الفرنسي رولان بارت على "لعبة القناص الحر. التي لا حدود لها" لا تنتب قراءات تاريخية، أو جمالية. وبالمقابل فإن مدرسة التأويل الأدبي (الهيرمونيطيقا) "تقدم فرضية شديدة الأهمية وهي أن تعيين معاني الأعمال الأدبية يتطور تاريخيا ويستند الى منطق محدد مما يساعد في تشكل المعايير الأدبية. ويضيف على  جديدا الى سلسلة الأعمال الأدبية الكبرى، كما يساعد في عملية تحول هذه المعايير على مدار التاريخ. والأهم من ذلك أن هذه الفرضية تسمح بعملية التمييز بين "التأويلات الاعتباطية وتلك التأويلات التي حظيت بنوء من الاجماع " بين القراء  والنقاد والدوائر الأدبية المختلفة. (نحو فهم جمالي، ص 148).

في هذا السياق صاغ يدوس تعبير "أفق التوقعات " ليفسر أسس عملية الاستقبال الأدبي حيث تتحدد قيمة أي نص بالاستناد الى المسافة التي تقوم بينه وبين "أفق التوقعات ".

يذكرنا مصطلح "أفق التوقعات " بتعبير " اندماج الآفاق " الذي صاغه وفسر استنادا اليه عمليات فهم الماضي والآخر، اذ بدلا من الحديث عن الفهم كحقيقة موضوعية يرى غا دامر أن الفهم لا يتحقق الا من خلال تكييف المعنى وتسوية الخلاف في وجهات النظر. ان عملية القراءة، حسب

غا دامر،هي نوع من تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر، ونحن إذ نمارس فعل القراءة في الحاف لا نستطيع التخلص من الأفكار الجاهزة والتميزات المستقرة في ثقافتنا. ولكننا مم ذلك نستطيع في هذا الأفق المحدود تاريخيا اذن نتوصل الى بعض الفهم الذي يمكننا من القاء بعض الضوء على النصوص القديمة. وفي أثناء عملية الفهم هذه قد يحصل نوع من الاندماج بين " أفق توقعاتنا" وآفاق كتابة الماضي وقراءته.

ومع أن يدوس يحاول، في فهمه علاقة العمل الأدبي بالمتلقي أن يفسر الطبيعة المتغيرة لمعنى العمل الأدبي، إلا أن تأثيرات في غادامر ومارسته التأويلية، التي تشدد على أن المعنى لا يتحقق الا عبر علاقة مجاورة أو من خلال المصادفة،واضحة في عمله. لكن الاختلاف بين غادامر ويدوس يكمن في طبيعة مشروع يدوس. انه لا يعني بالتركيز على المؤلف،أو النص، أو التأثيرات الأدبية بل هي عملية تلقي النحى بدءا من رهن كتابته وانتهاء بعملية تأويله من قبل القاريء أو مجموعة القراء في الوقت الحاضر. ليس النص في هذه الحالة، وجودا موضوعيا محاطا بعدد غير محدود من التأويلات التي تشكل ظلالا شبحية له، بل إن هوية هذا النص لا تتحقق الا في أفق عملية استقباله، ومن خلال عملية التأويل الجماعي لأجيال متتالية من القراء.

يقول يدوس في مقالته الشهيرة، " التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية الأدبية (1970).

لا تستند تاريخية الأدب الى من مسممة " الحقائق الأدبية " (...لا بل الى التجارب السابقة للقراء مع العمل الأدبي".

يثير العمل الأدبي بهذا المعنى، أصداء مختلفة لدى القراء ومن ثم يحرر نفسا من مادية الكلام ويحقق وجودا في العالم المعاصر. ومن هنا فإن تأريخ الأدب يتشكل من عملية التلقي والانتاج الجمالي على صعيد القاريء والناقد والمؤلف في سيرورة انتاجه الأدبي. أن النص يقيم حوارا لا ينقطه بين الماضي والحاضر حيث يتم فهم الماضي واستقبالة من خلال الأفق الثقافي للحاضر. ولكي يصبح فهم الماضي ممكنا يطالب يدوس بنوع من "اندماج الآفاق " لتوحيد الماضي والحاضر.

ان يدوس يموضع العمل الأدبي في " أفقه " التاريخي، وفي سياق المعاني الثقافية التي سبق انتاجها، ثم يعمل على تفحص العلاقات المتغيرة بين هذه المعاني و" الآفاق " المتغيرة لقراء العمل التاريخيين. وهدف الناقد الألماني، من هذا الاختبار، هو خلق نور؟. جديد من التاريخ الأدبي الذي لا يركز على المؤلف ن والتأثيرات والتيارات الأدبية، بل على تأويلات الأدب في لحظات "استقباله " التاريخية. وحسب نظرية يدوس فإن الأعمال الأدبية لا تبقى ثابتة. في الوقت الذي نتغير التأويلات بل أن النصوص والتقاليد الأدبية نفسها تتغير استنادا الى "الآفاق " التاريخية التي تستقبل ضمنها.

لكن كيف يمكن للعمل الأدبي الجديد، الذي ينتهك القواعد المستقرة المعروفة لدى القراء، أن يقدم نفسه ؟

يرى هانز روبرت يدوس أن العمل الأدبي الجديد لا يقدم نفسه للقاريء بوصفه جديدا تماما. انه يعرض نفسه على القاريء من خلال الاشارات الصريحة والمقنعة والتلميحات الضمنية والخصائص المالوفة بالنسبة للقاريء موقظا بذلك بعض الذكريات في نفسه جاعلا اياه يتوقع شكل بداية القحل ونهايته حيث يعمل في هذه الحالة على مخالفة توقعات القاريء واعادة توجيهه، على. مدار النص أو ايقاظ حسن المفارقة فيه بحيث يكون باستطاعة الكاتب ان منوه على هذا التوقعات أو مقوم  بتغيرها أو تصحيحها أو اعادة انتاجها. كل ذلك يحدث استنادا الى القواعد والقوانين الخاصة بالنوع. بالشكل الأدبي للنص لكي يحدث. ما يسميه يدوس. " تغيرا في آفاق التوقعات ". وهو يخالف بذلك جماعة سوسيولوجيا الأدب الذين يحقدون أن الكاتب موثق الى جمهور قرائه، الى الوسط الذي يوجد فيه والى الاراء والايديولوجية السائدة في زمنة بحيث يتوجب عليه ان ينقب كتابا يوافق " توقعات قرائه ". ويقدم لهم الصورة التي يحبون أن يروها لأنفسهم.

ان هذا النوع مدن الحتمية الوضعية مرفوض من قبل ياوس. وهو من خلال تفسيره كيفية دخول الأعمال الجديدة التي تنتقك " توقعات " القراء وكيفية استقبالهم للأعمال الأدبية، في السلسلة الادبية يفسر عملية التطور الأدبي وتطور الأشكال وتغيرات.أثارات مقالة هانز روبرت يدوس "التاريخ الأدبي بوصفه تحديا للنظرية الادبية " ردود فعل كثيرة في ألمانيا. وقد واصل الناقد الألماني الغربي بتأثير ردود الفعل هذه الدفاع عن التصوراته النظرية التي طرحها في مقالته الشهيرة. ولكنه في الوقت نفسه قام بتعديل همزه التصورات منذ سنوات السبعينات أكثر من مرة، في معاركة النقدية مع ممثلي مدرسة فرانكفورت ونخص بالذكر هنا انتقاداته لعمل ثيودور 

ادورنو، اورده على النقاد الذين ينتمون الى جمهورية المانيا الديمقراطية مسابقا.

أن ثيودور ادورنو اذ يبحث، في كتابه "نظرية علم الجمال " (وقد نشر بعد وفاته )، معنى الثيمات الأساسية في علم الجمال _ استقلالية العمل الأدبي والعمل الأدبي بوصفه ظاهرة اجتماعية _ تاريخية والجمال المشترك بين الطبيعة والفن - يشدد على دور علم الجمال الفلسفي في فهم طبيعة الفن الحداثي، الذي يصر على النفي السلبي للمجتمع كنوع من النقد الاجتماعي والكفاح ضد التكيف الاجتماعي والسلبية اللاعقلانية التي سادت في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا فإن الفن العظيم بالنسبة لادورنو هو بمثابة المزاولة التاريخية - الفلسفية التي تضيء جوانب من الواقع الاجتماعي ولكنها تنكره وتوجه أشد الانتقاد له في الوقت نفسه. انه بهذا المعنى ينكر أي دور تغييري مباشر للفن في المجتمع.

يعارض يدوس نظرية أدورنو قائلا ان بامكان الأدب والفن أن يلعبا دورا تقدميا في المجتمع، وينتقد النظرة النخبوية للفن ومفهوم استقلالية العمل الأدبي والتجربة الجمالية نفسها، والمتعة المتضمنة في التواصل مع العمل الأدبي أو الفني وهو يقوم من ثم باستبدال مصطلحه، الأثير على نفسه، "أفق التوقعات " بتعبير التجربة الجمالية بوصفها المتعة الذاتية التي يحصل عليها المرء من خلال التواصل مع متعة جمالية الأخرى.

لقد تعرضت نظرية "التلقي" لهجوم عنيف من قبل عدد من نقاد ألمانيا الديمقراطية في أوائل السبعينات حيث عدوها نتيجة منطقية لرفض مدرسة "التلقي" الالمانية الغربية، الاقرار بتشخيص الماركسية لتنقاضات المجتمع البرجوازي، وقد اختار هؤلاء هانز روبرت يدوس لتوجيه انتقادات عنيفة لعمله، بسبب محاولته تطعيم نظريته في الدراسة الأدبية بمفهوم ذاتي غير ماركسي للتاريخ. ومن بين أبرز نقاد جمهورية المانيا الديمقراطية (سابقا) روبرت فايمان الذي يؤكد في كتابه "البنية والمجتمع في التاريخ الأدبي" (1976) أن عمل يدوس يقع أسير مذهب الذاتانية الخالصة عندما يعتقد أن وعي القراء الأفراد هو الذي يحدد التاريخ بصورة نهائية. كما أنه ينتقد يدوس قائلا أنه لا يزودنا بأية معايير نستند اليها لتقييم النص أو عملية التلقي والحكم عليهما.

بسبب هذه الانتقادات لطبيعة فهم يدوس للعملية المثلثة الاطراف، المنتج الأدبي _ النص _ المتلقي، أدرك يدوس وجوه التقصير في نظريته فتحول من التشديد على عملية التلقي الى التشديد على التجربة الجمالية.

لقد أصبحت اهتمامات هانز روبرت يدوس ء في فترة السبعينات ء ذات طبيعة تأويلية خالصة، وأصبح تعبير "التجربة الجمالية " يتردد بصورة مستمرة في معظم كتاباته، حتى أن كتابه الأساسي الذي أصدره بالالمانية عام 1977 حمل عنوان "التجربة الجمالية ونظرية التأويل الأدبي" (وهو يضم مقالة بالعنوان نفسه كان اصدرها عام 1972). في هذا الكتاب يميز يدوس بين أنواع ثلاثة من التجربة : انتاج الممارسة الجمالية، وعملية التلقي، والعملية التواصلية (التي تحقق عملية التطهير، مما يذكر بالفهم الأوسطي لوظيفة العمل الأدبي). ويمكن القول أن النوع الثالث من أنواع التجربة، ممثلا بالعملية التواصلية، يحتل في هذه المرحلة من مراحل تفكير يدوس بؤرة مركزية وهو يعرفه بأنه "متعة الشاعر التي يحركها الكلام أو الشعر الذي يستطيع أن يحدث تغييرا في المعتقد، ويؤدي في الوقت نفسه الى تحرير عقل السامع أو المتشاهد "أي أن التجربة الجمالية تحقق ثلاث وظائف في المجتمع : فهي تعمل على ايجاد المعايير والقيم، وانها تبقي على المعايير السائدة في المجتمع، أو ترفض التكيف مع هذه المعايير السائدة.

بناء على هذا التصور النظري الجديد للعلاقة بين النص والقاريء يرى يدوس أن هناك خمسة أنماط من التفاعل بين العمل الأدبي وكيفية تلقيه : وهي علاقات التداعي،والاعجاب، والتعاطف والتطهير، والاحساس بالمفارقة، ومن ثم فإنه يوفر نموذجا شاملا لفهم العلاقة بين علم الجمال وعملية استقبال الأعمال الأدبية، متوجا بذلك نظريته في التلقي التي ركزت في البداية على بنية " توقعات " القراء وانتهت الى التشديد على معنى التجربة الجمالية ووظائفها المتحققة من خلال عملية القراءة.

التلقي العربي لدون كيخوتي(4)

د. محمد الداهي

mohamed-dahi.net


تمهيد:

تستتبع نظرية التلقي علاقة جدلية بين أفق التوقع ( ما يتضمنه النص) وأفق التجربة ( ما يفترضه المتلقي)، وتفتح حوارا بين الماضي والحاضر" مدرجة التفسير الجديد ضمن السلسلة التاريخية لتفعيلات المعنى"( 1). وقد جاءت هذه النظرية لاستدراك مسألة تاريخ الأدب التي استبعدت نتيجة الخلاف المحتدم بين الشكلانية والماركسية، وردم الفجوة الفاصلة بين المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية، وإعادة الاعتبار للنزعة الإنسانية التي غيبت من المحفل الأدبي إثر الإعلان عن موت الكائن البشري. وهي تنطلق من معاودة النظر في ثبات النظرة التقليدية للنص " فالمعنى ..ليس شيئا يستخرج من النص، أو يتم تجميعه من إيحاءات نصية، بل يتم التوصل إليه من خلال عملية تفاعلية بين القارئ والنص"(2 ). لقد زعزعت نظرية التلقي التقليد السائد الذي كان يتعامل مع النص بوصفه قاعدة ثابتة للتأويل ، وانزاحت عن المفاهيم التأويلية القديمة واضعة القارئ في مركز مشروعها الـتأويلي، و مؤكدة عدم الفصل بين النص المقروء وتاريخ تلقيه. وهكذا أصبحت للقارئ مهمة جديدة لا تختزل في التلقي السلبي والتواطؤ للبحث عن المعنى الوحيد والمحدد سلفا، وإنما تقوم على ملء فراغات النص وفرجاته ، وإدراكه في صيرورته وليس باعتباره كينونة ثابتة، وبناء المعنى المتعدد من خلال التفاعل والتواصل معه ( فعل القراءة).

إن الهدف المنشود الذي سعت إليه نظرية التلقي- رغم أنه ما يزال بعيدا عن التحقيق- هو إدراك " نظرية عامة للتواصل" ذات اختصاصات متداخلة، وهي نظرية تحتوي على جميع الاختصاصات وتتكون منها في الوقت نفسه"( 3). كما "أنها مطالبة أخيرا بالانفتاح على نظريات التواصل والسلوك وسوسيولوجية المعرفة حتى يمكنها فهم كيفية إسهام الفن، بما هو أحد وسائط الممارسة الاجتماعية في صنع التاريخ… وتكون السلوك الاجتماعي وتنقله"( 4). ولقد كرست جهدها لوضع لبنات ما اصطلح عليه بالتواصل الأدبي. ويمكن في هذا الصدد الاستشهاد بالقولتين الآتيتين:

يقول إيزر: " فالتواصل الأدبي هو عملية لا يحركها ولا ينظمها سنن معطى بل تفاعل مقيد وموسع بطريقة متبادلة بين ما هو صريح وضمني، بين الكشف والإخفاء"( 5).

ويقول ياوس " ويعتبر إدراك التواصل الأدبي، الذي يضمره ما يدعى "الظواهر الأدبية" ، غاية تستهدفها أبحاث جديدة تتطلب نظرية كفيلة باعتبار التفاعل بين الإنتاج والتلقي ضمن تحليل سيرورات التلقي. فبواسطة هذا التفاعل يتم التبادل الدائم بين المؤلفين والمؤلفات والقراء، بين تجربتي الفن الحاضرة والماضية"( 6).

يضع إيزر التواصل ضمن مصطلحين آخرين وهما البنية والوظيفة. وتحيل المصطلحات الثلاثة إلى ثلاث مقاربات متباينة تتمثل فيما يلي: التحليل البنيوي الذي يهتم بوصف بنية العمل وتصنيف عناصرها، ثم التحليل الوظيفي الذي ينكب على إبراز كيفية إدماج النصوص في علاقة متبادلة مع محيطها، ثم جمالية التلقي التي تعتبر التواصل الأدبي نشاطا مشتركا بين القارئ والنص.

ويرصد ياوس تاريخ التجارب الجمالية مركزا على مقولات أساسية، وهي: الإبداع والإدراك والتطهير. ويعتبر التجربة الجمالية التواصلية ( التطهير) جزأ من الثالوث الجمالي الذي يضم أيضا التجربة الجمالية المنتجة ( الإبداع) والتجربة الجمالية المستقبلة ( الإدراك الجمالي). ويركز في التجربة الجمالية التواصلية على مفهوم التماهي ، الذي لا يعتبره تلقيا سلبيا، وإنما "يستلزم حركة مد وجزر بين الملاحظ المحرر جماليا وبين موضوعه غير الحقيقي حيث يمكن للذات خلال استمتاعها الجمالي أن تمر عبر عدد كبير من المواقف"( 7).

تعتبر نظرية التلقي التواصل الأدبي جزءا من التفاعل الإنساني الذي يعتبر من بين انشغالات مدرسة فرانكفورت في إطار نظرية تحررية للتواصل. وتتعامل معه بوصفه نشاطا مشتركا يجمع بين النص والقارئ، وبين التجربة الجمالية والواقع المعيش، وبين الماضي والحاضر. وهكذا أعادت نظرية التلقي الاعتبار لوظائف الإنتاج والتلقي وتفاعلهما، ووجهت الاهتمام من استقرار النص وثباته إلى أفق القراءة وحركيتها، وركزت مجهودها على دور القارئ في إصدار تأويلات جديدة وإضفاء الحركية على النص. " إن حياة العمل ناتجة ليس من وجوده في ذاته بل من التفاعل الحاصل بينه وبين البشرية"( 8).

1-إعادة الاعتبار لمفهوم التطبيق في الهرمونطيقا الأدبية:

يحلل ياوس التواصل الأدبي اعتمادا على الفهم والتأويل والتطبيق، وتمثل هذه المفاهيم الوحدة الثلاثية للمنهجية الهرمنطيقية عند هانس غادامر. وفي هذا الصدد يرى ياوس أن الهرمنطيقا الأدبية-على عكس المجالات الهرمنطيقية الأخرى- لم تول  أهمية تذكر لمفهوم التطبيق لكونه ظل لمدة طويلة رهن التاريخانية والتأويل المحايث. إن الاهتمام بهذا المفهوم أفضى، بالإضافة إلى عوامل أخرى، إلى ظهور نظرية التلقي التي أحدثت إبدالا في مجال المعرفة الأدبية، وحتمت قراءة ثالثة من الصنف التاريخي، تستتبع إعادة تكوين أفق الانتظار وطرح أسئلة من قبيل : ماذا يقول النص بالنسبة لي؟ وماذا أقول بصدد موضوع النص؟ لقد اهتمت الهرمنطيقا الأدبية أساسا  بالقراءة الأولى ( الفهم) وبالقراءة الثانية ( التأويل) واستبعدت القراءة الثالثة ( التطبيق) من اهتماماتها بدعوى أنها حكر على المجالات ذات المنحى أو النزوع العلمي. ومن خلال السياقات التي ورد فيها مفهوم التطبيق يمكن أن نستنتج ما يلي:

1-إنه يستدعي الاستجابة للرغبة في قياس أفق تجربة القارئ وتمديدها، وذلك بمقارنتها بتجربة الآخر في إطار التواصل الأدبي مع الماضي( 9).

2-ليست الغاية من استحضار نص قديم أن يكون مفهوما وإنما راهنيا ويتم تعليل صلاحيته المقننة ( 10).

3- إن مشكل التطبيق لا يشمل فقط الدلالة الممنوحة للماضي، بل أيضا الدلالة التي يكتسيها المستقبل بالنظر إلى الوضعية الراهنة ( 11).

سنقوم في البداية باستجلاء كيف تلقى العرب دون كيخوتي على المستوى النقدي والإبداعي في إطار ما اصطلح عليه بالتواصل الأدبي، ثم سنحاول إبراز طبيعة الأسئلة التي انطلقت منها بحثا عن أجوبة محددة، واستجلاء كيف تعاملت مع القراءة الثالثة ( التطبيق) في ضوء ما استنتجناه من تصورات ياوس التي أعادت الاعتبار له.

2- على المستوى النقدي(12 ):

1-في دراسة محمد منذور( 13)  يتضح أنه رغم إحباطات دون كيخوتي وانكساراته، فقد ظل وفيا لإحلام الشباب، ساعيا إلى المجد بحد السيف أو سنان  القلم. لقد اتخذ ثرفانتيس من هذه الشخصية رمزا لشبابه وعنوانا للمغامرات الجنونية. وركز محمد مندور، في تلخيصه لرواية دون كيخوتي ،على أهم التحديات التي واجهته لإثبات فروسيته وإقدامه، لكنه لم يجن منها إلا أسوأ الجزاء، ولم يستطع أن يرفع الظلم لفساد نفوس البشر. لقد أغراه كل فشل بمغامرة أخرى إلى أن مات حسرة على انهزامه في معركة دارت بينه وبين فارس آخر. "مات فتلقى الموت كما يتلقى محب ابتسامة حبيبته أو شهيد وجه ربه. مات بعد أن علم  أن القتال لخير البشر قتال مع طواحين هواء. مات بعد أن فشلت جهوده ولم تعد لديه القدرة على استئناف حياة بليدة راتبة كالتي يحياها ملايين  البشر من الخاملين"( 14). ويستنتج محمد مندور من مغامرات دون كيخوتي عبرا ودروسا للأجيال الساعية إلى المثل الأعلى والملتمسة للخير والفناء.

2- يذكر التهامي الوزاني ، في إحدى مقالاته التي كان ينشرها في جريدة الريف( 15)، أن عيد الكتاب  بمدينة تطوان خصص سنة 1942 للاحتفاء بالكاتب الإسباني سربانطيس. إن مثل هذا العرس الثقافي يسعف  العرب على استحضار رموز الثقافة العربية في الأندلس على نحو ابن طفيل وابن رشد والمعتمد بن عباد وابن زيدون وابن هاني. وفي هذا الصدد يرى التهامي الوزاني أن الثقافة تلعب دورا  أساسيا في الربط بين الشرق والغرب، وتمثل قسطا مشاعا وإرثا مشتركا يتقاسمه البشر دون تفاوت وتباعد. ف" فلا مزية لأحد على أحد إلا بمقدار ما أنتجه من المنافع التي تدفع البشرية نحو التقدم في معنوياتها وماديتها". وأبرز التهامي الوزاني أن عيد الكتاب في الإسلام هو يوم عظيم. فلم يكن لليلة القدر خيرا من ألف شهر إلا لأنها كانت أول الأمر ظرفا لنزول القرآن الكريم. وفي هذا السياق اقترح عبد الخالق الطريس أن يتخذ المسلمون ليلة القدر عيد كتابهم." وإنه لاقتراح   وجيه تشهد له السنة والكتاب والشريعة والدين، وأن المسلمين ليحتفلون بهذه الليلة ولا يرون في نزول الكتاب فيها إلا فضلا من فضائلها دون أن يهتموا بشأن الكتاب  نفسه وعندنا أنها ما عظم شأنها والله أعلم إلا لنزول القرآن فيها".

وفي مقال آخر( 16) أبرز التهامي الوزاني الظروف التي نشأ فيها سربانطيس، و تتجلى في احتدام الصراع بين المسلمين والمسيحيين. وبما أن سربانطيس قد أسر في الجزائر وأصيب في الحرب بآفات جسمية، فكان يقول إنه كما جاهد الإسلام بيده فكذلك سيحاربه بقلمه. ويرى التهامي الوزاني أن خلود رواية دون كيخوتي، إلى جانب حفولها بالعناصر الجمالية، يكمن في الحض على أخلاق البطولة، والدفاع عن الوطن و المسيحية. ورغم ما في الرواية من مواقف عدائية تجاه الإسلام ، فإن التهامي الوزاني يشارك الإسبانيين في التمتع بعوالمها وضروب صنعتها ، ويغفر لكاتبها تهكمه من المسلمين جزاء ما يتوفر عليه كتابه من علم وأدب.

من خلال هذين المقالين نلاحظ أن صاحبهما يؤكد التلقي الإيجابي لدون كيخوتي في مدينة تطوان رغم طابعها المحافظ في الفترة المتحدث عنها. ولم تصرف بعض المواقف السلبية المضمنة في الرواية سكان مدينة تطوان عن الاحتفاء بسربانطيس في يوم عيد الكتاب. وهذا ما يبين حرصهم على استثمار العناصر الإيجابية التي يمكن أن تسهم في تعزيز العلاقة بين المغرب وإسبانيا، وتوطيد الرباط التاريخي والثقافي الذي يجمعهما. ولا يجدون غضاضة في الاحتفال بيوم " عيد الكتاب" الإسباني لأن اللغة العربية أسهمت بقسط وافر في الأدب الإسباني، ولأن الأمر يتعلق بكاتب " عبقري" و" فذ" و" عظيم" يفيد القارئ "بخيالاته وتصوراته وحسن أسلوبه وطريقة عرضه للقضايا". ورغم إشارة التهامي إلى بعض العناصر الجمالية التي تحفل بها الرواية، فهو لم يتوقف عندها. فهو قد صرف اهتمامه إلى بعض القضايا التي تستمد نسغها من احتدام الصراع بين الدين الإسلامي والمسيحي، ومن السيرة  الذاتية لسيربانطيس ( المشاركة في الحروب، الأسر، الإصابة بآفة جسمية..).

3-بمناسبة احتفال العالم الإسباني الأمريكي بذكرى مرور أربعة  قرون على ولادة الكاتب الإسباني سرفانتيس، حرر عبد الكريم الفاسي بحثا عن حياة هذا الكاتب وعن كتابه الشهير" دون كيخوتي"( 17). ويشير عبد الكريم الفاسي أن الكتاب نقل إلى اللغة العربية( 18)، ولو لم ينقل لبقي نقص  في المكتبة العربية المعاصرة نظرا للصلات التاريخية والثقافية العديدة التي تربط العرب بالأمة الإسبانية رغما عن الفوارق السياسية. وتنقسم دراسة عبد الكريم الفاسي قسمين: أحدهما خصصه للتعريف بحياة سرفانتيس، وثانيهما يهم بعض القضايا المثارة في الرواية.  يرى عبد الكريم الفاسي أن  الرواية تمثل مرآة للحياة اليومية، وآلة عراك في سبيل الحرية والإنسانية بجميع مظاهرها،ومعولا لتحرير الفكر الإنساني من القيود التي قيده بها علماء اللاهوت في القرون الوسطى، وحلما يذلل المصاعب التي تحول دون إدراك المبتغى وتحقيق" التناسب الكامل بين أفعال الروح ومطالبها"

( 19)،  و "رواية فروسية بطلها بطل فارس يغامر بنفسه لإحقاق الحق وإزهاق الباطل وسفك دماء الظلمة والعمالقة ولكنه كثيرا ما يرى كل ذلك لا كما هو في الواقع ولكن كما يوحيه إليه خياله و وهمه"ص247.

قدم عبد الكريم الفاسي  الكتاب في حلة بيداغوجية للتعريف بالرواية وصاحبها، وحفز القراء العرب على قراءتها. وركز اهتمامه على إبراز مضامينها وأبعادها. فهي- في ظاهرها- تبدو كما لو كان الغرض منها هو التسلية، في حين يستضمر باطنها البعد الرمزي. قصد به صاحبه انتقاد النقائص على المستوى الأخلاقي والفكري، والسعي إلى قلب الأوضاع لنشر قيم العدالة بين الناس. ويدعم عبد الكريم الفاسي الفكرة نفسها التي أثارها التهامي الوزاني، والمتعلقة بتأثر سرفانتيس بالثقافة العربية. لكن يكاد مفكرو الغرب  أن يغلفوا أو يتغافلوا عن " أثر مجهودات مفكري العرب في الأندلس في فكر سرفنطيس.. ولا يبعد أن يكون تأثره كغيره ببعض مخلفات العرب في الأدب والأخلاق ككتب ابن المقفع وابن طفيل ( حي بن يقظان) كما أشار إلى ذلك الأستاذ كونزليس في كتابه عن الآداب العربية الاسبانية" ص250.

4-تطرق عزالدين إسماعيل إلى مؤلف دون كيخوتي في فصل وسمه بالقصة، واعتبره " قصة خالدة" ومن " عيون الأدب العالمي"( 20). ومن خلال هذا الفصل يتضح أن عزالدين إسماعيل يدرج القصصي والروائي والحكائي ضمن خانة واحدة دون مراعاة مواضعات هذه الأجناس وضوابطها الخاصة، كما أنه لم يميز بين المادة الحكائية ( القصة) وطريقة سردها ( السرد) ووضعها في قالب حكائي مناسب ( الجنس). وفي أحد الهوامش لخص أطوار رواية دون كيخوتي مركزا على الجوانب الآتية: سخرية ثرفانتيس من أدب الفروسية وما يتضمنه من تصنع وزيف، وابتعاده عن الواقع، ونزوعه المثالي، واحتفاؤه بالمثل والقيم الروحية والمفاجآت العجيبة.

5-خصص غبريال وهبة دراسة مفصلة لدون كيخوتي في كتابه المعنون ب دون كيشوت بين الوهم والحقيقة ( 21). وهي تتكون من بابين. وكل باب يتكون من ثلاثة فصول. بين المؤلف في الباب الأول الظروف التاريخية والاجتماعية التي عاش فيها ثرفانتيس، وأبرز مغامراته التي تتشخص بعض آثارها ومعالمها في روايته دون كيخوتي، وأثبت سجلا مسلسلا بأعوام لها دلالتها في حياته.

وانكب في الباب الثاني على سرد مغامرات دون كيخوتي المفعمة بالغرابة والجنون، وبيان رغبته في إضفاء رداء النبالة والجمال على عالم تافه وفظ، وإصلاح ما في العالم من شرور. كما قدم جردا لأهم شخصيات الرواية محاولا إثبات إرسائها الاجتماعي والتاريخي، ومبرزا مواصفاتها و وظائفها، ومتوخيا تحديد مكانتها في مركز اهتمامات دون كيخوتي. وفي الأخير حاول رصد الأصداء التي خلفتها رواية دون كيخوتي في أقطار مختلفة، وفي نفوس كتاب من طينة هنري فيلدينج وغوستاف فلوبير ووالتر سكوت وشار ديكنز وبوشكين وتورجنيف. كما أن تأثيرها لم يقتصر على المجال الروائي وإنما تعداه إلى مجال المسرح والموسيقى والتشكيل.

من خلال هذه الدراسة يتبين أن غبريال وهبة كان يبحث أساسا عن المطابقة بين الرواية والواقع ، وذلك من خلال استحضار أشخاص من لحم ودم  تنطبق عليهم مواصفات شخصيات من ورق، وتعليل أحداث الرواية وتفسيرها من المنظور التاريخي كما لو وقت فعلا. واكتفى برصد وقائعها وتلخيص مضامينها دون التوقف عند مستوياتها التخييلية والبنائية. ومن إيجابية العمل أن صاحبه صوب الخطأ الشائع في نطق ترفانتيس باللغة العربية( 22)، وتعامل مع دون كيخوتي بوصفها جنسا روائيا و"لغزا محيرا" و"تحفة تاريخية" و"عملا فريدا وعظيما"، وخصص للرواية دراسة  مفصلة بعدما لاحظ أنه " لم يكتب في مصر عن حياة ميجل ثرفانتس، مبتدع دون كيخوتي، إلا النزر اليسير.. بضع صفحات هنا وهناك في مقالات قصار أو مقدمات يستهلون بها رواية " دون كيخوتي" المترجمة إلى العربية"( 23).

6-أشار عبد القادر الشاوي إلى خضوع  دون كيخوتي للقيود التي كان يفرضها المجلس الملكي على نشر أمثاله من الكتب. وبمقتضاه حظي الكتاب ببراءة التصويب، وحددت تسعيرته الرسمية. وتمتاز النسخة الأصلية باحتوائها على كلمة التشريف الملكي كتبها خوان أميسكيطا بالنيابة. ثم تطرق عبد القادر الشاوي إلى الإهداء الذي وجهه ثرفانتيس إلى الدوق ( بيجار) دون ألفونصو دييغو لوبيز، ثم نوه بترجمة  ألين شولمان لرواية دون كيخوتي باللغة الفرنسية لقدرتها على مخاطبة فئات واسعة من القراء،" على عكس الترجمات الأخرى التي لم تفلح في تقريبها إليها، لالتصاق بعضها بالنص الأصلي"( 24). وفي الأخير،بين عبد القادر الشاوي النجاح الذي حققته رواية دون كيخوتي على مستوى إقبال القراء عليها من مختلف الأعمار والأجيال. وقد انعكس هذا النجاح على مجموع أعمال ثرفانتيس الأدبية.

7-عالج عبد الفتاح كليطو(25)  رواية دون كيخوتي من زاوية أنها تقدم نفسها باعتبارها  مؤلفا كتبه مؤلفون عديدون. فمنذ بداية الفصل الأول يثير ثرفانتس أن ما يرويه قد نهله من مصادر مختلفة. وفي نهاية الفصل الثامن يعتبر نفسه مجرد "مؤلف ثاني" يضطلع فقط باستنساخ نص كتبه   Cide Hamete Benengeli تحت عنوان "تاريخ دون كيخوتي دي لامنشا". وقد اضطر عبد الفتاح كليطو إلى كتابة اسم المؤرخ العربي المفترض بالأحرف اللاتينية نظر لاختلاف المترجمين العرب في ترجمتها ( 26). اعتقد ثرفانتس في البداية أن الكاتب المفترض لدون كيخوتي هو إنسان حكيم يتمتع بطاقات وقدرات فوق-طبيعية، لكنه تعجب واندهش لما علم أنه إنسان مغربي عادي. لقد تعامل ثرفانتس مع النص السابق بمكر مضفيا عليه الطابع المسيحي القشتالي ومستبعدا الأنساق الثقافية العربية. وهكذا يرى عبد الفتاح كليطو أن الترجمة الماكرة لم تسعف ثرفانتس من استعادة الشكل العربي الأصلي( 27).

تنطلق قراءة عبد الفتاح كليطو من موضوع واحد هو  Benengeli بوصفه موضوعا للتأمل، وذلك لمعرفة هوية المؤلف الحقيقي لرواية دون كيخوتي، وبيان غاية ثرفانتس من إسناد فعل الحكي إلى كاتب عربي مجهول وضرب من ضروب الخيال، واستجلاء جدلية الكتابة والمحو أو لعبة التطريس في دون كيخوتي. ما يثير في قراءة عبد الفتاح كليطو أنها استدراكية. تقول الشيء ونقيضه، و تصدع بحقيقة ثم تستدركها فيما بعد دون الإحالة عليها بصريح العبارة. قد توقع هذه القراءة القارئ المتسرع في شرك الإبهام والتناقض. لكنها تحتم على القارئ اليقظ أن يفكك ألاعيب اللغة الإبداعية معيدا تشكيل معانيها بطريقة نسقية.  يصرح عبد الفتاح كليطو بما يلي : " بعد ذلك، سيبلغ إلى علمه أن مغامراته قد صاغها في كتابCide Hamete Benengeli، وفورا يبدي رغبته في الاطلاع على الطريقة التي وصفه بها ويسأل عن كيف ينظر إليه القارئ"( 28). وفيما بعد يصدع بما يلي:" قد نتساءل لماذا لم يكتب دون كيخوتي روايته بنفسه. إنه يمتلك، وهو المتشرب بالأدب، كل الصفات اللازمة"( 29). مرة يقول أن كاتب الرواية هو ثرفانتيس ومرة يعتبر كاتبها هو دون كيخوتي. لكنه، في نهاية الدراسة، يشيد حقيقة على أنقاض ما سبقها مؤكدا أن هم القارئ ( الوحيد الجدير بشخصية دون كيخوتي) ليس الجري وراء سراب مخطوط Cide Hamete Benengeli وإنما الانكباب على إعادة كتابة رواية دون كيخوتي وبنائها للإمساك بالأثر العربي المنفلت. وعلى عكس الدراسات السالفة، فإن كليطو يتعامل ، بطريقة محايثة، مع قضية معينة ، وينطلق من أسئلة محددة للبحث عن أجوبتها بين ثنايا الرواية.

8-يبين عبد الوهاب مؤدب ( 30) أن رواية دون كيخوتي تتعامل مع الإسلام بوصفه عدوا مهيبا يمثل الشرق في نضاله ضد الغرب على حلبة البحر الأبيض المتوسط. يستند مؤدب إلى مقاطع حكائية تدعم تطرحه، ومسعاه وتجيب عن الأسئلة التي ينطلق منها. ومن ضمنها صراع الخرفان الذي توهمه دون كيخوتي حربا بين جيشين. يشف هذا التصوير عن "العلاقة بين الغيرية المذهبية والاقتران الجسدي" ( 31)، كما يكشف عن " البنية الحربية لحوض المتوسط" (32). يتعامل عبد الوهاب مؤدب مع دون كيخوتي بوصفها ميثولوجيا حربية  تشيد الهوية الإسبانية التي تقوم على ثلاثة أسس، وهي الجبال (إسبانيا المنيعة) والمسيحي العريق ونقاوة الدم.

وفي السياق نفسه يحلل حكاية " الأسيرة وزريدة" لإبراز ما كانت تتسم به المنطقة الوسيطية ( ما بين الفضاءين) من " حداثة كوسموبوليتانية" على المستوى اللغوي، ومن تضارب المواقف على المستوى الإيديولوجي ( الإخلاص، والخيانة، والتظاهر). وتمثل حكاية الموريسكي ( ريكوتة) وابنته (آنا فيليكس) وسيلة جذرية للتخلص من إسلام التقية ، وهذا ما يفسر أن " المعيار كان عرقيا أكثر منه دينيا"( 33). إن العوائق جميعها التي تعترض مشاريع دون كيخوتي المجنونة تعزى إلى " مورو ساحر" " هذا الجني المنتمي إلى هذا الشعب الباطني، وغير المرئي، الذي ما فتئ يؤرق الوعي الإسباني بلا فكاك"

( 34).

إن مخطوط السيد حامدي هو من البقايا والآثار التي تستدعي من إسبانيا إنعاشها وإعادة بعثها للتذكير بالدين الإسلامي. " كان يوما ما " داخليا" بالنسبة لأوروبا، وها هو اليوم مطرود، محول إلى " خارج" يساهم في تحديدها، وإلى جار هو من القرب سيما وأنها ترغب باستبعاده"( 35).

من خلال هذه القراءة يتضح أن عبد الوهاب مؤدب يتعامل مع دون كيخوتي كما لو كانت رواية أطروحة تبرز الصراع القائم بين المسيحية والإسلام، كما يستنتج منها درسا لا يتجلى في إقبار الدين أو العيش على حداده، وإنما في عرضه والاحتفاء به في حقيقته. فإذا ما نبش الإسبان في تلك البقايا والآثار فهم سيساهمون في إعادة إعادة تأسيس ذاكرتهم نفسها، واستجماع الخيوط التي تربطهم بالبلدان المتاخمة لبلدهم. إن الخلفية التي تؤطر قراءة مؤدب هي الإجابة عن السؤال الذي يؤرقه  بوصفه مسلما يعاني من تجربة المنفي في فرنسا( 36)، والبحث عن موضع ثقافي " ما بيني" يحل التعاون والتآزر بين الحضارتين (الإسلام والمسيحية ) محل التنابذ والتصارع، والتقاط صدى التعايش الأندلسي بين الأديان الثلاثة . " إنه حنين إلى عصر وسيط جميل لكنه منصرم"(37 ).

9-ينطلق مقال عبد الكبير الخطيبي( 38) من فرضية رائجة مفادها أن ثرفانتس يحدث، في روايته "دون كيخوتي"، قطيعة مع روايات الفروسية والأنواع الأدبية السائدة في عصره، ويمارس الكتابة على نصوص سابقة. انصب عبد الكبير الخطيبي على جنون ثرفانتس انطلاقا من ثلاثة مستويات، وهي :

1-أقام فصلا بين العقل والجنون، وبين القراءة والواقع.

2-يوجد تنافذ بين العقل والجنون، وبين القراءة والواقع.

3-في ما وراء الفصل بين العقل والجنون، أشرع ثرفانتس الكتابة  على قارئ مجنون . فهذا الأخير يعتبر " قارئا مجنونا أكثر منه فارسا"( 39).

ويعتبر عبد الكبير الخطيبي موضوع الجنون ناجما عن وضعية الكتابة، وعن مواجهة الكاتب لنفسه، وعن اللغة المشخصة.

تتميز قراءة عبد الكبير الخطيبي بالانزياح عن  القراءة الواقعية التقليدية التي تعنى بجنون الشخصية محاولة رصده في العمل الأدبي. وبالمقابل ، يتوخى عبد الكبير الخطيبي  الكشف عن جنون ثرفانتس نفسه، وبيان كيف تخلص منه وعالجه بواسطة الكتابة. وما يثير في قراءة عبد الكبير الخطيبي أنه يبحث عن " الأسطورة الشخصية" لثرفانتس من خلال عمله كما لو كان مرآة مجلوة، ويقيم تقابلا بين توماس ( بطل قصة حامل الليسانس الزجاجي في المجموعة القصصية " قصص نموذجية") ودون كيخوتي من حيث انخراطهما في عالم الأسفار، وإصابتهما بأغرب جنون ( جنون مسكون بالحقيقة)، وتبنيهما لتصورات كانت موجودة سلفا.

3-على المستوى الإبداعي:

سأبين كيف تلقت عينات من السرد العربي رواية دون كيخوتي وتفاعلت عمليا مع عوالمها التخييلية:

1-تتكون رواية حارسة الظلال دون كيشوت في الجزائر لواسيني الأعرج( 40) من مستويين سرديين متباينين. يتعلق المستوى الأول ( المحكي-الإطار) باضطلاع السارد بوصف رحلة فسكيس  دي سرفانتس دالميريا ( الملقب بدون كيشوت) إلى الجزائر وتتبع مختلف مراحلها بهدف اكتشاف المغارة التي حجز فيه جده سرفانتس وأخيه رودريغو. فبمجرد وصوله إلى الجزائر اتصل بحسيسن الموظف بوزارة الثقافة لمساعدته على تنفيذ مشروعه الصحفي الذي نصحه به بيدرو دو سيفي، وتبنته الجريدة التي يعمل بها. وقبل سفره  جمع معلومات عن كل المواقع التي مكث بها سرفانتيس ، وقرر أن ينفذ مشروعه الصحفي مهما كلفه ذلك من ثمن. لما وصل إلى المغارة رفقة حسيسن  جذب صورة قديمة لها مقارنا بين حالتها السابقة وحالتها الحالية. لقد كانت –بفضل مجهودات الجالية الإسبانية بالجزائر- معلمة حضارية وثقافية وقبلة سياحية . ومع مر السنين اندثرت آثارها ،وتآكلت ملامحها، وانحسر جمالها ورونقها، ونهبت محتوياتها ومآثرها النفيسة (اللوح التذكاري لسرفانتيس وتمثاله النصفي) ليعاد بيعها خلسة في المفرغة. وبعيد مغادرة المغارة احتجزت الشرطة دون كيشوت بحجة دخوله إلى الجزائر بطريقة غير قانونية، فقام حسيسن بمختلف المساعي لإبعاد تهمة الجوسسة عنه وإطلاق سراحه. لم يعان حسيسن فقط مع موظفي الأمن ووزارة الداخلية وإنما أيضا مع وزير الثقافة والإرشاد الوطني الذي عاتبه على مساعدة "جاسوس" يهدد أمن الدولة، و انتزع منه ملف ندوة غرناطة ليسلمه إلى رئيس جامعة الجزائر المركزية.

ويتعلق المستوى الحكائي الثاني (المحكي المؤطر) بسرد دون كيشوت ما وقع له في السجن  (نسخة الكورديلو التي سلمها الكباييرو إلى السارد). وهو عبارة عن يوميات حاول من خلالها أن يستحضر ما دونه في كناشتة التي حجزتها منه السلطات الجزائرية. وقد سعى من خلالها أن يقتفي أثر جده لما أراد تأليف كتاب الجزائر Le traité  d'Alger وكذلك البرتغالي كاسكا رينهاس Mascarenhas الذي ألف كتاب أسير الجزائر. ورصد  دون كيشوت في يومياته  وقائع تتعلق بحالته النفسية وأحلامه واستيهاماته، وتذكر ما وقع لجده في سفينة "الشمس"Le soleil ومحكيات نانا عن حارسة الظلال، ومحاورته لزوار حقيقيين(الحراس وكباييرو الملحق الثقافي للسفارة الإسبانية بالجزائر) أو مفترضين ( على نحو المرأة النبيلة والشهمة زريد أو مايا، وملء الفراغات والبياضات التي تخللت المحكي-الإطار).

من خلال هذه الرواية نستنتج ما يلي:

ا-توخى دون كيشوت من مشروعه الصحفي تقديم أكبر تكريم لجده سرفانتس ، وإبراز الحالة المأساوية التي أصبحت عليها المغارة من جراء الإهمال والنهب. كانت تعتبر من المآثر التاريخية التي يتردد عليها السياح لاستحضار روح سرفانتس ومغامراته. ومن بين اللحظات المشعة التي مرت منها المغارة اضطلاع الجالية الإسبانية بتخليد الذكرى  السنوية الثالثة لصدور كتاب دون كيخوتي بحضور  لويس ماريناس قنصل إسبانيا في الجزائر. ومن خلال الرسالة التي حملها الكباييرو رفقة نسخة من الكورديلو إلى السارد يحكم دون كيشوت على نفسه بأنه أوفر حظا من جده سرفانتس لأنه استطاع أن يرى في خمسة أيام ما لم يستطع هو رؤيته في خمس سنوات. أطلق سراح سرفانتس سنة 1580 مقابل فدية قدرها خمس مائة إيكو ذهبية، أما دون كيشوت في الرواية فقد طرد بدعوى أنه يشكل خطرا على أمن الدولة.

ب-وموازاة مع الرحلة الاستكشافية لدون كيشوت، تميط الرواية اللثام عن  الهاجس الأمني بالجزائر، وتفاقم ظاهرة الاستخفاف بالثقافة رغم دورها في تقدم الشعوب ورقيها، وظهور فئات جديدة متخصصة في تصنيع الفضلات والنفايات وترميم الآثار المسروقة لإعادة بيعها بأثمان باهضة إثر تزايد الطلب عليها من طرف البورجوازية الصاعدة.

ج- تقوم بنية الرواية على صنفين من التعارض. يتمثل الأول في تضارب موقف السلطة وموقف حسيسن من دون كيشوت. يجمع أفراد السلطة ( الشرطة، وزير الثقافة، وزارة الداخلية) على أنه جاسوس  دخل إلى الجزائر بطريقة غير قانونية لتهديد أمنها واستقرارها. في حين أن حسيسن يفند هذه التهمة مبرزا أنه صحافي كبير يعشق مهنته باستماتة ." فوق كل هذا فهو رجل طيب ويحب هذا الوطن كثيرا وإلا لما زاره في وقت يخلي فيه الجميع أمكنتهم بسبب الإرهاب" ص227. ويتشخص التعارض الثاني بين السلطة وعالم المفرغة. وإن كانت السلطة تعارض  ظاهرة البيع غير المهيكل في المفرغة، فهي لا تستطيع أن تحد من ظاهرة استفحالها وتفاقمها بحجة كونها مجرد مزبلة لحرق النفايات والأشلاء غير القابلة للاستعمال " هذا المكان مفرغة لحرق النفايات وليس مكانا لإعادة تصنيع الفضلات.السلع التي تصل إلى هذا المكان لا وجود رسمي لها لأنها قانونا، يفترض أن تكون قد أحرقت كمادة  تالفة.كل شيء ههنا خاضع لنظام محكم تسيره الظلال" ص69. وقد أسعف عالم المفرغة على ظهور فئات جديدة ( البحاثة، البائعون، المسيرون) تعزل النفايات المفرغة من الشاحنات، وتتكفل بإعادة تصنيعها وترميم الآثار المسروقة لإعادة بيعها.

2- تتكون  حكاية ابنة أخ دون كيخوتي ( 41)أيضا من مستويين سرديين . يهم أحدهما( المحكي-الإطار) تجربة عبد الله  في قراءة الكتب ( وخاصة الروايات). كان يكتفي في البداية بتصفح الصور وتهجي الكلمات، ولما اكتسب ملكة القراءة اتضح له أن الرواية جنس ملتبس بل وماكر.ويتمثل ثانيهما ( المحكي المؤطر) في شكل استطرادات عالمة وتأملات نقدية واصفة تتمحور حول مفهوم القراءة ومستواياتها المختلفة، وعلاقة الكتابة بالصورة والجنون والقتل والحرق. وفي هذا الصدد يتخيل السارد أن دون كيخوتي-بعد استرجاع صوابه- كان يرغب في قراءة كتب دينية عن حياة القديسين، وذلك على نحو ما ألت إليه حياة القديسة تيريزا الآبلية التي ألفت رواية فروسية قبل أن تتحول إلى التصوف رغبة منها في الموت مثل القديسين لتظفر بالإكليل الذي حظوا به. ثم يستطرد لإبراز رغبة ابنة أخ دون كيخوتي في حرق الكتب بدعوى أنها أفسدت عقل عمها المحبوب، و" مسكونة بشياطين فظيعة، وسحرة معتدين يعكرون سلام البيت ويشكلون تهديدا متواصلا"( 42). قرر الخوري إحراق الكتب استجابة لطلب ابنة أخ دون كيخوتي، "لكن الغريب أنه أنقد بعضها من النار، ومنها رواية أماديس دي غول لمونتالفو، ويحكم عليها فقط بالحبس في بئر جافة" (43 ). واحتكم في عملية الانتقاء على ملكته النقدية التي تستنكر كل ما هو رديء ومؤذ.

نستنتج من هذه الحكاية ما يلي:

ا-استثمر كليطو شخصية دون كيخوطي من جديد لإثارة موضوعة أثيرة لديه، وتتعلق أساسا بإحراق الكتب  لكونها تفتن العقول وتفسدها ، وتهدد سلام الناس وطمأنينتهم.

ب-إن من يحيط بدون كيخوطي- باستثناء ابنة أخيه - أو يطلع على مغامراته، يجد نفسه مورطا في لعبته، ومصابا بعدوى جنونه، ومجردا من هويته.

3- تتكون قصة دون كيشوت ( 44) من أربع شخصيات يمكن أن تصنف على المستوى الجنسي إلى ذكر (دون كيشوت وجندب) وأنثى ( أميمة وأمية)، وعلى المستوى العاطفي إلى علاقة دون كيشوت بأميمة وعلاقة جندب بأمية. يعيد السارد تنشيط شخصية دون كيشوت مركزا على بعض سماتها وخصائصها، ومضفيا عليها شحنات دلالية جديدة اقتضتها الوظيفة المسندة لشخصية دون كيشوت في القصة، وطبيعة العلاقة التي نسجتها مع شخوص من إبداع السارد وتخيله. فمن بين المواضيع التي حافظ عليها نذكر أساسا إلحاح دون كيشوت على الخروج منتصرا في أي معركة يواجهها، ورغبته في منازلة الطواحين الهوائية وتطويعها.

إن طبيعة السياق جعلت دون كيشوت يؤدي وظائف جديدة ويدافع عن قضايا معينة. لقد جعل منه السارد شخصية عربية مولعة بلعب النرد في المقهى، وتدخين النرجيلة، ومنشغلة بالمد الإمبريالي والتخلف والتجزئة، ومعجبة  بأغنية نصري شمس  الدين التي يدور موضوعها حول الطواحين. فهي ، بالنسبة لدون كيشوت، تمثل رمزا دائما، وتعبر عن الصراع الذي يخوضه الإنسان  في هذا العالم على مختلف الأصعدة. " إذا هدأت انتهت مشاكلنا، وإذا تحركت، فالعياذ بالله"( 45).

من خلال هذه القصة نخلص إلى ما يلي:

ا-وإن حافظ السارد على بعض صفات ومميزات دون كيشوت، فقد أسند له وظيفة جديدة تتمثل في تشخيص وضع الإنسان العربي في مواجهة المشاكل التي تحذق به من كل جانب. لم تدم نشوة احتفاء دون كيشوت ( شخصية هاني الراهب) بانتصاره الوهمي إلا لحظات عابرة ، فاستحالت إلى هزيمة قاسية ونكراء. وهكذا يجتر الهزائم الدونكخوتية ( نسبة إلى شخصية سرفانتس) كما لو حكمت عليه الأقدار بأن يعيش حياة سيزيفية.

ب-من خلال موضوع الطواحين اضطلع السارد بتشخيص ثلاثة مواقف متباينة. موقف ( تمثله أميمة) لا يقيم أي وزن لرمز الطواحين حاصرا مهمتها في إنتاج الطحين، ثم موقف  ( الجماهير) يكتفي بمعاينة ما يراه في الواقع من معارك دون الإسهام  فيها بدعوى أنها مغامرات مجنونة غير محمودة العواقب، ثم موقف ( دون كيشوت) يجازف بحياته لمواجهة مشاكل الحياة العاتية بما أوتي من شجاعة وقوة. وبعد سقوط دون كيشوت يظهر دون كيشوت جديد( 46) محاولا محو الصورة الباهتة التي ظهر عليها سلفه ويتندر بها الرواة، وواعدا الجماهير بتحقيق الانتصارات الباهرة.

خاتمة:

حددنا، فيما سبق، بعض مقومات القراءة الثالثة ( التطبيق)، وحصرناها في ثلاثة عناصر جوهرية ( المقارنة، الراهنية، النظرة إلى المستقبل)، يتضح من خلالها ليس فقط كيف تلقى العرب دون كيخوتي على اختلاف منطلقاتهم ومستوياتهم، وإنما أيضا كيف تم تحليلها وتشريحها نقديا، وكيف استثمرت عوالمها التخييلية إبداعيا.

1- لما نقارن بين عينات المتن يتضح أن رواية دون كيخوتي استأثرت باهتمام النقاد والمبدعين العرب على حد سواء نظرا لغنى مواضيعها، وتشابك مستوياتها وبنياتها الحكائية، واستجابتها لأسئلة وآفاق جديدة.

 ففيما يخص الجانب النقدي تباينت مستويات المقاربات واختلفت مرجعياتها وفرضياتها. ويمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أصناف: أحدها ركز على تلخيص دون كيخوتي مركزا على موضوعات محددة (السفر، والجنون، والقتال، والموت..)، وثانيها بين الظروف التي اكتنفت إنتاج الرواية وطبعها  وترجمتها إلى اللغة العربية، وثالثها انطلق من مضامينها لإبراز علاقة الشرق والغرب وموقف الإسبان من الإسلام.

 أما فيما يخص الجانب الإبداعي، فنلاحظ أن عينة واحدة ( قصة هاني الراهب) أعادت استثمار شخصية دون كيخوتي مسندة لها وظائف جديدة أملاها الوضع السياسي العربي المتأزم، أما العينتان الأخريان ( رواية واسيني الأعرج وحكاية عبد الفتاح كليطو) فاهتمتا، على التوالي، بحفيد دون كيخوتي وبابنة أخيه. وإن اختلفت المحكيات في التعامل مع شخصية دون كيخوتي، فهي تتفق في اعتبارها رمزا ثقافيا ومعلمة حضارية.

وما يلفت النظر في مختلف العينات اختلاف النطق في الأعلام (سرفانتس/ثرفانتس/ سيربانطيس/ سيربنطيس؛ دون كيشوط/ دون كيشوت/ دون كيخوتي/ دون كيخوطي/ دون كيخوط/ دون كيخوتة؛ سيدي حامد بن الأيلي/ وسيدي حامد بن الإنجيلي/ سيدي حامد بن النجيلي/ والسيد حامد ابن الغالي /السيد حامد بن إنخيلي). وهذا ما حذا بعبد الفتاح كليطو أن يتعمد كتابة هذا الأسم الأخير بالأحرف اللاتنية تجنبا للبس المثار حوله في اللغة العربية نظرا لكثرة التأويلات والتخمينات.

2- انصبت بعض العينات على إبراز راهنية دون كيخوتي بتأكيد مكانتها الإبداعية، وقدرتها على إثارة أسئلة معيشة تهم علاقة الشرق بالغرب،وإمكان إستثمارها لفضح الواقع العربي المهترئ ( على نحو رواية واسيني الأعرج، وقصة هاني الراهب).

3-تكشف بعض العينات ( على نحو ما كتبه عبد الوهاب مؤدب والتهامي الوزاني وعبد الكبير الفاسي وعبد الفتاح كليطو وواسيني الأعرج) عن أهمية التفاعل الثقافي بين الحضارة العربية ومثيلتها الإسبانية، وذاك لكونهما يتقاسمان إرثا ثقافيا وحضاريا مشتركا ، وتجمعهما صلة تاريخية عريقة . لقد عرفت هذه العلاقة كثيرا من التوترات التي تركت بعض جراحها في نفسية الشعبين على حد سواء. وتمثل رواية دون كيخوتي نموذجا لهذا التفاعل الحضاري الذي انتابته صراعات ونزاعات ذات خلفية دينية، وحافزا على تجاوز العوائق ( وفي مقدمتها التعصب الديني الأعمى)( 47) التي تحول دون إرساء دعامة ثقافية مشتركة تنزع إلى التفتح وتبادل الخبرات والتجارب لما يعود بالفائدة على الحضارتين المتاخمتين على حد سواء.

4-انطلقت بعض العينات من رواية دون كيخوتي نفسها لاستشراف آفاق المستقبل. وفي هذا الصدد  استنتج محمد مندور من مغامرات دون كيخوتي عبرا ودروسا للأجيال الساعية إلى المثل الأعلى، وأشرع هاني الراهب قصته على احتمالات حكائية مفترضة نتيجة ظهور دون كيشوت جديد بإمكانه تفادي أخطاء سابقه لإصلاح أحوال الأمة العربية، وتظل الجزائر-حسب رواية واسيني الأعرج- مخبأة في الظل حتى يأتي خويا حمو ويكشف سره ويحفظه من التلف ويعيد الاعتبار إلى الوظيفة الثقافية لأهميتها في رقي المجتمع وتوسيع دائرة إشعاعه السياحي والحضاري  ، ويرى عبد الوهاب مؤدب أن بعث مخطوط السيد حامدي من مرقد النسيان هو تذكير الإسبان  بضرورة إعادة الدفء إلى العلاقات التي كانت تجمعهم بالمسلمين خاصة وأنهم يتقاسمون تاريخا وذاكرة مشتركة. ومع ذلك يظل السؤال الأساسي معلقا أيمكن لدون كيخوتي في مختلف صوره وتجلياته أن يحقق ما كان يصبو إليه ( إصلاح أحوال الناس) أم تنطبق عليه أسطورة الرجوع الأبديLe retour éternel  ( حسب وجهة نظر نيتشة).

.....................................ز

المراجع:

1-هانس روبيرت ياوس، جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي، ترجمة رشيد بنحدو، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، العدد 484، ط1، 2004، ص103.

2 -روبرت س. هولاب، نظرية التلقي ( مقدمة نظرية)، ترجمة  خالد التوزاني والجلالي الكدية، منشورات علامات،ط1،1999،ص141.

3 -االمرجع نفسه، ص99.

4 -هانس روبيرت ياوس، جمالية التلقي.. م.سا ص134.

5 -فولفغانج إيزر، فعل القراءة نظرية جمالية التجاوب ( في الأدب)، ترجمة حميد لحمداني والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، مطبعة النجاح الجديدة،1995،ص100.

6 -هانس روبيرت ياوس، جمالية التلقي..م.سا ص102.

7 -روبرت س. هولاب، نظرية التلقي، م.سا ص73.

8 -قولة أخذها هانس روبيرت ياوس عن كارل ماركس ( مقدمة لنقد الاقتصاد السياسي)، جمالية التلقي..م.سا ص35.

9 -Hans robert Jauss,Pour une herméneutique littéraire,  traduit de l’allemand par Maurice Jacob , ed Gallimard,1982,366.

10 -المرجع نفسه ص 18.

11 -المرجع نفسه ص 19.

12 -اكتفينا ببعض العينات مع العلم أنه توجد دراسات ومتابعات كثيرة لدون كيخوتي باللغة العربية. نذكر منها :

13 -حسين مؤنس، كتب وكتاب، ج1، القاهرة، 1969.

14- د. عبد العزيز الأهواني: دون كيخوتي لثرفانتيس، العدد 2، المجلد الثالث من سلسلة تراث الإنسانية، القاهرة،1965.

15-عمران المليح، الباب الكاذب ومصير الاستعارة، الكرمل، العدد17،1985.

- - المعطي قبال، دون كيخوتي سليل مشهدنا الثقافي،  الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي ( فكر وإبداع)، العدد 7832،2005.

16- العياشي أبو الشتاء، كيف كتب المغربي المورسكي  أحمد البنذنجلي  رواية دون كيخوتي دي لا منشا، الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي ( فكر وإبداع)، العدد 7846، 2005

كما سبق للأدباء العرب أن ترجموا دراسات عن دون كيخوتي إلى اللغة العربية ، ومن بينها نذكر أساسا:

-برترون راسكو: عمالقة الأدب 3أجزاء، ترجمة دريني خشبة، القاهرة 1961.

-جورج كروثرز: حول مائدة المعرفة، النساء في الأدب، ترجمة جلال مظهر، القاهرة-نيويورك 1961.

-خوليو كورتيس: دون كيخوتي في القرن العشرين، مختارات من مقالات إسبانية، ترجمة د. خوليو كورتيس ود. محمد صبح، مدريد 1968.

13 -"دون كيشوط Don Quichotte"، في : نماذج بشرية، دار المعرفة، ط3،1961، ص/ص55-65.

14 - المرجع نفسه ص64-65.

15 - التهامي الوزاني" عيد الكتاب  يوم الأدباء"، الريف، 18 أبريل 1942.

16 -التهامي الوزاني،"سربانطيس كما يراه الأديب المغربي"، الريف،1ماي عام 1942

17 -عبد الكريم الفاسي،" مكيل دي سرفنطيس (1547-1616).، رسالة المغرب، ع4 السنة 6، دجنبر 1947.

18 - لم يبرز عبد الكبير الفاسي الكاتب الذي نقل دون كيخوتي إلى اللغة العربية. فقبل أن يصدر عبد العزيز الأهواني القسم الأول من دون كيخوتي اضطلع التهامي الوزاني بترجمة فصول منها لكنها لحد الآن لم تطبع. ويبقي السؤال ما هي النسخة العربية  لدون كيخوتي التي اطلع عليها عبد الكريم الفاسي؟

19 -جورج لوكاش، نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل،ط1،1988،ص25.

20 -عزالدين إسماعيل، النقد الأدبي الحديث، دار الثقافة،دار العودة، بيروت،1983، ص/ص502-504.

21 - صدر عن الهيئة العامة للكتاب،  1979.

22 - ينطق بالإسبانية ثرفانتيس وليس سرفنتيس وفق نطقه بالإمجليزية أو الفرنسية.

23 -المرجع نفسه ص6.

24 - عبد القادر الشاوي، " ميغيل سرفانتيس: رواية الفروسية والأحلام المستحيلة"، الحوارات، منشورات الموجة، ط1، 2003،ص10.

25 - عبد الفتاح كليطو، « Cide Hamete Benengeli" في لسان آدم ترجمة  عبد الكبير  الشرقاوي، دار توبقال للنشر،ط1،1995،91-97.

26 - من بين الترجمات المقترحة ،في إطار تأويل الاسم وإيجاد ما يعلله باللغة العربية، نذكر ما يلي: سيدي حامد بن الأيلي، وسيدي حامد بن الإنجيلي، وسيدي حامد بن النجيلي، والسيد حامد ابن الغالي، والسيد حامد بن إنخيلي..ألخ.

27 -عبد الفتاح كليطو، Cide Hamete Benengeli، م.سا ص97.

28 -المرجع نفسه ص94.

29 -المرجع نفسه ص96.

30 - " وضعيات الإسلام في دون كيخوتة"، الكرمل، العدد 11،1985، ص/ص101-111.

31 -المرجع نفسه ص102.

32 -المرجع نفسه ص103.

33 -المرجع نفسه ص 108.

34 -المرجع نفسه. يقصد الإسبان بالموروLos Moros المسلمين بصفة عامة.

35 -المرجع نفسه ص110.

36 -الانطلاق من الأثر الإسلامي الذي مازال يفعل في كيانه إن لم يكن كمعتقد فعلى الأقل كثقافة، والبحث عما يمكن أن يضفي على إقامته نوعا من الصفاء  والهدوء في قلب التناحر التارخي الذي ما زال يجثم على حوض البحر الأبيض المتوسط. انظر في هذا الصدد إلى ص101.

37 -المرجع نفسه ص 101.

38 - " المستويات المتعددة للكتابة"، الكرمل، م.سا ص/ص112-114.

39 -المرجع نفسه ص113.

40 -صدرت في طبعتها العربية عن دار الجمل، المانيا، 2000.

41 -  هذه الحكاية مثبتة في: عبد الفتاح كليطو، حصان نيشتة، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر،ط1،2003، ص-ص54-62.

ربما  يعو د اللبس في ترجمة الكلمة الاسبانية sobrina. يترجمها عبد الفتاح كليطو  بابنة أخ دون كيخوتي. في حين نجد في ترجمات أخرى ابنة أخت دون كيخوتي. فالطرف الأول يعتبر دون كيخوتي عم أنطونيا كيخانا.أما الطرف الثاني فيعتبره عمها. ورغم تباين الاسمين فهما يؤديان الوظيفة نسفها تقريبا. وتتجلى أساسا في حفز دون كيخوتي على إحراق كتب الفروسية بدعوى أنها أفسدت عقله.ولما نعود إلى رواية دون كيخوتي لترفانتيس نجد أن ابنة أخته – صحبة الأمة- كانت تسخر من مناقب خالها دون كيخوتي وتنهاهه عن القيام بمغامرات ثالثة متوخية من ذلك أن يضع حدا لجنونه. ورغم انتقاداتها اللاذعة له فقد أوصى لها بممتلكاته بعد وفاته. وفي حالة تأكدها بأن من سيتزوجها يعرف كتب الفروسية أوصى دون كيخوتي في البند نفسه من الوصية  أن توزع تلك الممتلكات على الأعمال الخيرية.

انظر في هذا الصدد إلى ترجمة سليمان العطار لدون كيخوتي دي لا مانشا، ( خاصة بداية فصول الجزء الثاني ونهايته)، المجلس الأعلى للثقافة ط1،2002.

42 -المرجع نفسه ص 58.

43 -المرجع نفسه ص58.

44 - في  المجموعة القصصية لهاني الراهب، جرائم دون كيشوت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط2،1979، ص/ص112-118.

45 -المرجع نفسه ص 115.

46 - انظر  في هذا الصدد إلى قصة " جندب هريشلان أو مغوار"، المرجع نفسه ص130.

47 -تتجلى بعض مظاهر هذا التعصب في اتخاذ دون كيخوتي مواقف سلبية تجاه المسلمين، وتصرف المترجم ( وإن شخصية خيالية) في المخطوط العربي الذي كتبه المؤرخ العربي السيد حامدي؛  وذلك بحذف الأنساق العربية وتعويضها بالطابع المسيحي القشتالي. 

ملاحظات في نقد "تلقي" نظرية التلقي(5)

 صدرت منذ أقل من سنتين ترجمة عربية لكتاب الناقد الألماني الشهير هانس روبرت ياوس "جماليات التلقي : من اجل تأويل جديد للنص الأدبي" (ترجمة: رشيد بنحدو ،الدار البيضاء،2004) ممهورة بمقدمة من المترجم (رشيد بنحدو) يكشف فيها عن الدافع إلى إنجاز عمله بأنه جاء استجابة لرغبة المؤلف نفسه؛ إذ التقى المترجم بـ“ياوس” عند زيارته لكلية الآداب في فاس سنة 1994، وألقى حينها محاضرتين لخَّص فيهما تصوره “للتأويلية الأدبية”، وقد كانت تلك الزيارة مناسبة قدم فيها المترجم للأستاذ ياوس صورة مختزلة عن وضعية النقد الأدبي في المغرب والعالم العربي، فأبدى هذا الأخير رغبته في أن تترجم كتبه وخاصة كتابه هذا “جمالية التلقي”، مؤكدا أن ذلك لو تم سيُحدث “انقلابا جذريا” في النقد الأدبي العربي!.

قد ينظر إلى هذا الكلام الذي سطره المترجم على أنه نوع من الدعاية المشروعة للكتاب، لكن عند التأمل في مقدمة المترجم، ودراسة كيفية تلقينا للنظريات النقدية الأوروبية عامة، يتبين أن مثل هذا التقريظ ليس إشهارا للكتاب ولا دعاية له فقط، بل الأمر يعبر عن تصور نظري ينمذج مواقفنا من الإبداعات الغربية، تصور انبهاري مقلد؛ صحيح أنه لا يجب أن نراهن على التقليد من أجل إنجاز انقلابات أو تجديدات في مناهج الدراسة النقدية العربية، ولكن يجب المراهنة على الإبداع الذاتي الأصيل؛ فمناهج النقد ومدارس الفكر هي نتاج شروط ثقافية خاصة، لا يمكن استنباتها في شروط مغايرة إلا بافتعال لن يؤدي أبدا إلى أن يثمر ثمارا ذات قيمة. وقد سلف أن قلت في مقال سابق إن نظرية التلقي إضافة نوعية إلى الدرس النقدي، لكن أشرت إلى أنها تعتورها إشكالات ومآزق ينبغي الإشارة إليها وعدم الاكتفاء بهذه الكتابات التقريظية والشارحة التي تسود الخطاب النقدي العربي.

في سياق هذه القراءة النقدية واحتكاما لمنطقها، نكتب هذه السطور، من أجل ملاحظة بعض إشكالات هذه النظرية على مستوى المفاهيم وكذا على مستوى الإجراء والتطبيق. ولنركز على المفهوم المحوري لهذه النظرية، أي القارئ، الذي يرتفع عندها إلى مستوى ضامن البقاء والاستمرار للنص، حيث يرى ياوس أن العمل الفني لا يكون له البقاء إلا بوساطة جمهور.

ولنتساءل: من هو هذا القارئ الذي تدعونا نظرية التلقي إلى الاهتمام به؟

ليس بين منظّري ونقاد “نظرية التلقي” اتفاق على ماهية هذا القارئ، ففي بداية ظهور “جمالية التلقي” تبلورت هذه النظرية بوصفها علما لدراسة “تاريخ الأدب”. ومن هنا نلاحظ أن ياوس مثلا يطرح نظرية التلقي بوصفها منظورا تحليليا للتاريخ الأدبي، مستثمرا غادامير وهوسرل في صياغة مفهوم “أفق التوقع”. لكنْ ثمة إسهام آخر من داخل مدرسة كونسنتانس أنجزه آيزر الذي لم يترك “علم جمال التلقي” كمقاربة منهجية للتاريخ، بل سيحوله إلى دراسة للنص الأدبي من حيث هو علاقة تواصلية مع القارئ الفرد؛ لذا نجده يتحدث عن القارئ الضمني. ذلك لأن فعل الكتابة هو فعل قصدي يقوم على استهداف القارئ، وإحداث تأثير فيه. وفي هذا كان "آيزر" يستثمر النظرية الفينومينولوجية التي قامت منذ تأسيسها على نقد الكوجيتو الديكارتي الذي كان حسب هوسرل مغلقا وساقطا في الأناوحدية، وأن معالجته لا يمكن أن تتحقق إلا باستحضار الخاصية الأساسية للوعي بوصفه وعيا قصديا. هذا الدرس الفينومنولوجي (الظاهراتي) هو الذي وعاه آيزر وحلل به فعل الكتابة والقراءة منتهيا إلى أن كل نص يطرح نمط قراءة خاص، لذا يجب على الناقد أن يدرس ويستخلص نظام القراءة الذي “يقترحه” النص لتحقيق الاستجابات المنتظرة من القارئ. وفي السياق نفسه، يمكن أن ندرج موقف أمبرتو إيكو، في كتابه المعنون بـ “القارئ داخل النص”. فالكاتب يحس عند صياغته لنصه بعوائق لسانية وثقافية ومجتمعية تعوق انطلاقه في التعبير، لذا فالنص حسب إيكو لا يقول كل شيء ومن ثم فهو يحتاج إلى القارئ. وعلى الناقد أن يحدد نمط “القارئ النموذجي”، أو “القارئ المثالي” الخاص بالنص الذي يدرسه، وهو النموذج الذي يتوقعه المؤلف ويتمناه، ليس ليقرأ ملفوظات نصه بل أيضا مسكوتاته وما بين سطوره.

لكن في منتصف الثمانينات سيبرز بشكل واضح نقاش حول جدوى البحث عن قارئ مفترض بين تلافيف النص، وإهمال القارئ الفعلي المتحقق عينيا. حيث قدم "ميشيل بيكار" في كتابه “القراءة بوصفها بوصفها لعبة”. مفهوما للقارئ المتعين، أي القارئ الفعلي الذي له كينونة وجودية في الواقع، كما تقول "آني روكسيل"، وليس القارئ الضمني أو المتخيل الذي انساقت إليه أعمال "آيزر" و"أمبرتو إيكو". بيد أن هذا التصور الجديد للقارئ الذي اقترحه "بيكار"، تعوقه أيضا عوائق عدة، ومن أهمها في تقديري أنه لو اتخذناه منطلقا إلى دراسة تاريخ الأدب فإننا سنكون عاجزين عن تناول أدباء ومبدعين مغمورين، وسنكون مضطرين إلى اختيار المؤلفات التي أثارت اهتمام النقاد/ القراء، وبذلك سنغفل ثروات مهمة في تاريخ الأدب. وهذا الاعتراض يعوق أيضا التطبيق الإجرائي لمنهج التلقي عند "ياوس" و"ستانلي فيش"، وآية ذلك ماذا بإمكان منهج نظرية التلقي، بمفهوم بيكار للقارئ/ المتلقي، أو مفهوم "ياوس"، أو "ستانلي فيش" الباحث عن جماهير القراء، أن يفيدنا في دراسة أشكال تلقي نصوص وتآليف مهملة. أليس من الأولى أن ندعو هنا إلى أن نشتغل بما يمكن أن نسميه بمنهجية عدم التلقي، أي دراسة أسباب إهمال هذه النصوص؟

ثمة إذن أمام تطبيق نظرية التلقي اعتراضات وصعوبات، على مستوى الإجراء والتطبيق، سواء كان مفهوم القارئ مجردا أو عينيا.

لكن إضافة إلى هذه العوائق النظرية، يجب أن نلتفت إلى أمر مهم وهو السياق الثقافي العام الذي ظهرت فيه هذه النظرية، لكي نعي واقعها وندرك ضرورة الانتباه إلى أنها وليدة ظرف ثقافي خاص: إن نظرية التلقي هي عملية زحزحة لمركزية المؤلف تتناغم مع جوهر المشروع الفلسفي لما بعد الحداثة الذي يتحدد في نقد مركزية الذات، تلك التي نهض عليها المشروع الحداثي ابتداء من ديكارت. ومن ثم فهي في تقديري الشخصي أحد أشكال وتجليات فلسفة ما بعد الحداثة، ولتوضيح وجهة نظري هذه أقول: عندما بدأت الحداثة الأوروبية مع الديكارتية بدأت بتسييد الكوجيتو، أي تسييد الذات المفكرة. بيد أن ديكارت كان له مع تسييده للكوجيتو موقف إيجابي من الدين، لكن صيرورة تطور الفكر الفلسفي الأوروبي من بعد "ديكارت" و"مالبرانش" وغيرهما من الديكارتيين الذين كان للدين موقع داخل أنساقهم الفلسفية، ستفتح المجال نحو تسييد مطلق للذات المفكرة/ العقل، وهكذا نلاحظ أنه ابتداء من نهاية القرن السابع عشر أخذ الفكر الأوروبي ينحو منحى متطرفا في تقدير العقل الإنساني والنظر إليه بوصفه قادرا على بلوغ الحقيقة، كما كانت للثورة الصناعية ولمنتجاتها بالغ التأثير في صياغة هذا الموقف الواثق من العقل وإمكاناته على المعرفة إلى درجة تأليهه.

بيد أن هذا الموقف الواثق من العقل سيتعرض لاهتزاز كبير.بدأ في القرن الثامن عشر بالنقد الكانطي لقدرات العقل ، وتنسيب حصيلته المعرفية بحد إمكانه المعرفي بحدود الظاهر، وجعل الماهية النومينية غير قابلة للإمساك بمقولاته؛ لتظهر من بعد فلسفة ما بعد الحداثة كمشروع لنقد مركزية الذات الإنسانية. ففلسفة نيتشه هي نقد لهذه المركزية ولنمطها العقلاني، وسيكولوجية فرويد هي كذلك نقد لمركزية العقل والإرادة بإبراز مقولة اللاشعور، وفلسفة البنيوية هي تمويت للإنسان لمصلحة البنية واللغة، فمناداة "رولان بارت" بتمويت المؤلف يندرج ضمن السياق ذاته المناهض لفلسفة الحداثة.

ونظرية التلقي عندما استبعدت المؤلف تندرج هي أيضا في سياق زحزحة مركزية الذات، وعندما ندرسها يجب الوعي بالشروط التاريخية والثقافية الخاصة التي ساهمت في إنتاجها؛ ذلك أن النتاجات الثقافية لا ينبغي استنساخها؛ بل الاستفادة منها مع الوعي بكونها جاءت استجابة لحاجات وإشكالات خاصة. وبهذا الوعي تكون استفادتنا منها ممكنة، لأنها تكون بالفعل استفادة مبنية على وعي نقدي وليس تقليداً مبنياً على الانبهار.

نظرية التلقي(6)

أصبحت نظرية التلقي في النقد الأدبي الحديث المحور الذي تدور عليه معظم الاشتغالات النصية، وقد كثرت الأسس النظرية التي تقف موقف التوصيف لمجمل التجربة المعاصرة في علم النص والأسلوبية. في كتاب الباحثة الدكتورة بشرى موسى صالح تجربة إجرائية تأويلية تتوسل بالمنطلق النظري وتمضي في القراءة النصية في أوجهها المتعددة والمستندة إلى فهم أصيل ومتميز لمفاصل هذه التجربة النقدية الجديدة، على الأقل بالنسبة للنقد الأدبي العربي الحديث.

ويبدأ الفصل الأول من الكتاب بمقدمات نظرية تتناول علم النص كبديل إجرائي في النقد الأسلوبي، وفيه تحاول الباحثة مقاربة الظاهرة المنهجية في النقد الحديث، بغية الكشف بالتالي عن أنساق الاشتغال المنهجي العربي، وصولاً إلى تحديد الخيوط النظرية والإجرائية في الحداثة المنهجية المؤسسة، وتعرض الباحثة في هذا الإطار الموقف من المنهج، أو من شبكة التطورات المعرفية الجاهزة ذات الامتدادات المختلفة، وتشير إلى أن مواقف النقاد العرب المعاصرين من المنهجيات الوافدة قد تأرجحت بين الرضا والرفض. كما تعرض لتحولات المنهج النوعية، وللكشوف التطبيقية وما تتضمنه من منهج مقترح، وقد تناولت في هذا الصدد زمن التأسيس المنهجي التحديثي العربي، بمرحلتيه التعريفية والإجرائية. ففي المرحلة التعريفية ستظل جهود النقاد العرب في خدمة علم النص تراوح بين شكلي الترجمة والتأليف، وقد برزت في ذلك نتاجات كل من عبد السلام المسدي وصلاح فضل وشكري عياد وكمال أبو ديب وعبد الله الغذامي وحميد الحمداني وآخرين.. أما في المرحلة الإجرائية فقد تحول النقاد صوب منطقة أخرى تحاول اختبار صحة الفروض الغربية على النتاجات العربية، بعيداً عن الربط الآلي الجامد، وترى المؤلفة في كتاب د. صلاح فضل ( أساليب الشعرية المعاصرة ) تجربة هامة تسعى للخروج من دائرة الحداثة النظرية المنهجية المؤسسة إلى الحداثة التطبيقية المؤسسة.

في الفصل الثاني تتناول الباحثة نظرية التلقي في النقد الأدبي الحديث في أصولها المعرفية، ومبادئها ومفهوماتها الإجرائية، وتخلص إلى أن هذه النظرية قد تضامنت مع اتجاهات ما بعد البنيوية في نبذ الشكل الواحد للمعنى، وتقويض مبدأ الإيمان بالملفوظ اللساني كدليل وحيد، أو كوسيط وحيد لبناء جمالية النص ومحاورة بنيته.

وقد خطا منهج القراءة وجمالية التلقي خطوات أشد إيغالاً في تشييد جمالية من نوع خاص استقت أصولها من الفلسفة الظاهراتية التي تجعل الذات مصدراً للفهم، فصارت الذات المتلقية قادرة على إعادة إنتاج النص بوساطة فعل الفهم والإدراك، بحيث أصبحت نظرية التلقي في بعدها الآخر وجهاً من وجوه نظرية الأدب.

على أن جمالية التلقي لم تقتصر على الذاتية ومعطياتها، أو قراءات الحدس، بل عمدت إلى إشراك فعل الفهم، والمقدرة العقلية الواعية، واستثمار مرجعيات كثيرة ومتنوعة في التفاعل مع بنية النص، وعبر علاقة حوارية معه، تهدف إلى استقراء ما يحدث للقارئ وقت التلقي، وكيفية وصوله بنفسه إلى حلقات المعرفة وطبقاتها، وبهذا الشكل فإن جمالية القراءة تهدف إلى دراسة ميكانيزم التلقي عن طريق الاستفادة من مقولات الفلسفات الذاتية والحقول الإجرائية الجديدة في تأسيس علم النص، هذا النص الحديث الذي يقاوم فكرة اختزان معنى ما، بغض النظر عن أنه سطحي أو عميق، لأنه نص قائم في الأساس على التعددية في المعنى، تشكيلاً وتلقياً. وإن تحليله هو نشاط نقدي يستند إلى مفاهيم نظرية متنوعة، أما قواعده فهي إجرائية تهدف إلى تنوع الركائز المنهجية التي يتبناها المحلل، وهو يؤمن بالتعددية والانفتاح وتحاشي القول الفصل.

وتعود الباحثة أدراجها إلى التراث النقدي العربي، فيعنى الفصل الثالث بتقديم قراءة معاصرة في مدونة القرن الرابع الهجري، انطلاقاً من فرضية مفادها أن حال الفكر النقدي لأمة من الأمم كحال مفاصل الفكر الأخرى، حلقات سلسلة متناغمة، تفضي إحداها إلى الأخرى. وإن أي انفراط في هذه الحلقات يخلق تخلخلاً واضحاً يفت في المتانة والتواصل. من خلال هذا المنطلق تسعى الباحثة إلى خلق تصور شمولي موحد لظاهرة التلقي، أو بالتحديد لمكانة المتلقي في النقد العربي القديم ( القرن الرابع الهجري نموذجاً ) ولا سيما بوساطة استخدام مجسة من مجسات النقد الحديث هي مجسة التناص، بما يظهر الاتصال الوثيق بين الآثار الأدبية في مستويات مختلفة، وتخص الكاتبة بالذكر ظاهرة التلقي العربي الشفاهي الأقرب إلى مفهوم التلقي المعاصر، والمستند إلى مقولتي ( مقتضى الحال ) و ( لكل مقام مقال )، والمعتمد في بنيته الشعرية على الطروح التي تحاور معها النقد القديم، والتي تتمثل ببنية قصيدة المديح وما يرتبط بها أو يتضاد معها. وعلى هذا النحو ينفتح الباب واسعاً للحديث عن مكانة المتلقي في هذا النقد التراثي، وعبر مقولات كل من القاضي الجرجاني والآمدي وابن طباطبا وآخرين.. وبما يقترب حديثاً من مفهوم ( القارئ الضمني ) الذي حدده منهج القراءة في النص من خلال استجابات فنية تمثل مجموع القوانين العامة للأشكال أو الأجناس الأدبية في تشكيلاتها الفنية، على نحو تبدو فيه درجة شعرية النص محكومة بالاقتراب أو الابتعاد عن سلطة هذا القارئ - الضمني، الذي يمثل القانون المكون من الذاتي والموضوعي في آن معاً.

وبدءاً من الفصل الرابع تنشغل الباحثة بالتطبيق الواعي لأطروحات القارئ، فتدرس كتاب المفكر الدكتور إدوارد سعيد ( الثقافة والإمبريالية ) من خلال مجموعة من الأنساق المعرفية المتشابكة المكونة لبنيته، وعبر الحوارية القائمة على تعدد أصوات الرؤى ووجهات النظر وغياب سلطة المحور ومركزيته، لترى أن أبرز رؤى الكتاب تتمثل في إنكاره أسطورة الأدب البريء، في ضوء سيادة الفكر الإمبريالي في نزعته الاستراتيجية. ومن هنا تدرس الباحثة المفاصل المنهجية المشكلة لموضوعات الكتاب، ومفهوم التخالط الثقافي أو الهجنة، وبالتالي التعددية الثقافية التي تشكل هوية اليوم الحضارية.

وضمن منحى شواهد التعدد في ثقافتنا المعاصرة تنصرف الباحثة في الفصل الخامس إلى إنشاء قراءة في شعر نازك الملائكة، مستعرضة مجموعة المهيمنات الأسلوبية في نصوصها الشعرية، كما تقدم قراءة أسلوبية أخرى في شعر نزار قباني تحت عنوان: خيوط الحس الشعري، فتتلمس في قراءتها مستويات الشعرية بما يفصح أيضاً عن المهيمن والسيادي الشديد السطوع، وبما يحقق إمكانية التأويل والتقويل النقدية في إنطاق النصوص وإعادة إنتاج دلالاتها الأدبية، أوبما يجعل من قراءة النص صياغة فروض نابعة من فضائه، يصوغها وعي الناقد ومتراكمه المعرفي، وتنتجها بنية الفهم لديه، وذلك بوصف النص بنية كفت عن الحضور لحظة إنجازها، لتمارس القراءة فيما بعد دور الحضور اللانهائي، والمفتوح، وغير المقموع بالغياب الذي تفرضه سلطة القراءة الواحدة أو النهائية.

وتخرج الباحثة إلى قراءة أسلوبية أخرى في قصيدة ( إشراقات ) لحميد سعيد، فترصد مفازات البوح الشعرية فيها، محاولة الاستفادة مما وضعه الأسلوبيون من شرائط قرانية مع شيء من الانفتاح على مداخل أخرى تداولية من نفسية واجتماعية وسياقية، بما يبتعد بالقراءة الأسلوبية عن سجن النص، ويسير بها نحو تناغم الأصوات المعرفية، لإعادة إنتاج النص والاتسام بتنوعه وتحولاته.

وتختتم الباحثة كتابها بفصل ثامن بعنوان المنطقة الأسلوبية المحايدة، لتقدم قراءة أسلوبية في شعر عبد الأمير معله، من زاوية أن هذه المنطقة التعبيرية تتمثل في اختزال التجربة في أبعاد محايدة تنأى عن التطرف في الانزياحات، ولا تتوغل بعيداً في أرض المجاز.

وهكذا تبدو القراءات النصية التي قدمتها الباحثة تنويعاً في المنهج، وتمثيلاً تطبيقياً لمجموعة المقدمات النظرية التي صاغتها المؤلفة في بداية البحث، تهدف إلى محاورة النصوص الشعرية وفك شيفراتها والتركيز على شعريتها، وكمحاولة تروم الحفاظ على المسافة الحيوية المطلوبة، التي تربط بين المنهج أو منظومة التصورات المعرفية التي ينهل منها النقد مادته العلمية والنص الشعري، الأمر الذي يتيح إمكانية تلقيم الأطر التجريدية ذات الطابع المثالي بالبعد الذاتي، وهذا ما يمنح الناقد في رأيها حرية الحركة بذاتية ظاهرة، تستوعب جماليات التلقي، وتكشف عنها، فضلاً عن الإحاطة بسيمياء الأداء الشعري.

إن ما يجمع مقالات الكتاب هو أنها تتصدى للتعرف على منهج القراءة والتلقي في النقد المعاصر، والبحث عن المهيمنات الأسلوبية للنصوص المختارة، وخاصة في الشعر، ربما لأن مفهوم القراءة والتلقي جمالياً يناسب الشعر أكثر، نظراً لتعدد دلالاته في الأساس، واعتماده على التأويل أصلاً. والباحثة تتعامل مع النصوص الشعرية على نحو يقترب من جمرتها النصية، وبما يسعى إلى الانفتاح على التعدد المنهجي الخصب الذي تتيحه نظرية التلقي من جهة، وما تمنحه النصوص المختارة من مفاتيح خاصة تقيس مستويات أدائها وطرائقها الفعالة في التعبير من جهة أخرى.

وقد نأت الباحثة عن حرفية التطبيق الإجرائي للمقدمات النظرية، محاولة الابتعاد عن حالة الوجوم المنهجي، أو حالة الاستلاب بإزاء المنهج والخضوع لروح التقانة المحضة، على الرغم من أنها تبدي حماسة كبيرة للمنهج القائم أساساً على التعبير عن ذاتية الناقد، التي ترى فيها ( ذاتية نصية ) ، وترفض النعت الذي أطلقه بعض الدارسين لنظرية التلقي على أنها انطباعية جديدة، فتراها انطباعية موضوعية، أو تلقياً إيجابياً يستند إلى بنية الفهم المعرفية لدى الناقد، وهي بنية تفضي إلى إنتاج الدلالات الأدبية، وتقود إلى القراءة المفتوحة القادرة على تفكيك النص، ودمغه بطابع حي، يستوعب آفاقاً غير نهائية في التقويل والتأويل. فضلاً عن أن نظرية التلقي وجمالياته تعتمد أساساً على جملة من المبادئ الألسنية والسيميولوجية التأويلية، تستلزم الاختيار والتركيب، لإنشاء شبكة حوارية من الخطوط المنهجية المتضافرة، تمنح التحليل تكامليته المطلوبة، فتصل إلى فائض من الحوارية والتعددية، يؤمن بالانفتاح على ما يجد في سيمياء النقد الأدبي من تحولات علامية وأنساق جديدة.

مقارنات في نظرية التلقّي - الحفر في الذات السردية طريق للرؤية(7)

(من النقد الأدبي إلي النقد الفكري)

ثمة مواضعات يمكن للدارس أن يحددها ويتملّي فيها جيداً للتفحّص، من أجل تحريرها من الجمود الذي يعتريها، وصولاً إلي كشفها من خلال مرصد التدخل الواعي وجعلها معرّضة للعناية والاهتمام. الرعاية هذه قد لا تتوقن بالاكتفاء عند الواجهة الماثلة في الأمام، بل أن التكشّف المأمول الذي يفصح عن إبراز المعالم الخارجية، يحتوي في داخله وموجوداته عن جانب عميق، يكون له فعل الحفز في البحث عن المدخل المُغْفَل الذي يصعب التحقق منه أو وضع اليد عليه. ومن هنا تبدأ حالة الارتباك في تحديد مضمون العلاقة مع النص حيث النتائج العالقة بين ما هو حقيقي ومزيّف. والرغبة الجامحة الصادرة عنه، للبقاء خارج الذات.

وهكذا يتبدّي إغواء الدلالات التي يرصدها العقل بلوغاً إلي تجريد النص من تموضعاته العضوية والولوج في حيز الوعي، حيث الدعوة العميقة الفارهة، ليس إلي ملامسة التفاصيل والتضاريس التي يزخر بها النص، بل أن الدعوة تنطوي علي أهم من هذا بكثير، حين تتفتح جميع مساماته أمام المتلقّي رغبة للدخول في الترسبات الطبقية العميقة وصولاً إلي الذات الداخلية الكامنة فيه، حيث حضورية الوعي المفتوح لتداول عملية التفكير والتفاعل الشعوري.

واقع التعاقب الذي يفرضه النص، يكمن قوام وجوده في تلك الجرّة التي يُحدثها في ذات المتلقي العميقة، انطلاقاً من كمّ الدلالات التي يصنعها في الذهن من خلال فعل القراءة المتجه إلي رصد النص باعتباره موضوعاً خارجياً يستمد حضوره من التفاعل العميق بزمنية إنشائه والمفاصل التي استمدها من الواقع الاجتماعي الذي أُنتج في ظل سياقاته والقسمات الغادرة التي تميّز تفصيلاته. لكن التفاعل مع السلسلة الفقرية التي تتماثل فيها بنية النص الداخلية من جمل وكلمات وأفكار، تكون بمثابة الحافز الأصيل لاستحضار وعي القارئ، في مجموعة من الانشدادات العقلية المرتبطة بصميم المضامين الداخلية، القائمة أصلاً علي المغايرة والتنوع والتحوّل، بل أن غاية تطلّعها نحو تحولها كموضوع عقلي يجعل منها شديدة التنكر لحالتها الأولي والمتمثلة بكونها موضوعاً حقيقياً.

من هنا تبدأ رحلة التخيل، حيث تحرير الذات والقارئ بكل ما هو متاح عما هو موجود وواقعي. إنه الاقتراب من اللغة إلي حد التماهي فيها وصولاً إلي تفعيل عالم التخيل الذي يتيح للعقل المساحة الواسعة للعب في حقل المصالحات والتوترات، الاقصاءات والمشاركات، فما دامت العملية ذهنية، فإن الأمر لا بد أن يرتبط بالحدود القصوي، خصوصاً إن عالم اللغة الشديد التماهي مع العقل يبحث عن الأقصي من المعاني، لكن هذا الانفتاح الذهني لمواشجات اللغة والعقل، لا يعني بأن الأمر ينطوي علي إقصاء المعالم الموضوعية للنص، لكن الأمر يبقي مرتبطاً بالعملية العقلية التي يقوم بها القارئ. الإحالة الرئيسية هنا تقوم علي الارتباط باللغة ــ الكلمات وليس الموضوع ــ النص. ومن قوام هذه العلاقة تتبدّي غاية للأدب حيث الخلاص من التنافر بين وعي القارئ وموضوعاته.

إلي أين تقود الدكتور غسان عبد الخالق، أناة المفكرّة في العنونة التي يضعها لجملة من القراءات النقدية في السرد الأردني، حيث الغاية والأسلوب . ومن دون تكلّف أو مواراة، يتبدي الحس النقدي العالي، من خلال استحضار الأدوات والمفاهيم والمصطلحات، التي يتمثلها بدقة وأناة وحرص يصل إلي حد الصرامة المنهجية. وعبر هذا الوعي يتم تقسيم الكتاب إلي قسمين يعني الأول بالسرد الروائي حيث الانهماك بالسيرة وسمات الرواية الحديثة، والدخول في تفصيلات ملامح الرواية الواقعية والتجريبية في الأردن. ولا تبتعد منهجية القسم الثاني عن هذه القسمات والملامح، إلا ان الغاية تتطلع إلي دراسة الفن القصصي، مع إبداء عناية خاصة برصد ملامح الأثر الذي خلفه التراث في السرد القصصي الحديث والولوج في مضامين الرمز.

الملمح الأهم هنا يتعلق بجانب نقدي شديد الحضور، يتمثل في التوجه إلي الدرس التطبيقي من خلال توجيه العملية الذهنية إلي دراسة النص والكشف عن مواطن الحضور والإقصاء، الجمال والقبح، القوة والضعف، انطلاقاً من الوقوف علي عدّة منهجية دقيقة بالغة الصراحة، قوامه الاستيعاب الشامل لمعطيات الدرس النقدي الحديث. والأمر هنا يتعلق بدرس نقدي في صلب موضوعه، وليس الاهتمام بكم الشروحات والتفصيلات حول حياة المبدع علي حساب النص الإبداعي، وكأن الأمر يتعلق بتاريخ الأدب.

ملمح القراءة التي يبثها عبد الخالق قوامها المواءمة بين الاتجاهين النصّي والأيديولوجي الاجتماعي، حيث التطلع الدائب نحو حفر ملامح التضافر الجدلي بعيداً عن التناظر الشكلي، فالأصل هنا يقوم علي سؤال التفاعل وليس التماثل. لتتبدي ملامح الموجّه النقدي المعرفي المتطلع إلي الغور في التفصيلات العميقة من النص. فالعميق الداخلي هو الذي يقدّم مقوّمات وملامح القراءة الخارجية للنص. وعبر هذا المكنون فان التراكم المعرفي يكون أداة النقد ووسيلة في تحديد مفاصل الرؤي الاجتماعية والفردية بكل زخمها وحضوريتها، حيث لقاء المخيالين الأيديولوجي المتوجه نحو التوكيد الرمزي للماضي، واليوتوبي بانفتاحه الرمي علي المستقبل. وعبر هذا التشكّل تتبدي ملامح التأسيس الرمزي المؤسس وفق الذهنية الاجتماعية والسياسية، ومحددات الخطاب المؤصل وفق الرموز التأسيسية، لتبدأ سلسلة الأسئلة العميقة في داخل النص بحثاً عن الإغناء والتأصيل المعرفي حول جدّية مشروع السرد وأهميته وتحولاته ووظائفه.

علي الرغم من أهمية فعل القراءة والتي لا تنطوي هنا باعتبارها استجابة، بقدر ما هي حضور فاعل، باعتبار التفاعل الإيجابي الذي ينشده الناقد من خلال الاستناد إلي استراتيجيات التأويل، إلي حضور قراءة خلاّقة، بحسب المصطلح الذي ينصته امبرتوايكو قوامها الوقوف علي المرجعيات اللسانية والثقافية والتاريخية للنص، لكن هذا الوقوف لا يمنح المعاني من التحول في إطار هجرتها الزمنية. وإذا كان فعل القراءة قوامه التأخر الزمني علي فعل الإنشاء. فان السؤال الغاية والأسلوب الذي يترصده عبد الخالق ، يقوم علي التماهي مع هذه الفرضية المقلقة والمربكة من سيرة النص، الذي يقدّم دلالته في سياق محدد، الاّ ان هذا التحديد سيكون محكوماً بالانتقال في فضاء من السياقات المختلفة، يبدو التحوير في أقصاه. وهكذا يتبدّي ملح التداول، لتستمد النصوص حيويتها من خلال القراءات المتعددة، لكن هذا كله لا ينفي وجود قراءة سابقة أصلية، تكون بمثابة المؤشر إلي حالة الارتباط العميق مع تفصيلات الواقع حيث السياقات التي ترتبط بالعوامل الاجتماعية والتاريخية، لتتبدي ملامح الرؤية المنفتحة لدي الناقد، الذي يبرز تعلقه بمكونات الزمان والمكان، مع الإحساس العالي بالنقد والاختلاف الذي يقوم عليه التلقّي.

الذوات الناقدة

ملمح الاختلاف يقوم علي الوعي العميق بطبيعة التعددية التي تأسست في ضوئها مشاريع إنشاء النصوص، ومهما كان الوعي بالظروف التي أحاطت بفعل الإنشاء والإنتاج، إلا أن الاجتزاء يكون يكون بمثابة الأعراض المرضية التي تحيط ببعض التأويلات التي تجنح بعيداً عن المعني الأصلي للنص. ومن دون الخضوع لسيكولوجية الخطأ الصواب، يمتهر الدكتور عبد الخالق أدواته النقدية ــ المعرفية لإخضاع أربعة وعشرين نصاً روائياً وقصصياً، للقراءة الفاعلة البعيدة عن المصادرات والاقصاءات والاستحكامات العقائدية.

التكثيف الدلالي الذي يجنح إليه المؤلف في مدخله إلي الرواية الحديثة في الأردن، قوامه الارتكان إلي تماهي السيرة بالرواية، مع الالتفات إلي حضورية الإيهام في حضر الواقع. فما هو ممكن يقوم بتقديم ما هو مرغوب اجتماعياً، ليبدأ التأويل فعالياته في جميع مفاصل الواقع تاريخياً واجتماعياً وثقافياً. وبقدر ما يتطلع السرد إلي إغناء الواقع وملء مناطق الجفاف فيه بملامح الحفز والحراكية، فان التلامس مع الواقع لا يقوم علي التعامل مع التجربة بمدي حقيقتها أو بطلانها، بقدر ما يكون التطلع نحو الإمساك بملامح التفاصيل السردية، باعتبار وجودها في المتخيل.

وهكذا يتكشّف خط التداخل من المعرفة التي يحفزها الواقع حيث الحقيقة والفضول والتطلّع الدائم إلي التفاصيل، والجمال النصي بكل شغفه وتوجهه نحو خلخلة تقاطيع الواقع وإعادة رسم تفاصيله، برؤي ومقومات مختلفة. إنها السلسلة التي لا تنقطع من تهجين العلاقات والمواشجات التي يزخر بها الواقع. وعبر هذه الفعالية يبرز إثراء بأقصي غاياته في النص، حين يكون الاختلاف سرداً متقاطعاً ومتصادماً مع السرد الذي يفرضه الواقع، إنه الصدام عند الاكتمال والجاهزية. وإذا كان المؤلف يستحضر مقولة أفلاطون حول الزيف الذي يمارسه الأدب في تفكيك عري العلاقات علي الصعيد الواقعي، فإنه لا يغفل عن التماهي مع الاستبطان الداخلي في الذات المبدعة حيث التطلع إلي تحقيق الحلم المضيّع وسط التهميشات والاقصاءات التي يمارسها الواقع علي المبدع. هو الحلم إذن باستبناء عالم ذي تفاصيل أخري وليس وهماً خادعاً قوامه التضليل والتحريف. وهكذا يتبدّي المنجز التذكري في إحلال مفاصل وقسمات الكينونة، بعيداً عن المواضعات الراكدة والمهيمنة العاملة علي إبقاء خطوط التلاقي التقليدية في المكوّن الحياتي. لكن هذا لا يعني بأن الانفصال عن الواقع يكون الطريق الأوفق والأمثل إلي تحقيق المثال الروائي، بل أن القول الأقرب إلي التصديق والموافقة يقوم أصلاً علي أهمية الذاكرة في تدبيج شروط ومقومات الكتابة الإبداعية من دون العناية بخصوصيات التملك لهذه الذاكرة إن كانت فردية خالصة أم جماعية تقوم علي الاستعارة والتمثّل. ومهما قيل عن قدرة النص الإبداعي في التملّص والخلاص من أسر شراك ومداخلات الواقع، إلاّ أن سلطة المكونات العقدية المستحكمة داخل السياق الاجتماعي تبقي فاردة أحكامها العرفية، وعلي هذا يتطلع المبدع إلي النهل من تراث أسلافه، حيث القناع والتمويه والتضليل بعيداً عن سلطة التقاليد والإرث الاجتماعي والسياسي والثقافي المستقر داخل أنا المبدع، المتطلعة والشغوفة إلي كسر حاجز العلاقات التقليدية، وعبر هذا الاشتباك الذي يدعو إلي لوثة الخوف والتردد، تتبدي سلطة الرقيب الداخلي حاضرة ماثلة للعيان، حين يتم غض الطرف والإغفال عن لحظات المواجهة مع التابوهات التي كرّستها الأعراف والتقاليد.

وهكذا تتبدي ملامح الابتسار والانشطار في دخيلة المبدع العربي تحديداً، عندما تتم مصادرة مكوّنات متخيلة السردي علي مرأي ومسمع منه. وهو يملك الاّ التمويه والمراوغة، لتكون الحصيلة انخراطاً في المعني الأصيل الذي تكرسه الرواية كجنس إبداعي قوامه التخيل الحر، لاستنباط المغيّب والمسكوت عنه داخل العقل البشري.

هكذا هي الرواية في هجرتها من موطنها الأصلي ومنشأ رحمها الأوروبي، أُثقلت وحمّلت بالمواراة والمواربات، حتي غدت في موطن هجرتها الجديد تعاني الاغتراب وآلام التوحّد والانفصال، حيث تم تغييب أهم مفاصلها، وصار التطلّع إلي أدواتها وأساليبها ومعانيها. لتصاب بأمراض الواقع الجديد الذي أُلحقت فيه، حيث الغرضية في أعتي صورها وأقوي منابتها، تهتك مفاصل وأسرار تفاعلاتها وموّلدات إنشائها. وهذا كله كان نتيجة منطقية لطبيعة التقاطع مع الظروف الأصلية من سياقات تاريخية واجتماعية ونقلها مبتورة ومجزوءة، لينشأ عن هذا إبراز معان ودلالات لا تمت بأي صلة إلي سمات وتقاطيع وغايات العمل الروائي. بل ان السرد المهجن والموّلد جاء ليُرخي بظلاله علي واقع السرد الروائي الحقيقي، ليجعل منه أداة للتسويغ والتبرير والمحاكاة المائعة الباهتة الصورة.

الرغبة في الفهم، هذا ما يبرر واضحاً في جهد عبد الخالق المعرفي حول مضمون الرواية والقصة وأساليبها وغاياتها، باعتبارها نتاجاً إبداعياً تساوي والظروف التاريخية التي أحاطت بالأردن المعاصر. وبهذا تبرز الرغبة في فرز ملامح التقاطع والتمازج بين الرواية وعلاقتها بالفعل الثقافي والأنساق الأيديولوجية، حيث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتفصيلات التي حددت مسار تفاعلاتها وتطلعات خطابها. والعناية بمستوي التلقي وطبيعة النظرة إليها، بُعداً أو قرباً، وهل وفق السرد الروائي والقصصي في أن يكون بديلاً للشعر العربي، هذا باعتبار المقولة التي تم الترويج لها، إلي أن الرواية هي ديوان العرب في العصر الحديث.

الوعي المصطلحي في النقد العربي

مصطلح التلقي لدى حازم القرطاجني أنموذجا(8)

إن أبرز ما يسترعي انتباه قارئ منهاج البلغاء وسراج الأدباء، إصرار حازم القرطاجني البين، على استعمال ألفاظ ومصطلحات خاصة بأثر الكلام في نفس المتلقي. لذا، يعسر الحديث عن التلقي عند هذا الناقد من خلال مصنفه أعلاه، بالاقتصار على مكنونات نقده وحدها، ويتأبى القفز على تلك الثروة اللفظية المصطلحية التي تقف بارزة مسفرة، عن امتلاء روح صاحبها بأثر الكلام في النفس. بمقتضى هذه الحقيقة البادية للعيان، ارتأيت التريث عند الحقل المعجمي في المنهاج، لرصد ألفاظه ومصطلحاته الدالة على تلقي الشعر.

وليس هذا الحشد اللافت لتلك الألفاظ والمصطلحات من لدن ناقدنا، سوى مظهر من مظاهر عناية حازم القرطاجني بالمصطلحات أثناء صياغته مشروعه التنظيري، لا سيما وسط تلك الظروف القاتمة التي طمست حقيقة الشعر، مما انعكس سلبا على ذوق المتلقي، لأن "الطباع قد تداخلها من الاختلال والفساد أضعاف ما تداخل الألسنة من اللحن، فهي تستجيد الغث وتستغث الجيد من الكلام ما لم تقمع بردها إلى اعتبار الكلام بالقوانين البلاغية"( ). وأظن أن هذا التكثيف للمصطلحات والألفاظ المثيرة للنفس، والمستفزة لانفعالها، المدخل الرئيس واللبنة الأولى في تلك القوانين.

وقد انتبه لهذا الوعي المصطلحي الحازمي عدد من دارسي نقده، فهذا الدكتور إحسان عباس، يقول: "وهو لذلك يدل على أنه لم يترك مصطلحا يمكن الإفادة منه في منهجه النقدي إلا حشده لهذه الغاية"( ). ولاحظ الأمر نفسه الدكتور علي لغزيوي، وعبر عنه بقوله: "وقد أدرك حازم أهمية المصطلح فاعتنى به عناية زائدة، سواء أتم ذلك على صعيد التصور النظري، أم على صعيد التعريف وتحديد المفاهيم، أو على صعيد الاستعمال المجرد"( ).

وإذا عدنا إلى كلام حازم القرطاجني في المنهاج، وجدنا إحساسا قويا من لدن ناقدنا بقضية الاصطلاح، يقول وهو بصدد الحديث عن ضروب التركيبات في أوزان الشعر العربي: "لا تشاح في الألفاظ كما أنه لا حرج على من عدل عما تقتضيه تلك الأسامي في المسميات إذا أراد الإفصاح عن جهات مشابهاتها لما نقلت إليها منه التسمية والتمثيل الصحيح في ذلك"( ).

وإلى الحكم نفسه خلص عند حديثه عن المطابقة بقوله: "يسمى تضاد المعنيين تكافؤا، ولا تشاح في الاصطلاح"( ). وذكر في باب حديثه عن الأوزان أيضا: "مما بني على أربعة أركان الوزن الذي قدمت أن المحدثين هم الذين علم من أقوالهم، ولا يبعد أن يكون من وضع العرب فإنه متناسب الوضع، فيجب أن يلحق بما يستعمل من الأوزان ولنصطلح على تسميته باللاحق لهذا المعنى"6 لاحظ كيف أن حازما القرطاجني لا يقتصر على إيراد المصطلحات الدقيقة المناسبة، بل يهتم في نقده بضبطها وذلك بالنص على تسميتها بما حدده لها من معنى.

إن الاصطلاح يجب -حسب حازم القرطاجني- أن يكون محل اتفاق موجب للانقياد له عند الاستعمال، يقول في معرض بيانه مواقع المعاني من النفوس: "البصراء بهذه الصناعة، كأبي الفرج قدامة وأضرابه، قد نص جميعهم على قبح إيراد المعاني العلمية والصناعية والعبارات المصطلح عليها في جميع ذلك، ونهوا عن إيراد جميع ذلك في الشعر"7 وقد نبه على الأمر عينه في باب حديثه عن اجتلاب المعاني وتأليفها بقوله إن "المعاني التي ليس لها وجود خارج الذهن أصلا، إنما هي أمور ذهنية تقع في الكلام بتنوع طرق التأليف في المعاني والألفاظ، والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد، وذلك مثل أن تنسب الشيء إلى الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به عنه أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح على تسميتها فعلا أو نحو ذلك"8.

هذا الإلحاح على وضع اللفظ حسب المصطلح عليه، دفع حازما القرطاجني، إلى تنبيه الشعراء في كثير من أبواب كتابه على خطورة الانحراف باللفظ عن معناه المتعارف عليه، فنجده يقول لهم، على سبيل المثال، "إذا كان في اللفظة عرف في طريق من الطرق الشعرية فالواجب ألا تستعمل في مضاد ذلك الطريق"9 وقوله كذلك: "إنمـا وجب أن يستعمل في كل طريق الألفاظ المستعملة فيه عرفا لأن ما كثر استعماله في غرض ما واختص به أو صار كالمختص لا يحسن إيراده في غرض مناقض... ولأنه غير لائق به لكونه مألوفا في ضده وغير مألوف فيه"10

لقد ساقنا لهذا التمثيل، البرهنة على موقع المصطلح في نظرية حازم القرطاجني النقدية، وهو ولا شك كما يكشف عن نفسه، موقع بارز ومصيري يرتهن فهم النص به، وليس للباحث منه مهرب، من هنا يتحتم استكناه ألفاظ المنهاج ومصطلحاته القوية الدلالة على التلقي، تمهيدا للعبور نحو نقده الذي ينغلق أمامك ولاشك، قبل أن تلوذ بألفاظه ومصطلحاته، هاتكا عنها القناع، لاسيما أن لغة حازم القرطاجني – كما أكد محقق المنهاج في المدخل الذي مهد به- "مستعصية لا يمكن لمن يجهل الاصطلاحات المنطقية النفوذ إلى ما وراءها. كما لا يتسنى لمن لم يألف الاستعمالات الحكمية أن يدرك غرضه منها بسهولة، فطالما ركن القرطاجني مثل ابن سينا إلى استعمال ألفاظ فلسفية... واتخذ لنفسه مصطلحات جديدة... وربما استمد من اليونانية بعض تلك الاصطلاحات"11 بناء على ما ذكر، ألفينا الباحثين يلحون على أن يتم البدء بدراسة المصطلحات قبل كل شيء، فهذا الدكتور، إبراهيم أنيس يرى أن، "التعاسة بين بني الإنسان في هذه الدنيا تعزى أولا وقبل كل شيء إلى تباين الناس في دلالة الألفاظ واختلاف فهمهم لها، وافتقاد الأسس والمقاييس المشتركة في أذهانهم نحو تلك الدلالة"12 هذا الإحساس بقيمة المصطلحات، دفع الدكتور الشاهد البوشيخي للقول إن "دراسة المصطلحات من أوجب الواجبات وأسبقها وآكدها على كل باحث في أي فن من فنون التراث، لا يقدم – ولا ينبغي أن يقدم- عليها تاريخ ولا مقارنة، ولا حكم عام ولا موازنة، لأنها الخطوة الأولى للفهم السليم الذي عليه يبنى التقويم السليم "13.

فإذا كانت دراسة المصطلحات من أوجب الواجبات عند الاقتراب من عوالم التراث بغض النظر عن خصوصياته ولغته، فما بالك بخطاب نقدي يبوئ المصطلح مكانة سامية كما هو الأمر بالنسبة لحازم القرطاجني؟ وهذا ما تفطن له الدكتور علي لغزيوي عند دراسته مناهج النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والتطبيق خلال القرنين السابع والثامن للهجرة، يقول "لم يفتني الوقوف عند المصطلحات النقدية الكبرى تعريفا ودراسة، في سياقها العام، باعتبار أن المصطلح هو عمدة الخطاب النقدي والبلاغي، ومفتاح النص، ولاسيما بعد أن تبين لي أن هناك وعيا كبيرا وعميقا بأهمية المصطلح عند النقاد والبلاغيين الأندلسيين"14 ويكشف لنا الباحث نفسه في معرض آخر أهمية تلك الدراسة المصطلحية عند حازم القرطاجني خاصة، بقوله إن "مصطلح حازم يتميز بخصوصيته، لكونه مرتبطا ببنية كتابه ومنهجه، مما يجعل دراسته ضرورة ملحة لفهم نظريته"15 إن المصطلح ذاته يساهم في عملية التواصل بين المتكلم والمخاطب وبين المبدع والمتلقي، لذا، يرى الدكتور مصلوح أن "المصطلح هو عقد اتفاق بين الكاتب والقارئ وشفرة مشتركة يتمكنان من إقامة اتصال بينهما لا يكتنفه غموض أو لبس، ولعل فوضى المصطلح هو الداء العضال الذي يتهدد دراسة الأدب"16

واحتلال المصطلح لهذه المنزلة السامية في فهم الخطاب النقدي، هو الذي حجب عنا التوصل إلى كثير من أحكام الأسلاف حول قضايا بارزة في النقد والبلاغة، كل ذلك بسبب سوء الفهم والسقوط في الإبهام المصطلحي، لذا، حسب الدكتور حسن طبل، "لا يزال كثير من المصطلحات النقدية في موروثنا القديم يرزح تحت ضباب كثيف من الغموض يحول دون الرؤية الواضحة لمدلوله في نظر نقادنا القدماء، الأمر الذي يمثل حجر عثرة في سبيل التفهم الحقيقي لطبيعة القضايا والمواقف النقدية التي تتردد فيها تلك المصطلحات"17.

وتزداد ضرورة ضبط المصطلحات عند حازم خاصة، لأن الملاحظ حسب الدكتورة فاطمة عبد الله الوهيبي "أن كثيرا من مصطلحات حازم ثنائية مزدوجة أو مركبة، كما أن مصطلحاته النقدية إما مبتكرة أو معدلة فليس ثمة موروث بقي كما هو. والتعليل غالبا ما يأتي معمقا، ويضيف إضافاته بمزيد من التحديد للمفهوم بتعميقه وإغناء أبعاده في نسق مفهومي وشبكة علاقات مع مصطلحات أخرى"18.

هذه الخصائص التي يتميز بها المصطلح الحازمي، تجعلنا نركز كثيرا على ضبطه جيدا، واعتبار ذلك المدخل الذي لا غنى عنه من أجل الغوص في أعماق الخطاب النقدي وإدراك أسراره. ويتأكد هذا العمل بالنظر إلى خصوصية التلقي نفسه، وهو موضوع متصل بالفهم الجيد الذي من شأن غيابه أو انعدامه التشويش على عملية التلقي والإخفاق في التواصل. بناء على هذا الحكم "كانت الحاجة ماسة إلى ضبط المصطلح النقدي في ذلك الموروث، وتحديد مدلوله تحديدا دقيقا يقوم على استقـراء النصوص والتفهـم الواعي لأنماط السياق وطبيعة المواقف التي يتردد فيها، فهذا التحديد يمثل الخطوة الأولى في دراسة النقد"19 كما أن نقد حازم الغني بالمصطلحات يتيح إمكانية خصبه لدراستها، تقول الدكتورة الوهيبي: "أما مهمة الابتكار عند حازم فتتمثل في طريقة تشغيله للمصطلحات مجتمعة متناغمة، أي تكمن في إعطاء المصطلح حيويته الوظيفية لا لينصب كمصطلح منفردا، بل ليشكل مع مجموعته أو منظومته من المصطلحات آليات فاعلة في إنتاج نظريته النقدية"20

وليس يهمنا في منهاج البلغاء وسراج الأدباء رصد مصطلحاته وألفاظه كلها، لأن ذلك لا يخدم الموضوع الذي سيركز على التلقي عند حازم القرطاجني. وبناء عليه، فلن أحتفل في هذه الدراسة باللفظ والمصطلح عند حازم القرطاجني إلا إذا كان دالا على التلقي ومنتميا إليه.

والانطلاق من دراسة ألفاظ الخطاب النقدي ومصطلحـاته عند حازم، مسعـف لا محالة في كشف ظلال التلقي في ذلك الخطاب، حيث إن اللغة هي وسيلة النقاد والشعراء المثلى للتعبير عن أغراضهم، وهذا ما فطن له عدد مـن الباحثين، يقول الباحـث شكري المبخـوت: "إن دراسة دقيقة للمصطلح الخاص بأثر الكلام في النفس تساعد لا محالة على فهم المظهر الجمالي من المتقبل... نذكر على سبيل التمثيل.. مصطلحات من قبيل السرور والطربة والبهجة والأريحة والاستظراف والارتياح والمسرة والتعجب والروعة والشغف والروح والإيناس والبهجة. كما نجد عند حازم القرطاجني في هذا الباب الإيناس والاستجمام والاستلذاذ والتأنيس والابتهاج"21

وإذا كانت ألفاظ التلقي ومصطلحاته غزيرة في منهاج البلغاء، فإنها مع ذلك تتميز بعدة خصائص، مثل التنوع والتفاوت والكثرة والقلة.

فبعض تلك الألفاظ والمصطلحات هيمن على المصنف وتكرر وروده بشكل لافت للنظر، ينم عن إصرار الناقد على الإكثار منه لصلاته الوثيقة بالتلقي، وبعضها الآخر، وإن قل وروده أو تراوح بين الكثرة والقلة، فإن مجيئه على تلك الصيغة لم يخل من دلالات التلقي، لا سيما عند اقترانه بسياقات خاصة، أكسبته قوة الانتساب إلى موضوع البحث. كما أن بعض تلك الألفاظ والمصطلحات يدل صراحة على التلقي باستعمال مادة لقي ومشتقاتها، وبالانتقال من المجرد نحو المزيد، وما يترتب عن ذلك من تعدد في المعاني، وتوسيع في الدلالات. ومن هذه المادة ذات الأصل الثلاثي نجد حازما القرطاجني يتحدث عن الإلقاء والتلقي بصيغة المفرد والجمع. وفي أحيان أخرى نرى حازما ينتقل من استعمال اللفظ أو المصطلح إلى توظيف مرادفه، أو أحد معانيه الاصطلاحية المأخوذة من المعنى اللغوي.

وفي مناسبات أخرى يجنح الناقد إلى استعمال ألفاظ ومصطلحات هي مظاهر للتلقي أو نتيجة من نتائجه. وعموما، يكتشف قارئ نقد حازم في المنهاج، أن الرجل قد ركز على أثر الكلام أو القول في المتلقي، وجعل النفس هي المستقبل الأول لهذا الأثر، والمعبرة عن هذا الانفعال والحركة. لقد اعتبر حازم القرطاجني الكلام الجيد صادرا من نفس المبدع مرسلا لنفس المتلقي، من أجل خدمة غرض أساسي، ألا وهو إحداث الأثر في تلك النفس، ودفعها للتفاعل مع مضمون ذلك الكلام/القول والانقياد لمقتضاه.

من هنا ألفينا لفظ النفس ينتشر بشكل لافت في المنهاج، ويغطي على سائر الألفاظ والمصطلحات الأخرى. ولا يخفى ما لهذا اللفظ من قوة انتساب لحقل التلقي، وهذا ما لاحظه بعض الدارسين المحدثين، يقول الدكتور محمد المبارك: "ألفاظ مثل النفس، النفوس التي تتردد في كتابات النقاد ذات صلة واضحة بالتلقي.. ويوحي هذا اللفظ بدلالات كثيرة ربما كانت سببا في الإلحاح عليه في مصنفاتهم، إذ إن النفس تشير إلى الإنسان ومشاعره الداخلية وأعماقه"22 إن لفظ النفس لا ينتشر في المنهاج بكثافة وحسب، بل إنه يدخل مع سائر ألفاظ التلقي ومصطلحاته التي أحصيناها في علاقات قوية، حيث يختبر دلالة اللفظ والمصطلح على التلقي من خلال صدوره عن النفس أو مدى تأثيره فيها، وإجمالا، لا يحظى اللفظ أو المصطلح بالانتماء إلى الحقل الدلالي للتلقي، إلا إذا كان من النفس أو متوجها نحوها، أو مرتبطا مع قواها بسبب.

وقد عزز إحصاء ألفاظ التلقي ومصطلحاته في المنهاج هذا الرأي، فألفاظ ومصطلحات مثل، الأثر، الألم، الإلف، البسط، الإبداع، البلاغة، الحسن، التخييل، التحريك، المحاكاة، الارتياح، الإذعان، التزين، السرور، الطبع، القبض، القبح، العذوبة، التعجيب، الافتنان، الفصاحة، الميل، الاكتراث، الكراهية، اللطافة، الهزة،...23 إلخ. كما نرى، لا يمكن أن تكون إلا أفعالا للنفس وأوصافا لها، أو ردودا منها عند التلقي فالأثر مثلا، شيء في النفس والتحريك فعل يشملها، والميل كذلك من ردود فعلها، وقس على ذلك ما سرد أعلاه من سلوكات تنتاب هذه النفس زمن استقبالها الكلام الجيد والقول الجميل.

بناء على ما سلف، وجب الانطلاق من تلك المصطلحات المفاتيح، والألفاظ الغزيرة الورود، المنتمية فعلا لحقل التلقي انتماء قويا، لا لبس فيه ولا شك يرقى إليه، و "قد أعتبر مصطلحا كل لفظ يتبين من قرائن استعماله أنه أتى به في المجال اللغوي العام ليعبر به عن معنى ما في مجال لغوي خاص"24 وأي مجال لغوي؟ إنه مجال الدراسة الأدبية حسب واقعها في منهاج البلغاء وسراج الأدباء. لكن لماذا ألفاظ التلقي ومصطلحاته؟ إن دارس مصطلحات حازم القرطاجني، سيلاحظ ولا شك أنها تتفرد بطبيعة خاصة، لأنها تجمع بين ثناياها مصطلحات تامة الاصطلاحية، ومصطلحات أخرى مرشحة للاصطلاحية التامة، وأن هناك ألفاظا يمتنع سلكها مع المصطلحات.

وهذا ما انتبه له أحد الباحثين تصدى لإحصاء مصطلحات المنهاج ودراستها بقوله:"يمكن القول بأن طبيعة المصطلحات في المنهاج تنحو إلى الانشعاب في المناحي التالية.. مصطلحات تامة الاصطلاحية وهي كثيرة، وقد أدرك حازم أهميتها، فاعتنى بها عناية زائدة... ومصطلحات مرشحة للاصطلاحية التامة وهي بعض الألفاظ التي استعملها حازم في منهاجه وكان يطبعها التجديد أو الإضافة، ثم تطورت واتسعت دائرتها على يد العلماء اللاحقين"25. من هنا يفضل تسميتها: "ألفاظ التلقي ومصطلحاته في المنهاج" حتى لا أجعل من لفظ ما، مصطلحا دون أن تتوافر له المؤهلات الضرورية لذلك.

وإذا جرت العادة في نظير هذه الأعمال، إحصاء المصطلحات بترتيبها "كلها ترتيبا هجائيا حسب أوائل فثواني فتوالث لأصول"26. فالمنهاج يستجيب للمنهج ذاته، مع إصرار على جعل معجم التلقي المنجز، يتوقف عند مادة "لقي" ومادة "نفس" وهما حجر زاوية هذا البحث، وعماده، حيث ينطلق منهما موضوع البحث، ويقف عندهما، وإن هو نظر أو رصد غيرهما من الألفاظ أو المصطلحات فلأجل شرحهما والتوسع في دلالاتها وسبر أغوارها. إن مدار البحث في هذا الموضوع هو التلقي، ولا يتمظهر هذا التلقي، إلا في حركة النفس وانفعالها وحركيتها، فهي في البدء مصدره وعلته ونتيجته ومآل الكلام أو القول في نهاية تلقيه عائد إليها.

فمادة – لقي- ومشتقاتها أولى بالاهتمام من غيرها، لأن فهم معانيها وحصر دلالاتها اللغوية والاصطلاحية كفيل بإزاحة النقاب عن حقيقة التلقي وماهيته، وتمهيد لما يأتي بعدها من ألفاظ ومصطلحات.

ولما كانت النفس تالية للتلقي معبرة عنه، جنح البحث لاستكناه معانيها ابتداء من تحديدها لغويا واصطلاحيا. إن بحث التلقي ينطلق من هتين الكلمتين ويركز عليهما، نظرا لكونهما مفتاحين يستعان بهما لفك معضلات الخطاب الحازمي ودراسة أشكال التلقي ومظاهره وآثاره، فإذا تم له ذلك، غدا بوسعه ملامسة كنه هذا الخطاب النقدي وفقه أسراره.

الإحــــــــالات

1- منهاج البلغاء، 26.

2- تاريخ النقد الأدبي عند العرب للدكتور إحسان عباس، 562، دار الثقافة، بيروت، ط: 4/ 1992. 

3-مناهج النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والتطبيق خلال القرنين السابع والثامن، 386.

4- المنهاج، 252. 

5- المنهاج 48 

6- نفسه،256 

7-نفسه،25 

8-نفسه، 15. 

9-نفسه 152 

10-نفسه 364

 11- مدخل المنهاج لمحمد الحبيب بن الخوجة، 114. 

12- دلالة الألفاظ للدكتور إبراهيم أنيس، 9-10، مكتبة الأنجلوالمصرية، ط.2/ 1963 

13- مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين للجاحظ، للدكتور الشاهد البوشيخي، 13، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط.1/ 1402هـ- 1982م 

14- تقرير عن رسالة "مناهج النقد الأدبي في الأندلس" للدكتور علي لغزيوي،135 

15- مناهج النقد الادبي في الأندلس بين النظرية والتطبيق ،388 

16- مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين، 16. 

17- الأسلوب، د. سعد مصلوح، 30، عالم الكتب القاهرة، ط. 3/1992. 

18- المعنى الشعري في التراث النقدي، د. حسن طبل، 3، دار الفكر العربي، ط 3/1998. 

19-نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، للدكتورة فاطمة ع.الله الوهيبي، 259،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1/2003 

20-المعنى الشعري، 3. 

21- نظرية المعنى، 259. 

22-جمالية الألفة ،40 

23-استقبال النص عند العرب ،33 

24-أنظر المنهاج ،11،19 ،23 ،24، 25،26 ،28،30،31،39 ،41 ،42 ،61 ،85 ،86 ،90 ،118 .

25- مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبين ،16 . 

26-المصطلحات النقدية في كتاب منهاج البلغاء وسراج الادباء لأبي الحسن حازم القرطاجني ،لأحمد الادريسي ،25 ،26 ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا ،كلية الاداب ،ظهر المهراز ،فاس،91/1992 .

27-مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان ،19.

السردية التلقّي والاتصال والتفاعل الأدبي(9)

 السرد :التلقّي والتواصل

ولا يمكن فهم أهمية السردية في تحليل النصوص بكافة أشكالها، إن لم تربط بنظرية التلقّي التي تعنى بتداول النصوص وتقبّلها، وإعادة إنتاج دلالاتها، سواء أكان ذلك في الوسط الثقافي الذي تظهر فيه، وهو ما نصطلح عليه بـ التلقّي الخارجي أم داخل العالم الفنّي التخيّلي للنصوص الأدبية ذاتها، وهو ما نصطلح عليه بـ التلقّي الداخلي، ولا تكتسب نظرية التلقّي قيمتها المعرفية إلا إذا نُزلّت منزلتها الحقيقية، بوصفها نشاطاً فكرياً متصلاً بنظرية أكثر شمولاً هي نظرية الاتصال؛ ذلك أن نظرية الاتصال، بدأت تستأثر بالاهتمام، لأنها استفادت من البحث الفلسفي في مجال التواصل، الذي يعتبر وسيلة التفاعل الأساسية بين الأفراد والجماعات، للتحكّم بالأنظمة المادية والرمزية، وبخاصة الآداب السردية. وهذا ما جذب اهتمام الفلاسفة الألمان منذ وقت مبكّر، وبخاصة فلاسفة مدرسة فرانكفورت الذين أفلحوا في تأسيس نظرية فلسفية نقدية، كان لها أكبر الأثر في تغذية الفكر الفلسفي المعاصر بالمضامين الخاصة بالتفاعل والتواصل الاجتماعيين. وعلى يدي أبرز مفكري النظرية النقدية وهو هابرماز استقام نقد صارم لمعطيات العقل الغربي الذي تحوّل إلى عقل أداتي فطرح هابرماز بديلاً له، وهو العقل النقدي الاتصالي الذي يرتبط بالحداثة فينتجها وتنتجه، معتبراً أن ذلك العقل، هو الوسيلة التي تخرج بها الفلسفة من بعدها الذاتي الضيّق إلى أفقها الاجتماعي الواسع يصرّ هابرماز علىأن هذا العقل قادر على الانخراط ضمن سيرورة الحياة الاجتماعية عبر التواصل، باعتبار أنّ أفعال الفهم المتبادل تلعب دور آليّة ترمي إلى تنسيق العمل، ذلك أنّ الأعمال التواصلية تشكّل نسيجاً يتغذّى من موارد العالم المعيش، وتشكّل، نتيجة لذلك الوسيط الذي تعيد انطلاقاً منه أشكال الحياة العيانية إنتاج ذاتها وإذا نظرنا إلى المؤثرات التي تركها الشكلانيون الروس، ومدرسة براغ، فضلاً عن إنغاردن و غادامير،ثم ياوس و آيزر في ظروف نشأة نظرية التلقّي، فإنها، كانت مدينة لذلك النشاط العارم الذي بلورته نظرية الاتصال، وكثيراً ما أشار روّاد هذه النظرية إلى عمق الصلة بين الاثنين، بل ذهبوا إلى أنّ جهودهم تترتب ضمن أفق نظرية الاتصال، وهو ما أكده ياوس حينما قرّر أنّ نظرية التلقّي لا بد أن تبلغ مداها في نظرية أعم في الاتصال، لأن الاتجاهات النقدية الحديثة وضعت قضية الاتصال في صلب اهتمامها، فكل المحاولات التي تتبلور من أجل صياغة نظرية تلقّي الأدب، إنما هي متصلة بنظرية الاتصال، لأن القصد من كل ذلك هو تقدير وظائف الإنتاج الأدبي والتلقي والتفاعل، وكل ما يتصل بذلك. ويشاركه في ذلك آيزر الذي يشتغل على مفاهيم البنية والوظيفة والاتصال، فجهوده قائمة على تنظيم صيغة التفاعل بين النص والقارئ، من أجل سريان الفاعلية بينهما، فهو يفهم الاتصال الأدبي على أنه نشاط مشترك بين القارئ والنص، بحيث يؤثّر أحدهما في الآخر من خلال عملية تنظيم تلقائية. نظرية التواصل تعد إحدى الخلفيات المنهجية التي أثْرَتْ السردية. وكان الاهتمام بالتواصل الخارجي بين النصوص الأدبية والمتلقين مثار عناية رواد نظرية التلقّي، وذلك قبل أن تتوسع اهتمامات الباحثين اللاحقين، لتنقل الاهتمام من التلقّي الخارجي إلى التلقّي الداخلي، الذي يُعنى بفحص طبيعة التراسل الداخلي في النصوص الأدبية، والسردية منها على وجه خاص، واندمج هذا الاهتمام بالجهود المتنوعة والكثيرة التي بلورتها الدراسات السردية، تلك الدراسات التي تعمّقت في وصف مستويات النصوص الأدبية وأبنيتها وأنظمتها الدلالية، وبُذلت جهود كبيرة في معاينة التلقّي الداخلي، منطلقة من فرضية أساسية وهي: أنّ الإرسال السردي داخل النصوص لا بدّ أن يتم بين الراوي، باعتباره قطب الإرسال، و المروي له بوصفه قطب التلقّي، فالمادة السردية إنما هي مداولة قوامها الإرسال والتلقّي، ولا ينبغي فهم دور المروي له على أنه دور من يتلقّى فقط ، وينفعل بما يُرسل إليه، فوظائفه أكثر من ذلك ، وقد حددها برنس، بأنها: تتصل بنوع التوسط بين الراوي والقارئ، وفي الكيفية التي يسهم فيها بتأسيس هيكل السرد، وتحديد سمات الراوي، وكشف مغزى النص، وتنمية حبكة الأثر الأدبي، وتحديد مقاصده. وكان جاتمان حدّد مستويات عدة للإرسال والتلقّي، تبعاً لنوع العلاقة التي تربط المرسل بالمتلقّي ، فتوصّل إلى ضبط المستويات الآتية: 1.مستوى يحيل على مؤلف حقيقي، يُغزى إليه الأثر الأدبي، يقابله قارئ حقيقي يتجه إليه ذلك الأثر. 2.مستوى يحيل على مؤلف ضمني، يجرّده المؤلف الحقيقي من نفسه، يقابله قارئ ضمني يتجه إلى الخطاب. 3.مستوى يحيل على راوٍ ينتج المروي، يقابله مروي له يتجه إليه الراوي. ويرى جاتمان أنّ النص السردي يكون نتاجاً للمستويين الثاني والثالث، فإليهما تعود مهمة إنتاج الأثر السردي المجرد قبل أن تغذّيه القراءة بإمكانات التأويل وذهب جوناثان كلر المذهب ذاته، لكنه اشتقّ أربعة مستويات للتلقّي في النصوص السردية؛ مستويان خارجيان متصلان بالمؤلف والقارئ بالمعنى العام والخاص لكلّ منهما، ومستويان داخليان متصلان بالراوي والمروي له، سواء أكان ذلك متعلقاً بالراوي والمروي له بوصفهما مرسلاً ومتلقيّاً، أم بالمتلقّي المثالي الذي له قدرة على تأويل رسالة الراوي، وليس الاقتصار على تلقيها والوظيفة الأخيرة المتعلقة بالتأويل مرتبطة أشد الارتباط بالتلقي الداخلي. تقوم المكونات النصية الداخلية، وبخاصة الراوي والمروي له بتشكيل النسيج الدلالي والتركيبي للنصوص الأدبية، باعتباره فعالية تراسليّة تقوم على البث والتقبّل، والإرسال والتلقّي، وبذلك تتكوّن الأبعاد الدلالية للنصوص بين هذه الأقطاب قبل أن يصار إلى إخراجها، ثم إعادة إنتاجها في ضوء البنية الثقافية الخارجية، حيث تكون خاضعة للوصف والتحليل وللتفسير والاستنطاق والتأويل. ويُدخل أمبرتو إيكو القارئ طرفاً أساسياً في عملية خلق العوالم الممكنة للنصوص السردية إلى جوار المؤلف، لأنه يُدرج الأدب ضمن نظرية الاتصال القائمة على التراسل المتبادل بين قطبين؛ أحدهما يركّب رسالة ويقوم بإرسالها، والآخر يتلقاها ويقوم بفك شفراتها، وإعادة بنائها بصورة عالم متخيّل، مع ما يترتب على ذلك من تفعيل لدلالاتها النصية. والنص إن هو إلاّ نتاج يرتبط مصيره التأويلي أو التعبيري بآلية تكوينه ارتباطاً لازماً ؛ فإن يكوّن المؤلف نصاً يعني أن يضع حيّز الفعل استراتيجية ناجزة تأخذ في الاعتبار توقّعات حركة المتلقي، شأن كل استراتيجية. وبعبارة أخرى فالنص نتاج لعبة نحوية –تركيبية-دلالية- تداولية، يشكّل تأويلها المحتمل جزءاً من مشروعها التكويني الخاص، ولهذا يصبح الحديث عن عالم ممكن للنص ضرورياً، من أجل إثبات صحة الحديث حول توقعات القارئ، الذي من خلال التلقّي، يقوم بتنشيط السردية المتداخلة، بما في ذلك الأحداث والشخصيات والإطار الزماني- المكاني الذي يحتويهما، وذلك داخل سياق معين. وفي ضوء هذا التصور يعالج إيكو العوالم الممكنة باعتبارها أبنية ثقافية، وذلك في إشارة للصلات المحتملة بين العوالم المتخيلة والعوالم الواقعية، فيقول إنّ أي عالم حكائي لا يسعه أن يكون مستقلاً استقلالاً ناجزاً عن العالم الواقعي بل إنهما يتداخلان ويأخذان المعنى الخاص بكلٍّ منهما من الخزين الثقافي للمتلقي، وذلك لأنّ الواقع نفسه بنيان ثقافي، ويصبح أمر التراكب بينهما ممكناً وذلك بتحويلهما إلى كيانات متجانسة، وهنا تتبدّى الضرورة المنهجية لمعالجة العالم الواقعي باعتباره بنياناً، وحتى لتبيان أنه كلما عمدنا إلى مقارنة سياقية ممكنة من الأحداث والأشياء كما هي، فإننا حينئذٍ نتمثّل الأشياء كما هي، تحت شكل بنيان ثقافي، محدود، ومؤقت ومناسب. ولهذا يحدّد إيكو الأشكال التي يمكن أن تتخذها المقارنة بين العالمين: 1.يتسنّى للمتلقّي أن يقارن العالم المرجعي بحالات من الحكاية مختلفة، محاولاً أن يدرك إذا كان ما يجري يستجيب لمعايير الممكن الوقوع. وفي هذه الحالة، يقبل المتلقّي الحالات قيد المعالجة باعتبارها عوالم ممكنة. 2.يمكن للمتلقّي أن يقارن عالماً نصياً بعوالم مرجعية مختلفة، وذلك استناداً إلى نوع من المماثلة الممكنة بين أحداث العالمين، وقابلية حصولها، ويصار في هذه الحالة إلى التصديق بالمماثلة أو رفضها بناءً على نوع المخزون الثقافي لدى القارئ، ومدى خضوعه لنسق ثقافي يمكنه من التصديق أو التكذيب، فقارئ القرون الوسطى المشبّع بقيم الثقافة السائدة آنذاك يمكن أن يتلقّى الأحداث المرويّة في الكوميديا الإلهية على أنها ممكنة الوقوع، إلاّ أنّ قارئاً حديثاً يعتبر تلك الأحداث غير ممكنة الوقوع. 3.قد يتاح للمتلقّي أن يبني عوالم مرجعية مختلفة، أيّ منوّعة عن العالم الواقعي، وذلك حسب النوع الأدبي المعيّن، فالرواية التاريخية، على سبيل المثال، تتطلّب الرجوع إلى الخزين التاريخي، فيما تتطلب حكاية أخرى العودة إلى خزين التجارب المشتركة. وهكذا يصار إلى التوفيق بين العالمين عرّف فان ديك السرد بأنه: وصف أفعال، يلتمس فيه لكلّ موصوف فاعلاً وقصداً وحالة وعالماً ممكناً وتبدلاً وغاية، فضلاً عن الحالات الذهنية والشعورية والظروف المتصلة بها. وكما يلاحظ فالتنافد قائم بين عمليتي الإرسال والتلقّي، فالسلسلة اللفظية المشفّرة التي يرسلها المؤلف، يقوم المتلقّي يحلّها في ضوء السياق الثقافي، وبذلك يشكّل عالماً خيالياً، يستمد دلالته من المضمرات النصيّة التي تستثار بعلاقاتها المختلفة بالمرجع. وذهب إلى أن دراسة النص الأدبي بوصفه ظاهرة ثقافية يعتبر تتويجاً لدراسات تبدأ بالسياق التداولي، فالسياق المعرفي، ثم السياق الاجتماعي- النفسي، وأخيراً السياق الاجتماعي- الثقافي، وربط كل دراسة سياقية بهدف له علاقة بالنص الأدبي، تبدأ بالنص كفعل لغوي، ثم بعملية فهمه، وتأثيره، وأخيراً تفاعلاته مع المؤسسة الاجتماعية، إذ يحدّد السياق الاجتماعي نوع الخصوصيات التي يمكن أن تطبع النصوص، والأنماط الشائعة منها، وقدرتها في الإحالة على مرجعيات متصلة بعصورها؛ فالتفاعل بين النص والسياق الاجتماعي- الثقافي لا يحدد فحسب القواعد والمعايير الضرورية، إنما مضمون النصوص ووظائفها، وذلك ضمن أطر واضحة، ويعزو اختلاف الظواهر الثقافية، وشيوع أنواع من النصوص، بما في ذلك البنيات النسقية والأسلوبية والبلاغية من ثقافة لأخرى إلى طبيعة ذلك التفاعل ونوعه وشروطه وعصره  التراسل بين المرجعيات بكل مكوناتها والنصوص يتمّ وفق ضروب كثيرة ومعقدة من التواصل والتفاعل، فليس المرجعيات وحدها التي تصوغ الخصائص النوعية للنصوص، بل إنّ تقاليد النصوص تؤثر في المرجعيات، وتسهم في إشاعة أنواع أدبية معينة وقبولها، ويظلّ هذا التفاعل مطّرداً، وسط منظومة اتصالية شاملة تسهل أمر التراسل بينهما، بما يحافظ على تمايز الأبنية المتناظرة لكل من المرجعيات والنصوص وأساليبها وموضوعاتها، وهي أنساق وأبنية سرعان ما تتصلب وترتفع إلى مستوى تجريدي يهيمن على الظواهر الاجتماعية والأدبية فيحصل انفصال بين هذه النماذج التجريدية من الأنساق، ودينامية الأفعال الاجتماعية والأدبية فتضيق هذه بتلك، قبل أن يعاد تشكيل العلاقات وفق أنساق جديدة. 

عبدالله إبراهيم: يحلل الموروث السردي في ضوء نظرية التلقّي(10) 

صدر للناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم، الأستاذ في جامعة قطر، ضمن سلسلة كتاب الرياض التي تصدرها صحيفة الرياض، كتابه(التلقّي والسياقات الثقافية: بحث في تأويل الظاهرة الأدبية) ويقوم هذا الكتاب على توظيف نظرية التلقّي في مجال دراسة الأدب السردي العربي القديم.ومن الواضح أن المؤلف قدم تحليلا معمّقا لظواهر سردية كبرى في التراث العربي القديم مستفيدا من كشوفات نظرية التلقّي بوصفها جزءا من نظرية الاتصال في العصر الحديث، واعتبار نظرية التلقي جزءا من نظرية الاتصال فكرة جديدة جاء بها عبدالله إبراهيم في ضوء دراساته الفلسفية للفكر الغربي، كما تجلت في كتبه الضخم( المطابقة والاختلاف) الذي يتكون من حوالي 700صفحة. وهو في هذا يخالف كثيرا من النقاد العرب الذين درسوا نظرية التلقي بعيدا عن نظرية الاتصال، وقد ذهب إلى أنه لا يمكن فهم أهمية نظرية التلقّي، بوصفها نظرية تعنى بتداول النصوص الأدبيّة وتقبّلها، وإعادة إنتاج دلالاتها، سواء أكان ذلك في الوسط الثقافي الذي تظهر فيه، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بـالتلقّي الخارجي، أم داخل العالم الفنّي التخيّلي للنصوص الأدبية ذاتها، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بـالتلقّي الداخلي، إلاّ إذا نُزلّت هذه النظرية منزلتها الحقيقية، بوصفها نشاطاً فكرياً متصلاً بنظرية أكثر شمولاً هي نظرية الاتصال، التي بدأت ملامحها تتبلور منذ منتصف القرن العشرين في ألمانيا، وذلك قبل أن يشرع ياوس وآيزر في ترتيب الأطر العامة لنظرية تعنى بالتّلقّي الأدبي والتأثير والاستجابة في مطلع السبعينيات، ذلك أن نظرية الاتصال، كانت قد بدأت تستأثر بالاهتمام، مستفيدة من البحث الفلسفي الذي اهتم بقضية الاتصال، التي تعتبر وسيلة التفاعل الأساسية بين الأفراد والجماعات، للتحكّم بالأنظمة المادية والرمزية التي تتعامل فيما بينها من خلالها. وهذا ما جذب اهتمام الفلاسفة الألمان منذ وقت مبكر، وبخاصة فلاسفة مدرسة فرانكفورت، الذين أفلحوا في تأسيس نظرية فلسفية نقدية، كان لها أكبر الأثر في تغذية الفكر الفلسفي المعاصر بالمضامين الخاصة بالتفاعل والتواصل الاجتماعيين. وعلى يدي أبرز مفكري النظرية النقدية وهو هابرماز استقام صارم لمعطيات العقل الغربي الذي تحوّل إلى عقل أداتي فطرح هابرماز بديلاً له، وهو العقل النقدي الاتصالي، الذي يرتبط بالحداثة فينتجها وتنتجه معتبراً أن ذلك العقل؛ هو الوسيلة التي تخرج بها الفلسفة من بعدها الذاتي الضيّق إلى أفقها الاجتماعي الواسع. ويصرّ هابرماز على اعتبار هذا العقل قادراً على الانخراط ضمن سيرورة الحياة الاجتماعية، باعتبار أنّ أفعال الفهم المتبادل تلعب دور آليّة ترمي إلى تنسيق العمل. ذلك أنّ الأعمال التواصلية تشكّل نسيجاً يتغذّى من موارد العالم المعيش، وتشكّل، نتيجة لذلك، الوسيط الذي تعيد انطلاقاً منه أشكال الحياة العيانية إنتاج ذاتها. ومع الأخذ بالاعتبار المؤثرات التي تركها الشكلانيون الروس ومدرسة براغ، فضلاً عن إنجاردن و جادامير، في ظروف نشأة نظرية التلقّي، فإنها ، كانت في الحقيقة، مدينة لذلك النشاط العارم الذي بلورته نظرية الاتصال. وكثيراً ما أشار روّاد هذه النظرية إلى عمق الصلة بين الاثنين، بل ذهبوا إلى أنّ جهودهم تترتب ضمن أفق نظرية الاتصال، وهو ما أكده ياوس حينما قرّر أنّ نظرية التلقّي لا بد أن تبلغ مداها في نظرية أعم في الاتصال، لأن الاتجاهات النقدية الحديثة قد وضعت قضية الاتصال في صلب اهتمامها، فكل المحاولات التي تتبلور من أجل صياغة نظرية تلقّي الأدب، إنما هي متصلة بنظرية الاتصال، لأن القصد من كل ذلك هو تقدير وظائف الانتاج الأدبي والتلقي والتفاعل وكل ما يتصل بذلك. ويشاركه في ذلك آيزر الذي يشتغل على مفاهيم البنية والوظيفة والاتصال، فجهوده قائمة على تنظيم صيغة التفاعل بين النص والقارئ، من أجل سريان الفاعلية بينهما، فهو يفهم الاتصال الأدبي على أنه نشاط مشترك بين القارئ والنص، بحيث يؤثّر أحدهما في الآخر في عملية تنظيم تلقائية. كان الاهتمام بالتواصل الخارجي بين النصوص الأدبية والمتلقين مثار عناية رواد نظرية التلقّي،وذلك قبل أن تتوسع اهتمامات الباحثين اللاحقين، لتنقل الاهتمام من التلقّي الخارجي إلى التلقّي الداخلي، الذي يُعنى بفحص طبيعة التراسل الداخلي في النصوص الأدبية، والسردية منها على وجه خاص. وقد اندمج هذا الاهتمام بالجهود المتنوعة والكثيرة التي بلورتها الدراسات السردية، تلك الدراسات التي تعمّقت في وصف مستويات النصوص الأدبية وأبنيتها وأنظمتها الدلالية، وبذلت جهود كبيرة في معاينة التلقّي الداخلي، منطلقة من فرضية أساسية وهي؛ أنّ الإرسال السردي داخل النصوص لا بدّ أن يتم بين الراوي، باعتباره قطب الإرسال، والمروي له بوصفه قطب التلقّي، فالمادة السردية إنما هي مداولة قوامها الإرسال والتلقّي ولا ينبغي فهم دور المروي له على أنه دور من يتلقّى فقط، وينفعل بما يُرسل إليه، فوظائفه أكثر من ذلك، وقد حددها برنس، بأنها: تتصل بنوع التوسط بين الراوي والقارئ، وفي الكيفية التي يسهم فيها بتأسيس هيكل السرد، وتحديد سمات الراوي، وكشف مغزى النص، وتنمية حبكة الأثر الأدبي، وتحديد مقاصده. كان جاتمان قد حدد مستويات عدة للإرسال والتلقّي، تبعاً لنوع العلاقة التي تربط المرسل بالمتلقّي، فتوصّل إلى ضبط المستويات الآتية:مستوى يحيل على مؤلف حقيقي، يُغزى إليه الأثر الأدبي، يقابله قارئ حقيقي يتجه إليه ذلك الأثر.ومستوى يحيل على مؤلف ضمني، يجرده المؤلف الحقيقي من نفسه، يقابله قارئ ضمني يتجه إلى الخطاب.ومستوى يحيل على راوٍ ينتج المروي، يقابله مروي له يتجه إليه الراوي. فيما يرى جاتمان أنّ النص السردي يكون نتاجاً للمستويين الثاني والثالث، فإليهما تعود مهمة إنتاج الأثر السردي المجرد قبل أن تغذّيه القراءة بإمكانات التأويل وقد ذهب جوناثان كلر المذهب ذاته، لكنه اشتقّ أربعة مستويات للتلقّي في النصوص السردية؛ مستويان خارجيان متصلان بالمؤلف والقارئ بالمعنى العام والخاص لكلّ منهما، ومستويان داخليان متصلان بالراوي والمروي له، سواء أكان ذلك متعلقاً بالراوي والمروي له بوصفهما مرسلاً ومتلقيّاً، أم بالمتلقي المثالي الذي له قدرة على تأويل رسالة الراوي، وليس الاقتصار على تلقيهاوالوظيفة الأخيرة المتعلقة بالتأويل مرتبطة أشد الارتباط بالتلقي الداخلي. تقوم المكونات النصية الداخلية، وبخاصة الراوي والمروي له بتشكيل النسيج الدلالي والتركيبي للنصوص الأدبية، باعتباره فعالية تراسليّة تقوم على البث والتقبّل، والإرسال والتلقي، وبذلك تتكون الأبعاد الدلالية للنصوص بين هذه الأقطاب قبل أن يصار إلى إخراجها، ثم إعادة إنتاجها في ضوء البنية الثقافية الخارجية، حيث تكون خاضعة للوصف والتحليل وللتفسير والاستنطاق والتأويل. وهي فعالية ثقافية / نقدية أكثر مما هي نقدية بالمعنى الدقيق الذي ينصرف بموجبه النقد إلى تلمس التفاعلات الداخلية للنصوص الأدبية ووصف أنظمتها وأنساقها الخاصة بها. ويُدخل أمبرتو إيكو القارئ طرفاً أساسياً في عملية خلق العوالم الممكنة للنصوص السردية إلى جوار المؤلف، لأنه يُدرج الأدب ضمن نظرية الاتصال القائمة على التراسل المتبادل بين قطبين؛ أحدهما يركّب رسالة ويقوم بإرسالها، والآخر يتلقاها ويقوم بفك شفراتها، وإعادة بنائها بصورة عالم متخيّل، مع ما يترتب على ذلك من تفعيل لدلالاتها النصية.فـإيكو يرى أنّ النص إن هو إلاّ نتاج يرتبط مصيره التأويلي أو التعبيري بآلية تكوينه ارتباطاً لازماً؛ فإن يكون المرء نصاً يعني أن يضع حيّز الفعل استراتيجية ناجزة تأخذ في الاعتبار توقّعات حركة الآخر، شأن كل استراتيجية. وبعبارة أخرى فالنص نتاج لعبة نحوية - تركيبية- دلالية- تداولية، يشكّل تأويلها المحتمل جزءاً من مشروعها التكويني الخاص، ولهذا يصبح الحديث عن عالم ممكن للنص ضرورياً، من أجل إثبات صحة الحديث حول توقعات القارئ، الذي من خلال التلقّي،يقوم بتنشيط السردية المتداخلة، بما في ذلك الأحداث والشخصيات والإطار الزماني - المكاني الذي يحتويهما، وذلك داخل سياق معين. وفي ضوء هذا التصور يعالج إيكو العوالم الممكنة باعتبارها أبنية ثقافية، وذلك في إشارة للصلات المحتملة بين العوالم المتخيلة والعوالم الواقعية، فيقول إنّ أي عالم حكائي لا يسعه أن يكون مستقلاً استقلالاً ناجزاً عن العالم الواقعي بل إنهما يتداخلان ويأخذان المعنى الخاص بكلٍّ منهما من الخزين الثقافي للقارئ، وذلك لأنّ الواقع نفسه بنيان ثقافي، ويصبح أمر التراكب بينهما ممكناً وذلك بتحويلهما إلى كيانات متجانسة، وهنا تتبدّى الضرورة المنهجية لمعالجة العالم الواقعي باعتباره بنياناً، وحتى لتبيان أنه كلما عمدنا إلى مقارنة سياقية ممكنة من الأحداث والأشياء كما هي، فإننا حينئذٍ نتمثّل الأشياء كما هي، تحت شكل بنيان ثقافي، محدود، ومؤقت ومناسب.و بعد ذلك يحدد إيكو الأشكال التي يمكن أن تتخذها المقارنة بين العالمين:يتسنّى للقارئ أن يقارن العالم المرجعي بحالات من الحكاية مختلفة، محاولاً أن يدرك إذا كان ما يجري يستجيب لمعايير الممكن الوقوع. وفي هذه الحالة، يقبل القارئ الحالات قيد المعالجة باعتبارها عوالم ممكنة. ويمكن للقارئ أن يقارن عالماً نصياً بعوالم مرجعية مختلفة، وذلك استناداً إلى نوع من المماثلة الممكنة بين أحداث العالمين، وقابلية حصولها، ويصار في هذه الحالة إلى التصديق بالمماثلة أو رفضها بناءً على نوع المخزون الثقافي لدى القارئ، ومدى خضوعه لنسق ثقافي يمكنه من التصديق أو التكذيب. فقارئ القرون الوسطى المشبّع بقيم الثقافة السائدة آنذاك يمكن أن يتلقى الأحداث المرويّة في الكوميديا الإلهية على أنها ممكنة الوقوع، إلاّ أنّ قارئاً حديثاً يعتبر تلك الأحداث غير ممكنة الوقوع.وقد يتاح للقارئ أن يبني عوالم مرجعية مختلفة، أيّ منوّعة عن العالم الواقعي، وذلك حسب النوع الأدبي المعيّن، فالرواية التايخية على سبيل المثال تتطلّب الرجوع إلى الخزين التاريخي، فيما تتطلب حكاية أخرى العودة إلى خزين التجارب المشتركة. وهكذا يصار إلى التوفيق بين العالمين. ينتهي إيكو إلى التأكيد على أن الموظّف حين يكتب نصاً، يصوغ فرضية حول تصرّف قارئه النموذجي، وطالما أنّ هذه الفرضية تلبث عالماً يتوقعه القارئ، ويأمل بوجوده، فإنها لا تكون متعلقة بالنص إنما بحالة المؤلف النفسيّة. ولئن كانت نوايا من يكتب يمكن أن تعمّم في هيئة أوصاف مندغمة في إستراتيجية نصيّة، فإننا حالما نشرع في وصف توقعان القارئ الممكنة التي حققها القارئ. ويبدو أن تبنّي إيكو لمفهوم السرد الذي حدده فان ديك قد أثمر هذه التصورات. فالأخير كان قد عرّف السرد بأنه: وصف أفعال، يلتمس فيه لكلّ موصوف فاعلاً وقصداً وحالة وعالماً ممكناً وتبدلاً وغاية، فضلاً عن الحالات الذهنية والشعورية والظروف المتصلة بها. وكما يلاحظ فالتنافد قائم بين عمليتي الإرسال والتلقّي، فالسلسلة اللفظية المشفّرة التي يرسلها المؤلف، يقوم المتلقّي يحلّها في ضوء السياق الثقافي، وبذلك يشكّل عالماً خيالياً، يستمد دلالته من المضمرات النصيّة التي تستثار بعلاقاتها المختلفة بالمرجع. كان أمبرتو إيكو قد أكد أن النقد الكلاسيكي يسعى لأن يجد في النص أمرين: أولهما مقاصد المؤلف،وثانيهما مقاصد النص بمعزل عن مقاصد كاتبه، وانطلاقاً من الأمر الثاني، الخاص بمقاصد النص، أصبح من الممكن البحث، فيما إذا كانت المعاني النصيّة تعود إلى تماسك النصوص ذاتها بفعل وجود معنى قائم فيها بالأصل، أم أن ذلك عائد إلى قدرة المتلقّي على استدراج المعنى بسبب إمكانات المتلقّي نفسه، وغاية ما يريد إيكو إن يتواصل إليه هو تنظيم نوع من العلاقة التفاعلية بين مقاصد النصوص ومقاصد المتلقّين. على أن تركيز الاهتمام على هذه العلاقة، سيجعل مقاصد المؤلف خارج دائرة الاهتمام، وتلك المقاصد لا يمكن استبعادها، على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من صعاب، تتعلّق بغياب المؤلف، فيما يظلّ النص والمتلقّي حاضرتين ومتلازمتين دائماً. وللتدليل على أهمية ذلك يضرب إيكو مثلاً بروايته اسم الوردة فهو قد اختار العنوان بالصدفة، وإثر تردد بين خيارات عدة، لأن الوردة رمز مثقل بالدلالات، بحيث إنّه فقد أو كاد يفقد في النهاية كلّ دلالة:الوردة الصوفية، ووردة عاشت بين الورود، حرب الوردتين.... الخ. لقد تم تضليل القارئ، لذلك لا يستطيع أن يختار تأويلاً، وحتّى إذا قام بهذه القراءات الاسمية للبيت الشعري اللاتيني الذي تختتم به الرواية، والذي يرد فيه اسم الوردة فإنه سيقع ضحية احتمالات غريبة، إذ ينبغي على العنوان أن يشوش الأفكار، وليس يوحدها، فلا شيء يطمئن الروائي أكثر من أن يكتشف القراءات التي لم يفكر فيها، التي يوحي له بها القرّاء، وعليه أن يلتزم الصمت تجاه تلك القراءات. وعلى الآخرين أن يناقشوا ذلك بالاعتماد على النص نفسه، وحسب إيكو فعلى المؤلف أن يموت بعد أن يكتب كيلا يربك المسار الذي يتخذه النص، يجب على المؤلف ألاّ يشرح، لكنه يستطيع أن يروى لماذا؟ وكيف كتب، فذلك قد يصلح لفهم بعض التقنيات الخاصة بإنتاج الأثر الأدبي. ولكنه لا يمكن أن يحدد للمتلقّي كيفية قراءته. ولكن على نحو غير مباشر، فإنّ إيكو من خلال مثال اسم الوردة يريد أن يتوصل إلى أنّ المؤلف له أيضاً مقاصد، وإن كانت تبدو غير معللة للآخرين،وربما لنفسه، أو أنها غير ظاهرة كآراء منفصلة في ثنايا النصوص. ولو أمكن، أن تتلازم تلك المقاصد الثلاثة وتتفاعل لأمكن إنتاج دلالة أكثر تنوعاً وشمولاً وخصباً. انتهى فان ديك إلى أن دراسة النص الأدبي بوصفه ظاهرة ثقافية يعتبر تتويجاً لدراسات تبدأ بالسياق التداولي، فالسياق المعرفي، ثم السياق الاجتماعي - النفسي، وأخيراً السياق الاجتماعي _الثقافي، وربط كل دراسة سياقية بهدف له علاقة بالنص الأدبي، تبدأ بالنص كفعل لغوي، ثم بعملية فهمه، وتأثيره، وأخيراً تفاعلاته مع المؤسسة الاجتماعية. إذ يحدد السياق الاجتماعي نوع الخصوصيات التي يمكن أن تطبع النصوص، والأنماط الشائعة منها، وقدرتها في الإحالة على مرجعيات متصلة بعصورها. فالتفاعل بين النص والسياق الاجتماعي - الثقافي لا يحدد فحسب القواعد والمعايير الضرورية، إنما مضمون النصوص ووظائفها، وذلك ضمن أطر واضحة. ويعزو فان ديك اختلاف الظواهر الثقافية، وشيوع أنواع من النصوص، بما في ذلك البنيات النسقية والأسلوبية والبلاغية من ثقافة لأخرى إلى طبيعة ذلك التفاعل ونوعه وشروطه وعصره. فالتراسل بين المرجعيات بكل مكوناتها والنصوص يتمّ وفق ضروب كثيرة ومعقدة من التواصل والتفاعل، فليس المرجعيات وحدها التي تصوغ الخصائص النوعية للنصوص، بل إنّ تقاليد النصوص تؤثر في المرجعيات، وتسهم في إشاعة أنواع أدبية معينة وقبولها، ويظلّ هذا التفاعل مطّرداً، وسط منظومة اتصالية شاملة تسهل أمر التراسل بينهما، بما يحافظ على تمايز الأبنية المتناظرة لكل من المرجعيات والنصوص وأساليبها وموضوعاتها، وهي أنساق وأبنية سرعان ما تتصلب وترتفع إلى مستوى تجريدي يهيمن على الظواهر الاجتماعية والأدبية فيحصل انفصال بين هذه النماذج التجريدية من الأنساق، ودينامية الأفعال الاجتماعية والأدبية فتضيق هذه بتلك، قبل أن يعاد تشكيل العلاقات وفق أنساق جديدة. هذه هي الأرضية الجدالية الجدية التي يستند إليها كتاب عبدالله إبراهيم إذ يقوم بتوظيفها في تحليل فن الخبر، والسير الإشراقية، والبند، ثم يختم ذلك بتحليل القضية الأساسية وهي كيفية تلقي المرويات الجاهلية في سياق الثقافة الإسلامية. 

نظرية جمالية التلقي "مركزية القارئ"(11)

 يأخذ مفهوم التلقي الوجه المقابل لفاعلية القارئ في إنتاج المعنى من خلال القراءة ضمن نظرية التلقي التي تحدد هذا المعنى، وهذا هو الاتجاه الذي نسير على هداه في تتبع المسار التاريخي والتطوري لنظرية التلقي التي واكبت الأعمال الإبداعية في حياتها الثانية أي في وجودها التفاعلي مع قرائها بعيداً عن السياقات الخارجية وعن مبدعيها بالقدر الذي يسعفنا في تتبع النصوص الإبداعية بشكل غير متعسف فيه، نتعامل من خلاله مع النص والقارئ والتفاعل الحاصل بينهما، وآثار هذا التفاعل في الواقع وفي حياة النصوص ذاتها، ذلك أن تاريخ التلقي يمثل تاريخ الأدب معتمداً في ذلك على المتابعة والقراءة المستقصية لآثار النصوص في قرائها واستجاباتهم لها، بهدف بناء إطار مرجعي نعرف من خلاله العصور والأجيال التي عاشت في زمنها هذه النصوص وكيف قرئت من قبل القراء بمختلف أذواقهم، وهذا ما يبرر انفتاح الأعمال الأدبية على تعدد التأويلات ليس أمراً متعلقاً بطبيعة النصوص وأدبيتها بقدر ما يتعلّق بتاريخها.‏

يتوقف فهم تاريخ الأدب "على تحليل" "الذائقة" وكيفية استقبال الأعمال الفنية، حيث تنعكس فلسفة المجتمع وتبرز روح العصر، فما يقرأ خلال فترة معينة من قبل مختلف طبقات المجتمع ولماذا يقرأ ينبغي أن يكون السؤال الرئيسي للتاريخ الأدبي..".(1).‏

وليس معنى هذا الاتجاه في هذه الورقة هو إعادة الصياغة للقراءة السياقية التي اتخذت من المجتمع وظواهره معياراً للقراءة التي فسرت وأنطقت النصوص من خلال الإسقاطات الاجتماعية وفلسفتها الإيديولوجية، وإنما البحث عن القوى المساهمة في تكوين الذائقة وتطوير حساسيتها، أي مجموع المؤسسات التي تصنع منظومة القيم الفنية التي بواسطتها تقرأ الأعمال الأدبية، ومن الملاحظ أن ما يصيب هذه المؤسسات من تغيير يلحق بالضرورة الذائقة الفنية، غير أن هذه الذائقة لها من القدرة على تجاوز وتخطي الموروث الثقافي والفني الذي قد ساد طويلاً استجابة للمتغيرات الجديدة.‏

وانطلاقاً من الاهتمام بالقراء كعنصر محوري في البحث النقدي لجماليات التلقي يقترح ياوس "Jauss" طريقتين لرصد تاريخ التلقي الأدبي: إحداهما ترصد التحولات الثقافية الكبرى المحددة للحظات الحاسمة في تحول الأذواق والعقليات الأدبية والفنية، والطريقة الأخرى تتناول بالبحث في التاريخ الموثق لعمليات التلقي من خلال دراسة تلقي الأعمال الأدبية والمؤلفين.‏  

وبهذا فإن نظرية التلقي ألقت بمجموعة من المصطلحات التي تبنتها الدراسة النقدية كالنص وما وراء النص والعملية النصية والعلم الأدبي والنص الثاني كل ذلك أثبت حضور التلقي في فهم العمل الأدبي من الوجهة الجمالية والتاريخية، يشير إلى ذلك "إيكو" بقوله: "النص إنما هو إنتاج يشكل تأويله جزءاً من آليته التوليدية، فتوليد النص يعني تطبيق استراتيجية عليه تتضمن توقعات حركة الآخر، كما يحدث دائماً في أية استراتيجية، والآخر هو القارئ بطبيعة الحال"(2).‏

وللمدرسة التشيكية دور في هذا المجال في اعتقادها بجمهور الأدب كموضوع للبحث النقدي، حيث يرى "موكاروفسكي" أن الموضوع الجمالي يتحدد بالأشكال الشخصية للوعي التي تتوافر لدى عدد مشترك من أفراد الجماعة في استجابتها للأداة الفنية.‏

ومن علاقة العمل الأدبي بالواقع وصلته بالجمهور امتدت نظرية التلقي إلى الحقل السيميولوجي انطلاقاً من النص الأدبي بوصفه علامة في بنيته الداخلية فهو علامة متعددة الشفرات، يتحدد من موقع المتلقين ووضعياتهم التاريخية، ممّا يضفي على النص تعددية الأبعاد وديمومة القراءات والتأويلات، وهذا ما جعل أنصار نظرية التلقي يهتمون بالخصوص باستراتيجية العلامات.‏

وعبر تاريخ النظرية النقدية بصفة عامة طرحت العلاقة بين الأدب والمتلقين ولكن بكيفيات مختلفة، يكشف عنها التطور التاريخي لمفهوم التلقي، وهذا راجع إلى اختلاف المرجعيات وخصوصاً فيما يتعلق بوظيفة الأدب، وما يتصل بالعلاقة التي تربط المتلقي بالأعمال الأدبية.‏

ففي المنظور السفسطائي كل ملفوظ هو احتمال، وفي الوقت ذاته ينطوي على بنيات الإقناع، ومن ثمّ فإن المتلقي في وضع مزدوج، فمن جهة يسمح له الافتراض الأول بالدخول في مجال التأويل وهذا ما ينشط القدرات التأويلية لديه ويتعامل مع الملفوظ من باب الاحتمال، ومن جهة أخرى يجعل الافتراض الثاني المتلقي في حالة استجابة للملفوظ، وانطلاقاً من هذه الثنائية الاحتمال والإقناع تتحدد عملية التلقي في الفهم السفسطائي.‏

فالمعنى ينحدر من الإيماءات البلاغية للملفوظ نفسه، ومن منطق النسيج اللغوي والأسلوبي له، أما تجربة المتلقي (الفهم) فهي بعيدة عن هذا البناء اللغوي.‏

في الفكر الأرسطي سادت فكرة التطهير كوظيفة للأعمال الأدبية في علاقتها بالجمهور الذي يندمج مع العمل الدرامي من خلال المماثلة التي أقامها بين المحاكاة (العالم الرمزي) والطبيعة (العالم الطبيعي). وانطلاقاً من هذه الوضعية للتلقي كان للعمل الأدبي السلطة على المتلقي في الكشف عن مكبوتاته التي تنفجر في لحظة الاندماج التام بين المشاهد والدراما.‏  

وفي الفكر البلاغي العربي التراثي راجت فكرة التمكين كوظيفة لكل ملفوظ بلاغي، أي جعل المعنى مستقراً في الذات استقراراً ثابتاً، وهذا ما سنوضحه بالتفصيل في سياق بحثنا عن تطور مفاهيم التلقي في النظرية النقدية العربية وغيرها. وفي الفكر النقدي الحديث ظهرت جمالية التلقي بسبب النزاع مع البنيوية ذات المعرفة العقلية المنحدرة من أصول لسانية وعقلانية تستند إلى منطق الأشياء، وبين نظرية التلقي التي تستند على ما تنتجه الذات في تعاملها مع النص الأدبي.‏

والباحث في الزخم النقدي الذي أحاط بنظرية التلقي يكتشف الثراء في تعدد التسميات والمصطلحات التي راجت عند الدارسين، غير أن التلقي يعد القاسم المشترك بين النظريات النقدية مهما تشابكت من حوله التسميات كالقراءة والنظرية وغيرها... ومن ثمَّ سادت مصطلحات مثل، الاستيعاب، والاستجابة، والاستقبال، والتقبّل ثم مصطلح الجمالية.‏

ولم يخرج مفهوم التلقي من الخلط في تحديد وضعيته الاصطلاحية انطلاقاً من المحددات التاريخية والنفسية وما أتت به المدرسة الألمانية...‏

*والباحث في أطروحات السفسطائيين يقف على الأصول الفلسفية التي استندوا عليها لإثبات دور الذات، وهو علاقة الدين بالأدب، فقد كانت فكرة الألوهية مشتتة بين تعدد الآلهة، ولم يكن الأدب بعيداً عن الأساطير الميثولوجية حتى ارتبطت فكرة الفن بفكرة الإلهام الإلهي، ومن ثمّ كان دور الإنسان مهمشاً في تكوين اعتقاداته بشكل حر، وهذا ما دفع السفسطائيين إلى الدعوة إلى إرجاع المركزية للإنسان، ومن هنا جاء اعتقاد بروتاغوراس: "إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا، فهو مقياس وجود ما يوجد منها، ومقياس لا وجود ما لا يوجد"(3).‏

وهذا الطرح من الإشارات المبكرة في جعل الذات طرفاً في إنتاج المعنى. ولما كانت الخطابة تحتل منزلة في نشاط السفسطائيين كونها الأداة المفضلة في توصيل تصوراتهم المعرفية ونظراً لاهتمامهم بالإقناع كوسيلة لذلك، جعلوا المستمع/ المتلقي/ غاية الخطابة، فكشفوا انطلاقاً من التقاليد التي وضعوها لفن الخطابة الاستجابة.‏

ولتأكيد هذا الأصل –الاستجابة- بيّنوا مقصدية الخطابة التي تتجلى في إيماءات اللغة وسحر الألفاظ والتراكيب وسيادة المحتمل في عملية الفهم والاقتناع، وقدّموا بذلك نقداً للغة القضائية القانونية التي يمكن للذات القدرة على البرهنة على ما هو محتمل وبالتالي حفزوا المتلقي على الأخذ بالتأويل.‏

والمتلقي حاضر في هذا الفكر الذي يعطي مساحة مهمة له، بوصفه العنصر المقابل للغة في مقصديتها لتحقيق التواصل سواء بهدف إثبات الحقيقة أو هدمها، وعنصر الاستجابة هو الخيط الموصل بين الرسالة والمتلقي وبها يتحقق الإقناع، ومن هنا تبلورت فكرة الجمال لدى السفسطائيين التي تمحورت حول اللغة، فهي الجمال نفسه في نظرهم، فقد كان جورجياس يعتقد أن البيان هو "أعظم وأفضل الأمور الإنسانية".(4).‏

ويمكننا أن نسأل عن موقع المتلقي في فكر أرسطو، فإن المتتبع لآرائه يجده قد اهتم به من خلال اهتمامه بوظيفة الفن المتحققة في عملية الاستجابة بواسطة المثيرات التي بنيت بها الملحمة والمأساة سواء في بنائها الداخلي كالصراع بين الواجب والحب، والطاعة والتمرد على السلطة الأبوية والعرفية إلى غير ذلك من البنيات التي تدخل في نسيج العمل الأدبي، ولذا ارسطو يكرر في أكثر من موضع من كتابه فن الشعر فكرة الانسجام، أي انسجام الخطاب نفسه.‏

ولا تتحقق إثارة الانفعالات في نفس المتلقي حتى ينسجم العمل الأدبي ذاته في بنياته وشكله وتحدث المفاجأة في الأحداث وفي النهايات مما يجعل المتلقي في حالة ترقب وانتظار لما هو غير متوقّع.‏

مبدأ القصدية الذي انطلق منه أرسطو في تحديد وظيفة الفن –التطهير- تجعل بداهة المتلقي في الطرف المقابل للمرسلة الأدبية، فالتطهير يخص الذات المتفاعلة مع الفن في جماله وجلاله، وما تمارسه هذه الذات من إسقاطات عاطفية وخيالية أثناء لقائها المباشر مع العمل الأدبي يعطي لعملية التلقي حضورها الفعلي في التمكن من المعنى، ومن ثمّ تأويله أو البحث عنه.‏

التلقي في النظرية البلاغية العربية:‏

دأب الدرس البلاغي في بدايات نشأته في تراثنا العربي-وهو يبحث عن عناصر وأسرار الجمال البياني في الخطاب القرآني-على الاهتمام بالمتلقي في علاقته مع الوحي المنزّل الذي أحدث اهتزازاً في الذائقة العربية، وراح يتلمّس وقع هذه العناصر في بنية الآية القرآنية وفي اللفظة الواحدة وفي ترتيبها وفي التناغم بين حروفها، باحثاً عن مواطن الاختلاف بين المتن القرآني والنص الشعري والخطابي.‏

وأثناء هذا البحث عن الإعجاز القرآني في بلاغته وبيانه، انتقل إلى المجال الثاني، إلى الثنائية –وحي ومتلقي- وبعد أن أفاض الدرس البلاغي التراثي في تحليل أسرار الجمالية القرآنية من جميع المستويات التي تؤسس البنية اللغوية والمضمونية، توجّه إلى متقبّل الخطاب القرآني دارساً ومحللاً ما تنعكس في نفسيته من آثار الاستجابة والتقبل، ومنه اهتدى إلى فكرة التمكين التي تعدّ السبب الرئيسي في إحداث الأثر النفسي الذي يجعل المتلقي ينفعل بوجوده الكلي مع النص القرآني ويتجاوب مع كلية البنية اللغوية القرآنية ومحمولها.‏  

قد أثارت عملية التوصيل حفيظة مفسري القرآن الكريم فراحوا يبحثون في علاقة المعنى بالأسلوب للكشف عن سر الإعجاز فيه، وهذا ما جعل أغلب الذين كتبوا في الإعجاز يرون أنّ قدرة النظم تساهم في تمكين المعنى في النفوس، يرى "الخطابي": "في إعجاز القرآن وجهاً آخر، ذهب فيه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور".(5).‏

وينتقل الدارسون من تحليل وشرح الخصائص الفنية لبنية الخطاب القرآني، وسر إعجازه إلى البحث عن الاستجابة وضروبها وأسباب توفرها لدى المتلقي من ثقافة وحذق ومعرفة باللسان العربي. وهذا ما ذهب إليه كل من الرّماني والباقلاني والقاضي عياض.‏

يرى الرماني أنّ التقبل والاستجابة أساسهما تعديل النظم فـ" حسن البيان في الكلام على مراتب: فأعلاهما مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة من تعديل النظم حتى يحسن في السمع ويسهل على اللسان، وتتقبله النفس تقبل البرد، وحتى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقه من المرتبة"(6).‏

أما القاضي عياض (496-544)، فيرى أن أحد وجوه الإعجاز البياني هي: "الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم"(7).‏

وقد ندرك الأهمية القصوى التي أحاط بها النقاد القدامى البيان القرآني من خلال الاستنباطات التي توصلوا إليها في بحثهم عن أثر التمكين، فمن جهة قد انطلقوا من دراسة التركيب اللغوي والبناء الفني للفاصلة القرآنية من حيث انسجام اللفظة مع أختها وحسن تجاورهما، واتساق الحروف في اللفظة الواحدة والمنطق اللغوي الذي يؤلف بين مجموع الكلمات، ومن جهة أخرى أفاضوا في التخريجات التي بها فهموا المعنى المتعدد في دلالاته وتأويلاته مما يعطي النص القرآني استمرارية قراءاته وتأويلاته.‏

غير أن البحث كان دائماً يضع الغاية الأولى من عمله هو المتلقي، وكيفية فهمه لمحمول الآية القرآنية حتى لا يخرجها عن مقصديتها الشرعية تناسباً مع روح اللغة العربية ومنطقها البياني، وأيضاً مع روح القرآن(الوحي).‏

وحتى تحاط المقصدية الدينية بكثير من العناية التي تبعد عنها الشطط في التفسير والغلو في التأويل، تركزت جهود الدارسين حول المتلقي الذي قدّمت له وسائل الفهم، وفي ظل هذا العمل الجاد والغني بالدراسات كان لمفهوم التأثير المنزلة المهمة التي من خلالها فرّقوا بين الأجناس الفنية القرآن الكريم، إذ وضعوا القرآن الكريم في المرتبة الأولى بوصفه وحياً منزلاً من الله عز وجل وبوصفه خطاباً بيانياً له خصوصياته الفنية التي لا تضاهيها فنيات الخطاب البشري وخصوصاً في مجال التأثير، فالسامع للقرآن الكريم يستشعر رهبة وجلالاً في النفس لا يستشعرهما من يستمع إلى غيره من ضروب الكلام البشري مهما بلغت درجة مزيته الفنية.‏

إن البحث في عملية التأثير التي تتأسس بين القرآن الكريم، وبين المتلقي كانت المحرك الفعلي لمثل هذه الدراسات التي تكلمت في مفاهيم كثيرة وردت في الخطاب التراثي البلاغي مثل: الاستجابة والتشوف والانشراح والاستبشار... وغيرهما من الألفاظ الدالة على التحرك النفسي والاهتزاز الذاتي أمام البيان القرآني.‏

ومن ثمّ نبه هؤلاء الدارسين المتلقي إلى الحذر من ولوج النص القرآني دون التزود بثقافة غنية بمعرفة أسرار اللغة العربية وروح منطقها ودلالات ألفاظها في سياقاتها المتعددة حتى لا يحمّل القرآن ما لم يتحمله أصلاً. وأيضاً حتى يتحقق التمكين للمعنى في نفسية المتقبل، يقول الخطابي: "أما رسوم النظم، فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان..".(8).‏

فكرة التمكين لها علاقة بالمتلقي قبل أن تكون لها أسبقية بالمعنى لذلك اتجه البحث إلى معرفة كيفية حصول الاستجابة والتقبل، وإحاطة المتلقي بالمعنى والتأثر به فهماً وإدراكاً، ولذا أكدت البلاغة العربية نزوعها إلى دراسة المعنى دراسة تتقصى ضروب تحصيله وطرق تمكينه في ذات السامع (المتلقي).‏

هوامش:‏

1-د.صلاح فضل، شفرات النص: دراسة سيميولوجية في شعرية القصد والقصيد –ط1- القاهرة دار الآداب 1999 ص 263.‏  

2-المرجع السابق ص 264.‏  

3-المرجع السابق ص 264.‏  

4-أفلاطون-محاورة جورجياس-ترجمة: حسن ظاظا –1970- القاهرة –ص39.‏  

5-الخطابي: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله، د.محمد زغلول سلام-القاهرة 1968-ص70.‏  

6-الرماني: النكت في إعجاز القرآن/ ص 107.‏  

7-السيوطي/ الإتقان في علوم القرآن. ج2/ط1/ 1987/ دار الكتب العلمية-بيروت-لبنان- 264.‏  

8-الخطابي: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن- تحقيق: محمد خلف الله، د.محمد زغلول سلام، القاهرة، 1968، ص 36.‏

نظرية التلقي في الفنون التشكيلية:نحو خلق نظرية عربية(12)

نظرية التلقي في الفنون التشكيلية هي آلية مُبتكرة من آليات الفهم والتفكر المنهجي كنتاج منطقي لمساحة التفاعل الثقافي والفكري والجمالي مع مقاييس النزعات المركزية الأوربية بالفن سواء, أكانت المستلهمة من عصور الإغريق الفلسفية في مقدماتها المنطقية الكبرى والصغرى ونتائج المحاورة الجدلية لمناهل الأفكار. أو تلك المُستحضرة من الفلسفة العربية الإسلامية المتصلة بشجرة التفريعات الخوارزمية ومداخل النظم الشمولية التكاملية, وجدنا في كافة مسارات الفلسفة الجمالية ثمة مناهج وطرائق بحث فلسفي جمالي تقوم على أساس اعتبار كل نص بصري أو مكتوب يخضع إلى آليات التفكير والتفكُّر في سياق فلسفي متماه مع الخلفيات الفكرية والدلالات الرمزية والمعرفية الموحية لقوله تعالى في مُحكم تنزيله:»وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَ¯ؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ« سورة البقرة الآية 31 «. هذا العلم وتلك المعرفة هي كليّة شاملة, فطرية وموروثة في سلالة سيدنا »آدم« عليه السلام محكومة بالاختيار والتفكُّر والتعلم والابتكار مخصوصة بالنوع الإنساني وحده, مفتوح تعلمه على كافة المخلوقات والكائنات الحية والجماد, وحيز الكواكب والنجوم والأكوان في كشف أسرار الكون والخلق والخليقة المتأتية بواسطة »العلم المُستفاد« المرتبط أساساً بقدة » الله« سبحانه وتعالى وإرادته الخيرة في منح الإنسان ملكة العقل ونعمة الحواس والمُدركات والقدرة على الكشف والاكتشاف. هذه التقنية (العلم) تجعل العين والعقل في حالة تأهب واستعداد لفهم مضامين النصوص والمعاني المتصلة بفلسفة الفن والجمال ومفاعيل السرد البصري من كونه يُمثل المجال الحيوي لمحتوى بحثنا. أي إتباع كافة أساليب المحاكمة الجدلية والمحاورة البصرية الحسية والعقلية لمعروضات النصوص المسرودة سواء أكانت عملاً فنياً تشكيلياً أو نصاً فلسفياً وجمالياً متصلاً بميادين الفنون الجميلة التشكيلية. ومثالنا في هذا مجموعة من الأمثلة الحسية والمدركة نقطفها من واحة فلسفة الفن والجمال والمُدركات الحسية والعقلية المستدعاة من عمل فني مشغول هنا أو هناك. أي الانتقال من الفكرة العامة الرئيسة (المقدمة الكبرى) بكافة مكوناتها ومحتواها وعلاقاتها ومنتجها وروافعها إلى المقدمات الفرعية ذات الصلة بجذر العلاقة والأصول وصولاً إلى الأجزاء المتناهية في سلم قيم الوصف وإعادة تشكيل رؤى جديدة للنص البصري في قوالب فنية وتحليلية مُجددة. إن كل علم ما من العلوم الإنسانية لاسيما تلك المتصلة في ميادين الابتكار هو مصحوب بشجرة التفريعات العلمية الرابطة للأجزاء والفروع والمقدمات الكبرى في سلسلة معارف ومفاهيم واحدة. الفصل ما بين مكنوناتها يكون في خدمة سياق البحث وفاعليته وحسب.‏

وعليه يُمكن القول, بأن العمل الفني التشكيلي يجب أن ينظر إليه كنص وسرد بصري مفتوح على القراءة الكاملة لكافة مكونات النص البصري الكلية والفرعية والجزئية, ومن ثم إعادة تأليف أنساق البحث البصري المعرفي والجمالي وفق الاتجاهات الحديثة الأوربية ومذاهب الفلسفة الألمانية »الغشتالت« على وجه التحديد.‏

إن أي نص بصري مسرود بوسائط وأساليب الفن التشكيلي لا بدٌّ أن يحتوي على مناهل معرفية ومرجعيات بصرية ومسالك سرد وفلسفة فن في أبعادها الجمالية المُعبرة بشكل ما أو بآخر على حساسية ذوقية تذوقية انفعالية وعقلانية في نهاية المطاف. تكون مقدمة طبيعية ومنطقية لولادة نظرية »التلقي« التي تُساهم في رفع سوية الذائقة البصرية من أنماطها ذات المعابر الحافلة بالانتقائية متصلة بطبقة محددة بعينها ولا تلامس حساسية العامة, وتغدو في حالة غربة واستغراب على الشرائح العريضة من بنى المجتمع وحتى الفنانين التشكيلين أنفسهم.‏

هذا القول يُفضي بنا لتحمل مسؤوليته لتقديم بدائل مناسبة لتحسين آفاق التفكر والتواصل مع كافة منتجات الفن التشكيلي ومقوماته وروافعه وبطانته المُساندة. فالنص البصري محمول بفلسفة فن جمالية وأسلوب اشتغال تقني وإحالات دلالية حاشدة من مكوناته الخطية واللونية وما تتسع واحته من ملامس سطوح وكتل تشغل حيز فراغ ومواد تقنية متعددة الصنائع. وما يشغله من مفاتن النصوص المعرفية والمحتوى الموضوعي الذي يُشكل المضمون في توليفاته المدرسية الأكاديمية والمعاصرة مجاله الحيوي لتوصيل فقه المعاني لجمهور الفن والتلقي. تُعمل في أبصارهم وعواطفهم وعقولهم أنماطاً متعددة من الإثارة البصرية وتقودهم إلى مسالك الفتنة البصرية والإعجاب. وفصيح القول في أشكال تعبير تواصلية مباشرة أو عِبر ميادين الكتابة والصحافة وبصور بيانية متعددة. وهي عملية عقلية في نهاية المطاف مستقلة عن نوازع الفنانة أو الفنان المُنتج العاطفية والحدسية, ومهارة عالية المستوى وتحتاج لثقافة بصرية ومعرفة نظرية متكئة على مواكبة لتجارب وأبحاث عملية في ميادين الفنون التشكيلية, وخبرة ودراية مستديمة. وهي أشبة بعمليات بحث تقني منهجي وبمثابة رسالة ذات مضمون ومحتوى معرفي وبصري منبعثة من مُرسل عابر أو موهوب يتلقاها. مُستقبل مُتمكن من مساحة رؤيته البصرية (المتلقي), أي قارئ النص البصري المسرود بكافة عناصره ومكوناته. قارئ محمول بثقافة بصرية ومعرفية وفلسفة فن قائمة على مكونات الاستلهام والتبصر واستحضار ملامح رؤى لماهية النص البصري التشكيلية وكينونته وخلفيات صانعه ومُنتجه وليس مجرد التفسير والشرح.‏

أن قراءة النص البصري التشكيلي قائمة في جوهرها على آليات التلقي, ومدى قدرة القارئ (المتلقي) على فهم فعاليات كافة تفاصيل النص البصري بعيداً عن رؤية الفنان, وهي آلية ابتكار »إبداعية« جملة وتفصيلا. تقوم مفاعيلها على التقاط نقاط مُضيئة داخل متن النصوص وقدرة فائقة على الاكتشاف ونسب كل مكون وعنصر من مفردات وجمل النص البصري التشكيلية إلى أصوله المعرفية والفلسفة الجمالية, وتحديد الرموز الموحية والمُعبرة عن حالة إنسانية هنا وفكرة جمالية هناك. مرهونة أساساً بجودة التلقي ومسالك عمليات التذوق الفني والحساسية الذوقية التذوقية المعرفية والجمالية, تفكيكاً وبناء للهندسة المعمارية التي يتألف منها النص الفني التشكيلي (ماهية وكينونة وتقنيات), واستنباط أشكال قراءة وملاحظة ومعايرة للنص البصري في كافة أبعادة الفلسفية والسياقية كمقدمات ضرورية ممهدة لعمليات النقد الفني القائمة على استصدار أحكام قيمة فنية وجمالية حول ما يتوصل إليه قارئ النص البصري (المتلقي) المتناسبة مع ثقافته وقدرته على توليف مناهل الرؤى واستلهام الأثر الذي يجده في متن النصوص, بعيداًُ عن سلطة رؤى الفنان الذاتية وطريقة اشتغاله التقني. يرسم المتلقي له حدودا جديدة لآلياته في لبوس وصف مُبتكرة. قد تلتق أو تتناقض مع الثقافة السائدة أو عن رؤية الفنان التشكيلي الشخصية وحيز المُشاهدة البصرية والمعرفية لتفاصيل عمله الفني.‏

لأن قراءة النص البصري الفني التشكيلي, هي قراءة مُتجددة محكومة بعوامل بحث ذاتية خارجة عن نمطية التأليف والتوصيف, وهي نوعاً مُبتكراً للرسم بوسائط تعبيرية متنوعة. يُشكل النص المكتوب أرقى حالة من حالات التلقي والذي يتحدد من خلاله الكيفية لفهم مكونات النص البصري التشكيلي فنياُ جمالياُ وتقنياً وفكرة ومحتوى موضوعي مُثير لتفاعل عين وعقل جمهور التلقي. فالعمل الفني التشكيلي يجب التعامل معه باعتباره نص مرئي أولاً وأخيراً. قابل للقراءة والتحليل والتركيب والمعايرة والتذوق والنقد الفني كنص مفتوح ومُغلق ومتغير, وتُشكل معابر الحساسية الذوقية التذوقية (التذوق الفني) الأساس المادي لمجمل عماليات التلقي. بمعنى آخر أن يكون العمل الفني التشكيلي بمثابة نص بصري مفتوح على قارئ جيد بالضرورة البحثية وليس مجرد مُتذوق عابر في سياق متعة بصرية زائلة بزوال حدوثها. بل متعة متواصلة وقائمة ومتجددة ومقصودة وهادفة لجعل العمل الفني التشكيلي مجالاً حيوياً وفتنة بصرية لا بدّ من التواصل مع مكوناتها, ومع عوامل تشكله والتقاط خلفيات جماله وبيانه. وهو نص بصري قابل للحياة بمجرد عرضه على جمهور التلقي, ومهمة الفنانة أو الفنان التشكيلي كمُنتج ومُبتكر تنتهي بمجرد وضع لمساته الأخيرة ومهره عمله الفني في توقيعه الشخصي سواء عرضه في مرسمه أو صالة العروض الخاصة بالفنون, حيث يُمسي هذا العمل الفني المُنتج ملكية عامة للمتذوقين من جمهور التلقي بمختلف أنماط وعيهم البصري المعرفي والجمالي. وغير مرهونة هذه المفاعلة التواصلية مع من يقتني هذا العمل الفني التشكيلي أو ذاك, على اعتبارها ملكية خاصة بل هو ملكية عامة مفتوحة على عين وعقل المتلقي في أي زمان ومكان. وأن عملية فِعل القراءة متوالدة في ذهن المتلقي وليست نهائية وقدرية. بلا قراءة احتمالية متصلة بتعدد مناحي القراءة تبعاً لثقافة ووعي هذا القارئ أو ذاك. أولئك القراء الفاعلين الذين يُخرجون عمليات التذوق والنقد الفني التشكيلي من دثار القدسية (التابو) للأعمال الفنية المُغلقة والمفروضة على أذواق جمهور التلقي إلى مساحة بصرية مفتوحة على التلقي. لأن لكل قارئ مُثقف, والمثقف هنا هو الذي يعرف جيداً حدود وعيه في كشف المناطق المجهولة داخل متن النصوص الفنية التشكيلية ومن خلاله تتعدد مسالك القيم في محددات الجودة في العمل الفني التشكيلي صنعة ومحتوى, وبالتالي تتعدد أنماط القراءة ومناقب الاجتهاد والتأويل والابتكار. فكل نص بصري تشكيلي له مقاصد مأمولة في عين ومُخيلة مؤلفه (الفنان) لكن مسالك التلقي لها أبجديتها وبنيتها المعرفية من خارج النص البصري التشكيلي ومن داخله بعيداً عن مقولة الفنان أيضاً. وجودة القراءة تتحقق في هذا التناغم والتفاعل البصري القائم على الكشف والتبصر والعلاقة التواصلية ما بين القارئ والفنان والعمل الفني في نهاية المطاف.‏

من أوليات نظرية التلقي في الفنون الجميلة التشكيلية تتجلى بحصاد التراكم المعرفي البصري والجمالي والتمكن والخبرة في مسك ناصية الفن التشكيلي بكافة أطرافه وعوامله ومقوماته وروافعه. نراها في خمسة معابر أساسية:‏

1- تحديد مسالك ابتكار جديدة لآليات قراءة النص البصري التشكيلي في ضوء مقوماته وأطرافه وروافعه بالاستناد إلى مجمل المعابر الثقافية السابقة من أنماط قراءة نمطية تقليدية وأكاديمية ومعاصرة على أبعاد التفسير والتأويل والابتكار.‏  

2- جودة تحديد مكونات النص البصري التشكيلي من داخل النسيج الفني التعبيري والخبرة التراكمية للفنانين. ومحددات مساحة الإلهام والقدرة على امتلاك ناصية النص بكل مقومات تشكله مُخيلة ومحتوى موضوعي ومُعالجة تقنية.‏  

3- تحديد مساقات النص البصري من حيث المبنى واختيار العناصر الفنية وتوظيفها الفعّال في متن النصوص من تخطيط أولي وتدرج منطقي في توضح معالم العمل الفني بكافة مكوناته.‏  

4- معرفة السياقات المعرفية الدالة على مضمون العمل الفني وتلمسها في حقيقة الواقع المعايش كمطابقة شكلية ولمسة ابتكار لذات الفنان في لحظة استلهام وحدس.‏  

5- تلمس المقاصد النهائية من العمل الفني المُنتج ووضع كافة المواقف البصرية في مكانها الصحيح في عين وعقل المتلقي, وتحديد المدارس والاتجاهات الفنية التي ينتمي هذا العمل الفني أو ذاك ومُحددات لحمتها البنيوية من حيث التأليف والتوليف الشكلي وتناغم المواضيع مع أفكار الفنان المُتاحة والقدرة على امتلاك ناصية التوصيل لجمهور التلقي, ومراعاة الواقع الموضوعي والمحيط البيئي والثقافة البصرية وفلسفة الفن والجمال السائدة في المجتمع, ومساحة الخصوصية والتفرد الأسلوبي للفنان في معالجة مُجمل خطوطه ومساحاته وبيانه المعرفي والسردي.‏  

6- التمكن المعرفي, أي السياق النظري لمُجمل نظرات الفنون الجميلة التشكيلية وآليات تذوقها ونقدها من مصادر معرفية متنوعة, والمواكبة العملية, أي الممارسة التطبيقية لآليات صناعة العمل الفني وخطوات هندسة التكوين ومعمار يته في سياق مدرسي أكاديمي, وما يطرأ على مساحة الابتكار الفني التشكيلي في كافة أرجاء المعمورة من متغيرات وتطور رؤى وتجارب تقنية.‏  

7- مزاولة كافة أشكال التحليل المنهجي الأكاديمية والسياقية لمفاتن النصوص البصرية من مقامات سرد عربية وأعجمية وبكل الاتجاهات, منذ الإغريق والرومان والحقبة العربية الإسلامية وفنون عصر النهضة الإيطالية وصولاً للحداثة وما بعدها كنزعات مركزية أوروبية غربية, وإتباع الأساليب الموضوعية في عمليات التلقي ومسارات المعايرة النقدية والرؤى التحليلية للنص البصري الفني التشكيلي.‏

نقد نظرية التلقي على الخشبة(13)

انطلق في الحديث عن الفرجة] ، التسميه - المصطلح ، الأهم من الجمهرة] - المنسوبة إلى جمهور - والتي لا تعني المشاهدة أو التفرج بالضرورة ، والتي قد تعني التجمهر على حدث آني طارئ . ولكونها خطأ شائع فسيكون استخدامها هنا واردا و هو لايعني بالضرورة (التلقي أو المشاهدة ، بل سيعني - الفرجة -) .

الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو مشاهدات شبه قسرية لبعض العروض الاستهلاكية - أو التي تم الاتفاق على تسميتها بالتجارية - 

لكن حديثي هنا سوف لن يقتصر عليها فقط بل سيتعداها إلى الحديث عن نوع المشاهد الذي نبحث عنه ، وهل هو المتلقي السلبي أم هو المسهم الإيجابي أو هو المتفرج الذي يشاهد ثم يترك المسرح من أدنى رأي يذكر ؟ . شاهدت ما يجري على تلك المسارح من تجاوزات خطيرة بعضها يحاسب عليه القانون أن لم أك مغاليا.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار رأيا غاية في الأهمية يقول: أن وظيفة المسرح تحددت ومنذ نشأته على أنها عملية - تعليم و ترفيه - ولكون التعليم هدفا نبيلا سوغ العرب لأنفسهم اهتمامهم بالمسرح فأقتبسوه عن الغرب بمحبة منطلقين من واجب نشر القيم والمبادئ والعادات السليمة ، والذي من ضمن وسائله المسرح . لكني وبعد ان شاهدت في تلك العروض من البذاءة والحوارات الهابطة والإيحاءات التي تخدش الحياء وما يتبعها من رقص خليع لا علاقة له بالدراما وبالتالي هو بعيد كل البعد عن التعليم والترفيه الذي ذهب اليه الرأي الذي اعتمدته في حديثي هذا . إذا ما سلمنا بأن مسرحنا يتوجه إلى جمهور أُغلبهُ من الأميين (*) . لا يحسنون القراءة والكتابة . وهو الأمر الذي دفع ببعض الفرق التي يهمها أيديولوجياً إيصال أفكارها إلى الناس أن تعتمد اللهجة الأكثر إنتشاراً بين الجمهور وهي - اللهجة الدارجة - يرجع ذلك إلى أن تلك الفرق تدرك جيداً ارتفاع نسبة الأمية . ورغم أن اللهجة الدارجة هي الأنسب ألا إن تلك الفرق راعت وجوب أن تكون لهجة المخاطبة هذه بليغة ، نقية ، لقد وصل بأولئك الكتُّاب أن يؤدلجوا هذه اللهجة ، فصاغوا لها ، وألّفوا لها الحوار المفهوم بدقة حّد أنهم كتبوا لمسرح الفقراء هذا لغة جديدة راقية ، وهي احدى من مستلزمات الإرتقاء بهذه الطبقة .

لنا من الأمثلة على ذلك العديد من الفرق (المسرح الحديث ، الشعبي ، اليوم ، ... وغيرها ) وكذلك العديد من العروض المسرحية مثال لها : ( النخلة والجيران ، الخان ، فوانيس ، الخرابة ، بغداد الأزل ، البيك و السايق ، أيام زمان ، القربان ،I.P.C ، البستوكة ، أضواء على حياة يومية ، الينبوع ، ... وغيرها ) . وكانت فرقاً وعروضاً وفنانين ناجحين جداً ، إستقبلوا جماهير كبيرة كانت تهتم بهم وتتابع عروضهم .

وعندما تأكد لهم نجاح هذا التوجه ذهبوا إلى تحويل المسرحيات العالمية إلى اللغة الدارجة ولنا في ذلك مسرحية ( السيد بونتولا - وتابعة ماتي )* لبرتولد بريخت التي قدمها المسرح العراقي باللهجة المحلية ولا أعتقد أن رفيق الصبان قد بالغ حين قال( إنني أعتبر تعريق البيك و السايق أكثر حرارةً من النص الفصيح الذي سبق أن قدمته فرقة لبنانية - في حلب - دون أن تحوز نجاحاً ما ) .

إن فن المخرج يعني فن الفعل ، أي بمعنى أكثر دقة ، هو إيصال المعنى والمسؤولية والموقف الدقيق إلى الصالة . والثقافة والصحافة عبر تجسيد دقيق لهذا النشاط (الفعل) فلا يحضر الفعل على خشبة المسرح إلا من خلال ( النشاط و الحيوية ) التي يتولى مسؤوليتها (الممثل ) المتحرك الفاعل الذي يتولى مباشرة تحريك المستلزمات لكل أجزاء العمل الفني . ولا أُريد هنا أن أُثير تساؤلات سيبرز جوابها ضمنها وهي (ممَ يتكون المخرج ، أو ما هي إمكاناتهِ ، وأي السبل التي يسلك؟ ) وصولاً إلى الحقائق التي يخاطب بها هذا الكم المتناقض ، المتفق ، المختلف ، من الجمهور في القاعة . مما لا جدال فيه ،ان ( فن المتفرج ) ليس فناً بالمعنى الواسع بمقدار ما هو حافز ومنبه للمسرح يوازي ( فن المسرح ) ، وخصوصاً الفن المعاصر ، الذي يعتمد القاعة إعتماداً كبيراً ، فالمعاصرة ليست هي الوعظية المطورة المتطورة لنقل المسرح بل هي النزاع العقلي العاطفي الذي يثير المشكلات ويستثار بها وعليه فمهما إكتمل عمل المخرج في أصولهِ يظل ناقصاً بمعزل عن تفكيرهِ بالقاعة . فالمخرج هو من يضع نصب عينيه كل ( المستلزمات ) التي تحقق الإنجاز الفني الإبداعي (المسرحية) مشروطة بواحدة من أهم تلك المستلزمات (الجمهور) ، فالمخرج هو عين المتفرج طيلة عملهِ على المسرحية ، تلك العين الواسعة المتنوعة التي تمثل كما هائلاً من مختلف الناس بمختلف أهوائهم .

إذن فخلاصة العلاقة لدور المتفرج في المسرح بالمعنى العميق غير المشروط توضح لنا : كيف إذن يجب أن يؤدي هذا المنبه الحافز كما أسلفنا ( أي المتفرج ) دورهُ ليكون أما إيجابياً مبدعاً أ و سلبياً (متلق فقط) ، يعني أن يجيب على الموقع المعني بالسؤال وهو كيف يجب أن تكون التركيبة الكاملة للمسرح المعاصر ، والمسرح في المستقبل ، إذن فالوصول إلى الخلاصة تشترط أن يؤدي المتفرج دورهُ كاملاً في المسرح ، مادام هو أحد شروط التكامل الفني للمسرح التي يجب أن يتم توافرها سليمة في قاعة العرض كما يرى ( تايروف ) في دور المتفرج في المسرح وأن التفاعل الحقيقي مع الأفكار المطروحة على خشبة المسرح هو الذي يقود المتفرج نحو مستقبل كل الأشياء ومنها المسرح .

فمعاصرة الأفكار ومعالجتها يجب أن تتفق مع ما يشغل الواقع الإجتماعي للفنان وعصرهُ . وإذا ما انعكست تلك الصورة ستؤثر سلباً على عمل الفنان وسيهدد أيضاً كامل المعمار المسرحي بكافة مستلزماته . وسيكون المسرح كل شيء الا أن يكون ( مسرحاً ) بالشكل الذي نفهمه.

هذا هو منهجي عند إخراج مسرحية بدءاً من التفكير في إختيار النص . وحتى لحظة انفراج الستارة عن أول يوم للعرض . حيث تبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة إستقبال نتائج سلامة التفكير أو عدمها عندما كنت عيناً في الصالة أيام التمارين ، أذن فالعرض المسرحي الإبداعي هو الذي يحتوي ( المضمون أولاً + الفهم المعاصر للمسرح في أن يكون العرض واضحاً ) ليصل بلا وساطة إلى القاعة من هذا الفهم المتقدم لدور المسرح في المجتمع يصبح أي عرض يقدم . ولا يصل بسهولة إلى (المتفرج ) عرضاً فاقداً للموقف الفني الذي من أجلهِ أصبحنا فنانين. وكما لايمكن أن يكون مسرحا بلا ممثل كذلك يستحيل أن يكون المسرح بلا متفرج , ذلك لان كليهما يحمل ذات الأهمية في عملية الإبداع في المسرح . فهما في حالةمستمره من إحراج أحدهما الآخر بقبول أو رفض الموضوعات والأشكال التي تقدم لهما ومن خلالهما , عبر مجتمع يفرض عليهما بحتميته المتطورة المتصلة العديد من الأفكار . أذن فهذا الموقع المهم لدور المتفرج في المسرح الموازي في الأهمية نسبيا لدور الفنان . لأنه يهدينا عيوبنا ويساعدنا في ازدهار الظاهرة المسرحية ووصولها . ويعني بالضرورة ازدهار المجتمع ، والعكس صحيح أيضا لان المسرح والفنون عموما ترتبط بالجماهير ارتباطا وثيقا .

أن هذه الأهمية تدفع المخرجين لان يخصصوا الجزء الأهم من عملية اختيارهم للموضوعات التي تعتمد الدراسة الدقيقة للمجتمع وميوله ضمن المرحلة - دراسة سايكولوجيه - متعمقة مع طرح مجموعه من التساؤلات أهمها:

ما الذي يهم المشاهد اليوم؟

1. -كيف يمكن إدراك متطلباته المشبعة لرغباته؟  

2. ما هي حاجاته الملحة , وكيف يمكن الوصول إلى خصوصياته؟  

3. ما الذي يجري في حياته العامة , والداخلية في وجه الخصوص؟

... وغير ذلك من الأسئلة المهمة.

وفي ضوء تلك المعرفة تتنوع وتختلف المسرحيات التي يتم اختيارها كما يختلف تقديمها ضمن الزمان والمكان ، وطبيعة المجتمع - أي بمعنى آخر - كيف نستطيع أن نتوصل إلى تنوع عددي مقبول من الجميع عبر ريبورتوار متنوع . وبما أن المخرج هو عين المتفرج في القاعة - وهي قاعدة معروفه - يمكنه أن يختار نوع المعالجة , لان المخرج وفي كثير من الأحيان يتأثر عندما يبدأ عملية التجسيد بأفكار الناس الذين لهم علاقة به ويتفقون مع الهم الذي يشتغل عليه . وفي النهاية تجد ان تلك المعالجة ستشمل إيجابيا مجموعة كبيرة من الناس , أي أنها تشمل جمعا اكبر من هذا القليل الذي يعرفه ويتأثر به من هذا المجتمع الكبير , وهذا لا يخلو من خطورة قد تحجم الفنان مثلما تحجم الجمهور الخاص الذي يعرفه. هذا الفهم المتقدم لدور المتفرج في المسرح يدعونا إلى التفكير بجدية البحث عن السبل الكفيلة بكسبه باستمرار , لان غيابه يؤدي إلى العديد من الأزمات , ابتداء من خلو قاعات العروض المسرحية من حضوره فيها , حيث تنتفي حينها ضرورة البحث عن صالات عرض بمعزل عن المتفرج المتفاعل - المتطور والمطور - للظاهره المسرحية , ومعها سيصبح من غير المجدي وضع البرامج والتخطيط والريبورتوار . يضاف إلى ذلك أن تقويم الأعمال تلك سينتهي من غير المتفرج . فمجمل النجاح الذي حققته أعمال النخبة من الفنانين دلت على استمرار تواصل الفرجه معهم . وهي محاولة جادة لاخراجه من دور التلقي السلبي في العملية الإبداعية . فهم اخذوا بنظر الاعتبار تطوير موقف المتفرج, ومحاولة إخراجه من موقف التلقي السلبي الذي تغذيه المسارح الاستهلاكية التي -متعمدة أو غير متعمدة - تبعده عن إيجابية التلقي التي يسعى لها المسرح الجاد في النهوض بالمسرح كظاهره حضارية وكمؤسسه ثقافية مهمة في دورها الأهم في التغيير والتحريض . من العبث ان نقارن بين حالة الجمهور المستقرة والواضحة الأبعاد في المسارح العريقة وبينه في مسرحنا العربي الذي يراوح إلى الان في إيجاد هويته وخصوصيته , وهي مسؤولية مشتركة يتحملها الاثنان معا المتفرج أولا والفنان . الأمر الذي يصعب معه تقديم دراسة مؤكدة للنهوض بهذا الواقع المشترك , وصولا الى المتغيرات التي يمكن حصولها , ضمن فترة زمنية يمكن أن نحددها مسبقا بفترة زمنية يمكن حصرها بموسم مسرحي محدد أو اكثر زائدا نوع وكم الجمهور لهذا الموسم والموسم الذي سبقه والموسم الذي سيليه . مع دراسة أسباب التطور في العدد والنوع . هذا الطموح يكاد يكون من المستحيل استنتاجه أو حصره لاسباب عديدة اهمها :

المزاجية التي يتميز بها هذا النوع من الجمهور , مثقفون , نقاد مسرح , عاملون في الصحافة , وحتى فنانون .. في ادعاء قبول هذا العرض من عدم قبوله , أو في ادعائهم القبول والانسجام معه , لاسباب كثيره منها ما هو موضوعي واكثرها يدخل في المزاجية والقرارات الانطباعية الانيه التي لا يعول عليها علميا . والتي تدعوهم لرفض أعمال غاية في الأهمية وقبولهم عروضا أقل أهمية منها . ورغم عدم أهمية تلك الآراء أو أهميتها في أحيان نادرة جداً تحرض قسماً آخر من الحضور الذي يظل أياماً من غير رأي حتى يستأنس بتلك الآراء الانطباعية .

هذا النوع من تقويم الجهود المسرحية - وهو لا يخدم الظاهرة المسرحية ولا يطورها - يؤثر سلباً في تقويم المتفرج الذي نسعى للنهوض بهِ لأنه سيفقد الثقة برأيهِ وبالمسرح . والأنكى من ذلك فإن فشل عرض مسرحي لفرقة أو لمخرج يعني فشل موسمهِ الذي لا يتسع لأكثر من عرض نتيجة للظروف الذاتية والموضعية والصعوبات التي تعترض تقديم ذلك العرض .

هي وقفة إذن .. كم تؤثر تلك الآراء المتسرعة في إستمرارية وتطور المسرح عربياً لأن وجود أية أزمة بين المسرح والجمهور سيجعل من المسرح تابعاً ذليلاً لاهثاً وراء ذلك الجمهور من أجل إرضائهِ وتطمين رغباتهِ . وسيكون المسرح في عزلة عن الجمهور وسينغلق على نفسهِ ولن يحقق الصدمة المطلوبة الساعية الى تمتين أواصر العلاقة بين المسرح والمتفرج سعياً في كسر مألوف والابتعاد عن التكرار في الشكل والمضمون النابعة من الصدق في التعامل ودقة الإختيار بالموضوعات ذات الصلة به المجيبة عن تساؤلاته والباحثة عن ما يخلصه من مخاوفه ومراعاة أسس توافق النفسي بينه وبين المعاصر من المفاهيم في الحياة والعمل والتساؤلات الأزلية في الوجود والعدم والسعي إلى الحرية المفقودة في أكثر الأحيان.

صورة نظرية التلقي في النقد العربي القديم(14)

غالبا ماتصر نظرية ما على امتلاك الفهم الصحيح للنص، فتهيء له من الأسباب ما يرسخ في الأذهان هذه الأحقية، وتتوسل بما يضمن القبول لدى الجمهور. غير أن هذا الإصرار كثيرا ما يتلاشى أو يفتر بظهور الاختلالات في القراءة. ومرد ذلك الى أن الظاهرة الأدبية في جوهرها لاتسيج بنظرية، ولا تقنن بمفهوم محدد يقطع الطريق على غيره، فادعاء فهم دقيق للنصوص بتوسل نظرية مالا يجز دابر الاختلاف بين الدارسين حول هذه النصوص، فهذه لها سحر خاص قد لايدرك بملكات واعية، بل بلحظة انجذاب قد لايصل النقاد الى تفسيرها كالمبدع تماما (1)

1 ـ تأطير:

ارتبطت نظرية التلقي ارتباطا آليا بالمدرسة الألمانية في الستينيات برافديها الأساسين: جماعة برلين التي كانت تنظر الى التلقي باعتباره عملية فنية واجتماعية. (2) محكومة بقاعدة فلسفية مستمدة من النظرية الماركسية، وجماعة كونستانس التي تعد المرجع الأساسي في جمالية التلقي والتي ستعيد للقارئ اعتباره من خلال روادها الكبار: »ياوس وايزر« إذ لايمكن، والمرء يتحدث عن التلقي، إلا أن يوميء إليها بطرف، بل إنه يجد نفسه مضطرا للانطلاق من صميم أفكارها باعتبارها مركز إشعاع يضيء مسالك الخوض في قضايا التلقي.

والحق أن ارتباط نظرية التلقي بهذه المدرسة ارتباط مشروع، ما لم يُلغم التصاق فعل التلقي بالعمل الإبداعي نفسه في كل العصور (3) فليس من الصواب أن تحتفظ مدرسة بعينها بحق امتلاك الرؤية الواحدة والتنظير لما هو كوني، فالأسلم أن تتم مطارحة القضايا في إطار أوسع من التضييق الذي تنزع اليه النظريات.

إن الوجود التاريخي لنظرية التلقي في شخص المدارس الألمانية يشكل حافزا إضافيا للبحث في ماهية التلقي، والعودة ببعض مفاهيم هذه النظرية الى الوراء خاصة الى النقد العربي القديم.

ومع أن الفاصل الزمني الكبير جدا يكاد يلغي مشروعية هذا البحث، فان طبيعة الأدب وانفتاح النصوص وقابليتها لقراءات متعددة وتعاليها على البعد الزمني، مسوغات أساسية للبحث عن صورة لهذه النظرية في النقد العربي القديم دون أن نتجاهل خصوصية كليهما، ودون أن نغفل الظروف المحيطة بكل منهما. 

يقول محمود عباس عبد الواحد: »يبدو من محتوى النظرية، ومن الأجواء العقلية والسياسية التي صاحبت ظهورها في الأدب الألماني أن أساس المشكلة بين المتناظرين ليس فقط في فقدان التأثير المتبادل، بل مصدرها الخلافات المذهبية الحادة بين أطراف الحوار من رواد الرمزية والبنيوية، والجمالية الماركسية، والشكلية الروسية، فالنظرية ـ كما عرفنا ـ كانت تمردا على تلك المذاهب المنتشرة في ألمانيا آنذاك، ولعل اختيار مصطلح »الاستقبال« بالذات كان يمثل لدى أصحابه معنى من معاني التمرد على النقد الماركسي بشكل خاص. »(4). وهو مايجعلنا ندرك أن ما يميز نظرية التلقي الألمانية »هو أنها تطورت في إطار استراتيجي جماعي، بحيث كانت هناك قاعدة موحدة تجمع الباحثين الذين يشتغلون في دائرتها، وعلى رأسهم هانس روبرت ياوس، hans Robert yauss، وفولفجانج ايزر Wolfgang iser »(5)

إن أبرز فكرة جاءت من أجلها نظرية التلقي هي إعطاء القارئ مكانة متميزة ضمن العملية الابداعية. فالنص ليس ذا قيمة ما لم يُقرأ ومالم يكن قابلا لقراءات متعددة، مستعصيا على أن يستهلك من قراءة واحدة، وهذا بالذات هو ما حاولت الاتجاهات السابقة على نظرية التلقي تزكيته، إذ كان جهدها ينسحب الى إبراز القيمة الفنية للنصوص في ذاتها وما تختزله من جمالية دون الالتفات الى جهد القارئ. فالنص في نظر هؤلاء قائم بذاته مكتمل بما يختزله من مكونات، غير منقوص بقراءة أو مبتور بفهم، وما القارئ إلا مستهلك باحث عما يريد في هذا النص الذي يكفيه حاجته. غير أن نظرية التلقي ستنحو منحى مخالفا لهذا الإيمان »بعبقرية النص«، ولذلك »بدا من الصعب أن يخطر ببال النقد أن النص ليس في وسعه أن يمتلك المعنى إلا عندما يكون قد قُرِئ »6«.

إن التلقي، بغض النظر عن ميزة النص وملكة القارئ، فعل إنساني خالص متعال عن الزمان والمكان، قبل ان يحاصر بتصورات تحاول وضعه في إطار خاص وفق توجهات محددة (7) ونحن بهذا لانريد خلخلة ماترسخ في أذهان المهتمين بالنظريات، ولانريد أن نحجب بهذا التعميم البعد المنهجي في تصورات المدارس. وإنما نهدف فقط توسيع المفهوم وألا يختزل في مدرسة بعينها، وإن كنا سنركز في كثير من الأحيان على ماجاء في مدرسة كونستانس محاولين إيجاد صورة لأطروحاتها في النقد العربي القديم.

1 ـ التلقي في النقد القديم 

2 ـ 1 البعد التاريخي للتلقي. 

قلنا إن التلقي فعل حر قديم قدم الإبداع، ومطلق غير خاضع لفترة زمنية محددة. ودون أن نفيض في التدليل على ذلك سنحاول وضع مصطلح التلقي في إطاره التاريخي في الثقافة العربية لتبيين دلالاته. فقد وردت كلمة »التلقي« في القرآن الكريم غير ما مرة. يقول سبحانه في الآية 37 من سورة البقرة: ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)، ويقول عز وجل في الآية 6 من سورة النمل: (وإنك لتلقَّى القرآن من لدن حكيم عليم).

إن مايهمنا هنا، إضافة الى قدم المفردة، هو التركيز على الجانب التواصلي »والتفاعل النفسي والذهني مع النص، حيث ترد لفظة التلقي مرادفة أحيانا لمعنى الفهم والفطنة وهي مسألة لم تغب عن بعض المفسرين في الإلماح إليها، ولم تغب كذلك عن أدبائنا ورواد التراث النقدي« (8).

وحين نعود الى نظرية التلقي الألمانية ونستقرئ الكثير من مفاهيمها، خاصة مفهوم »أفق الانتظار« الذي تقوم عليه نظرية ياوس ٠9) ونربطها بتاريخ الأدب والنقد القديم، نتبين أنها مفاهيم ممارسة ومستهلكة منذ أرسطو الذي أولى اهتماما خاصا للمتلقي الجمهور، ومشهور حديثه عن التأثير الذي تخلفه الأشعار خاصة التراجيديا في المتلقي حتى أن »رواد الفكر والأدب الغربي حتى يومنا ينزعون الى أحكامه وآرائه في مذاهبهم ونظرياتهم الأدبية الجديدة« (10).

وهو ما يجعل بعض الدارسين يظنون أن »فكرة أرسطو حول الأثر الناتج عن عملية التلقي للنص المسرحي كانت من الأسس التي عول عليها رواد نظرية الاستقبال في حديثهم عن مهمة القارئ ومشاركته في صنع المعنى، وفي رؤيتهم لمعنى التفاعل بين النص وجمهوره (11) وهذه حقيقة لم يلغها رواد نظرية التلقي الألمانية، خاصة ياوس الذي ركز على المعطى التاريخي في نظريته، إذ لم يسقط البعد التاريخي، ولم يقطع أواصر العلاقة بين الحاضر والماضي، وهو ما عبر عنه جان ستاروبانسكي بوضوح قائلا: »إن اهتمام ياوس، على هذا الوجه، بالمتلقي الذي يستجيب للمؤلف و »يحينه« يربط فكر ياوس بأفكار سابقة أرسطية وكانطية. وذلك أن أرسطو وكانط كانا الوحيدين تقريبا اللذين استطاعا في الماضي إقامة جمالية (خاصة بكل منهما) تأخذ أثر الفن في المتلقي بعين الاعتبار بصورة منهجية (12).

2 ـ 2 مفهوم أفق الانتظار والنقد العربي القديم.

لا شك أن التراث النقدي العربي يضمر كثيرا من الصور النضيرة للعديد من الممارسات النقدية الحديثة، وبتعميق البحث في هذا التراث ندرك أن مفهوم التلقي ممارس بوضوح في النقد العربي القديم بمفاهيمه الحديثة التي أفرزتها نظرية التلقي الألمانية، والأكثر من ذلك أن هذه الممارسة ظلت حرة في غالب الأحيان، بعيدة عن الإكراهات التي جاء الألمان لتجاوزها بنظريتهم (13). 

ولنكون منسجمين مع أنفسنا من الناحية التاريخية نبدأ الحديث، في هذا المحور، بالنقد في العصر الجاهلي الذي اعتبر بسيطا في جوهره لايتجاوز نقدات وتقلقلات تصدر عن تأثر وانطباع غير محكومين برؤية منهجية واضحة، إلا أن الكثير من نماذجه التطبيقية ذات دلالة عميقة في تفاعل الناقد والشاعر والجمهور والرواة.. مع النص دون الالتفات الى صاحبه. وحسبنا أن نورد بعض النماذج التطبيقية كتلك التي أرخت لتنازع امرئ القيس وعلقمة الفحل واحتكامهما لأم جندب زوج امرئ القيس. عرض عليها علقمة الفحل قوله:

فادركهن ثانيا من عنانه * * يمر كمر الرائح المتحلب. 

وقال امرؤ القيس:

فللسوط ألهوب وللساق درة ** وللزجر منه وقع أخرج منعب.

إن ما يهمنا ليس هو تكرار الواقعة المشهورة بين كل الدارسين، ولكن الذي نأخذ به هو النتيجة، فأمُّ جندب حكمت لصالح علقمة دون أن تلتفت الى علاقتها بزوجها أو ظروف كتابة القصيدتين اللتين تحويان أبيات التنازع، فكان ان علقت على هذا التفضيل بتعليل مستمد من داخل النص، اي من خلال ما جاء في البيتين، وكأنها بذلك تحقق فكرة موت المؤلف التي نادت بها البنيوية وعضد بها رواد نظرية التلقي دور المتلقي وإعطاءه المكانة المتميزة. ففي هذه الواقعة نلمح بوضوح امرين اساسيين: أما الأول، فالتصاق أم جندب بالأبيات مباشرة دون ان تلتفت الى تلك العلاقة التي تجمعها بزوجها وهو طرف في هذا التنازع. اما الأمر الثاني، فيتمثل في ذلك النضج الذي أصبح يتميز به المتلقي، اذ اصبح من كثرة استئناسه بالنصوص واحتكاكه بها يتوقع ما يجب ان يقع، وأضحت حاسة النقد لديه متدربة، ومقاييس الحكم المبرر مسندة بمعرفة ودراية. وذلك ما يسمى في نظرية التلقي ب »أفق الانتظار« فالقارئ كما يقول ستاروبانسكي هو »ذلك الذي يقوم بدور المتلقي والمميز (أي بالوظيفة النقدية الأساسية المتمثلة في القبول او الرفض) (14)

ولعل تعليق طرفة بن العبد على بيت خاله المتلمس:

وقد أتناسى الهم عند احتضاره ** بناج عليه الصيعرية مكدم.

بقوله: اسْتَنْوَقَ الجمل. لدليل على رفض طرفة للخلط الذي وقع فيه المتلمس بإسناد صفة النوق الى الأباعر، إذ الصيعرية تكون في عنق الناقة لا في عنق البعير.

وحين يعرض المرء الى الانتقاد اللاذع الذي وجهه النابغة والخنساء الى بيت حسان ابن ثابت:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما 

يتأكد أن النابغة والخنساء كانا يتوقعان أن يحقق حسان معنى أقوى للبيت من هذا الذي صنعته له كلمات: »الجفان«، »يلمعن«، »الضحى«، يقطرن...، فاقترحا مفردات أخرى تحقق للبيت هذه القوة والمناعة. وهذه إنما هي فطنة من المتلقي وتحسس منه لما ينبغي أن يصدر عن الشاعر، والتصاق مباشر بالنص.

ومع تعاقب الحقب سيتبلور هذا الإحساس بالنص متجردا، وستظهر صور التلقي بالمفهوم الألماني واضحة مع الجاحظ: يقول: »فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتَنْسب الى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة أو ألفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك الى أن تنتحله وتدعيه. ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له والعيون تحدق إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله (...) فإذا عاودت أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زهدهم فيه« (15).

الواضح والأساسي في قول الجاحظ هو تركيزه على العلاقة بين الإنتاج والجمهور، فالمعول عليه هو القارئ واستحسانه أو نفوره من هذا الإنتاج، فالنظر هنا ينسحب الى المتلقي لا الى النص نفسه.

2-3 - التلقي الخالص:

تعددت النظريات الأدبية بتعدد أطراف العملية الإبداعية فأخذت بعض هذه النظريات تتجه نحو طرف دون آخر، مركزة كل مجهودها على الاهتمام بجانب من جوانب الظاهرة الأدبية. ونتيجة لذلك ظهرت النظريات النصية التي تنزع النص من واقعه انتزاعا وتحاول مقاربته بناءا على ما يختزله من مكونات تتصل باللغة والأسلوب، وفي مقابلها كانت نظريات أخرى تسعى الى وضع النص في علاقة حميمة مع السياق التاريخي والاجتماعي والنظر اليه في ظل مناخ فكري معين. وفي كلتا الحالتين كان التفات هذه النظريات الى المتلقي نادرا إذا لم يكن منعدما. غير أن نظرية التلقي جاءت لتعيد للقارئ اعتباره مركزة اهتمامها على دوره في العملية الإبداعية خاصة في علاقته بالنص، وكأنها بذلك تتجاوز نواقص النظريات السابقة. يقول محمود عباس عبد الواحد: »ومعنى هذا أن النظرية الجديدة حركة تصحيح لزوايا انحراف الفكر النقدي لتعود به الى قيمة النص، وأهمية القارئ، بعد أن تهدمت الجسور الممتدة بينهما بفعل الرمزية والماركسية. ومن تم كان التركيز في مفهوم الاستقبال لدى أصحاب هذه النظرية على محورين فقط، هما على الترتيب: القارئ والنص. فالقارئ عندهم هو المحور الأهم، والمقدم في عملية التلقي، وعلاقته بالنص ليست علاقة جبرية موظفة لخدمة نظام أو طبقة كما في الماركسية، وليست علاقة سلبية كما هي في المذهب الرمزي. وإنما هي علاقة حرة غير مقيدة« (16).

والأكثر من هذا أن الاتجاه الى الكاتب ومحاولة إبراز أحواله النفسية ومعالجة الظروف التاريخية والاجتماعية التي يصدر عنها، لم يكن من شواغل هذه النظرية. وهو أمر محسوب كذلك لنقادنا القدماء ولأرسطو أيضا، بمعنى ان »الاهتمام بعوامل التأثير التي تصاحب الأديب ساعة ميلاد النص قد ارتبطت بحركة النقد بعد ظهور الدراسات النفسية في العصر الحديث، فلم يكن من شواغل أرسطو ولانقادنا إلا في حالات نظرية قليلة (17).

فإذا كانت الفكرة المحورية في نظرية التلقي هي الارتقاء بدور القارئ وتثبيته قطبا فاعلا في أطراف العملية الابداعية، فان النقد العربي القديم أفرز لنا قراء فاعلين ومنتجين من خلال قراءتهم للشعر العربي، ويظهر ذلك من خلال التصورات المختلفة التي صاحبت انتاج الشعر والمقاييس التي وضعها هؤلاء لشعر جيد، وشاعر فحل مفلق. وكذا استخلاص ابن قتيبة لبناء القصيدة العربية، والذي صاغه بوضوح في قصيدة المديح. وهو نموذج أفرزته قراءة واعية ومستوعبة، ونتيجة لتحرر من كل مامن شأنه أن يشوش على هذه العلاقة الصافية بين النصوص ومتلقيها.

وإذا تقدمنا قليلا، سنجد هذا الوعي قد وصل الى نضجه التام في تاريخ النقد العربي خاصة بظهور المختارات الشعرية (المفضليات، الاصمعيات، وحماستي أبي تمام والبحتري).

فهذه انما هي رؤية نقدية نابعة من علاقة ادبية صرف من الموروث الشعري العربي، مستمدة من مقاييس صنعتها التجربة الادبية لهؤلاء بغض النظر عن بواعث ومنطلقات الاختيار لدى أصحاب المختارات. فما هو مشترك بين هذه المختارات هو الابعاد الانسانية والقيم الاخلاقية والفكرية والثوابت الفنية المتعارف عليها آنذاك. ويبقى إثبات كثير من القصائد والمقطوعات دون الاشارة الى أصحابها دليلاً على انتصار القيم الفنية ودليلاً على درجة وعي المتلقى العربي بروعة هذا الابداع.

ان الاختيار، إذن تلق وتفاعل كامل مع النصوص. وتمحيص لطبيعة هذه العلاقة بين النتاج الأدبي وذوق صاحب الاختيار، فلا دخل هنا لنزاعات مذهبية (18)

ومن ثمرات هذا التلقي الخالص، استنباط عمود الشعر من قبل المرزوقي بعد ان كان القاضي الجرجاني قد وضع عمود شعر سابق يختلف في كثير من جوانبه عن عمود الشعر عند المرزوقي المستنبط من حماسة ابي تمام بصورة خاصة.

فقد احتك المرزوقي بهذه الحماسة، ومن خلال الاحتكاك بمتنها« من الاختيارات النقدية و»الروائية« السائرة في طريق الحماسة والمخالفة لها. اكتشف المرزوقي استراتيجية اختيار أبي تمام ووعاها وعبر عن وعيه في أسئلة صريحة حول شرائط الاختيار وعمود الشعر حتى وان بقيت الاجوبة غامضة وملتبسة أحيانا (19) وهذه الاسئلة الجوهرية« هي نفسها التي تطرح في كل عصر: ما الخصوصية الادبية؟ ما الذي يميز الشعر عن غيره؟ لماذا يختلف الناس في تلقيهم للأدب؟ إنها أسئلة صريحة بما فيها من صراحة وعمق (20).

وستجد هذه الاسئلة صداها الكبير عند الكثير من النقاد العرب القدامى بدءاً بعبد القاهر الجرجاني في كتابيه الدلائل والاسرار وانتهاء بمن جاء بعده.

3 خلاصة:

إن محاولة البحث عن صور لظواهر نقدية مستجدة في النقد العربي القديم قد يدفع الى الاعتقاد بأن عملا كهذا هو إجحاف في حق إجتهاد النقاد المحدثين، لكن الامر عكس ذلك، فما نبتغيه من هذه المحاولة هو ربط الحاضر بالماضي. والنظر الى هذا الماضي الذي هو جزء من التراث بمفاهيم مستحدثة على اعتبار أن التراث يمثل ألبوما حافظا لصور كل المراحل (21) والعودة اليه انما هي قراءة ثانية لا تلغي مجده ولاتبخس حق الحديث في الاجتهاد.

ـــــــــــــ

1 ـ أنظر مقدمة »سحر الموضوع« لحميد الحميداني. 

2 ـ أحمد أبو حسن ـ ضمن ندوة نظرية التلقي: إشكالات وتطبيقات 26-25. 

3 ـ أكد ذ.محمد الولي في ندوة تكريم ذكرى أمجد الطرابلسي بكلية الآداب المحمدية أن نظرية التلقي التي تنسب إلى الألمان هي صنيع الشكلانيين الروس. والواضح من هذا القول وغيره أن كل المدارس تُسهم بنصيب ما في فهمها للنصوص وتلقيها لها دون أن تصدر عن مرجعية محددة، فيجوز القول بأن لها السبق في وضع أسس لتلقٍّ معين. 

4 ـ قراءة النص وجماليات التلقي. 15.

 5 ـ أحمد بوحسن. 20 

6 ـ ايزر ـ فعل القراءة. 11 

7 ـ لابد من التمييز بين النظرية التي هي بناء متماسك لتصور محدد بجهاز مفاهيمي خاص، محكومة بظروف تاريخية واجتماعية محددة، وبين فعل القراءة باعتباره عملا حرا ناتجاً عن تفاعل القارئ مع النص. 8 ـ قراءة النص وجماليات التلقي. 14 

9 ـ من المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها نظرية التلقي عند ياوس مفهوم »أفق الانتظار« وما يتفرع عنه من مفاهيم أخرى كمفهوم »تغيير الأفق« ومفهوم »اندماج الأفق« ومفهوم »المنعطف التاريخي«. وهذه المفاهيم وغيرها أفاض أحمد بوحسن في شرحها وتفصيلها ضمن ندوة: نظرية التلقي: إشكالات وتطبيقات. 27 وما بعدها. 

10 ـ قراءة النص وجماليات التلقي. 47. 

11 ـ نفسه. 46. 

12 ـ نظرية الأدب في القرن العشرين، ترجمة محمد العمري. 148 

13 ـ ارتبطت كل المراحل الأدبية في أوربا بالمذهب والتيارات الفلسفية كالماركسية والوجودية والرمزية وغيرها كثير. وهذا الارتباط يفرض توجهات خاصة لاتترك لفعل القراءة هامشا من الحرية، وإنما تنصرف بها الى خدمة مصالح محددة، ونظرية التلقي جاءت لترد الاعتبار الى النص في علاقته الصريحة مع المتلقي الحر والمتحلل من هواجس الانتماء الأيديولوجي. 

14 ـ نظرية الأدب في القرن العشرين... 148 

15 - البيان والتبيين 1203 

16 - قراءة النص وجماليات التلقي. 17-18. 

17 ـ قراءة النص وجماليات التلقي. 19. 

18 ـ لانعدم وجود صراع مذهبي في تاريخ الأدب العربي، لكنه ـ في اعتقادنا ـ لا يرقى إلى مستوى ما عليه الأدب الغربي، بل ظل هذا الصراع في حدود معلومة ومحفوظة. 

19 ـ محمد العمري. البلاغة العربية أصولها وامتداداتها. 82. 

20 ـ نفسه 84. 

21 ـ شبه الأستاذ سعيد يقطين في كتابه الكلام والخبر »التراث« بألبوم الصور الذي يعود إليه كل أفراد الأسرة في أوقات مختلفة فينظر إليه كلٌّ بحسب رؤيته وحاجته.

................................................................................

المصادر والمراجع: 

1- البلاغة العربية أصولها وامتداداتها. محمد العمري. افريقيا الشرق 99/

2ـ البيان والتبيين. الجاحظ ج1 تحقيق عبد السلام هارون

3ـ فعل القراءة (نظرية جمالية التجاوب في الادب) فولفغانغ ايزر ترجمة حميد لحميداني والجيلالي الكدية منشورات مكتبة المناهل 95/

4 ـ قراءة النص وجماليات التلقي محمود عباس عبد الواحد. دار الفكر العربي. القاهرة 96/

5 ـ سحر الموضوع ـ حميد لحميداني.. منشورات دراسات سال 90/

6ـ ندوة نظرية التلقي: إشكالات وتطبيقات منشورات كلية الآداب ـ الرباط ـ مطبعة النجاح الجديدة. البيضاء 93/.

7 ـ نظرية الادب في القرن العشرين. ترجمة محمد العمري. افريقيا الشرق 96/

 8- د. جميل حمداوي/ مجلة أفق

9-   موقع صخر

10- فخري صالح / مجلة نزوى

11- محمد الداهي/ مجلة ثقافات

12- الطيب بوعزة/ منتديات اتحاد كتاب الانترنت العرب

13- منتديات اتحاد كتاب الانترنت العرب

14- د.إسماعيل نوري الربيعي/ جريدة (الزمان) العدد 1251 التاريخ 2002 - 7 – 4

 15- الدكتور محمد بنلحسن /  منتدى التراث المغربي والأندلسي

 16- عبد الله ابراهيم/  مفكرة عبد الله إبراهيم  

 17- كرم نعمة /  مفكرة عبد الله إبراهيم  

 18- عبد القادر عبو / جريدة الاسبوع الادبي العدد 981 تاريخ 12/11/2005

 19- عبد الله أبو راشد/  جريدة  الثورة السورية

 20- فاضل خليل /  مسرح الطائف

 21- محمد عدناني / جريدة  العلم المغربية

شبكة النبأ المعلوماتية- الاحد 12 آب/2007 -28/رجب/1428