النجاح ليس في قائمة المقهى

محمود الموسوي

 كيف يمكننا أن ننجح في الحياة ونقوم بالإنجازات المختلفة في مجال تعليمنا وأعمالنا وتفكيرنا؟؟

أسئلة حائرة تؤرّق الواقع الشبابي و تدور في خلده بشكل مستمر، ونحن في هذا المقال لن يكون دورنا بأن نقدّم إجابة لهذه التساؤولات، لأن الإجابة عليها يحتاج إلى مزيد من المساحة، ولكننا سنتحدث عن السبيل للوصول للنجاح بشكل عام بما يتناسب وهذا المختصر، أي كيف ندخل ونفكر في مسيرة النجاح وإلإنجاز؟، لكي يكون مدخلنا صحيحاً وسليماً.

ولعل أهمية طرح هذا الموضوع يكمن في الظاهرة المتنامية للدورات التي تبشر بتنمية بشرية وإعطاء كفاءة جددة للأفراد، و وعود بالنجاح والإنجاز، في مجتمعنا، وتزايد إقبال الناس عليها، ولا شك أن هذه الرؤى ليست تنفيراً، ولا هي حالة دعائية لتلك المراكز والدورات، بل لكي ندخل أي مضمار من مضامير هذه الدورات بصورة متوازنة، لكي تؤثر أثراً إيجابياً لا سلبياً..

النجاح لا يقدّم على طبق من ذهب

هنالك فرق بين النجاح الحقيقي وبين الشعور بالنجاح، فيمكن لأي إنسان أن يشتري شعوراً بالنجاح في أي قائمة هنا أو هناك، و لعل البعض يعتقد أنه يحصل عليه في قائمة المقهى أو مطاعم الوجبات السريعة، إلا أن النجاح الحقيقي شيء آخر، فهو يحتاج إلى بذل جهد وتراكم في العمل والخبرة و المعرفة.

إن النجاح متاح لكافة الناس ولا شك أن أي واحد منّا يمكنه أن ينجح ويقدّم إنجازات عظيمة، إلا أن النجاح لا يقدّم إلى أحد على طبق من ذهب، وإن حصل أحد منّا على نجاح ما في مكان ما بسهولة، فهو هبة وعطية، وليس نجاحاً وانجازاً يحسب لشخصيته، هذه حقيقة مهمة ينبغي أن نتعرّف عليها، لكي نكون على استعداد لبدء طريق النجاح الحقيقي.

لا تنس مصدر النجاح

معرفة مصدر النجاح الحقيقي يجعل الإنسان متصلاً بذلك المصدر ليستمد منه القوّة ويستعين به في مسيرة النجاح، فأنت من يقوم بالتغيير وأنت من يحقق الإنجاز،كل هذا صحيح، إلا أنك لست مصدر ذلك النجاح والإنجاز، و واهم من يقول عكس ذلك، فإن النجاح من الله تعالى، فهو الذي يغيّر واقع الإنسان وبفضله تهطل البركات، وما نقوم به نحن إنما هو تهيئة القابلية والعمل بالأسباب لكي نستوعب تلك القوّة الربانية عبر التوفيق في أعمالنا، كما يقول الإمام الجواد (ع): (المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، و واعظ من نفسه، وقبولٍ ممن ينصحه).

أهمية معرفة هذه الحقيقة هي لكي لا ننس فضل الله علينا ولكي نتصل به بالدعاء والتوكل والإستعانة بشكل دائم، ولكي لا نضخّم ذواتنا إلى حد العبادة، فبعض الفرق والمناهج بالغت في الأنا حتى أصبحت تؤلّه الذات، حتى يشعر الإنسان كأنه هو المتصرّف الأول وألأخير في نفسه وفي الكون من حوله، ليأخذ شعوراً وهمياً بالإنجاز وما هو بإنجاز، وما هذا إلا انحراف عن النهج القويم.

يقول الإمام زين العابدين(ع) في دعائه: (ومن توجّه بحاجته إلى أحدٍ من خلقِك أو جعله سببَ نُجحِها دونَك، فقد تعرّض للحرمان واستحق من عندِك فوتَ الإحسان).

التفت إلى مصنع المفاهيم

مسيرة النجاح بطبيعتها تحتاج إلى الإيمان بمجموعة من القواعد ومن ثم إنزالها إلى الواقع التطبيقي والإستمرار عليها، وكل طالب للنجاح أو لإنجاز تغيير ما في واقع ما، يحتاج إلى تلك القواعد التي تشكل مفاهيمه، وهذه الخطوة الهامة تحتاج إلى معرفة وإطلاع على المفاهيم الدينية التي نؤمن بها، لكي لا تدخل بعض المفاهيم المغايرة والمناقضة لمقاصد الدين في المكون العقلي للإنسان فتصبغ تفكيره وتوجه مساره، كما هو الحاصل في كثير من المناهج والدورات المهتمة بشأن النجاح وصياغة الإنسان وما شابه ذلك، فقد يعتقد الإنسان بمفهوم مخالف للحق، بينما الحق هو الميزان وليس الواقع، فقد يكون الواقع سقيم حتى لو كان له تأثيراً على مستوى من المستويات، وهذا قد يجعل الإنسان ينحرف في تفكيره وفي فهمه للنصوص الدينية، بحيث يفهمها من خلال تلك القاعدة وذلك المفهوم الذي تعلّمه، وهذا من مصاديق التفسير بالرأي والتأويل الخاطئ.

 سئل الإمام الصادق (ع) عن قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)، فقال: (علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه).

الأثر يدل على الوجود لا على الصحة

لعل البعض ينبهر كثيراً بما يراه من أثر لبعض التقنيات، إلا أن هذا الأثر ليس بالضرورة يكون معبّراً عن صحة العمل، فإن الأثر الخارجي يدل على وجود الشيء فقط، ولا يدل على صحته، فالصحة لها مقايسها المختلفة، وهي المطابقة مع القيم أو عدم التناقض معها، فلو أخذنا السحر مثالاً، فإننا قد نجد له أثراً خرجياً، سواء يراه الإنسان بعينه أو يلمسه بأي حاسة أخرى، ولكن ذلك لا يبرر لنا الإقبال عليه، لأن الشريعة المقدّسة حرمته ودعت الإنسان للإبتعاد عنه.

يسألونك عن النجاح

هل أن كل ما يحقّقه الانسان يمكننا أن نسميه نجاحاً؟، بالطبع ليس الناجح هو كل من ينجز شيئاً بغض النظر عن ماهية ذلك الشيء، وإلا كان السارق المحترف ناجحاً، فالبعض ينبهر بما ينجز أو بالأشخاص ذوي الشهرة الإجتماعية أو السياسية أو العلمية، ويقيس بعد ذلك أعمال كل الناس من خلال منجزاتهم، بينما ينبغي أن نحقق في مفهوم النجاح الحقيقي و المطلوب، كأن ينجح الإنسان في الخير وأن ينجز شيئاً بالوسائل السليمة ومن دون التخلّي عن القيم الربانية التي يؤمن بها، فلذلك أنت عندما تحاول أن تنجز ويكون العائق لبلوغك لذلك الإنجاز هو عدم تخليك عن القيم، فأنت هنا قد حققت نجاحاً، حتى لو لم يعتبره الناس كذلك، لأنك حافظت على قيمك، وهذا يكفي في زمن يراد لك أن تسلب كل قيمة إلهية.

النجاح الأكبر

قد تؤسس شركة ضخمة أو تمتلك عشر شهادات عليا، إلا أنك لم تربِ نفسك تربية صحيحة، فأنت سيد الفاشلين، لأن الإنسان وتربيته هو المحور وهو الأساس فما الذي ستربحه إذا خسرت نفسك، فالنجاح لا يقاس بالمقاييس المادية وحسب، وإنما النجاح الأكبر أن يصيغ الإنسان شخصيته ويربي نفسه ويكون إشعاعاً للخير والفضيلة، ولن يكون ذلك إلا من خلال مصدر الفضيلة ومصدر الخير وهو الله تعالى من خلال بصائر القرآن الكريم، وهدي الرسول (ص) وأهل بيته الطاهرين(ع).

بعد معرفة هذه الأساسيات المهمة يمكنك أن تنطلق في مشروعك وتشق طريق النجاح.

www.mosawy.org

شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 17 تموز/2007 -2/رجب/1428