|
الإسلام والسياسة: Islam and
Politics
شبكة النبأ: الإسلام متنوّع، في
المكان وفي الزمان، لذلك ليس من المنطقي تحديد بنية سياسية متجانسة
خاصة بهذا الدين القديم والذي يعتنقه نحو مليار شخص. لكن ضمن وجهة نظر
مقارنة شاملة، يمكن تبيان صفات تميز مجتمعات العالم الإسلامي عن
المجتمعات المحكومة بثقافات أخرى، وتعيق عمليات عولمة القيم أو
المتخيلات. هناك أولاً الصفة التوحيدية للشرعية الإسلامية: وهذه تكمن
عند الله وحده والذي لم يعطِ البشر (وبالتالي الأمراء أو رجل القانون)
أهلية نشر العدل. أي أن هذا العدل لا يمكن أن ينبثق عن العمل التشريعي
البشري: إذاً كي يصبح الأمير شرعياً عليه أن يبذل جهداً ليلتزم
بالشريعة (القانون الإلهي) الذي يجده في كتاب القرآن، وفي السنة
(أحاديث الرسول وأعماله)، وحتى في الاجتهاد (مسعى التأويل وفقاً
للقانون الإلهي)، أو الإجماع (توافق مجتمع المؤمنين، أو على الأقل
العلماء). ضمن التوجه ذاته، على الأمير أو الخليفة أن يحمي مجتمع
المؤمنين (الأمّة) ويدافع عن الإيمان. يضاف إلى هذا المفهوم عن الشرعية
أساس آخر يضمن سلطة الأمير: المواطنية، وقبل أن تكون عادلة، هي ضرورية
للحماية من الفوضى والفتنة. هذه الناحية من الخطاب السياسي في الإسلام
قد تبدو مصدر استبدادية وعشوائية؛ لكن الأمر يتوضح في المطلب الثاني
الذي يعتبر أن الأمير الملحد يمكن أن يكون سبباً للفتنة ولذلك تجب
محاربته حتى بالجهاد (جهد ديني لمحاربة الشر). هكذا تكتسب المعارضة ذات
الطبيعة الدينية قيمة أكبر وتدفع الأمير لأن يستقي من قانون الله.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب وضع هذه الرؤية إلى جانب هيكليات أخرى وسمت
ولا تزال مصير العديد من الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي، إما
بتأثير من العوامل الخارجية لاسيما استيراد النماذج السياسية الغربية،
إما بتأثير التقاليد الطمأنينية وحتى المعلمنة ..
متعلقات
إسلام سياسي(1)
إسلام سياسي عبارة عن مصطلح سياسي وإعلامي استخدم لتوصيف حركات
تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره منهج حياة، واستخدم بكثافة عقب
أحداث 11 سبتمبر 2001 واستخدم هذا المصطلح بكثرة في الحملة الدعائية
لما سميت الحرب على الإرهاب. من وجهة نظر المسلمين يعتبر استخدام هذا
المصطلح نابعا من عدم فهم و تعمق كافي في فلسفة الإسلام حيث يعتبر
الإسلام من الناحية التأريخية الدين الوحيد الذي استطاع في عهد أنتشاره
الأولي من تكوين نواة لمؤسسات اجتماعية و خدمية و سياسية على الصعيدين
الداخلي و الخارجي على عكس الديانات الأخرى التي لم يتمكن مؤسسوا
الديانة من تشكيل بدايات دولة.
الإسلام السياسي بالمفهوم الغربي يمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار و
الأهداف السياسية النابعة من الشريعة الأسلامية والتي يستخدمها مجموعة
يطلق عليهم الأعلام الغربي "المسلمين المتطرفين" الذين يؤمنون ان
الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط وأنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي و
قانوني و أقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة . يتهم خصوم الحركات
الإسلامية هذه الحركات بأنها تحاول بطريقة أو بأخرى اعادة هيكلة الدول
وتطبيق تحليل محافظ الشريعة الأسلامية . يلقى فكرة تطبيق الشريعة
الإسلامية بحذافيره في السياسة عدم قبولا من التيارات التي تسمي نفسها
الليبرالية او ما يطلق عليهم في بعض الأحيان الحركات العلمانية. ورغم
الانتقادات والحملات الأمنية والإعلامية ضدها تمكنت حركات الإسلام
السياسي من التحول إلى القوة السياسية الأكبر والأقوى في الشارع العربي.
كلمة إسلام سياسي
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وجه الأعلام العالمي اهتمامه نحو الحركات
السياسية التي تتخذ من الإسلام مصدرا لرسم الخطوط العريضة لسياستها
وحدث في هذه الفترة الحرجة نوع من الفوضى في التحليل ادى بشكل او بآخر
إلى عدم التمييز بين الإسلام كدين رئيسي و بين مجاميع معينة تتخد من
بعض الأجتهادات في تفسير و تطبيق الشريعة الأسلامية مرتكزا لها. وعدم
التركيز هذا ادى إلى انتشار بعض المفاهيم التي لا تزال آثارها شاخصة
لحد هذا اليوم من تعميم يستخدمه أقلية في العالم الغربي تجاه العالم
الأسلامي بكونها تشكل خطرا على الأسلوب الغربي في الحياة و التعامل.
يعتبر مصطلح الأسلام الأصولي Islamic Fundamentalism من اقدم
المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمى اليوم إسلام سياسي حيث عقد
في سبتمبر 1994 مؤتمر عالمي في واشنطن في الولايات المتحدة بأسم " خطر
الإسلام الإصولي على شمال افريقيا" وكان المؤتمر عن السودان و ما وصفه
المؤتمر بمحاولة إيران نشر "الثورة الأسلامية" إلى أفريقيا عن طريق
السودان . تدريجيا بعد ذلك و في التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية
في الجزائر تم أستبدال هذا المصطلح بمصطلح "الإسلاميون المتطرفون"
واستقرت التسمية بعد احداث 11 سبتمبر 2001 على الإسلام السياسي.
يعتقد معظم المحللين السياسيين الغربيين ان نشوء ظاهرة الإسلام
السياسي يرجع إلى المستوى الأقتصادي المتدني لمعظم الدول في العالم
الأسلامي حيث بدأت منذ الأربعينيات بعض الحركات الأشتراكية في بعض
الدول الأسلامية تحت تاثير الفكر الشيوعي كمحاولة لرفع المستوى
الأقتصادي و الأجتماعي للافراد ولكن انهيار الاتحاد السوفيتي خلف فراغا
فكريا في مجال محاولة الأصلاح الأقتصادي و الأجتماعي و يرى المحللون
انه من هنا انطلقت الأفكار التي قامت بتفسير التخلف و التردي في
المستوى الأقتصادي و الأجتماعي إلى أبتعاد المسلمين عن التطبيق الصحيح
لنصوص الشريعة الأسلامية وتؤثر حكوماتهم بالسياسة الغربية ولعبت
القضية الفلسطينة والصراع العربي - الأسرائيلي واحتلال إسرائيل للضفة
الغربية و قطاع غزة كل هذه الأحداث وتزامنها مع الثورة الأسلامية في
إيران و حرب الخليج الثانية مهدت الساحة لنشوء فكرة ان السياسة الغربية
مجحفة وغير عادلة تجاه المسلمين وتستخدم مفهوم الكيل بمكيالين.
يرى بعض المختصين الأمريكيين في شؤون الإسلام مثل روبرت سبينسر انه
لايوجد فرق بين الإسلام و الإسلام السياسي وانه من غير المنطقي الفصل
بينهما فالإسلام بنظره يحمل في مبادئه اهدافا سياسية وقال سبينسر ما
نصه "ان الإسلام ليس مجرد دين للمسلمين وانما هو طريقة وأسلوب للحياة
وفيه تعليمات و أوامر من ابسط الفعاليات كالاكل والشرب إلى الأمور
الروحية الأكثر تعقيدا .
بدايات الإسلام السياسي
أتاتورك ألغى الخلافة الاسلامية في 3 مارس 1924
بالرغم من وجود دول و حكومات و أمبراطوريات و دويلات في التاريخ
كانت تستند في أدارتها الداخلية و توجهاتها السياسية إلى الشريعة
الأسلامية ولكن حركة الإسلام السياسي بمفهومه الحديث بدأت بعد أنهيار
الأمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وقيام مصطفى كمال
أتاتورك بتأسيس جمهورية تركيا على النمط اﻷوروبي والغائه لمفهوم
الخلافة الاسلامية في تاريخ 3 مارس 1924 والغائه الشريعة الإسلامية من
المؤسسة التشريعية وقام ايضا بحملة تصفية ضد كثير من رموز الدين
والمحافظين. وبدأت الأفكار التي مفادها ان تطبيق دين الإسلام في تراجع
وان هناك نكسة في العالم الأسلامي بالأنتشار وخاصة بعد وقوع العديد من
الدول الأسلامية تحت انتداب الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية
الأولى.
كانت ما أعتبره البعض النكسة الثانية للاسلام في العصر الحديث هو
نشوء حركة القومية العربية على يد القوميون العرب و جمال عبد الناصر و
حزب البعث العربي الاشتراكي والذي كان الأنتماء للقومية العربية و ليس
الأنتماء لدين الإسلام هو المحور المركزي لهذا التيار وبدأت تدريجيا
نشوء دول عربية و أسلامية مستقلة يظهر فيها تفاوت في مدى تطبيق الشريعة
الأسلامية في رسم سياسة الدولة وكان المنحى العام في تلك الفترة هو نحو
العلمانية ولم يكن هذا المنحى مقبولا لدى العديد من المواطنين الساكنين
في الدول العربية وتم أستعمال القوة في نشر الأفكار القومية العربية و
العلمانية في بعض الدول مثل مصر في عهد جمال عبدالناصر و العراق في عهد
حكم حزب البعث.
حركة ديوباندي في الهند
نشأت حركة ديوباندي في الهند كردة فعل على الهيمنة البريطانية في
الهند حيث أنطلقت من قرية ديابوند الواقعة 150 كم من العاصمة نيودلهي
على يد سيد أحمد خان (1817 - 1898) حركة أسلامية انتشرت في جنوب آسيا
وكانت الحركة تتخذ من الفقه الإسلامي حسب المذهب الحنفي محورا مركزيا
لها وتم بناء مدرسة دار علوم ديوباند في القرية عام 1866 وقامت المدرسة
بتدريس مايعتبره العالم الغربي بالمفهوم الحديث الإسلام السياسي ويمكن
تلخيص مبادئ هذه الحركة بالتالي:
التوحيد بالله
اتباع سنة رسول الإسلام محمد بن عبدالله في كل صغيرة و كبيرة.
حب الصحابة
تقليد وأتباع اقدم مدارس الفقه او الشريعة الأسلامية .
الجهاد في سبيل الله.
كان لهذه المدرسة الأثر الأكبر في نشوء حركة طالبان فيما بعد. كان
مؤسس الحركة سيد أحمد خان يشعر بالقلق من كون المسلمين أقلية في الهند
و كمواجهة للمد البريطاني في الهند نصح اتباعه بتقبل الثقافة الغربية
بصورة محدودة مع عدم الأنفتاح الكامل على الغرب وكان يخطط لأنشاء مؤسسة
تعليمية ضخمة توازي في ضخامتها جامعة كامبريدج وقام باصدار صحيفة باسم
"تهذيب الأخلاق" وتدريجيا نشأت خلافات بينه وبين الهندوس من جهة و
السلطات البريطانية من جهة أخرى وعندما بدأت بوادر الأزمة في 1876
نتيجة اصرار الهندوس على اعتبار اللغة الهندية لغة رسمية بدلا من لغة
أردو عندها صرح احمد خان انه كان و لفترة طويلة يعتقد ان المسلمين و
الهندوس هم أمة واحدة ولكنه مقتنع الآن ان هناك خلافات جذرية تمنعهما
من ان يكونا أمة واحدة". بالرغم من ان حركة سيد أحمد خان لم تكن مسلحة
ولم تتسم بطابع العنف إلا ان آثار و افكار هذه المدرسة كانت لها دورا
كبيرا في نشوء دولة باكستان و حركة طالبان فيما بعد .
حركة سيد أبو الأعلى المودودي
يعتبر سيد أبو الأعلى المودودي (1903 - 1979) من الشخصيات الدينية
البارزة في تأريخ باكستان وكان المودودي متؤثرا بتعاليم حركة ديوباندي
في الهند . كان المودودي ينادي لأقامة دولة أسلامية يتم فيها تطبيق
للشريعة الأسلامية. في عام 1941 أنشأ المودودي مجموعة "جماعتِ اسلامی"
أي الجماعة الأسلامية وكانت عبارة عن حركة أسلامية سياسية ويسيطر هذه
الحركة في الوقت الحاضر على 53 مقعد من المقاعد البرلمانية البالغة
عددها 272 في البرلمان الباكستاني . يعتقد بعض المؤرخين ان سيد قطب من
حركة الاخوان المسلمين قد تأثر بافكار المودودي ويعتبر قطب و المودودي
من مؤسسي تيار مايسميه البعض "الصحوة الإسلامية" .
تعرض المودودي إلى الأعتقال بسبب انتقاداته الشديدة و المتكررة
للسياسيين في باكستان من عدم اعتمادهم على الشريعة الأسلامية في رسم
سياسة الدولة . من عام 1956 إلى عام 1974 قام المودودي بمجموعة من
الرحلات لنشر افكاره على شكل محاضرات في القاهرة و دمشق و عمان و مكة و
مدينة و جدة و الكويت و الرباط و إسطنبول و لندن و نيويورك و تورونتو .
حركات الجهاد الإسلامي
ادى اعتقال سيد قطب و تنفيذ حكم الأعدام عليه مع 7 آخرين في في فجر
الاثنين 29 اغسطس 1966 إلى نشوء نوع من بوادر الأنقسام في حركة الإخوان
المسلمين حيث أستمرت قيادة الجماعة متمثلة في حسن الهضيبي في انتهاج
نهج معتدل يدعو إلى الحوار بينما بدأت بعض الفصائل التي تتبنى تغييرات
جذرية في الخطوط العريضة للحركة بالظهور وكان محركهم الرئيسي الكتابات
الأخيرة التي كتبها سيد قطب من المعتقل قبل أعدامه ومهد هذه الأحداث
الطريق إلى نشوء حركة الجهاد الإسلامي في مصر في اواخر السبعينيات
والتي تبنت مسؤوليتها عن اغتيال محمد أنور السادات وحاولت اغتيال وزير
الداخلية المصري حسن الألفي و رئيس الوزراء عاطف صدقي في عام 1993 .
يعتبر حركة الجهاد الإسلامي في مصر مسؤولا عن تفجير السفارة المصرية في
باكستان عام 1995 و سفارة الولايات المتحدة في ألبانيا عام 1998 . كان
أيمن الظواهري زعيما لحركة الجهاد الإسلامي في مصر في الثمانينيات
ولكنه انظم إلى القاعدة فيما بعد . بعد نشوء هذه الحركة في مصر ظهرت
حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وكانت معارضة لمنظمة التحرير
الفلسطينية و زعيمها ياسر عرفات .
بعد الثورة الأسلامية في إيران
شهد مايسمى بحركات الإسلام السياسي من قبل البعض او مايسمى بالصحوة
الإسلامية من قبل البعض الآخر نشاطا في الثمانينيات و التسعينيات
ويعتقد معظم المحللين السياسيين ان هناك عوامل عديدة ساهمت في هذا
النشاط منها فشل حركات القوميون العرب و التيار الشيوعي من تحقيق اي
تقدم ملموس في الواقع الاقتصادي المتردي في كثير من الدول العربية
اضافة إلى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران و التدخل السوفيتي في
أفغانستان وصعود محمد ضياء الحق إلى السلطة في باكستان و حرب الخليج
الثانية كل هذه العوامل مجتمعة مع التوتر في علاقة السعودية مع إيران
وخاصة بعد فشل مساعي السعودية من الحد من انتشار الفكر الأيراني بعد
اعتمادها على صدام حسين و حرب الخليج الأولى ادى هذا إلى اعتماد
السعودية أستراتيجية بديلة في منافستها مع إيران الا وهي الدعم المالي
للمدارس الإسلامية القريبة من تفكير السعودية اضافة إلى الدعم المالي
للمجاميع الإسلامية في البوسنة و الهرسك و افغانستان .
في التسعينيات اخذت ما يسمى بحركات الإسلام السياسي طابعا عنيفا في
الجزائر و فلسطين و السودان و نيجيريا وكان الحدث الأكبر في هذه الفترة
هو صعود حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان مما ادى بصورة عملية إلى
تشكيل كيان جغرافي و سياسي وجد الكثير ممن يوصفون باتباع منهج الإسلام
السياسي ملاذا و نقطة انطلاق فيها ومن ابرزهم تنظيم القاعدة بزعامة
أسامة بن لادن وفي تركيا فاز حزب التطور والعدالة ذو التوجه الإسلامي
المحافظ بزعامة رجب طيب أردوغان باغلبية مقاعد البرلمان في تركيا في
عام 2002.
بعد 11 سبتمبر 2001
بعد احداث 11 سبتمبر 2001 حاولت الأدارة الأمريكية بقيادة الرئيس
الأمريكي جورج و. بوش ايجاد طريقة للحد من انتشار ما يسمى الإسلام
السياسي فقامت الولايات المتحدة باعلان الحرب على الإرهاب المثير للجدل
الذي يرى البعض انه بطريقة او باخرى ادى إلى زيادة انتشار فكر الإسلام
السياسي حيث انتشرت هذه الأفكار في دول كانت تتبع في السابق منهجا
علمانيا مثل العراق حيث بدأت افكار الإسلام السياسي بالظهور بعد غزو
العراق 2003 وبدأ الملف الشيشاني مع الاتحاد الروسي تاخذ طابعا أكثر
عنفا و اصبحت بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق يظهر على حكوماتها
ملامح إسلامية مثل أوزبكستان و كازاخستان و ترکمانستان و أذربيجان .
يرى الرئيس الأمريكي جورج و. بوش ان الأصلاح الأقتصادي في العالم
الإسلامي يعتبر عاملا مهما في الأنتصار في مايسمى الحرب على الإرهاب
ولكن هذا الأصلاح يبدو بطيئا جدا في ساحات مايسمى الحرب على الإرهاب في
افغانستان و العراق.
الحركات الليبرالية في الإسلام
هناك العديد من الحركات التي توصف بانها حركات الإسلام الاجتهادي او
حركات الإسلام التقدمي التي تعتمد على الإجتهاد او تفسير جديد او عصري
لنصوص القرأن و الحديث النبوي ويزعم هذا التيار بانهم يحاولون الرجوع
إلى المبادئ الأساسية للإسلام. يمكن تلخيص المحاور الرئيسية لهذا
التيار بالنقاط التالية:
إستقلاية الفرد في تفسير القرآن و الحديث
التحليل الأكاديمي للنصوص والتعاليم الإسلامية المحافظة.
انفتاح أكثر مقارنة بالتيار المحافظ وخاصة في مسائل العادات و طريقة
البس و الهندام.
التساوي الكامل بين الذكر و الأنثى في جميع أوجه الحياة.
اللجوء إلى أستعمال الفطرة اضافة إلى الإجتهاد في تحديد الخطأ من
الصواب.
يرجع بدايات هذا التيار إلى اختلاط المسلمين مع العالم الغربي من
خلال موجات الهجرة . ويرى هذا التيار ان التطبيق الحرفي لكل ما ورد من
نصوص اسلامية قد يكون صعبا جدا إن لم يكن مستحيلا في ضروف متغيرات
العصر الحديث . وهذا التيار لا يؤمن بصلاحية اية جهة باصدار فتوى و
يؤمن هذا التيار بحق المرأة في تسلم مناصب سياسية وحتى ان تكون خطيبة
في مسجد ومعظم من في هذا التيار يحاولون فصل السياسة عن الدين ويفضلون
مبدأ اللاعنف .
يرى التيار المحافظ في الإسلام ان مصطلح "مسلم ليبرالى" هو صنيعة
غربية ولايوجد على ارض الواقع مثل هذه التسمية وان من يحملون هذه
الأفكار قد ابتعدوا عن المبادئ الأساسية لدين الإسلام بسبب تأثرهم
بالعالم الغربي .
الإسلام السياسي والغرب(2)
ما الإسلام السياسي:
إشكالية المصطلح:
إن عملية تعريف الإسلام السياسي وما يتعلق به من مصطلحات أخرى
كالأصولية والصحوة الإسلامية والتطرف الإسلامي والإرهاب والإرهاب
الإسلامي أو الإسلاموفوبيا تنطوي على إشكال مفهومي يعزى للتشابك,
والتداخل بين هذه المفاهيم, والاختلاف بين الباحثين والأكاديميين في
مقاربتها, رغم الخطوط العريضة التي تجمع ما بين جميع التعريفات.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد.”فأي إسلام نعنى, وأي إسلاميين؟ هل هو
إسلام الأمة أم إسلام الخاصة؟ هل هو الإسلام الشعبي أم الإسلام الرسمي؟
هل هو إسلام الحكومات أم إسلام الحركات السياسية؟ وإذا كان إسلام
الحكومات فهل هو إسلام السعودية أم إيران أم طالبان ...؟ وإذا كان
إسلام الحركات السياسية؟ فهل هو إسلام الإخوان المسلمين أم حزب التحرير
أم الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي؟
وإذا كان إسلام النخبة المثقفة, فهل هو إسلام سيد قطب أم أبى الأعلى
المودودى أم هو إسلام حسن الهضيبى والقرضاوي...»1
ويرى المشاركون في ندوة التوجهات الغربية نحو الإسلام السياسي, التي
عقدت في الجامعة الأردنية في نوفمبر عام 1998 بأنه نظراً للتعددية في
الرؤى والتصورات والاستراتيجيات لدى الإسلاميين السياسيين فإنه من
الأولى أن نطلق عليها حركات الإسلام السياسي بدلا من إفرادها بحركة
واحدة للإسلام السياسي أو المسلمين. بل يذهبون إلى أبعد من ذلك ويقولون
إن إضفاء صبغة السياسي على الإسلام تحدث خلطاً وتشويشاً يتعلق أساساً
بأن مصطلح الإسلام السياسي هو مصطلح يجزئ الإسلام كدين, وهو أمر
يرفضه أتباعه ومعتنقوه2. بل حتى إن مصطلح الشرق الأوسط نفسه فيه
إشكالية, فنحن شرق أوسط كما تسمينا الولايات المتحدة والغرب, أما فيما
يتعلق بهدف ومضمون هذا البحث فإن الشرق الأوسط يشمل العديد من تجارب
الإسلام السياسي ,إضافة إلى وجود إسرائيل كجزء من المنطقة وفيها حركة
إسلامية ذات خصوصية3.
الإسلام السياسي:
يرى الدكتور إبراهيم أبو عرقوب بأن الإسلام السياسي هو الإسلام الذي
يدعو إلى المزج بين الدين والسياسة في الشؤون المحلية والعالمية, ويرى
في مبدأ«دع ما لله لله”, وما لقيصر لقيصر» شذوذا عن طبيعة الإسلام كدين
شامل للدين والدنيا. فالإسلام السياسي, أو دعنا نقول حركات الإسلام
السياسي بمجملها لا تؤمن بفصل الدين عن الدولة وتسعى في استراتيجيتها
وبرامجها إلى إقامة دولة إسلامية تطبق الإسلام كدين ودولة ونظام حياة4.
ولنا تعليق هنا وهو تحفظ على كلمة «مزج» والمزج بالمفهوم المألوف
يتم ما بين عنصرين غريبين ,فيما ينظر الإسلاميون على أن نظام الدولة هو
جزء لا يتجزأ من الإسلام.
يقول عبد القادر عودة, في«كتاب الإسلام وأوضاعنا السياسة» و”الإسلام
ليس دينا» فحسب ,وإنما هو دين ودولة. وفي طبيعة الإسلام أن تكون له
دولة, فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة
إسلامية, لأن تنفيذه كما يجب غير مأمون إلا في ظل حكم إسلامي خالص
ودولة إسلامية تقوم على أمر الله . وقيام الإسلام نفسه في الحدود التي
رسمها الله وبينها الرسول يقتضي قيام دوله إسلامية تقيم الإسلام في
حدوده المرسومة, وذلك منطق لا يجحده إلا مكابر.”5.
وأكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد وإنما
هو من اختصاص الحكومات, وهذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام
ومقتضياته وأن الإسلام دين ودولة6. ويؤكد على هذه النظرة التكاملية
لتعاليم الإسلام بشأن الحكم والسياحة سيد قطب في تفسيره لآية«إنْ الحكم
إلا الله, أَمَر إلا تعبدوا إلا إياه”7, فالآية من وجهة نظر قطب تربط
ما بين الحكم والعبادة باعتبارها جزءاً منه, لا عنصرا خارجيا يتم مزجه
بها.
“إن الحكم إلا لله» فهو مقصور عليه سبحانه بحكم الوصية, إذا
الحاكمية من خصائص الألوهية, من ادّعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه
وتعالى الوصية, سواء ادّعى هذا الحق فرد أو طبقة أو حزب أو هيئة أو أمة
أو الناس جميعاً في هيئة صورة منظمة عالمية. وادّعاء هذا الحق لا يكون
بصورة واحد... ولكنه يدعى هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي
شريعة الله عن الحاكمية, ويستمد القوانين من مصدر أخر... والأمة في
النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم
بشريعة الله, ولكنها ليست مصدر الحاكمية التي تعطى القانون شرعيته,
إنما مصدر الحاكمية هو الله8.
فالإسلام السياسي عموما يركز على أن السياسة جزء من الدين وأن
الممارسات الإنسانية وكافة جوانبها يجب أن تخضع للمعايير العقيدية,
وتطبيق المفهوم الجهادي للوصول إلى الأهداف المنشودة9.
كما يدعو الإسلام السياسي إلى إعادة البناء الأيديولوجي- الدنيوي
للإسلام, بما يتلاءم مع التشريعات العقائدية بالإضافة إلى تفعيل سيادة
العدالة واعتماد قواعد التعامل في النطاق الداخلي والممارسات الخارجية
على النص القرآني10.
والإسلام السياسي الذي يرى في الإسلام ديناً ودولة يرى أن تراجع
الدور الحضاري للمسلمين هو نتيجة حتمية ومنطقية لعدم تطبيقهم لجزئيات
وتفاصيل الشريعة الإسلامية واستبدال هذه الشريعة بالقيم والمبادئ
الغربية, وبالتالي فان أي دور مستقبلي للإسلام والمسلمين يجب أن يرتكز
على تطبيق كامل للشريعة في المجتمع الإسلامي بكل مظاهرة بما في ذلك
نظام الحكم11.
ومن هنا نخلص إلى أن الإسلام السياسي هو فهم للإسلام كدين شامل
متكامل يحتوى على ما يصلح البناء عليه لإقامة مجتمع إسلامي متميز
بهويته الإسلامية, حيث تطبق المعايير العقيدية والدينية على كل مناحي
الحياة.
وبالمجمل فان حركات الإسلام السياسي هي تلك الحركات التي تصرح بهدف
معلن هو السعي بشتى الوسائل لإقامة هذه الدولة الإسلامية والتي تمتلك
بنية تنظيمية علنية أو سرية وتحظى بدعم جماهيري يختلف من قطر لقطر وآخر
من ناحية لأخرى من حيث الحجم والفاعلية لكنه صالح لان يتخذ أساسا
لإقامة النظام الإسلامي المنشود12.
إنّ وراء تنامي حركات الإسلام السياسي أسباب تعود في أساسها إلى
أزمة السلطة وأزمات المجتمع في الوطن العربي في ما بين عامي 1964و1974
إذ تطورت أزمة السلطة في الوطن العربي الذي فشلت فيه تجارب الوحدوية،
والتجارب التنموية والمناهج السياسية، وبالإضافة إلى الحروب التي
خسرتها الأمة في مواجهة الكيان الصهيوني. لقد تطورت تلك الأزمة من أزمة
السلطة إلى بدايات أزمة مجتمع وتفاقمت في الثمانينيات13. والرؤية
الأيدلوجية للحركات الإسلامية تتنوع وتتعدد ولكن الشيء المشترك فيما
بينها هو ما يلي:
اعتبار الإسلام طبقة شاملة للحياة
والدولة والمجتمع.
اعتبار التغريب وتبني العلمانية الغربية سببا للأزمات العسكرية
والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع المسلم .
إن سعادة السلطة تتطلب العودة إلى الصراط الإسلامي المستقيم، وهو
البديل لكل من الرأس مالية والماركسية.
إن إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية سوف يؤدى إلى نشوء مجتمع أطر
أخلاقية وعدالة.
من واجب جميع المسلمين التضحية والجهاد في سبيل الله14.
ويرى عموس بيرلومبتر أن ما يجمع الأصوليين من وجهة نظره هو وجود
برنامج سياسي رغم تنوع وجهات النظر الأيدلوجية لديه, بحيث يكون الهدف
الأسمى الذي يسعون إلى تحقيقه من هذا البرنامج إقامة دولة إسلامية
بشكل أو بآخر15.
وسواء كانت تلك الجامعات الإسلامية في مصر أو الجبهة الإسلامية
للإنقاذ في الجزائر أو حزب الله في لبنان أو حماس وإلى حد ما الجهاد في
فلسطين والدعوة في العراق، والإخوان المسلمين والنفير الإسلامي أو جيش
محمد في الأردن والإخوان المسلمين الذين أخلدوا إلى السكون في سوريا،
فانهم يريدون نظاماً سياسيا تقليديا, يريدون جمهوريات إسلامية. إنهم
واضحون كل الوضوح في هذا الصدد16.
الإسلام السياسي وعلاقته بالصحوة الإسلامية:
يبرز لدى التطرق لمفهوم الصحوة الإسلامية مشكلة أخرى. فعلى المستوى
السطحي ينظر للصحوة الإسلامية على أنها عودة جماهيرية للدين في ظل
ظروف من القنوط واليأس من كل البدائل الأخرى. وأحيانا تتداخل الصحوة
الإسلامية مع الإسلام السياسي بحيث يشير المصطلحان إلى مفهوم واحد،
وهذه وجهة نظر يرفضها العديد من الباحثين الذين يؤكدون أن الصحوة
الإسلامية لا تعني الإسلام السياسي بشكل مطلق. بل أن الصحوة الدينية
ظاهرة عامة أصابت المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين والوثنين
...وبالتالي فهي لا تقتصر على المسلمين وحدهم17.
ويرى فهمي هويدي أن الحركات الإسلامية السياسية التي يقودها النخبة
ليست هي الصحوة الإسلامية التي وصلت إلى كافة شرائح المجتمع الإسلامي
بل وأدت إلى دخول العديد من غير المسلمين دين الإسلام , ومع ذلك فإن
الظاهرتين تلازمتا وكانت الصحوة، هي الأعم، الذي نشأت من خلاله الظاهرة
السياسية .
وترتبط الصحوة بالإرادة الذاتية الإنسانية، فهي تعنى معالجة الخلل
العقيدي عند الإنسان المسلم فيرأب الصدع ويعدل السلوك بما يتواءم
والمعايير العقيدية, وليس شرطا أن يلج جوانب السياسة، وان كانت الصحوة
تبدأ بالفرد وعلاج أحواله فإنها تمتد للأسرة والمجتمع الذي يبدأ بالبحث
عن ذاته وينفض عن حضارته غبار الاستلاب الحضاري والعقيدي ثم يخرج من
هذا الخضم الإسلامي السياسي بتعدديته واختلاف استراتيجيته ورؤاه18.
ورغم أن الاهتمام بالإسلام السياسي على المستوى العالمي لم يبدأ
بشكل بارز إلا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلا أن الصحوة
الإسلامية الحديثة تعود إلى أيام جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد
رضا الذين لم يخوضوا في السياسة والأحزاب حتى جاءت حركة الإخوان
المسلمين عام 1928 ونظمت الطروحات الإسلامية في حركة سياسية19.
ومن أبرز الأدلة على تجاوز الصحوة للمستوى الفردي للإصلاح وصولاً
إلى مستوى المشروع الحضاري النهضوي إنها ارتبطت وإلى حد بعيد بحركات
التحرر من الاستعمار, خاصة في المغرب العربي.
وبالمجمل فان ظاهرة الصحوة الإسلامية أقدم من الإسلام السياسي وهى
عامة امتدت في شرائح المجتمع العربي والإسلامي لينبثق عنها فيما بعد
الإسلام السياسي وما لحق به من اتهامات بمعاداة السلم العالمي والتقدم
الحضاري.
العامل الاقتصادي ودوره في ظهور
الصحوة الإسلامية :
يميل علماء الاجتماع الغربيون إلى ربط زيادة الالتزام الديني عند
الشعوب بالإحباط الاجتماعي والأزمات الاقتصادية الخانقة, فكأن الجماهير
لا تجد ملجأ أمام عجزها المطلق عن حل هذه الأزمات إلا بالرجوع إلى
دينها. ومن العلماء الذين يؤيدون هذا الطرح كارل ماركس وكاترل فيبر
ودوركهايم20.
ومن الواضح أن الأمريكيين يميلون لهذا التفسير للصحوة الإسلامية
باعتبارها مهد الحركات الإسلامية التي تلقى قبولا متزايدا في الشارع
العربي.
ويقول إدوارد دجرجيان في شهادة له أمام الكونجرس الأمريكي حول الشرق
الأوسط عام 1993:
“وفي التحليل الأخير يجب أن نشير إلى أن الحيف الاجتماعي وفقدان
الفرص الاقتصادية والتعليمية والسياسية هو الذي يوفر للمتطرفين مساندين
في كل بلد”21.
وفي خطاب الرئيس الأمريكي بل كلينتون أمام البرلمان الأردني عام
1994 أشار إلى أن الحركات المتطرفة تقتات على اليأس والفقر والإحباط
باعتبارها عوامل وراء ظاهرة الصحوة الإسلامية.
“هذا هو النزاع الذي يكتنف الشرق الأوسط حاليا, فعلى طرف تقف قوى
الإرهاب والتطرف التي تحيط نفسها بالكلام البليغ حول الدين والقومية,
فيما تناقض في نفس الوقت تعاليم دينها وتخسر من محبة وطنها. قوى
الرجعية هذه تقتات على الإحباط والفقر واليأس , وهى تؤجج نيران العنف
وتسعى لتدمير التقدم في هذا المكان22.
ويؤكد فيصل الرفوع23 ذلك بقوله: إن للمتغيرات الاقتصادية الدولية
دورا في تعميق الحس الإسلامي المعادي للغرب في ظل النظام الجديد
والهيمنة الاقتصادية الأمريكية على وجه الخصوص. ويرى أن سلبيات هذا
النظام قد انعكست بشكل كبير على الشعوب الإسلامية التي عانت الكثير من
نتائج المعطيات الاقتصادية والاجتماعية. مما دفع بالإسلام السياسي إلى
الواجهة متنطحا لهذه الحالة والتي هي في نظر الإسلاميين تستهدف
المسلمين أكثر من غيرهم. وبالمقابل أدى هذا الموقف إلى رد فعل غير عادل
وغير حيادي من ناحية الغرب تجاه الإسلام السياسي.
ويرفض أبو عرقوب24 من جهته أية تفسيرات غربية سياسية أو اقتصادية أو
اجتماعية لظاهرة الصحوة الإسلامية ويصفها بأنها«خاطئة لأنها تنطلق من
عقلية غربية محضة ترى بأن العودة للدين والتمسك به هي مرحلة لمواجهة
الأزمات التي تتعرض لها الشعوب، فإذا ما انفجرت هذه الأزمات عادوا كما
كانوا عليه. إن عودة المسلمين للإسلام هذه الأيام هو لتحرير أنفسهم من
الذل والظلم الذي عانوا منه على مدى سنين طويلة في ظل القومية
والشيوعية والعلمانية والرأسمالية . لقد وجدوا بان الإسلام هوا الحل
لمعاناتهم”.
تعريف الأصولية الإسلامية :
الأصولية في الإسلام تعنى التمسك بأصول الدين والأصوليين هم العلماء
المختصون بعلم أصول الفقه أو أصول الدين . فالأصولية في الإسلام مصطلح
محبب وإيجابي بكل معنى الكلمة ولكنه استخدم في سياق خاطئ من قبل الغرب,
فأصبح من أكثر المصطلحات والتعميمات الخاطئة شيوعا في أدبيات الغرب
ونقاشاتهم حول ظاهرة الإسلام السياسي.
ومن وجهة نظر أبو عرقوب فإن هذا الاستخدام السلبي للمصطلح محاولة
مقصودة لربط الأصولية الإسلامية بالأصولية البروتستانتية باعتبارهما
وجهان لعملة واحدة يجمعهما معاداة العقل والعلم والتقدم العلمي
والعلمانية والحرية25.
ويقول تقرير للجنة الأبحاث التابعة لمجلس النواب في الكونغرس
الأمريكي حول الإرهاب والحرب غير التقليدية، صدر في 3 أيلول 199226 ردا
على اتهام الأصولية الإسلامية بالخطورة تجاه الغرب بأن« الأصولية
الإسلامية بمعناها الحقيقي هي الالتزام السلمي وغير المؤذي بحرفية
القرآن. إن الأصولية غير موجودة في الحركات الإسلامية المعاصرة التي
تحمل أجندات تسعى من خلالها نحو الديمقراطية وتحرير الجماهير من
الحكومات الفاسدة التسلطية”.
ولتوضيح وجهة النظر هذه يقتبس التقرير المذكور من مقال آخر في مجلة
الشؤون الخارجية بقلم روبين رايت، الخبيرة المختصة في شؤون الشرق
الأوسط. تقول:
“إن الحركات الإسلامية المتنوعة غالباً ما تسمى في الغرب أصولية،
لكن معظم أتباعها في الحقيقة ما هم إلا أصوليون من ناحية الأجندات التي
يتبنونها، فالأصولية عموماً تحث على الالتزام السلمي بالنصوص ولا تسعى
لتغيير النظام الاجتماعي، وهي بدلاً من ذلك تركز على إصلاح حياة الفرد
والعائلة...”.
فالأصولية إذن هي التمسك بالأصول، والدين الإسلامي في رأي
الأكاديميين لا يقبل أن يكون المسلم على الصورة المرسومة في ذهن الغرب،
وليس المصطلح رديفاً للتطرف والإيذاء المتعمّد والاعتداء على أرواح
وأموال الأبرياء. وعليه فإن أي اقتباس لاحق في هذا البحث يشير إلى
الأصولية بمعنى التطرف والإرهاب فإن فيه لبس في فهم المصطلح واستخدام
له في غير سياقه.
ما المقصود بالتطرف الإسلامي؟
ربما يكون اصطلاح التطرف أقرب لمفهوم الإرهاب والعنف من مصطلح
الأصولية، وإن كان لا يعني نفس الشيء تماماً.
فالتطرف سياسياً يعني الدعوة الفردية والجماعية إلى إجراء تغيير
جذري في النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في البلد27. ويرى أبو
عرقوب أن المتطرفين في نظر الغرب هم جميع المسلمين بغض النظر عن
بلدانهم أو الجماعات التي ينتمون إليها أو لغاتهم أو قضاياهم أو
مشاكلهم28، مستشهداً بقول لبورتشارد باوتشر الناطق الرسمي باسم وزارة
الخارجية الأمريكية عام 199329.
“إن لدى الولايات المتحدة اعتقاد بأن المتطرفين هم جماعات مثل حماس
وحزب الله أو أية جماعات أخرى تحاول أن ترفض عملية السلام وتحاول
إعاقتها عن طريق العنف”.
ومما يميز التطرف من وجهة نظر الغربيين هو الجمع ما بين الدين
والقضايا الوطنية والسياسية مثل فلسطين أو لبنان، وهو بالتالي يهدد
المصالح الأمريكية وموجه بالأساس ضد الغرب وأمريكا وإسرائيل30.
الإرهاب الإسلامي:
إن كان التطرف حسب ما ذكر أعلاه يتعلق بالفكر والنظرة حول التغيير،
فإن الإرهاب هو استخدام تكتيكات إرهابية لتنفيذ البرامج المتطرفة، على
حد تعبير (تيم ويرث) مستشار وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق
الأوسط وشمال أفريقيا.
نشأت خلال السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جماعات
جديدة وراديكالية مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني والجبهة
الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وهي جماعات تعتمد أيديولوجية إسلامية
ولكنها تستخدم تكتيكات إرهابية لتنفيذ برامجها المتطرفة، وفي نفس مصر
قامت الجماعة الإسلامية، وهي جماعة الشيخ عمر عبد الرحمن وهذه الجماعة
ذات صلة وثيقة باعتداءات عنيفة على مسؤولين مصريين ومفكرين علمانيين
وسياح أجانب بهدف زعزعة حكومة مبارك، إن استغلال هذه الجماعات للجدل
السياسي لا ينبغي أن يؤدي بنا إلى الخلط بين الإرهاب والإسلام في
أذهاننا. ليس لنا مشكلة بالطبع مع الإسلام أو مع من يمارس تلك العقيدة.
إن المشكلة هي مع استخدام أي شخص للعنف والإرهاب..”31.
فالإرهاب هو استخدام العنف بطريقة غير قانونية أو التهديد بالعنف ضد
الأشخاص أو الممتلكات من أجل دعم أو تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو
لإكراه الحكومات والأفراد والجماعات لتعديل سلوكهم أو سياساتهم32.
وللموضوعية فإن الموقف الأمريكي المعلن والعديد من الأكاديميين
الغربيين يؤكدون أنه لا صلة بين الإرهاب بهذا المعنى والأخوان كديانة
عالمية تنبذ العنف والإرهاب والتهديد، وفي كلام ويرث أعلاه دليل على
ذلك.
ويؤكد على ذلك (جيمس ويلزي) مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية
السابق في شهادة أمام مجلس الشيوخ عام 1993 حيث بقول :« إن استخدام
المتطرفين الدينيين للعنف في الشرق الأوسط نزعة مغلقة، وإن غالبية هذه
الجماعات لم تستهدف المصالح الأمريكية بشكل مباشر...33.
وعلى نفس المنوال يقول فيليب ولكوكس، المنسق الأمريكي لمكافحة
الإرهاب:
“إن مرتكبي هذه الجرائم الوحشية هم أو يعتقد بأنهم متطرفون يسيئون
للدين الإسلامي الذي يزعمون أنهم يعملون باسمه، لقد كرسوا جهدهم لتدمير
عملية السلام العربية الإسرائيلية ودولة إسرائيل، علاوة على أن هذه
الجماعات غارقة في كراهيتها للغرب وثقافته... إن الإرهاب ناتج عن
الصراعات في الشرق الأوسط وهو ظاهرة عالمية”34.
ويقول الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بأن« قليلاً من
الأمريكيين يدركون عراقة العالم الإسلامي، إنهم يذكرون فقط بأن سيوف
محمد عليه السلام وأتباعه هي السبب في انتشار الدين الإسلامي في آسيا
وإفريقيا وحتى أوروبا، لقد تناسى هؤلاء بأن الإسلام لا يقر الإرهاب
وإنه لم تمض إلا ثلاثة قرون منذ آخر حرب دينية في أوروبا«35.
ولسنا نرى ضرورة للتوسع هنا في أنواع الإرهاب وأشكاله، ما دامت
الدوافع واحدة لاستخدام العنف، مهما تعددت الأساليب.
الخوف من الإسلام ( الإرهاب
الإسلامي أو الإسلاموفوبيا ):
يرى الباحثون والمهتمون بالشؤون الإسلامية والشرق أوسطية بأن
المشكلة في المفاهيم والفهم المتبادل بالإضافة لدور الدعاية الصهيونية
وأعوانها في الغرب قد نجحت في النهاية في ترسيخ نظرة مشوهة للإسلام.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل الأمر إلى إرعاب المجتمعات الغربية
من كل ما هو مسلم حتى ظهر في الغرب مصطلح إسلاموفوبيا Islamophobia،
أو الخوف من الإسلام، وهو يعني بالنتيجة الخوف والرعب والكره للإسلام
والمسلمين36.
ومصطلح فوبيا أو الإرهاب يعرف في علم النفس بأنه الخوف غير المبرر
من شيء37.
وبالتالي فإن هذا الخوف غير المنطقي مبني على تاريخ مرضي مزور
فالمصطلح بحد ذاته هو دفاع عن الإسلام، لكن الظاهر هو أنه منتشر بين
الغربيين.
أهم ملامح ظاهرة الإرهاب الإسلامي فيما يلي:
النظر للإسلام وإلى الثقافات الإسلامية عموماً على أنها عقيدة جامدة
تسير على وتيرة واحدة لا تغيير فيها ولا تجديد ولا تنوع ولا تقبل
التعدد واختلاف الآراء.
الإدعاء بان الثقافة الإسلامية تختلف كلياً عن الثقافات الأخرى وأن
المسلمين متشددون ويتقيدون بحرفية النصوص الدينية.
تصوير الإسلام بأنه خطر يهدد العالم على غرار النازية والشيوعية وأن
الأصولية الإسلامية تشكل أكبر خطر يهدد السلام العالمي38.
وفي خطاب لسمو الأمير الحسن بن طلال أمام المؤتمر الثاني حول
الأديان المعقود في أسبانيا، تشرين ثاني 1997 يقول:« ليس هناك من دين
آخر يشكل ثقافة أي مجتمع آخر قد عانى من الاتهامات وتصويره بصورة
شيطانية بقدر ما يعانيه الإسلام والثقافة العربية في عيون العالم، مع
العلم الأكيد بأن أعمال الإرهاب والعنف يرفضها الإسلام والمؤمنين من
أتباعه”.
يجب أن يلقى الإرهاب نفس المقاومة وبنفس الطاقة التي لقيتها
المعاداة للسامية، وآمل أن نستطيع العمل معا لتنفيذ خطوات عملية
تساعدنا في فهم الطريقة التي يستطيع من خلالها الدين أن يلعب دورا أكثر
ديناميكية وإيجابية في ترويج السلام وإحداث تغيير في حوار العنف،
والمساهمة بشكل فعال في الفهم المتبادل والحيلولة دون إساءة الفهم
والصراع39.
المواجهة
بدأ الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط بدايته الحقيقية بعد
الحرب العالمية الثانية، أي منذ بروزها كقوة عظمى في العالم، وليس هذا
هو السبب الوحيد. ويتم الجدل حول هذا الموضوع على عدة مستويات مختلفة :
معيارية وفلسفية وحضارية وسياسية واقتصادية، وجغرافية سياسية، وفي
دوائر اهتمام مختلفة: الصحافة ومراكز البحث وقاعات التدريس الجامعي
والسياسة... ويبدو أن السياسة الأمريكية الخارجية وبخاصة تجاه هذا
الموضوع تتميز بالأهمية العملية من حيث أثرها، وبالتعقيد من ناحية
طبيعتها والعناصر التي تدخل في صياغتها، ووجهات النظر التي تلتزم
لفهمها40.
وفي الحقيقة أنه لم يكن من المعهود أن يعبر الرؤساء الأمريكان عن
آرائهم وسياساتهم نحو الإسلام في أحاديث علنية وتصريحات عامة حتى جاءت
الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وبدأ العامة في الولايات المتحدة
يتساءلون كنه هذا القادم الجديد و بدءوا يهتمون بفهم الإسلام وبالتالي
كان لا بد من تحديد سياسة عامة معلنة نحو كل ما يتعلق بالإسلام.
وتطور الأمر في الثمانينات والتسعينات وصار المسلمون في أكثر من
موقف ومناسبة طرفا في قضايا عنف واضطراب، ووجدت الإدارة الأمريكية
نفسها أمام ضرورة صياغة سياسة معلنة تجاه الشؤون الإسلامية خصوصا في
عهدي جورج بوش وبيل كلينتون، وهذه السياسة تؤكد أن الولايات المتحدة لا
تعتبر الإسلام إيديولوجيا موجهة ضد الغرب، بل تحترمه وتعتبره أعظم
الأديان ولكنها ترفض العنف والاضطهاد واللا تسامح وخرق حقوق الإنسان
بغض النظر عن المظلة التي تتم تحتها سواء دينية أو عرقية أو غير ذلك41.
وهذا الموقف كان واضحاً مثلا في خطاب الرئيس كلينتون أمام البرلمان
الأردني عام 1994 حيث قال بأن قوى الإرهاب والتطرف تخالف دينها باعتماد
العنف، مضيفاً بأن هذا الحال ضار بالأمة نفسها إذا سارت في الطريق الذي
يرسمه لها الرجعيون الذين يمثلون من وجهة نظره مخلفات الماضي42.
يقول إدوارد تجرجيان مساعد الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى في
شهادة أمام الكونغرس: «... إننا ننظر باحترام عميق إلى الإسلام بصفته
تحضر في التاريخ. فالإسلام قد أثرى حضارتنا نفسها، وهو دين الكثير من
المواطنين الأمريكيين. إننا نرفض الفكرة القائلة بأن التأكيد المتجرد
على القيم التقليدية في كثير من أنحاء العالم الإسلامي لا بد أن يسفر
عن نزاع مع الغرب. إننا لا نعتبر الإسلام العقيدة القادمة التي تحل محل
الشيوعية الدولية. وهناك مظاهر معينة لما يسميه البعض الإحياء الإسلامي
التي تثير القلق. ولكننا بحاجة إلى الوضوح فيما يتعلق بطبيعة ومصدر
تهديدات ممكنة للمصالح الأمريكية، وبدون ذلك نقع ضحايا مخاوف في غير
موضعها أو تصورات خاطئة».
لكن يبقى أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالوقائع والتصريحات
والتطورات السريعة التي تشهدها المنطقة أعقد من أن تبسط نظرة الولايات
المتحدة للإسلام السياسي، ونظرة الإسلاميين للولايات المتحدة بالتالي
إلى مستوى الأكليشيهات العامة التي تكرر في المواقف الرسمية وعند
الضرورة.
الهوامش:
1- إياد البرغوثي، ورقة بحث بعنوان الإسلام والغرب: إشكالية الوحدة
والصراع، مقدمة لندوة الاتجاهات الغربية نحو الإسلام السياسي في الشرق
الأوسط، الجامعة الأردنية، نوفمبر 1998.
2- هشام جعفر وأحمد عبد الله: ملامح ومعالم التحول في حركة الإسلام
السياسي في الشرق الأوسط، ورقة بحث مقدمة لندوة الاتجاهات الغربية نحو
الإسلام –انظر المرجع السابق، ص1.
3- المرجع السابق، ص 3-4.
4- إبراهيم أبو عرقوب، الإسلام في نظر الغرب الأمريكي، ندوة
الاتجاهات الغربية نحو الإسلام، ص4.
5- عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، مؤسسة الرسالة
ص79-80.
6- عبد القادر عودة، المرجع السابق، ص 80.
7- القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية 40.
8- سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، تفسير سورة يوسف،1990.
9- حامد ربيع: «المتغيرات الأساسية للوظيفة الدولية لأسلوب السياسي؟:
إعادة البناء الإيديولوجي» قضايا دولية، العدد 310 ديسمبر 1995، معهد
الدراسات السياسية. إسلام آباد، باكستان، ص33.
10- John Esposito, The Islamic Role in the Political and Social
Development» p.6.
11-حسن جابر، الأمة والتحديات، الانبثاق الجديد، المنطقة، عدد 106،
الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين، ص6-7.
12-رضوان السيد، الإسلام السياسي والأنظمة العربية، مجلة شؤون
الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، لبنان، العدد
41، 1995.
13-سعد ناجي جواد، دور الصراع العربي-الصهيوني في تشكيل العلاقة بين
الغرب والعالم الإسلامي، ورقة بحث مقدمة لندوة التوجهات الغربية نحو
الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، انظر (1) ص12.
14-فيني مارو وليم، امتطاء النمر، ترجمة عبد الله جمعة الحاج، مركز
الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1996، ص23.
15-Amos Prlmubter, Washington Times, January 22,1993.
16-يارد اونيل، ندوة الحزازات الأثنية والعرقية والدينية التي عقدت
في جامعة جورج واشنطن، 1992، وكالة الإعلام الأمريكية، نشرة الأنباء
العربية، 27/11/1992.
17-Adel Daher, Philosophy vs. Islamic Fundamentalism, Al-Nadwah,
Feb 1990, p.p 1920.
18-فهمي هويدي، حاضر الصحوة الإسلامية ومستقبلها، الندوة، كانون
الأول 1988، جمعية لشؤون الدولية، عمان-الأردن، ص7-9.
19-المرجع السابق، ص8-9.
20-راشد الغنوسي وحسن الترابي: الحركة الإسلامية والتحدي، مكتبة دار
الفكر، الخرطوم/1980، ص189-191.
21-رتشارد هرير دكمجيان، الأصولية في العالم الغربي، ترجمة عبد
الوارث سعيد، دار الوفاء،المنصورة –مصر، ص26-27.
22-وكالة الإعلام الأمريكية، نشرة الأنباء العربية، 27/7/1993.
23-United States Information Agency, October 27,1994.
24-فيصل الرفوع، مرجع سابق، ص14.
25-أبو عرقوب، مرجع سابق، ص12.
26-المرجع السابق، ص4.
27-The Link, Vol. 26, No. 1,Feb-March 1993.
28-Encycolpedia of Sociology, Dusking Publishing
Group.Connecticut, 1974.
29-أبو عرقوب، مرجع سابق، ص81.
30-وكالة الإعلام الأمريكية، نشرة الأنباء العربية، 3/7/1993.
31-جوديث ميلر: تحدي الإسلام الراديكالي، مجلة لشؤون الخارجية،
1993، مقتبسة في وكالة الإعلام الأمريكية ، نشرة الأنباء العربية،
تاريخ 27/2/1994.
32-وكالة الإعلام الأمريكية، نشرة الأنباء العربية، 5/2/1993.
33-المرجع السابق، 28/9/1995.
34-المرجع السابق، 22/4/1993.
35-المرجع السابق، 18/7/1995.
36-ريتشارد نيكسون، الفرصة السانحة، ص138.
37-المنتدى، منتدى الفكر العربي، متابعات فكرية، العدد 140، ص8.
38- Clifford T. Morgan,A Brief Introduction to Psychology, Tata
McGraw-Hill Publishing Co. Ltd. New Delhi, 1987, p.351.
39- المنتدى، مرجع سابق، ص9.
40- المرجع السابق،المجلد الثامن، العدد 4 ، تشرين الثاني 1997 ،
ص4-5.
41-MugtaderKhan, Policy Entrepreneurs: The Third Dimension in
American Foreign Policy Culture, Middle East policy,5(3) 140- 154.
42-فتحي ملكاوي، دور الأكاديميين في السياسة الخارجية الأمريكية
تجاه الإسلام السياسي، ندوة الاتجاهات الغربية نحو الإسلام، الجامعة
الأردنية، تشرين ثاني 1998، ص13.
تجارب دول المغرب العربي مع الأحزاب
الإسلاموية:
ترويض الإسلامويين من خلال إشراكهم بالحياة السياسية(3)
سعى أصحاب القرار في الجزائر إلى تجزئة المعسكر الإسلاموي وتهميش
جبهة الإنقاذ الإسلامية وسمحوا منذ منتصف التسعينات لثلاثة أحزاب
إسلاموية بالمشاركة في الانتخابات. يمثل الإسلامويون جزءا هاما من
مجتمعات بلادهم. إبعادهم عن المشاركة في الحياة السياسية سيكون على
المدى البعيد وخيم العواقب، حيث سينجم عن ذلك جمود إصلاحي وما يترتب
عليه من ظهور طاقات نزاعية، كما تبين إزابيل فيرينفيلس في تحليلها
التالي.
تملك الأحزاب الإسلاموية في كل من الجزائر والمغرب منذ عدة سنوات
إمكانية المشاركة في العملية السياسية، وهذا الأمر أكسبها مزيدا من
البرغماتية والقدرة على اعتماد حلول الوسط. الحال في تونس على عكس ذلك
إذ أدت استراتيجية عدم التسامح المطلق المتبعة حيال الإسلاميين إلى
تعزيز أواصل الطابع الاستبدادي للدولة على نحو فائق.
عمدت أجهزة الإعلام الغربية بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية
التي جرت في فلسطين مرارا إلى مقارنة ذلك بالنجاح الساحق التي كانت
جبهة الإنقاذ الإسلامية قد أحرزته في الانتخابات التي جرت الجزائر عام
1991.
لكن مثل هذه المقارنات تتسم بطابع إشكالي، لا سيما وأن الضرورة
تقتضي فهم النجاح الذي حققته حماس في سياق وضع الاحتلال الإسرائيلي.
هذا وإن كان هناك ما يبرر الإشارة إلى المثال الجزائري ولكن لسبب آخر
تماما. حيث يمكن اتخاذ الجزائر عبرة لوقائع وخيمة العواقب نجمت عن
استراتيجية فاشلة قوامها قمع حركة شعبية إسلاموية.
فبعد أن حاز الإسلاميون في الجزائر في ذلك الحين على نجاح ساحق في
الانتخابات عمد الجيش إلى إبطال مفعول الانتخابات ومنع جبهة الإنقاذ
الإسلامية. وقد اندلعت نتيجة لذلك حرب أهلية أودت بأرواح قرابة 150000
شخص.
في هذه الأثناء تعلمت القيادة الجزائرية من أخطاء الماضي وأخذت
ابتداء من عام 1997 تعمل موازاة لمحاربتها للإسلاميين المتطرفين على
انتقاء أحزاب إسلاموية معينة بغرض المشاركة في العملية السياسية طالما
التزمت تلك الأحزاب بالقواعد التي سنها النظام الحاكم.
استراتيجيات في منتهى الاختلاف
لو ألقينا نظرة على الدولتين المجاورتين للجزائر، تونس والمغرب،
للاحظنا مدى الاختلاف القائم إزاء تعامل النخب الحاكمة في دول المغرب
العربي مع التحديات النابعة من الحركات الإسلاموية التي بدأت في تعزيز
مراكزها منذ الثمانينيات.
جاء خيار الملك الحسن الثاني في عام 1997 بالموافقة على مشاركة
الإسلاميين في العملية السياسية وإن على أسس انتقائية لأسباب عدة أهمها
تفاقم حالة العنف في الجزائر. وكان الملك قد وضع في حسابه تكريس
التجزئة في صفوف الحركة الإسلاموية و"ترويض" التيار الإسلاموي الذي
أسبغ عليه لتوه الصفة الشرعية.
منحت الصفة الشرعية للأحزاب الإسلاموية التي اعترفت بالدور المزدوج
الذي سن عليه الدستور بشأن الملك أي بكونه زعيما دينيا من جهة وصانعا
للقرار السياسي من جهة أخرى. وقد شمل ذلك حتى الآن حزبين اثنين هما حزب
العدالة والتنمية الذي بات منذ عام 2002 ثالث أقوى الأحزاب الممثلة في
البرلمان، وحزب البديل الحضاري الذي اكسب السمة الشرعية في عام 2005.
لكن قرار الحظر ما زال يسري على حركة إسلامية قوية هي حركة العدل
والإحسان لسبب رئيسي هو رفضها للملكية في كيانها الآني، هذا وإن تعاطت
الدولة مع نشاطات تلك الحركة في الأغلب بروح التسامح.
تجزئة المعسكر الإسلاموي
اختار صانعو القرار السياسي في الجزائر ( علما بأنهم كانوا كلهم
تابعين للجيش إلى أن انتخب بوتفليقة رئيسا للدولة في عام 1999) على مر
سنين الحرب الأهلية نمطا من التعامل مع الأحزاب الإسلاموية شبيها
بالخيار المغربي.
فانطلاقا من مساعيهم الرامية إلى تجزئة المعسكر الإسلاموي وتهميش
جبهة الإنقاذ الإسلامية والنهوض بمشروعيتهم الواهية عمدوا منذ عام 1997
إلى السماح لثلاثة أحزاب إسلاموية بالمشاركة في الانتخابات وهي حزب
النهضة وحركة الإصلاح الوطني الذي يتبوأ حاليا المرتبة الثالثة بين
الأحزاب الممثلة في البرلمان وحركة المجتمع من أجل السلام.
هذا وقد أدخلت حركة المجتمع من أجل السلام عام 1997 في الائتلاف
الحكومي لتحتل فيه خمسة مقاعد وزارية من مجموع 41 مقعدا. وكانت هذه
الحركة وحزب النهضة قد فشلا في منافسة جبهة الإنقاذ الإسلامية في
انتخابات عام 1991.
عادة يمنع بعض الأفراد والجماعات القادرة على تعبئة الجماهير على
نحو كبير من المشاركة في العملية السياسية. هذا يشمل على نحو خاص
الفعاليات السابقة لجبهة الإنقاذ بمن فيهم حتى من أصبح يدين اليوم
صراحة بالنهج الديموقراطي.
انزلاق تونس نحو النزعة الاستبدادية
سلكت تونس في عهد الرئيس بن على في واقع الأمر طريقا معاكسا لذلك.
فبعد انقضاء فترة وجيزة من إشراك الإسلامويين ولو جزئيا بالعملية
السياسية في نهاية عقد الثمانينيات بدأ بن على يلجأ منذ عام 1990 إلى
استخدام استراتيجية عدم التسامح المطلق تجاههم.
سبب ذلك النجاح الكبير الذي حققه في انتخابات 1989 البرلمانية
مرشحون مستقلون ينتمون إلى حزب النهضة الإسلاموي غير المعترف به من قبل
الدولة. أفرز ذلك موجات من القمع ما زالت قائمة حتى هذا اليوم. هذا ولا
يوجد في تونس أي حزب إسلاموي معترف به من الدولة كما أنه لا يسمح لذوي
النزعات الإسلاموية بالقيام بنشاط سياسي ولا حتى بتنظيم صفوفهم بهدف
القيام بالأعمال الخيرية.
لو اقتصر مقياس نجاح الاستراتيجيات المختلفة الصادرة عن تلك الدول
تجاه الإسلامويين فقط على تحقيق الأهداف المرسومة من الدولة لا سيما
الهدف المتعلق بإضعاف الإسلامويين لاتضح لنا بأن سياسة القمع التي
تنتهجها الحكومة التونسية في هذا السياق هي الاستراتيجية الأكثر نجاحا.
ففي تونس لا يوجد للإسلامويين على الصعيد العلني العام أي وجود على
الإطلاق، كما أنه يصعب عليهم إعادة تنظيم صفوفهم في ظل مناخ الحظر
المفروض عليهم. أما في المغرب فقد أفلح الناشطون الإسلامويون في تكريس
المزيد من المكاسب. وربما كان بوسع حزب العدالة والتنمية أن يحقق نجاحا
باهرا في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في عام 2007.
بالنسبة للإسلامويين الجزائريين فهم يرزحون الآن تحت وطأة التجزئة
مما أضعف بالتالي مركزهم السياسي مقارنة بأعوام قليلة مضت. لهذا فإنه
حتى في حالة إجراء انتخابات نزيهة وحرة لن يكون بمقدور أحد هذه الأحزاب
الإسلاموية القائمة في الجزائر إحراز النجاح. هذا وإن كان بوسعها أن
تحقق نجاحا فائقا فيما لو دخلت الانتخابات لا كأحزاب متفرقة بل كجبهة
موحدة.
النموذج التونسي يعيق الديموقراطية
في حالة اعتمادنا لمقياس تفريقي لتقييم نجاح سواء الاستراتيجيات
القائمة على إشراك الإسلامويين بالعملية السياسية أو تلك المبنية على
القمع ولو طرحنا بعد ذلك السؤال على كيفية انعكاس كافة هذه
الاستراتيجيات على الطاقات الإصلاحية لكل من هذه الأنظمة السياسية على
حدة وعلى النوايا التي يحملها الناشطون الإسلامويون في نفوسهم لتبين
لنا بأن الصورة النابعة من ذلك ذات طابع معقد.
في هذا السياق يتضح لنا أيضا الجانب الآخر السلبي لتجربة تونس "الناجحة"،
ففي إطار مكافحة التيار الإسلاموي تحوّلت تونس في غضون السنوات الخمس
عشرة الماضية من دولة قائمة مبدئيا على الديموقراطية إلى دولة أصبحت
أكثر الأنظمة العربية استبدادا.
إذ تزامن اضطهاد الدولة للإسلامويين مع مساس عام للحريات السياسية
والحقوق المدنية شمل كل المواطنين التونسيين. فقد كاد المعارضون
العلمانيون أيضا لا يملكون إمكانيات تذكر لتنظيم أنفسهم وأصبحوا دوريا
عرضة للاعتقال ولحملات غوغائية موجهة ضدهم من قبل أجهزة الإعلام
المسيّرة من الدولة.
إذن فإن المثال التونسي يبرر الاستنتاج بكون حظر نشاط الإسلامويين
يعيق التطور الديموقراطي نفسه، نظرا لكون مثل هذه السياسة تؤدي
بالضرورة إلى نشوء هياكل استبدادية وتجميد ميكانيكية المنافسة السياسية.
بالإضافة إلى ذلك فإن التجربة الجزائرية في بداية تسعينيات القرن
الماضي تدل على أن أنماط الحظر الشبيهة بالوضع في تونس والتي يرافقها
انفجار في الأوضاع الاجتماعية والسياسية تفرز مواجهات مبنية على العنف.
نحو سياسة برغماتية
على عكس الحال في تونس نجمت بصورة مزدوجة نتائج إيجابية عن إشراك
الإسلامويين في الجزائر والمغرب في العملية السياسية. فمن خلال ذلك
تغيرت أولا النوايا والأهداف التي تتبناها الأحزاب الإسلاموية في هذين
البلدين. صحيح أن هذه الأحزاب ما زالت تنطلق في أعمالها بلاغيا من علوم
الدين، لكن الأحزاب الإسلاموية المعترف بها من الدولة تتعامل على أرض
الواقع على نحو لا يكاد يختلف عن الأحزاب الأخرى أي غير الإسلاموية.
فهي تتصرف في الحياة السياسية اليومية في المقام الأول على قاعدة
المعايير التي يحددها الصراع من أجل النفوذ السياسي. كما أنها أصبحت
على استعداد للتنازل بصورة متزايدة عن بعض تصوراتها الاجتماعية
والسياسية النابعة من القيم الدينية طالما كان ذلك في خدمة المصالح
الوطنية أو في خدمة مصالحها الذاتية.
من خلال مشاركة الإسلامويين بالعملية السياسية أصبح برلمانا المغرب
والجزائر أشمل تمثيلا لتوجهات الشعب من السابق. يأتي بالإضافة إلى ذلك
أن للأحزاب الإسلاموية مصلحة ذاتية حيال المنهج الديموقراطي تفوق الحال
لدى غيرها من الأحزاب الأخرى لكونها تدرك بأنها قادرة على إحراز نتائج
طيبة في الانتخابات طالما كانت نزيهة حرة.
لهذا فقد بادرت حركة الإصلاح الوطني في طرح مشروع لإصلاح قوانين
الانتخابات يهدف إلى تكريس مقدار أكبر من الشفافية. لعل جانبا من
الإسلامويين ما زالوا يحبذون في السر خيار التعبئة الكاملة بهدف تحقيق
الفوز المطلق للنهج الإسلاموي، هذا وإن أصبح النواب الإسلامويون
يتحسسون على نحو متزايد ضرورة التعاطي مع الجماعات الأخرى القوية
والمنطلقة من أرضية فكرية مغايرة لهم وباتوا على قناعة بأنه ليس بوسعهم
إخضاع تلك الجماعات ببساطة لسيطرتهم. هذا التحول يتضح من خلال
المحادثات التي يجريها المرء مع نواب إسلامويين.
موقف محافظ من المسائل الاجتماعية
الغريب في الأمر أن هناك تقاربا كبيرا في الرؤى إزاء أجندة الإصلاح
السياسي بين الإسلامويين وبين أطراف خارجية مثل الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة ومؤسسات بريتون وود فيما يتعلق بالمطالبة في ممارسة
نهج حكومي نزيه وفي تكريس دولة القانون ومكافحة الرشوة وضمان الشفافية
ومحاسبة المسؤولين.
أما في القطاع السوسيولوجي فما زال الإسلامويون يتعاملون بروح بعيدة
عن التقدم. ففي المغرب عمد حزب العدالة والتنمية على سبيل المثال إلى
اعتماد قانون العائلة التقدمي الجديد في عام 2003 لسبب وحيد فقط هو أن
اتخاذه لأي موقف آخر تجاه هذا القانون كان سيعني انتحاره السياسي وذلك
على ضوء وقوع الاعتداءات في الدار البيضاء حينذاك. ينبغي علينا أن
نلاحظ أيضا بأن حزب العدالة والتنمية يقترب في سياق التصورات الأخلاقية
التي يدين بها من صلب القيم المحافظة للمجتمع أكثر من الحال لدى النخب
المغربية ذات النزعة الغربية.
بغض النظر عن كون الإسلامويين يشكلون مفتاحا للإصلاح أم لا فإن هذا
في حد ذاته غير ذي أهمية بالنسبة للسؤال عما إذا كانت الضرورة تقتضي
مشاركتهم في العملية السياسية. لكن هناك حقيقة ثابتة هي أن الإسلامويين
يمثلون جزءا كبيرا هاما من مجتمعات بلادهم. لهذا فإن إبعادهم عن
المشاركة في الحياة السياسية سيكون على المدى البعيد وخيم العواقب من
الناحية السياسية، حيث سينجم عن ذلك جمود إصلاحي وما يترتب عليه من
ظهور طاقات نزاعية لا سيما في حالة اندلاع الأزمات ذات الطابع
الاقتصادي.
الإسلام السياسي ولعبة الشيطان:
حقائق الدوافع المالية والتحالف مع
الأنظمة!(4)
أكثر من سؤال يثيره كتاب "لعبة الشيطان" للأمريكي روبرت دريفوس
وقبله كتاب "كريستين سمث" عن كيفية تحالف قوى أموال الجناح اليميني
الإسلامي مع قوى الأقليات الحاكمة حين تتعرض للتهديد، الكتاب عرض
تاريخي طويل الأمد لصعود هذا التيار اليميني الإسلامي منذ أواخر القرن
التاسع عشر، وصولاً الى أيامنا الراهنة، ولأن هذه المدة الزمنية أكثر
طولاً من أن يحتوي تفاصيلها كتاب واحد، فمن الممكن أن يشوبه التعميم
المفرط أحياناً، بل الخلط بين التيارات الإسلامية واتجاهاتها ولكن تبقى
هناك أسئلة مشروعة وأجوبة موثقة عن دور هذه التيارات الإسلامية
اليمينية، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين في تنمية وتطوير قدرات مالية
عملاقة استناداً الى تمويل نظم تبادلها الانتفاع في تجنيد قوى كلا
الطرفين ضد الحركات الوطنية من قومية ويسارية شغلت ساحة الصراع
الاجتماعي- السياسي طيلة القرن الماضي· بالطبع هذا ليس إلا جانبا من
القصة أما الجانب الآخر فهو تعامل مخابرات الدول الأجنبية وبخاصة فرنسا
وبريطانيا والولايات المتحدة مع هذه التيارات وقدراتها على توجيهها نحو
ساحات معاركها، فعلى غرار ما فعل البريطانيون من توجيه لهذه التيارات
اليمينية الإسلامية ضد المنافس الروسي في أفغانستان في القرن التاسع
عشر وفي البلدان العربية إبان الصراع مع الدولة العثمانية وإيران في
القرن التاسع عشر تكررت التجربة مع الأمريكيين الذين حرصوا منذ أوائل
الخمسينات على دعوة ممثلي هذه التيارات الى مؤتمرات تديرها وتشرف عليها
منظمات تابعة للمخابرات المركزية الأمريكية، واستطاعت أن تثمر في تجنيد
هذا اليمين الإسلامي في معركتها ضد الاتحاد السوفييتي وضد الحركات
الوطنية العربية وتشوه طبيعة الصراع في المنطقة العربية وتنقله من صراع
بين قوى الاستعمار الغربي وقاعدته إسرائيل الى صراع ضد السوفيات والصين·
ما تشهده المنطقة العربية حالياً، حيث تتحالف قوى اليمين الإسلامي
السياسي مع الحكومات ضد معارضة وطنية مدعومة بقوى المال والامتداد
المسموح به رسميا في كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية
يرسخ ألوان الصورة نفسها وكأن الليلة لا تشبه البارحة، بل هي نسخة عنها،
ونسخة دقيقة تجد فيها المخابرات الغربية فرصة للدخول في لعبة مشتركة مع
هذا الذي يسميه كتاب "دريفوس شيطانا" ولكن تتبع الوقائع التاريخية
يبرهن على أن هذا الشيطان كان مطيعا أكثر من شيطان المصباح السحري، فقد
خدم السياسات الغربية في البلدان العربية حين وجه قواه ضد كل قوى
التحرر مهما كانت ألوانها ودخل في مغامرات خارجية مهدت لامتداد النفوذ
الغربي أو ساهمت فيه كعنصر فعال، في آسيا الوسطى، وفي تقسيم يوغوسلافيا
السابقة وتحويلها الى دويلات·· خاضعة لحلف الناتو وهو يستعد الآن كما
تشير التقارير المتسربة عن التوجيهات السرية لإشعال الحروب الأهلية في
البلدان العربية وتقسيمها، الى الانضمام الى حملة تفتيت الأوطان الى "دويلات"
طائفية·
في الكتاب إشارة ذات مغزى الى أن درس التحالف مع قوى الإسلام
السياسي اليميني المتضخمة ماليا والتي توفر لها فرص النمو الديناصوري
حكومات تخشى كل تغيير نحو الديمقراطية والمشاركة الشعبية في القرار
السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هو درس متناقل، أي أنه موضع تبادل فحين
تحتاج دولة خليجية مثلاً الى تدعيم وضعها ضد قوى المعارضة الوطنية،
تلتفت الى الدرس الذي قدمه النظام الأردني حين سانده الإخوان المسلمون
في الأردن ضد المقاومة الفلسطينية مساندة مطلقة في أواخر الستينات والى
نظام السادات الذي سارع التيار نفسه الى مساندته ضد حركات التغيير
المصرية·
ولا ننسى بالطبع أن هذا التيار نفسه بالتحالف مع بعض الحكومات
العربية ومن مراكزه الدولية في ألمانيا وسويسرا وبريطانيا واجه بقوة
حركة التحرر العربية التي كانت الناصرية عنوانها في الخمسينات
والستينات·
في هذا الضوء لا يبدو أن اللعبة قائمة مع الشيطان كما يريد أن يوحي
الكاتب بل هي لعبة شيطانية بمجملها مازالت نافعة ومتمددة منذ مئة عام
تقريبا، وحتى الآن·
رؤية سوسيولوجية في الإسلام
السياسي(5)
ثمة هوة كبيرة بين الماضي الإمبراطوري الإسلامي الذي تشد إليه
الرحال دائماً من قبل الخطاب الإسلامي الاحتجاجي والتحشيدي، كذلك
الخطاب القومي، وبين الحاضر العربي المجزأ والمهدد بمزيد من الاحتلال
والتفتيت، وما بين الماضي التليد والحاضر البليد. إذ أن الخطاب
الإسلامي الاحتجاجي/التحشيدي يقوم بردم الهوة من خلال الخطابة والقول
إن تخلفنا يرتد إلى بعدنا عن الإسلام من جهة، وهذا هو حال الشيخ على
مسار تاريخي طويل يمتد من الأفغاني إلى محمد عبده إلى معظم شيوخنا
المعاصرين، ويرتد من جهة أخرى وهي الأهم إلى تآمر الآخر علينا،
والمقصود بذلك تآمر الغرب وجبروته، وهذا ما يفسر من وجهة نظر الكثير من
الباحثين المعاصرين، هذا الدفع بالحلول إلى عنق الزجاجة واللهث وراء
المعادلات المستحيلة الحل التي لا تتصور إمكاناً لنهضة الأنا إلا بغياب
الآخر وذلك على صعيد الخطاب الإسلامي في أشد أشكاله الفكرية تطرفا،
والتي لا تتصور مكاناً لائقاً للمسلمين إلا بقيادة العالم والقوامة
عليه، وذلك عبر خطاب تضخيمي يعزي للعرب صفات قيادية أزلية ؟ وفي
الحقيقة فإن هذا الخطاب لم يكن حصراً على الخطاب القطبي المنتج
للإيديولوجيات الأصولية في أشد أشكالها تطرفا، بل تعداه إلى خطابات
إسلامية تنويرية بقيت مندفعة إلى ما يمكن تسميته بحقل الميثولوجيا
النهضوية المفلسفة.
ففي كتابه "الاستغراب" لا يرى حسن حنفي إمكاناً لنهضة الأنا إلا على
حساب الآخر، إنه يحيلنا إلى ما يسميه بالدورة السباعية التي مدتها
سبعمائة، ففي نهاية كل سباعية تنهض الأنا وينحسر الآخر، ثم تكتب النهضة
للآخر على حساب الأنا وهكذا دواليك.
في الحقيقة، إن التصور الذي لا يرى إمكاناً لنهضة الأنا إلا بغياب
الآخر، يظل مضمراً بأمرين، الأول: إنه يعزي قصورنا التاريخي إلى وجود
الآخر حصراً، وبذلك يظل مضمراً بالعقلية التآمرية التي تتصور الغرب
دائماً بموقع المتآمر على الأمة الإسلامية ورسالتها الخالدة، وهي
التحليلات التي غزت الخطاب الجهادي والإسلامي عموما بعد زلزال الحادي
عشر من أيلول/ سبتمبر والثاني: تنحيته لكل ما من شأنه أن يكون نقداً
ذاتياً يشير إلى مكمن الداء الذي سبق تاريخ التآمر الغربي والذي كان
بمثابة نتيجة لهذا التخلف التاريخي.
مع إقراره بـ "الأدواء التي سببها لنا مثل هؤلاء الأعداء" إلا أن
عبد الوهاب المؤدب يرى في كتابه "أوهام الإسلام السياسي" الصادر في
سياق زلزال الحادي عشر من أيلول، أنه من الضروري دحض هذه الفرضية التي
ترجع الداء اللاحق بنا لفعل الآخر لأنها بذلك تنزع المسؤولية عنا، أضف
إلى ذلك أنها تحول بيننا وبين نقد الذات، بصورة أدق، لا تجعلنا نرى
مكمن الداء، من هنا أهمية دحض هذه الدعوى القاطعة كما يرى، كعمل سابق
على ما عداه، وكعمل يعلمنا كيف نلتفت إلى قدرنا المسؤول.
من جهة أخرى، لا يرد عبد الوهاب المؤدب تخلفنا إلى الإسلام كجوهر،
فليس الإسلام هو أصل الداء والمصيبة، بل المصيبة هي بما فعله المسلمون
أنفسهم بالإسلام. والكاتب يوظف منذ البداية عجلة وخفة منهجه للكشف عن
أصل الداء وبالتالي وصف الدواء للخروج من عنق الزجاجة، ومن دوامة
التخلف الحضاري، لا بل انه يتيه فخراً في منهجه وانجازه هنا الذي يعزي
التخلف إلى ما فعله المسلمون بأنفسهم وبإسلامهم.
من وجهة نظر عبد الوهاب المؤدب، أن الأصولية الإسلامية هي الداء،
وهو لا يفرق بين أصولية وأخرى، فالكل سواسية، الأخوان المسلمون
والجماعة الإسلامية وكل التيارات التكفيرية الجهادية، على طريقة نصر
حامد أبو زيد كما مر معنا، وهو ما لا يستقيم والبحث العلمي، لكنه
يستقيم مع الظرف الذي يولد هذا النوع من الكتابة التي ينشدها المؤدب؟.
لا يكتفي المؤدب بالإشارة إلى الأصولية كداء، بل يؤثر البحث عن "أصل
الأصولية وفصلها" أي جينالوجيا الأصولية على طريقة نيتشه، وفي بحثه
يعود بنا إلى أحمد بن حنبل وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب مروراً بابن
تيمية كحلقة وصل، وصولاً إلى حسن البنا، ليحكم على خطاب البنا الذي هو
مؤسس الأصولية المعاصرة، وبدون أي تحليل، بأنه يصلح لأن يكون "انموذجاً
للهذيان المعادي للغرب" ويضيف:"في نص البنا يمكن تبين زخم المعاداة
للغرب الذي يجري التعبير عنه عبر خطاب بدائي يعرف اقتناعاته كأنها من
المسلمات" والنتيجة التي يقودنا إليها أن هذا الخطاب الإسلامي المعادي
للغرب شكل محوراً لنشر الكراهية، وهو أحد أعراض داء الإسلام، الذي
يدفعنا إلى باحة خطاب إسلامي "مثير للشفقة "ونموذجاً" للأطروحات
الساذجة التي تلقفتها الآذان المتلهفة لأشباه المتعلمين الذين يتآكلون
حقداً "وحقداً بالطبع على الآخر الغربي الذي غلبهم في عقر دارهم، فثمة
إحساس بالفجيعة يغلب على خطابات وسلوك أغلب المسلمين، الفجيعة من فقدان
الغلبة التاريخي، والأهم من غلبة الآخر الغربي.
إن المؤدب لا يؤسس لخطاب سوسيولوجي في دراسة الظاهرة الأصولية، وكان
له أن يستفيد كثيراً من هذه الإنجازات في الغرب، ولذلك نراه يحصر
الأصولية في الجانب السيكولوجي، فالأصوليون الذين ما فاقوا من صدمة
الغرب، يظهرون بامتياز في خطاب المؤدب كحساد نموذجيين للغرب وهذا هو
مصدر كره الغرب عند الأصولية، وهو بذلك يقتفي خطى شيخ المستشرقين
برنارد لويس في كتابه "الإسلام والحداثة: ما الخطأ الذي حصل" الذي يظهر
العرب كحساد نموذجيين للحضارة الغربية، وهذا ما يقوله أيضاً توماس
فريدمان وبخفة عالية، فالحسد والكره وحدهما يقفان وراء سلوك الأصولية
في أحداث الحادي عشر من أيلول والأسباب ليست سياسية تتعلق بسلوك
الولايات المتحدة بل لأسباب ثقافية تنهل من رحم الأصولية الممتد من
أحمد بن حنبل إلى ابن تيمية إلى الأفغاني وصولاً إلى حسن البنا الرحم
الأصولي الذي جاء منه الجميع.
من هنا ليس غريباً أن يكون الجواب في الخطاب الإعلامي في الغرب الذي
يستقي مواده من كتابات من هذا القبيل على لماذا يكرهوننا بالجواب لأنهم
يحسدوننا ؟.
لا يرى عبد الوهاب المؤدب في خطابه الذي يدعي ويزعم فيه النجاعة،
إلا الأصولية الإسلامية باعتبارها مصدرا للشر، وبذلك يغفل خطابه عن ما
عداها من الأصوليات التي قد تكون أكثر تطرفاً منها كالأصولية الهندوسية
كذلك الأصولية المسيحية، ومع أن الأصولية باتت ظاهرة تاريخية وكونية
عامة، إلا أن المؤدب لا يرى كما أسلفت إلا الأصولية الإسلامية التي هي
أصل الداء ومكمن البلاء معاً.
في كتابه " تاريخية الفكر العربي الإسلامي"، راح الباحث الإسلامي
محمد أركون يعزي انتشار الأصولية في أوساط الشباب المسلم المتعلم
تعليماً عالياً، إلى حالة سيكولوجية نفسية يمكن دراستها من منظور
الاكتشافات الجديدة الخاصة بـ " الإنسان العصبي" الذي يمكن الحجر عليه،
أما عبد الوهاب المؤدب الذي يسوق استنتاجاته السريعة على عجل، فهو يعزي
انتشار الأصولية المعاصر إلى الحقد الدفين على الغرب والذي هو ناتج
إسلام مفجوع بغلبته، فالحاقد هو إنسان عصبي يمكن الحجر عليه أو تمديده
على سرير التحليل النفسي وتقطيعه عنوة لمعرفة مكامن الحقد التي تاه
عنها المؤدب ولما يهتدي إليها بعد
دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال
السياسي
الإسلام والسياسة(6)
سجل الإسلام حضورا متجددا في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية
في البلاد العربية المعاصرة كفاعل كبير في صوغ مشهدها العام وفي توليد
ديناميات جديدة فيها، ولم تعد السياسة تملك أن تعبر عن نفسها في العقود
الثلاثة الأخيرة بمعزل عن الدين -تماهيا كليا أو توظيفا جزئيا- ليس فقط
بالنسبة للذين أتقنوا دائما الصلة بينهما كالإسلاميين، بل حتى بالنسبة
للذين جربوا باستمرار فك تلك الصلة دفاعا منهم عن دهريتهم السياسية.
-اسم الكتاب: الإسلام والسياسة: دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال
السياسي
-المؤلف: عبد الإله بلقزيز
-الطبعة: الأولى 2001
-الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ المغرب
لقد كرست تجربة الدولة العربية الحديثة في فترة الاحتلال ثم
الاستقلال عملية إزاحة صريحة للدين من المجال السياسي، وكرست أيضا حكم
نخبة حديثة غربية الولاء الثقافي، وأحرزت الحداثة الاجتماعية والسياسية
والثقافية نجاحا هائلا في المجتمع العربي المعاصر، وهو نجاح مس نظام
القيم ومنظومة الأفكار، وترشح تيار كوني جارف يعظم المادة على حساب
الروح، وفجأة انهزمت الحداثة أمام التقليد في الدولة والمجتمع.
ولكن موجة الحداثة والعلمانية لم تستطع -وإن طغت- حجب وقائع وحقائق
راسخة في التكوين الثقافي للمجتمع العربي تحتل الفكرة الدينية فيه
موقعا مميزا في منظومة الأفكار لم تغيره موجة التحديث.
والمسألة السياسية كانت دائما جوهرية في الإسلام لم تفتعلها الحركات
الإسلامية المعاصرة، فالتاريخ الإسلامي يشهد تلازما بين السياسة والدين،
ويصدق ذلك على العصر الحديث، فقد تداخلت عوامل الدين والوطنية في تشكيل
وجدان سياسي عام، وبالتأكيد فإن غياب الحريات السياسية سيؤدي إلى
استثمار الدين في المواجهة أو في البحث عن مجالات بديلة للعمل.
إن الإسلام -بالتعريف- عقيدة وثقافة وحضارة، وأما الحركات الإسلامية
فهي حركات سياسية بلا زيادة أو نقصان، فلا إسهام فعلي لها في التراكم
الفقهي، ولم تقدم نفسها بوصفها مدارس معرفية جديدة بل بحسبانها تيارات
سياسية، ولو نظرنا إلى إسهاماتها الفكرية قياسا بإسهام الإصلاحية
الإسلامية في القرن العشرين لوجدنا أن الفارق يمنع القياس من كل الوجوه.
ويخشى أن يؤدي التماهي بين الحركات السياسية الإسلامية وبين الإسلام
إلى تبعات ومحاذير منها تحميل الإسلام كعقيدة أوزار أفعال غير راشدة
تأتيها حركات "الإسلام السياسي" وتحريف معنى الإسلام بتحويله من عقيدة
جامعة للأمة إلى أيدولوجيات سياسية لفريق منها، وتكريس نظام كهنوتي
يأباه الإسلام.
وهذا لا يعني تجاهل إنجازات الحركة الإسلامية المعاصرة وتضحياتها،
فقد بذلت وحققت الكثير في صون هوية الأمة وتحرير الأرض من الاحتلال
ومواجهة الاضطهاد والتهميش، ثم هي قوة سياسية رئيسية بين الشعب العربي
استعادت بعض توازنات علاقات الصراع الداخلي بين المجتمع والسلطة.
وأضافت الحركة الإسلامية إلى العمل القومي والسياسي والإصلاحي بعدا
دينيا استنهض طاقات الأمة وعبأها، وكسرت احتكار الدين الذي كانت تمارسه
السلطة السياسية لتجعله عملا شعبيا واسع النطاق، واستعادت الأمة هذا
الكنز الروحي المصادر وأعادت حيويته الوظيفة الاجتماعية والتحررية
للإسلام ليكون سلاح المستضعفين في مواجهة الطغيان والاستضعاف.
الدين والدولة
يرى المؤلف أن السجال الدائر بين علمنة الدولة وتطبيق الشريعة
الإسلامية هو في حقيقته سياسي وصراع على السلطة وليس خلافا فكريا
وفلسفيا، والنظر إليه بغير ذلك يشبه دراسة وتحليل الخلاف بين الخوارج
والمرجئة والشيعة على أنه في أساسه وجوهره على الإيمان والتفكير. لقد
صدرت السياسة مشكلاتها إلى حقل الثقافة والفكر، بل استعارت هذا الحقل
لتعبر عن نفسها، ومن المفيد لنا -نحن المعاصرين- أن نستفيد من درس
الفرق والمذاهب فلا نكرر الخطأ عينه وهو استنزاف الوعي في مشاكل لا
تحلها إلا السياسة، ونستفيد من درس "الفتنة الكبرى" حتى لا نعيد إنتاج
فتنة فكرية وحرب أهلية جديدة.
لم ترسم النصوص الدينية شكلا للنظام السياسي وآليات عمل الاجتماع
السياسي للمسلمين، والمرجع الوحيد في ذلك هو التجربة النبوية في دولة
المدينة وتجربة الخلافة الراشدة فيما بعد، وهي دولة لم تقم على أسس
دينية بأي من المعاني التي تفهم من عبارة الدولة الدينية، ولكن هذا
الغياب للتشريع الديني في المجال السياسي فتح المجال للاجتهاد لاقتراح
نظم وقواعد وقوانين ليس منصوصا عليها بدليل أن غياب التشريع لم يمنع
المسلمين من إقامة دولة ومن توسيع جغرافيتها ومن تأسيس فقه للسياسة
واكب الدولة.
وحدثت تحولات كبيرة بعد الخلفاء الراشدين في أنماط الحكم واختيار
الحكام، ولكن لم تتعرض ثوابت النسق الإسلامي السياسي لتغيير جوهري بل
حوفظ عليها وأعيد إنتاجها.
الاجتهاد والبدعة
أقر الإسلام -كما العقل الإسلامي- بالتطور والتحول واحتسبه ناموسا
في الوجود ورتب على الإقرار به قاعدة فكرية تناسبه هي وجوب العمل بمبدأ
التجديد، ويشهد تاريخ الاجتماع السياسي وتاريخ الفكر الإسلامي بالدرجة
المتقدمة للاجتهاد التي تجلت في الفقه الإسلامي وأصوله والفلسفة
الإسلامية. ثم أغلق باب الاجتهاد وتوقف الإبداع الفكري لأسباب سياسية
وحضارية، وتبع ذلك موجة تقليد رأت في الاجتهاد بدعة يجب محاربتها.
وقد يصعب الفصل في التمييز بين الاجتهاد والبدعة، وقد أنشأت صدمة
الحداثة وما رافقها من احتلال أجنبي وغزو فكري وثقافي مغالاة في الفكر
والممارسة ووجد الوعي الإسلامي نفسه في موقف دفاعي لم يستطع دائما أن
يتحرر من أحكامه تحررا إيجابيا. ورغم أن الحركة الإسلامية المعاصرة
سلكت الدعوة إلى رفض التجديد فإن سلوكها كان أحيانا اضطراريا، وإلا فلن
نستطيع أن نفهم المنزع الثوري العنيف في أفكار جمال الدين الأفغاني
وسيد قطب على سبيل المثال.
الغلو والتكفير
ترد كثير من الدراسات ظاهرة العنف الإسلامي إلى الطبيعة المغلقة
للنصوص الدينية الإسلامية والفكرة الأصولية عن الجهاد التي تشرع للعنف
وترفعه إلى مرتبة الواجب، ويتجاهل هؤلاء الدارسون أنهم إزاء ظاهرة
اجتماعية في المقام الأول، ولذلك فإن فهمها وتحليلها يقع في محيط
علاقات الاجتماع المتشابكة التي تصنعها وليس بالانصراف إلى تحليل نصوصي
جامد يتوهم الواقع محض إفراز تلقائي للفكرة. وهم يختارون من النصوص ما
يؤيد فكرة معدة مسبقا ولا يذهبون في التحليل النصوصي إلى نهايته
الطبيعية. ويتكرر التجاهل للأمثلة والنصوص على صعيد وعي واستحضار وقائع
التاريخ.
إن عناصر الشبه والقرب بين أفكار التكفير القديمة وأفكار التكفير
الحديثة قائمة ومتكررة وثابتة وإن تباينت في الإخراج والعبارة، والسبب
في ذلك أن التكفير واحد في النوع وإن اختلف في التفاصيل، فالعناصر
التأسيسية للتكفير هي سياسية ترتبط بمجمل المصالح الاجتماعية التي تجد
في فكرة التكفير واسطة من وسائطها إلى التحقق، ومعرفية تتعلق ببديهيات
غير مفحوصة تدفع أصحابها إلى اعتناق التكفير باعتباره صوابا.
إن الإيمان بحيازة الحقيقة المطلقة هو الطاقة الحيوية التي تتزود
بها فكرة التكفير وتستمد منها الشرعية. ونعيش اليوم تدهورا حادا في
رؤية الفكر الإسلامي إلى مسألة السلطة الدينية والسياسية في الإسلام،
ونشأ جيل إسلامي جديد مقطوع الصلة بالتراث الإسلامي الإصلاحي، وتشكل
لدى إسلاميي ما بعد الإصلاحية جموح متزايد للدفاع عن ممارستين شاذتين:
ممارسة السياسة في الدين بإخضاع الإسلام إلى مطالب السياسة والمصلحة
والصراع، وممارسة الدين في السياسة عن طريق بقاء موقع قوي فيها باسم
المقدس.
العقيدة والسياسة
أغفلت معظم الدراسات والكتابات التي تناولت الظاهرة الإسلامية
الأسباب التي كانت في أساس القيام المتجدد للسياسة على الدين والأسباب
التي تدفع جمهورا متزايدا للتعبير عن مطالبه السياسية والاجتماعية
تعبيرا دينيا، والأسباب التي تفسر الطلب المتزايد على الرأسمال الديني
في حقل السياسة والصراع الاجتماعي، وشغلت غالبا في توظيف سياسي غير ذي
قيمة بمعيار المعرفة الموضوعية.
يحتاج التفكير في "الإسلام والسياسة" وفي عناوين هذه العلاقة إلى
مقاربة معرفية تحلل الخطاب إلى مقدمات وفروض، ومنهج ورؤية، ثم مقاربة
سوسيولوجية تحاول فهم ما وراء الأفكار أي جملة الملابسات والشروط
الموضوعية التي قادت إلى التعبير عن أفكار بعينها.
يعبر الإسلاميون في عملهم السياسي عن وعي حاد بأهمية استثمار المقدس
الديني وتوظيفه في المعارك الاجتماعية المختلفة وخاصة في المعركة
السياسية من أجل السلطة، وربما نجحت الحركة الإسلامية بهذا التسييس
الواسع للإسلام في إعادة بعث بعض أسباب قوته وإشعاعه في العالم المعاصر،
ولكن الإسلاميين بذلك يخرجون بالمسلمين من عهد الأمة والجماعة إلى عهد
الانقسام السياسي والنفسي.
إن تجربة الأيدولوجيات التي سبقت الإسلاميين وسادت في ساحة الأمة
كالليبرالية والقومية والاشتراكية يقود إلى مقولة أن التيارات
الإسلامية حالما تدخل تجربة السلطة ستتخلى عن مثاليتها وتحرق
أيدولوجيتها السياسية، وهذا ما يبدو اليوم في إيران والسودان على سبيل
المثال. والأيدولوجيا تمثل على الدوام شكلا من أشكال التمثل المثالي
للواقع وبالتالي فهي ستظل دائما بعيدة عن أن تترجم نفسها حرفيا في
تجربة سياسية متحققة.
المشروع السياسي الإسلامي
يقترن ميلاد المشروع الإسلامي المعاصر زمانا بأفول المشروع السياسي
لقوى الحداثة العربية بطبعاتها العقائدية المختلفة. وينتمي الخطاب
السياسي الإسلامي في القواعد والمقدمات والمفاهيم إلى الخطاب السياسي
المعاصر، فهو خطاب دعوي تبشيري تحريضي يميل إلى إنجاز تواصل سهل مع
جهوده يحقق له الظهور والنفاذ.
والمشروع السياسي للحركات الإسلامية هو رفضوي في المقام الأول، فهي
تملك برنامج ثورة وهدم دون أن تملك برنامج تأسيس وبناء. ويمضي المؤلف
في ملاحظة أوجه الشبه والعلاقة بين المد الثوري الإسلامي والثوري
الاشتراكي في رفض الإصلاح والحلول الوسط، بل ويرى كتاب "معالم في
الطريق" لسيد قطب نسخة إسلامية معربة عن كتاب لينين "ما العمل؟"، وينبه
إلى التأثر الشديد لسيد قطب بالاشتراكية في كتابه "العدالة الاجتماعية
في الإسلام".
الإصلاحية الإسلامية والحركة
الإسلامية
يميز بلقزيز بين اتجاهين أو تيارين إسلاميين هما الإصلاحي والنهضوي
الذي يعبر عنه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن
الكواكبي ومحمد بلحسن الحجوي في المغرب، وبين تيار الصحوة الإسلامية
ويعبر عنه حسن البنا وسيد قطب وعبد السلام ياسين في المغرب وتقي الدين
النبهاني (حزب التحرير الإسلامي).
وقد حدثت قطيعة كبرى بين التيارين فاشتغل الثاني منهما بالسياسة
والأول لم ينغمس بها، ولكن المفارقة المثيرة أن وعي الإصلاحيين كان إلى
الوعي السياسي أقرب من وعي" الصحويين" رغم أنهم (الإصلاحيون) تمسكوا
بموقعهم الفكري كدعاة إلى مشروع إصلاحي مجتمعي، ولم تكن مطالبهم
متواضعة ولكنها واقعية، ومحكومة بمراعاة حقائق التحول الكوني الجديد
الناشئ في امتداد ميلاد المدنية الغربية.
وأما "الصحوية" فقد ظلت مثالية غير معنية بالبحث عن الممكنات في
مضمار البناء الفكري والاجتماعي، ولم تقدر على التحرر من وهمها الإرادي
في اجتراح المعجزات رغم أنف الواقع.
لقد كانت حركة "الإخوان المسلمين" بقيادة مرشدها حسن البنا تلميذ
رشيد رضا محاولة في التعبير السياسي عن الفكرة الإصلاحية الإسلامية،
لكنها انتهت في هذه المحاولة من التعبير عنها في مشروع سياسي حزبي إلى
إجهاضها كمشروع فكري، فقد أدت اتجاهات الجيل الثاني في الحركة (سيد قطب،
ومحمد قطب..) المرتكزة إلى أفكار أبي الأعلى المودودي إلى نشوء بنى
سياسية متطرفة أساءت استخدام فكرة الجهاد وفتحت المجال السياسي
والاجتماعي (التكفير والهجرة وجماعة الجهاد..)، وجاءت تجربة المقاومة
الأفغانية للاحتلال السوفياتي لتعطي زخما لهذه الحركات على صعيد
قدراتها المادية الضاربة بعد أن زودتها الثورة الإيرانية بالطاقة
الفكرية والنفسية.
وقد حاولت بعض الاتجاهات في الحركة الإسلامية استعادة طبيعتها
الإصلاحية إدراكا لخطورة التطرف والعنف في مجتمع وسطي معتدل كالمجتمع
العربي وفي ظل توازنات قوى مختلفة لصالح السلطة والعودة إلى أفكار
المؤسس حسن البنا منطلقا فكريا وسياسيا كما حدث في السودان بقيادة
الترابي وفي تونس بقيادة راشد الغنوشي اللذين مثلا أعلى حالات الانفتاح
والاجتهاد في الفكر الإسلامي "الصحوي" المعاصر، ولكن الترابي سقط سريعا
في الإغراء الانقلابي العسكري ناقلا ميدان الدعوة من مؤسسات المجتمع
المدني إلى السلطة مغامرا بتصفية تراثه الفكري الاجتهادي.
وثمة مثقفون إسلاميون كثيرون ينتمون إلى الإخوان المسلمين أو ممن
جاء إليها من ضفاف الفكرة القومية والاشتراكية مثل محمد الغزالي ومحمد
سليم العوا وطارق البشري ومنير شفيق يؤمنون بالعودة إلى مشروع الفكر
الإصلاحي واستئنافه وتطوير الوعي الإسلامي بمتغيرات العالم.
هل في وسعنا أن نغامر بالاستنتاج أن الدعوة الإصلاحية على وشك أن
تطل من جديد وأن تستأنف مشروعها الفكري الذي تعرض للاحتجاز؟!
لغة الإسلام السياسي(7)
يقدم برنارد لويس في كتابه هذا بحثا في بنية النص الإسلامي وآلياته
واحتمالاته ومساراته في لغته مستخدما منهج تاريخ الأفكار، ولويس هو من
أشهر أساتذة تاريخ الإسلام في الجامعات الأميركية وهو يهودي بريطاني،
ومن كتبه الأخرى كتاب "مستقبل الشرق الأوسط" الذي نشر عام 1997 وترجم
إلى العربية عام 2000.
-اسم الكتاب: لغة الإسلام السياسي
-المؤلف: برنارد لويس، ترجمة: عبد الكريم محفوظ
-عدد الصفحات:187
-الطبعة: الأولى 2001
-الناشر: : دار جفرا للدراسات والنشر، دمشق
المجاز والتلميح
حدثت في إيران عام 1979 سلسلة من الأحداث التي أدت إلى تغييرات
عميقة الجذور في الحكم والمجتمع في إيران، واعتبرها أصحابها ثورة تقدم
نفسها بلغة الإسلام، أي أنها حركة دينية بقيادة دينية وتوجه النقد
للنظام القديم على أساس ديني وتطرح مخططات دينية لبناء المستقبل.
إن الإسلام على علاقة سياسية وثيقة بالدولة باطنيا وظاهريا في آن
واحد معا، والإسلام في كل الدول ذات السيادة وذات الأغلبية الواضحة دين
الدولة، إذ تتضمن معظم دساتير تلك الدول بنودا تؤكد فيها أن الإسلام
مصدر رئيسي من مصادر التشريع. فما القوة أو الجاذبية التي ينطوي عليها
الإسلام كاستحقاق ولاء وإغراء ثوري في آن معا؟.
وما يزال الإسلام بالنسبة لمعظم المسلمين أكثر أسس السلطة رضا
وقبولا أو الأساس الوحيد المقبول في حقيقة الأمر إبان الأزمات، ولا
يمكن لسلطة أن تحقق هيمنة سياسية على ساحة شاسعة ولفترة طويلة جدا إلا
حين تستمد السلطة الحاكمة شرعيتها من الإسلام أكثر مما تستمدها من
دعاوى قومية أو وطنية أو أفكار غريبة، فالإسلام مازال يقدم في الحياة
السياسية أوسع صياغة للأفكار وأكثرها إدراكا للمعايير والتقاليد
الاجتماعية. ويوفر الإسلام منظومة رموز من أكثر المنظومات فاعلية
للتعبئة السياسية.
الجماعة السياسية
استوعبت الكتابات الإسلامية في مجال السياسية الفلسفة السياسية
السابقة وأنتجت أدبا فلسفيا جديدا وأصيلا والشريعة السياسية تستند على
الوحي فهي ليست عرضة للتغيير والتبديل، ولكن ثمة خلافات ظهرت في تأويل
النصوص، وكان ثمة قبول واستيعاب لهذا الاختلاف.
وهناك فهمان مغلوطان شائعان عن الفكر السياسي الإسلامي والحكومة
الإسلامية أولهما يتصور أنهما ثيوقراطيان تحت هيمنة رجال الدين،
والثاني يتصورهما دكتاتوريين استبداديين، ولكن هذين الحكمين يستندان
على سوء الفهم ليس إلا، فالإسلام يخلو من طبقة الكهنوت أو أي وساطة بين
الله والعبد، كما يخلو من أية هيئة كهنوتية هرمية البنية، ولا وجود في
التاريخ الإسلامي لنظراء البابوات والكرادلة، وكان نظام الملات في
إيران المعاصرة منفصلا تماما عن السوابق الإسلامية.
وتصوير الحكومة الإسلامية على أنها نظام دكتاتوري يكون الحاكم فيه
طاغية مطلق الصلاحيات هو تصوير زائف وليس صحيحا، فالشريعة الإسلامية ما
خلعت على الحاكم سلطة مطلقة، فسلطة الحاكم رغم أنها العليا فإنها تخضع
لتقييد هام جدا يأتي من التصور الإسلامي للشرع، فالدولة في التصور
الإسلامي يؤسسها الشرع ويصونها، وواجب الحاكم إنما هو الدفاع عن الشرع
وإعلاء شأنه والحفاظ عليه وفرضه.
ونشأت هنا مصطلحات مثل "الإمامة" و"الخلافة" ومنها الإمام والخليفة،
والسلطة والسلطان للدلالة على الحكم والحكومة والحاكم، والمدينة، ولكن
أعم المصطلحات هو الدولة.
الحكام والمحكومون
يستخدم مصطلح الخليفة والخلافة في العربية للدلالة على الملك، وجاءت
في القرآن الكريم في الحديث عن آدم "إني جاعل في الأرض خليفة" وعن داود
"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق" وقد كان
داود ملكا "وآتاه الله الملك والحكمة" ووردت الكلمة أيضا بمعنى الورثة.
وكلمة سلطان من السلطة أطلقت لأول مرة على الوزراء، أطلقها هارون
الرشيد على وزيره، ولكن اللقب صار يطلق على الخلفاء وتفردوا به، وفي
دولة المماليك كان خليفة وسلطان فالأول من العباسيين والثاني من
المماليك، وهو نظام يشبه كثيرا نظام الملك في بريطانيا ودول أخرى أي
الملك ورئيس الوزراء وتكون السلطة الفعلية بيد رئيس الوزراء أو السلطان،
وقد اعتمد العثمانيون الأتراك لقب السلطان رسميا، وقد أطلق لقب السلطان
على حكام في ظل الخلافة العباسية كالأمويين وآل زنكي، وفي الدولة
العثمانية كان اللقب يعطى أيضا للنساء مثل خاتم سلطانة أي ابنة السلطان
والأم السلطانة أي والدة السلطان.
واستقرت دلالة السلطان في الدولة العثمانية على رئيس الدولة ومازال
اللقب معتمدا في دولة عمان. واستخدم لبعض الوقت في مصر في عهد بعض ملوك
أسرة محمد علي واستخدم أيضا في المغرب، واستخدمه لفترة قصيرة من الزمن
الملك عبد العزيز آل سعود، ويذكر هنا أن الملك فهد اتخذ عام 1986 قرارا
بإلغاء لقب صاحب الجلالة واعتماد لقب خادم الحرمين الشريفين.
وكان العرب قبل الإسلام قد اتخذوا ممالك ولقب ملك كما في اليمن
وكندة والغساسنة والمناذرة، ولكن التراث العربي كان ينفر من الملك
ويفضل العرب أن يقودهم شيوخ العشائر لا أن يتأمر عليهم ملك، وكانت
النظرة الإسلامية تميز بين الخلافة والملك، فالخلافة تستند على الشريعة
والبيعة ولكن الملك نظام تعسفي لا يردعه شيء ولا يستند على أساس ديني
وشرعي، وكان مفكرو الدولة العباسية كالجاحظ يعيبون على الدولة الأموية
بأنها "ملك كسروي وغصب قيصري".. ومن ألقاب الملك في اللغات الإسلامية
الأخرى "الشاه" الذي اعتمده ملوك إيران، والخان والخاقان وهما لقبان
تركيان ومغوليان استخدما في آسيا الوسطى.
ويرتبط تولي الحكام للسلطة بالبيعة وهي وإن كانت تأخذ طابعا
احتفاليا وتعبر عن إعلان الطاعة فإنها أيضا تعبر عن التعاقد والاتفاق
بين الطرفين الحاكم والمحكوم.
ومن ألقاب السلطة "الرئيس" و"الزعيم" والرئيس لقب قديم يعود إلى
العصر الجاهلي وقد أطلقه الفيلسوف الفارابي في القرن العاشر الميلادي
على حاكم المدينة، وأطلق اللقب في العصر السلجوقي على الإدارات المدنية
وأطلق لقب ريس وهي كلمة تركية على أمير البحر "أميرال" وصار منذ القرن
التاسع عشر يعني رئيس الجمهورية.
وأما الزعيم فدلالته الحديثة هي القائد السياسي الملهم، وقد بدأ
استخدام مصطلح الزعيم لدى العرب والمسلمين في موضع الذم فقد أطلق على
زعيم الحشاشين، وعندما وصف إمام اليمن نفسه بأنه أمير المؤمنين كان
يوصف في بلاط المماليك بأنه زعيم المؤمنين بمعنى أنه يحسب نفسه كذلك،
وكان الزعيم لقبا عسكريا في السلطنة المملوكية وظل كذلك حتى العصور
الحديثة، وأطلق اللقب في العصر الحديث على القائد المصري مصطفى كامل
كما أطلق على رئيس الجمهورية العراقي عبد الكريم قاسم.
سكان الدولة أو المحكومون
استخدم للدلالة على سكان التابعين للدولة ثلاثة مصطلحات: الرعية
والتبعية والمواطن، وكانت الرعية هي المصطلح الشائع للدلالة على رعايا
الحكم دون أي تمييز معين، واستخدمت الكلمة أيضا في القاموس الانجليزي (Rayah)
و "Ryat" وقد استخدمت الأولى لأول مرة في الإنجليزية عام 1625 مقتبسة
من الأوردية في الهند التي اقتبستها من العربية وتعني فلاح أو مزارع،
والثانية كان أول استخدام موثق لها عام 1813 ويعرفها قاموس أوكسفورد
بأنها واحد من رعايا السلطان التركي غير المسلمين ممن عليهم دفع الجزية.
ورغم أن التعريفين ليسا مغلوطين فإنهما لا يعكسان الاستعمال
الإسلامي الدقيق لهذا المصطلح، ففي الاستعمال الإسلامي تعني كلمة
الرعية جميع المواطنين، وكان مصطلح الرعية في الدولة العثمانية يعني "المواطنين
الذين لا يتمتعون بصفة رسمية" مثل العسكر و"القلمية" أي الإداريين
و"العلمية" أي علماء الدين، وكان يشمل المسلمين وغيرهم ولكنه لم يكن
يشمل العبيد.
وكان الفهم الغربي للمصطلح بأنه رعايا الدولة لغير المسلمين مرده
إلى أن الزوار الغربيين الأوائل للدولة العثمانية كانوا لا يزورون إلا
الولايات الأوروبية ولا يقيمون صلات إلا مع السكان غير المسلمين، وقد
فهم العرب والمسلمون المصطلح في ما بعد كما فهمه الغرب بسبب تأثرهم
بالغرب منذ القرن التاسع عشر.
واستخدم مصطلح تابع وصار المرادف العثماني للكلمة الإنجليزية
"Subject" أي أحد رعايا الدولة وصار يدل على المواطنة والجنسية فهو
بالأساس مصطلح أجنبي بدأ يستخدم بمضمون سياسي.
أما مصطلح المواطن يعود إلى الثورة الفرنسية ويعني المشاركة في
الحكم ولم يكن معروفا في اللغة السياسية الإسلامية، وقد شاع في العصر
الحديث على نطاق واسع.
ويقدم الأدب الإسلامي اهتماما بواجبات والتزامات الحكام والمحكومين
محورها اخيتار الحاكم وتعيينه ومبايعته، والتزامات الحاكم تجاه
المحكومين والتزامات المحكومين تجاه الحاكم وما ينجم عن ذلك من نطاق
وحدود السلطة والطاعة.
دين المساواة
ربما يكون أعمق وأصح وصف للإسلام -الكلام بالطبع لبرنارد لويس- أنه
دين المساواة، وقد كان العالم وقت ظهور الإسلام طبقيا يضج بالطبقية،
فإيران المجوسية يحكمها نظام طبقي صارم ودقيق، والهند يحكمها نظام طبقي
قاس ومغلق، والغرب تحكمه أنظمة الطبقات الأرستقراطية الموروثة من
الإغريق والجرمان.
وقد تنكر الإسلام للطبقية نظريا وعمليا، وظلت الأرستقراطية
الإسلامية في وضع محفوف بالمخاطر، وتبدلت الطبقات الحاكمة كثيرا، ولم
يكن في الإسلام والدول الإسلامية ألقاب وراثية باستثناء الألقاب
الملكية.
وقد أفرزت وقائع الحياة الاجتماعية تمايزا طبقيا، وثمة مصطلحات تدل
على فئات اجتماعية مثل الخاصة والعامة، وكانت الخاصة تعني المتعلمين
والمتحضرين والعناصر السياسية والإدارية والعسكرية.
وثمة تقسيم آخر كان يحدث في العصور الإسلامية الأولى، وهو الشريف
والضعيف، ويماثل الشريف مصطلح النبيل، وصار لقب الشريف يطلق على ذرية
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأحيانا يشمل القرشيين.
ولكن هذه التقسيمات والتسميات لم تكن تعطي امتيازات أو حصانات كما
في الأرستقراطيات الأوروبية.
الحرب والسلم
لم يرد في الإسلام وصف الحرب المقدسة، وقد أطلق المقدس على المكان "أدخلوا
الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" وتؤكد كتب الفقه على القوانين
المنظمة للحرب ومعاملة الأسرى والجواسيس والأقوام المهزومة.
ومن المصطلحات المستخدمة في هذا المجال الجهاد والغزو، وقد دخلت هذه
الكلمة إلى اللغات الأوروبية بدءا بالفرنسية التي اقتبستها من الجزائر
ثم امتدت منها إلى الإنجليزية، وكانت الدولة العثمانية تمنح لقب غازي
للقادة الأبطال، والفدائي الذي استخدم في العصور اللاحقة.
وبدأ اعتماد السفراء والقناصل بين الدولة الإسلامية وأوروبا في
العصر المملوكي، وأخذ طابعا رسميا ومؤسسيا في القرن السادس عشر في
الدولة العثمانية، وكانت الجاليات التجارية الأجنبية تتخذ قناصل هم
زعماء لها ويرتبطون بالدول أو المدن التجارية الأوروبية على سواحل
المتوسط، وكان العرب يستخدمون الكلمة نفسها "قنصل"، ومن مصطلحات لغة
الإسلامي السياسي في هذا المجال: كافر، ومرتد، وثائر، وقاطع الطريق،
والذمي، والمحارب، والمستأمن.
الوجوه المتبدلة للاسلام السياسي(8)
لن تكون المواعظ التي يطلقها زعماء الغرب داعين فيها الى التمييز
بين الاسلام والإرهاب كافية لتنقية النفوس. ويزداد بقوة خطر تنامي
العنصرية، الواعية او اللاواعية، وسط رأي عام مرتعب ولا حول له. ويسود
شعور بأن "الغرب" و"الديموقراطيات المتمدنة" تخوض "حربا" (إن لم تكن
حرباً صليبية) ضد "مسلمين متعصبين" و"توتاليتاريين". وما يزيد في توهم
صحة هذه النظرة ان الارهابيين قد دعوا الى "الجهاد" ضد "الصليبيين
الكفرة" الذين يسعون الى إخضاع أمة الاسلام. هذا التوازي المقلق بين
النظرتين يعمق الهوة بين حضارتين وعالمين، بين المنعّمين والمتروكين
لأمرهم فريسة حالات الحرمان والحقد المتراكم.
ففي الغرب مسؤولون سياسيون ووسائل إعلام، مع بعض الاستثناءات
البارزة، يساهمون في عملية الفرز هذه بطريقتين، أولاً بتغاضيهم عن
الدوافع السياسية للارهابيين والتركيز على انتمائهم الديني، وثانياً
باستخدام عبارات تثير كل أشكال الخلط التي يدّعون تجنبها. فاستخدام بعض
المفردات كيفما كان، وكأنها تؤدي المعنى نفسه، مثل الاسلام والتعصب
والارهاب والاصولية والتطرف والاسلامية، يولد الالتباس في أحسن الأحوال
والعنصرية المعادية للاسلام في أسوأها. وهكذا نجد أن كل فرنسي من اثنين
يقر انه يخلط ما بين التعصب والاسلام، وذلك بحسب إحصاء أجرته مؤسسة "إيفوب"
.
لا يمكن تفادي الوقوع في تعاكس المعنى المؤذي عندما يكون الحديث عن
"الأصولية" و"التطرف"، وهما ظاهرتان غريبتان عن الاسلام، فالأولى ذات
جوهر بروتستانتي والثانية كاثوليكية، أو حتى عندما يلجأ الى كلمة
الاسلامية التي اعتمدها بعض دارسي الاسلام كافضل حل، فيما آخرون ممن
توخوا الدقة فضلوا مفهوم "الاسلام السياسي". وفي الواقع يعود الى
البروز ذلك اللبس المفضي الى الخلط عندما يتم الوقوع في التعميمات في
موضوع الحركات او الأحزاب الاسلامية. والحال، أن هذه الحركات والأحزاب
متفاوتة النظرة الى حد بعيد وما من شيء مشترك بينها سوى ان مرجعها هو
ديانة النبي التي يؤولونها اساساً في أشكال متباينة أو متناقضة الى
درجة أنها تنبسط في المشهد السياسي من أقصى اليمين الى اليسار.
فإيران توفر مرقباً نموذجياً للصراعات الاسلامية الداخلية. ذلك أن
المعارضة الأشرس التي واجهها الإمام الخميني بعد قليل من تبوئه السلطة
في العام 1979، لم تتشكل من الأحزاب العلمانية وإنما من فرق إسلامية،
بعضها كان ذا نزعة ليبيرالية (يؤيدها بعض آيات الله) والبعض الآخر
استوحى التوجه الاشتراكي الديموقراطي أو الماركسي. وبعدما جرت تصفية
خصوم الخمينية، تركز الصراع في السنوات الأخيرة بين نزعتين، إحداهما
توتاليتارية (وهي أقلية الى اقصى حد) تتمثل بآية الله خامنئي، المرشد
الأعلى، والأخرى غالبية يقودها رئيس الجمهورية محمد خاتمي وهي ذات نزعة
ديموقراطية علمانية . أما رجال الدين الإيرانيون، وهم صورة عن المجتمع،
فمنقسمون بقوة بين محافظين وإصلاحيين، وكلاهما يستند الى قراءات
متناقضة للكتب المقدسة.
أما في تركيا، البلد الاسلامي الآخر غير العربي، فالحركة الاسلامية،
الموجودة على الساحة السياسية منذ خمسين سنة تحت تسميات متعددة، والتي
تقر بشرعية نظام أتاتورك، منخرطة في علمنة الدولة، لكنها تأخذ عليها في
الوقت نفسه أنها لا تراعي مبدأ حيادية الدولة كما هو الأمر في فرنسا أو
في الولايات المتحدة. فـ "الاسلاميون الديموقراطيون"، كما يسمونهم
أحياناً في تركيا، تيمناً بالمسيحيين الديموقراطيين الأوروبيين،
يتمثلون بقوة في البرلمان وفي المجالس البلدية، وقد شاركوا في العديد
من الحكومات اليمينية او اليسارية، وتولى زعيمهم التاريخي، نجم الدين
إربكان رئاسة الوزراء في حكومة ائتلافية في العامين 1996- 1997 قبل أن
يجرد من حقوقه المدنية. وللمفارقة أنهم إذ يعتبرون أنفسهم عرضة للتمييز
يخوضون معركة طليعية من أجل إقامة الديموقراطية في الجمهورية التركية
آملين في انضمامها الى الاتحاد الأوروبي، كما من أجل الدفاع عن حقوق
الانسان...
أما من جهة مصر فان فيها العديد من المنظمات الاسلامية المتفاوتة
التوجهات والأهداف، وهي باستثناء واحدة أو اثنتين منها تنادي بإجراء
اصلاحات بالوسائل السلمية، كما هي حال "جماعة الاخوان المسلمين"،
الأقدم والأهم بينها، التي تدين العنف و"الديكتاتورية" الاسلامية في
السودان مثل إدانتها "جرائم" الميليشيات الاسلامية في الجزائر. وهذا لم
يمنع أن بعض "كادرات" الاخوان قد اعتبروا ان هذه المنظمة محافظة جداً
فانشقوا عنها لتأسيس حزب "الوسط" . وهم يناضلون من اجل فرض التعددية
السياسية وحقوق الانسان. وتضم لجنتهم القيادية امرأة، ورجلاً من
الأقباط المسيحيين وذلك تعبيراً عن تمايزهم. وبالعكس فان "منظمة الجهاد
الاسلامي" بزعامة الدكتور أيمن الظواهري انضمت الى تنظيم "القاعدة"،
المنظمة الارهابية التابعة لأسامة بن لادن.
وفي الامكان الاستشهاد بالكثير من الأمثلة الأخرى التي تبين تنوع
الاسلام السياسي في البلاد العربية الاسلامية من المحيط الى الخليج.
كما أن مسار الحركة الاسلامية عرف تطورات ملحوظة وحتى بعض التحولات ،
منذ ان تأسست في مصر عام 1928 "الاخوان المسلمون" الذين انتشروا في
المنطقة قبل أن يفقدوا تفوقهم. وقد شكلت الهزيمة العربية في حرب الأيام
الستة في حزيران/يونيو عام 1967 منطعفاً مهماً بعد انهيار الاحزاب
الوطنية والاشتراكية التي حُمّلت مسؤولية الهزيمة. وإذا بالشعوب التي
أصيبت بالذل والاحباط والضياع لا تجد أمامها ملجأ في أزمتها سوى
الايمان. وإذ كانت معظم الانظمة العربية قد دفعت الإسلاميين الى العمل
في الخفاء فانهم استخدموا المساجد كمنابر والجماعات العاملة في
جمعياتها الخيرية والتعاونية قناة لنشر رسالتها.
وقد اعتمدت هذه الجماعات، عن اقتناع أو عن انتهازية، الخطاب السياسي
لمنافسيها الذين غابوا عن الساحة. فوظفت البلاغة الاسلامية، أداة
التجييش، كغلاف خارجي نوعاً ما لمحتوى وطني معاد للامبريالية، إنما
أيضاً لمحتوى اجتماعي اتخذ شكل استنكار المظالم والفساد واستبداد
الاقليات الحاكمة، وبذلك أصبح الاسلام السياسي إحدى القنوات القليلة
المتوافرة للاحتجاج والمطالبة. فلو ان تصريحات الامام الخميني مثلا
جردت من إرجاعاتها الدينية، لجاءت تشبه حتى التطابق تصريحات زعيم من
العالم الثالث مثل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. وهكذا احتل
زعيم الثورة الايرانية الساحة التي تركها له الشاه بعدما أخلاها من
أحزاب المعارضة الديموقراطية اليمينية كما اليسارية.
وكان من البديهي أن يترك برنامج الاسلاميين السياسي والاجتماعي، وإن
يكن ديماغوجياً، أثراً في الرأي العام أعمق من دعوتهم الدينية المتصفة
غالباً في مجال الأخلاقيات بالرجعية وباحتقار المرأة وبالقمعية. وهذا
دون غيره يفسر النهضة التي حققها الاسلاميون بعد تحولهم منافحين عن
القضية الوطنية، وليس قبل ذلك. فصحيح ان هؤلاء استفادوا من المساعدات
المتعددة الأشكال، والمالية تحديداً، من الدول التي تعتبر نفسها
إسلامية، مثل السعودية وبعض دول الخليج التي اعتقدت انها بذلك تثبت
مواقعها بعد سقوط الانظمة المعادية لها، لكن، كما سنتبين لاحقاً، لم
يرد لهم الجميل إذ فاتهم أن الاسلام السياسي في صيغته الجديدة، لم يكن
حكماً يوافقها.
وقد حاولت الانظمة العربية، في وجه التهديد الذي كانت تواجهه، ان
تحيّد الاسلاميين، فلاحقهم البعض بوحشية لا مثيل لها غالباً، فيما
استلحقهم البعض الآخر داخل المؤسسات الدولتية محتفظاً بالقدرة على
تحويلهم أداة له. ومن الدول التي استتبع الاسلاميون فيها بنجاح، لبنان
والاردن والكويت واليمن، حيث باتوا ممثلين في البرلمانات، وفي بعض
الحالات في الحكومات. وفي المقابل، تعرضوا للابادة في سوريا بعد مجازر
رهيبة، وفي تونس والعراق عبر عملية قمع لا هوادة فيها، في حين أن
الساعين في الجزائر الى "استئصالهم" ويعملون للقضاء عليهم، لم ينجحوا
الا في تأبيد نزاع مغرق في الدماء.
من الخطأ الاعتقاد أن المواجهات بين الانظمة القائمة والاسلاميين
تقوم بين مؤيدي العلمنة ورافضيها، فبعض الدول المعادية للاسلام السياسي
أرست لنفسها دساتير وتشريعات مستمدة من تعاليم الكتب المقدسة، وبعضها
الآخر زايد بحماسة على خصومه كي يضفي على نفسه طابعاً اسلامياً شبيهاً
بأطروحاتهم. وفي هذا المجال يعتبر الوضع في السعودية أو في مصر نموذجياً.
وما عدا بعض الاستثناءات النادرة فان حكومات المنطقة تحالفت في ظروف
متفاوتة مع الاسلاميين بغية استخدامهم في وجه خصوم لها اكثر خطورة.
فالرئيس أنور السادات احتضنهم في السبعينات من أجل القضاء على اليسار
الناصري وعلى الشيوعيين، وذلك، يا لسخرية القدر، قبل ان يغتاله أحدهم
في العام 1981. أما خلفه السيد حسني مبارك، فاوقف الملاحقات ضدهم عندما
انخرط في الحملة ضد التدخل السوفياتي في أفغانستان، قبل ان يتعرض هو
بدوره لمحاولة اغتيال على يدهم في العام 1995. كما ان الملك حسين في
الاردن اعتمد دائماً عليهم من أجل مواجهة الأحزاب المعارضة لسلطته،
والرئيس اليمني عبد الله الصالح ضمن تعاونهم في معركته ضد الماركسيين
في اليمن الجنوبية، وهذا ما فعله الرئيس السوداني السابق جعفر النميري
من أجل القضاء على مقاومة الاحزاب السياسية المعادية لنظامه الاستبدادي،
كما على الثوار الانفصاليين، المسيحيين أو الأحيائيين، في المقاطعات
الجنوبية من البلاد.
ويكاد الوضع لا يختلف في إسرائيل، فالحكومات المتعاقبة في الدولة
اليهودية ساندت على الدوام "الاخوان المسلمين" سراً |