في كتاب جديد: فن الخطابة توأم الانسان والحضارة

عرض: نضير الخزرجي*

كثيرة هي المهارات والفنون والعلوم التي ارتكزت في واقع المجتمعات الإنسانية منذ الخليقة وحتى يومنا هذا، والقليل منها يمكن إرجاعها في النشأة الى تاريخها على وجه الدقة، ومن ذلك الخطابة التي ظهرت مع نشأة الانسان، فهي ملازمة له ملازمة الظل لأصله، وان أخذت أشكالا مختلفة، بل وهناك شبه إجماع كون فن الخطابة سبق الشعر، ليس في إطار الشعر العربي فحسب، بل في عموم لغات العالم، صحيح أن هناك من الأشعار ما تنسب الى النبي آدم (ع) بوصفه أب البشرية الحالية، ولكنها غير مقطوع بها، ويذهب أكثر المختصين في باب الأدب أنها من المحاكات ولسان الحال، جرت على ألسنة بعض الشعراء في فترة لاحقة على فترة بدء البشرية.

وما يميز الخطابة أنها مهارة وفن، والفنون حالها حال الذهب كلما صقل ازداد لمعانا، والخطابة كلما تعاورت عليها يد الزمان ازدادت قوة وتفرعت في أنماطها، بما يهيء لها ديمومة البقاء والتطور، لأنها في حقيقة الأمر كما يقول أرسطو (Aristotle’s)  (384-322 ق.م): "الخطابة هي القوة القادرة على الإقناع"، والخطابة بهذه الدلالات هي من ديدن الانسان عبر العصور مهما تفاوتت ثقافته، وقد اشتهر عن زعيم النازية ادولف هتلر (Adolf Hitler) (1889-1945م) القول: "إن الزعيم يلزم أن يكون خطيبا وإن فشل الحزب النازي في البداية يرجع الى عدم إجادة الخطابة".

الخطابة في تاريخها ورجالاتها وأنواعها ومن كتب عنها، وأشياء أخرى لصيقة بفنها، يتناولها الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي في مؤلفه الخاص بالنادبين الخطباء الموسوم بـ "معجم خطباء المنبر الحسيني" الصادر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في 540 صفحة من القطع الوزيري، حيث يمثل هذا الكتاب احد الأبواب الستين من دائرة المعارف الحسينية في نحو 600 مجلد، وقد تعاهد المؤلف على وضع مقدمة لكل باب تبحث فيما يتعلق بها، ولما كان الباب خاصا بمن ارتقى أعواد المنبر الحسيني من ذكر أو أنثى، فان المؤلف وضع مقدمة استوعبت نحو ثلث الجزء الأول من هذا الباب، تناولت فن الخطابة عبر التاريخ، ليدخل من بابه على ساحة الخطابة الحسينية وتسليط الأضواء على الخطباء ومن الأحياء والأموات وتعريفهم للقراء، حيث يؤمن المحقق الكرباسي، إن تعريف الأمة برجالاتها في حياتهم وتكريمهم وفي صدورهم نفس يصعد وينزل خير من أن يصار ذلك الى ما بعد الرحيل. من هنا فان الكتاب يضم ثلة من تراجم الخطباء رتبهم المؤلف وفق الحروف الأبجدية، ويشكل هذا الباب واحدا من عشرين جزءا في سلسلة تراجم خطباء المنبر الحسيني من جنسيات ولغات مختلفة.

قِدم فن الخطابة

ولما كان تعريف المفردة من حيث اللغة والاصطلاح يقرب المعنى كثيرا ويضع البحث على الجادة الصحيحة، فان البحاثة الكرباسي في كل أبواب الموسوعة يحرص على فك رموز المفردة، وهذا ما نجده في بداية الكتاب، حيث يعرف "الخطابة" لغة واصطلاحا، وفيما نحن فيه فان الخطابة تعني: "قدرة التكلم مع الناس بشكل يفي بالغرض المطلوب"، وتقوم الخطابة على ثلاثية الخطيب والجمهور والمادة. ومن الخطابة ينبثق المنبر وهو مرقاة الخطيب، وهنا يردّ المؤلف على اولئك الذين يرجعون الكلمة الى أصول غير عربية، ويرى فيها الأصالة العربية بعودتها الى جذر (نبر) و (انتبر)، ويؤاخذ على المستشرقين الذين حاولوا تخريب الذهنية العربية وتضييع المفردات العربية.

 ونستفهم من نص نبوي شريف أن النبي ابراهيم (ع) المولود في الكوفة في العام 4637 من عام الهبوط (2243 ق. هـ) كان قد اتخذ منبرا للخطابة، وهو دلالة في الوقت نفسه على قدم الخطابة، ففي الحديث الشريف: "إن أتخذ منبراً فقد اتخذه أبي إبراهيم، وان أتخذ عصا فقد اتخذها أبي إبراهيم". من هنا فان المؤلف الذي يبحث في "تاريخ الخطابة" ويرى أن نشأتها صاحبت نشأة الانسان على الأرض، مؤكدا على اهتمام الإسلام ونبيه (ص) بالخطابة حتى جعلها جزءا من العبادة كما في خطبتي صلاة الجمعة وصلاة العيدين الفطر والأضحى.

وان كان المصنف أشار الى أهمية الخطابة كعبادة قبل أن تكون أداءاً ومهارة، فانه يفصل القول في بيان "الخطابة في الإسلام وسائر الأديان والملل" مشيرا الى استعمال الخطابة في المحاكم اليونانية كفن على يد كراكس (Corax) في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي روما اشتهر سيسرو (Cicero) كأول خطيب لروما في القرن الأول قبل الميلاد. واستخدم الأنبياء الخطابة في الوعظ والإرشاد ودفع الناس عن عبادة غير الله، ومارسها الرسول محمد (ص) وأهل بيته (ع) في دعوة الناس الى الإسلام والابتعاد عن الفتن.

 وما يميز أدب الخطابة في الإسلام هو استعمال السجع، مثلما جاء في القرآن الكريم، فيستعرض المصنف مجموعة من خطب الرسول (ص) وأهل بيته (ع) في تثبيت ما ذهب اليه، مؤكدا في الوقت نفسه إن أسلوب السجع لم يتوقف على الخطابة، بل انسحب على رسائلهم وكتبهم، مما يدل أن أسلوب السجع هو المفضل عندهم ولوقوعه في القلب وقوع الماء البارد على كبد العطشان في يوم قائظ.

مراحل الخطابة الحسينية

ويدلف المؤلف من عموم الخطابة الى خصوص "الخطابة الحسينية ومراحل تطورها" واضعا مراحل سبع للخطابة الحسينية توزعت على الماضي والحاضر والمستقبل، حيث يستقبل الزمن بتقديم رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه الخطابة في قادم الأيام.

مرحلة التأسيس

فالمرحلة الأولى تبدأ باستشهاد الامام الحسين (ع) في عام 61 هـ حتى غيبة الامام المهدي المنتظر (ع) في عام 329 هـ، وتنشطر الى ثلاث فترات: الفترة التأسيسية، والفترة الانتقالية، وفترة ما قبل الغيبة، ففي الأولى كان رائدها من الرجال نجل الامام الحسين (ع) الامام علي بن الحسين السجاد(ع) ومن النساء زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب (ع) وشقيقتها أم كلثوم، وفاطمة بنت الامام الحسين (ع)، وفي هذه الفترة كانت: "الخطب تطير بسرعة فائقة في آفاق البلاد الاسلامية بجناحين جناح العطف والتظلم وجناح فضح الظلم والظالم، بهذا الشكل تأسس جهاز الإعلام الحسيني"، وفي هذه الفترة: "كانت مجالس العزاء والنياحة قائمة الى جانب المجالس الخطابية"، وفي: "هذه الفترة بالذات بدأ الرثاء أيضا، ولعل من أبرز الراثين من غير أهل البيت (ع) هو سليمان بن قتة العدوي المتوفى عام 126 هـ". أما في الفترة الثانية فإننا نجد: "نوع ترابط بين الخطابة الحسينية والمجالس الحسينية"، فان المجلس الحسيني شهد تطورا ملحوظا حين طلب أئمة أهل البيت (ع) من الشعراء والمنشدين: "أن يقوموا بدور الخطيب والمنشد الحسيني لتتسع دائرة الخطابة الحسينية وتتحول من دائرتهم الى دائرة أوسع وتنتشر بين الناس". ومن مظاهر هذه الفترة انضمام: "الرثاء المنظوم الى الرثاء المنثور". وفي أوائل القرن الثاني الهجري برزت مجموعة تسمى باسم المنشدين والنائحين، كذلك ظهر عدد من الخطباء المحدثين والقصاصين، وعليه فان المآتم الحسينية كان يقيمها المنشدون والقصاصون والنادبون. ويؤكد المصنف بضرس قاطع: "إن نواة الخطابة التقليدية نشأت في هذه الفترة". ولكن الفترة الثالثة ما قبل الغيبة شهدت عنف حكام بني العباس تجاه أهل البيت، فسادت السرية أكثر فأكثر، ولكنها شهدت في الوقت نفسه انتشار النائحين والقصاصين في الأقطار، وقيام الأئمة بمراسلتهم لإحياء الشعائر الحسينية ما أمكنهم ذلك، ولذلك صح اعتبار الشيخ الكرباسي: "المجالس الحسينية مدرسة سيارة تعنى بنشر تراث أهل البيت (ع) عقيدة وفكراً، أحكاما وأخلاقا الى غيرها من المجالات".

مرحلة التأصيل

وتبدأ المرحلة الثانية من النصف الأول من القرن الرابع حتى نهاية القرن السادس الهجري، وكان النصف الثاني من القرن الثالث الهجري قد شهد ظهور ثلاث دول من أتباع مدرسة أهل البيت (ع) إحداها في المغرب الاسلامي واثنتان في المشرق الاسلامي: الدولة الفاطمية والدولة العلوية والدولة الحمدانية، وشكلت هذه الدول أرضية خصبة لتأصيل الخطابة الحسينية في وجدان المسلمين، فكانت الأسواق المصرية على سبيل المثال تعطل في ذكرى استشهاد الامام الحسين (ع)، وكما يقول المحدث والمؤرخ المقريزي (769-845هـ): "وفي يوم عاشوراء من سنة ست وتسعين وثلاثمائة جرى الأمر فيه على ما يجري في كل سنة من تعطيل الأسواق، وخروج المنشدين الى جامع القاهرة، ونزولهم مجتمعين بالنوح والنشيد".

مرحلة الإنتشار

وتبدأ المرحلة الثالثة من أوائل القرن السابع حتى أواخر القرن التاسع الهجري، وكانت بعض الدول الشيعية قد سقطت فتعرضت المجالس الحسينية الى الجزر في مدن والمد في أخرى، كما انحسرت رقعة الخطابة الارتجالية وصار الاعتماد على خطب ومجالس مكتوبة كما فعل الشيخ ابن نما الحلي (ت 680 هـ) عندما وضع في العام 645 هـ كتابه "مثير الأحزان" لتكون مادة خصبة للخطباء، كما لاحت ظاهرة كتابة المقاتل حتى وصلت ما بحوزة المحقق الكرباسي نحو 120 مصنفا يحمل عنوان المقتل، اعدت لكي تقرأ في المناسبات. ولكن الخطابة على ما شابها من تخلخل، يبرم المصنف أنها: "في هذه المرحلة تطورت من ناحية أخرى، وهي إنها عقدت في بيوت الموالين واتسعت رقعتها جغرافيا ويعد هذا أول عهدها بالبيوت".

مرحلة التحولات

وتنحصر هذه الفترة بين أوائل القرن العاشر أو قبله بقليل حتى القرن الثالث عشر الهجري، حيث شهدت تحولات عدة، منها إنتشار المجالس الحسينية بشكل ملفت للغاية صاحبه نقص في الخطباء فترك أثره سلبا على النوعية والكيفية، ما حدا بالبعض الى وضع مصنفات تعين الخطيب على الخطابة مثل كتاب روضة الشهداء للشيخ الكاشفي (ت 910 هـ) الذي منه اشتهر الخطيب بالروضة خون او روز خون، وكذلك كتاب المنتخب للشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085 هـ) وألف أخوه الشيخ عبد الوهاب المتوفى أواخر القرن الحادي عشر الهجري كتابا بالاسم نفسه، وقد: "روعي في وضع هذه الكتب أن يجمع فيها بين النثر والشعر والسيرة والوعظ، ورتب على شكل مجالس ليتمكن الخطيب من قراءتها على المنابر مباشرة"، وتوالت الكتب على المنوال نفسه مع اتساع رقعة المجالس الحسينية. ولكن المجلس الحسيني شهد في أواسط القرن الثالث عشر الهجري نقلة نوعية على يد الخطيب السيد حسين آل طعمة الحائري (ت 1270 هـ)، حيث: "نقل بالخطابة في قسم المراثي والسيرة الحسينية منها من القراءة عن كتاب روضة الشهداء للشيخ الكاشفي الى القراءة عن ظهر قلب".

مرحلة المؤسسة الخطابية

وتبدأ هذه المرحلة من حيث انتهت المرحلة السابقة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وفي هذه المرحلة الذي شهدت انهيار العالم الاسلامي وتقسيم البلدان بين الدول الأوروبية المستعمرة، شهد معها المنبر الحسيني تطورا ملحوظا، فلم يتقيد بالرثاء وذكر السيرة والموعظة فحسب، وإنما انتقل الى بيان الواقع السياسي والاجتماعي الذي هو عليه المسلمون، فصار المجلس الحسيني جزءا من منابر التثقيف السياسي، وكان له الفضل الكبير على سبيل المثال في مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق وقيام ثورة العشرين في العام 1920 بقيادة الشيخ محمد تقي الشيرازي (1256-1338 هـ).

 ويشار الى أن الشيخ كاظم السبتي (ت 1342 هـ) كان له الفضل في تطوير الخطابة الحسينية. كما إن من معالم هذه الفترة تشييد المعاهد والمدارس الخطابية، ضمن مؤسسات خطابية، من قبيل: "مدرسة الواعظين في مدينة لكهنو الهندية والتي أسسها السيد نجم الحسن (1279-1357 هـ) بمؤزارة الراجه محمود آباد عام 1338 هـ"، وعلى غرارها شيدت مدرسة بالاسم نفسه في مدينة كراجي الباكستانية، والتي: "تسمى أيضا جامعة الإمامية وذلك عام 1369 هـ بهمة السيد ظفر حسن النقوي (1308-أواخر ق 14 هـ) وقد تخرج منها عدد من الخطباء، ولا زالت قائمة حتى اليوم". كذلك: "وفي لاهور قام السيد مرتضى حسين (1341-1407 هـ) والشيخ يوسف حسين (1319-1408 هـ) بعمل مماثل حيث شيدا مدرسة الواعظين وذلك عام 1370 هـ". كذلك: "في كربلاء قام السيد محمد الشيرازي (1347-1422 هـ) بتأسيس مدرسة الكتاب والعترة عام 1381 هـ وذلك بإشراف السيد مرتضى القزويني". كذلك: "في النجف فقد جرت محاولة على الطريق الصحيح لفتح معهد للخطابة وذلك على عهد السيد أبو الحسين الأصفهاني المتوفى عام 1365 هـ، حيث قام الشيخ محمد رضا المظفر (1322-1398 هـ) بمؤازرة الشيخ محمد شيخ الشريعة (1322-1398 هـ) بإنشاء معهد تحت عنوان (معهد الخطابة) وأسندوا أمره الى الشيخ محمد علي القسّام (1290-1373 هـ)، إلا إن جماعة الرابطة الأدبية التي كان يترأسها الشيخ محمد علي اليعقوبي (1313-1388 هـ) استنكروا عليهم ذلك بحجج غير مقنعة فكانت حصيلة ذلك أن المعهد لم ير النور لأكثر من أسبوع واحد".

مرحلة المعايشة والتنوير

وهي تبدأ من حيث انتهت المرحلة السابقة وحتى يومنا هذا، والتي اتسمت بمخاضات عدة، منها بدء خروج العالم الاسلامي من ربقة الاستعمار العسكري، وفي هذه المرحلة اشتهرت المجالس الحسينية بمعايشتها للواقع وتنويرها للجماهير وبما يحيط بها من أخطار، وما عادت المجالس الحسينية قاصرة على العزاء فحسب، بل بادرت الى التثقيف السياسي والتنوير الثقافي، ففي العراق اشتهر السيد صالح الحلي (ت 1359 هـ) في مواجهة الاستعمار ورجالاته، وفي ايران اشتهر الشيخ احمد الكافي (ت 1398 هـ) بنقده للحركات الضالة التي كانت تجد حاضنة دافئة في عهد حكم الشاه.

 واتسم "أسلوب الخطابة الحديثة" بنسق موحد قائم على مقدمة وعرض وخاتمة، فالخطيب يبدأ بعرض آيات قرآنية او أحاديث شريفة او أبيات شعرية او يجمعها ضمن نسق واحد، وفي العرض يدخل الى متن الموضوع وينتهي بالخاتمة او ما اشتهر على لسان الخطباء بـ (الکريز)، وهي مرحلة البكاء على مصاب الحسين وأهل بيته (ع).

مرحلة المستقبل

ويأمل المحقق الكرباسي لهذه المرحلة أن تقام على نظام مؤسساتي تخرج بالخطابة من فردانيتها وتضعها في إطار تنظيمي وتخصصي يتواكب مع تطورات العصر وبخاصة في مجال الاتصالات، التي قربت البعيد وجانست القريب، ولهذا يستبصر الحاضر والمستقبل ويستقرأهما بعين البصيرة، ويرى ومن اجل بناء المؤسسة الإعلامية الحسينية التقيد بعناصر عدة:

أولا: عنصر التخصص: من حيث التخصص في المجالات العلمية والتخصص في المراحل العمرية، ولابد للخطيب أن يكون قادرا على محاكات هذه الاعمار.

ثانيا: الإقناع العلمي: فلا يكفى عرض الفكرة من دون تأييد علمي.

ثالثا: التطبيق العملي: فلا يكفي الإلقاء من دون إرشاد الناس الى التطبيق العملي وترجمة الفكرة على ارض الواقع.

رابعا: اللغة: فلا يتم الاقتصار على اللغة الأم، وإنما تطوير الخطابة وتخريج خطباء يجيدون لغات العالم.

خامسا: الوسائل الحديثة: فلا يكفى الاقتصار على الأسلوب القديم في الخطابة وإنما استعمال كل ما تعرضه وسائل الاتصال.

ولم يقتصر الفقيه الكرباسي على التنظير فقد سعى الى تطبيق هذه الأفكار ضمن مؤسسة "النقابة العالمية للخطباء والمبلغين" أطلقها في لندن، في الأول من تموز/يوليو العام 1998، ووضع بنودها الداخلية بين يدي ثلة من خطباء المنبر الحسيني من جنسيات مختلفة، تناقشوا فيها لجلسات عدة، كان منهم الخطيب العراقي الشيخ عبد الحميد المهاجر، والخطيب الباكستاني الشيخ حسن رضا الغديري، والخطيب الإيراني الشيخ علي الطهراني، وشهدت ذلك بنفسي كوني قيدت محاضر الجلسات أولا بأول، لكن ظروفا قاهرة حالت دون إتمام المشروع الحضاري الذي قلما يلتفت اليه حتى من أصحاب الشأن!

الخطابة بين الدعاية والإعلام

ويفرد المصنف عناوين كثيرة في أبواب مختلفة، فالخطيب بشكل عام يملك صلاحية "التفنن في الخطابة" فلا يلزم نفسه بنمط واحد. كما ولا تخفى أهمية "الخطابة ودورها الإعلامي" وعلى مر العصور ولذلك وضع أفلاطون (Platon) (427-347 ق.م) كتاب الجمهورية، وعمد سقراط (Sokrato) (469-399 ق.م) الى الخطابة للتأثير على الجماهير، ووضع أرسطو كتاب البلاغة، واتخذ الرومان أسلوب السياحة والتبشير كأسلوب للدعاية والإعلام، وكانت دعاية العرب وإعلامهم في سوق عكاظ عبر الشعر، وفي الإسلام عبر الخطابة والشعر حيث مثلا كفتي ميزان الإعلام. وبظهور الطباعة الحديثة في القرن الثامن عشر الميلادي، تطور أسلوب الإعلام، لكن الخطابة ظلت هي الرائجة ولازالت، وما وسائل الإعلام والاتصال إلا مطايا لها.

 ويفصل المصنف القول في بيان الرابطة بين الإعلان والإعلام والدعاية ودور الخطابة فيها، فحيث أن الإعلان هو الإظهار والإعلام هو الإخبار والدعاية هو التبليغ والتبشير، وحيث أن الخطابة غايتها الإخبار والتبشير والدعوة فان: "الإعلام والدعاية صادقتان على الخطابة وبالأخص الحسينية منها" وبالتالي فان: "الخطابة وسيلة من الوسائل الإعلامية وأسلوب من أساليب الدعاية النزيهة"، ولذلك دخل المجلس الحسيني الإذاعة والتلفزيون في القرن الماضي أول ما دخل في ايران والعراق ثم توالت القنوات المسموعة والمرئية في الدول الأخرى حتى استقلت المجالس بقنوات فضائية.

مناخات الخطابة

ولما كان التبليغ أهم مفاصل الخطابة فان المصنف يبحث تحت عنوان "دور الخطباء في التبشير" في الأثر الذي تركه المجلس الحسيني ولا زال في التعريف بالإسلام وبأهل بيت النبوة، مشيرا الى العشائر العراقية نموذجا، ومن هنا نستطيع تلمس الغرض من وراء قيام المجموعات التكفيرية بتفجير الحسينيات ومراقد الأولياء والتعرض الى المواكب الحسينية، أو قيام الحكومات على مر التاريخ بمنع المسلمين من أداء الشعائر الحسينية.

والى جانب أهمية الخطابة فان الكتاب يبحث في "مسؤولية الخطيب وموقعه" بوصف الخطيب مرشدا روحيا، كما يبحث في "مكانة الخطيب" فيقسمهم الى:

 الخطيب المثالي: الذي ينطلق من أرضية المسؤولية وهم قلة.

الخطيب المأجور: وهو الذي يتسكع على أبواب السلاطين يبيع الكلام مقابل دراهم معدودة.

الخطيب المرائي: وهو الذي ينمق الكلام بحثا عن الشهرة.

الخطيب المهني: الذي اتخذ من المنبر مهنة واسترزاق كسائر الأعمال.

الخطيب التبركي: الذي يقتصر بخطابته على ذكر أهل البيت لا يبالي بما تعانيه الأمة.

أما من يرتاد المجلس الحسيني فهو إما عالم رباني او رجل متعلم او امرؤ معتاد او إنسان مغرور او شخص ناقد غير ايجابي.

وتمر الخطابة بمناخات خمسة:

المناخ الطبيعي: حيث يجد الخطيب ضالته في قول ما يشاء دون خوف او وجل من سلطة او ظالم، فتؤتي المجالس أكلها. والتعسفي: حيث يفتقد عموم مجلس الخطابة الى أجواء الحرية، فتتحول المجالس الى مجالس تحدٍ. والمقيد: وهي حالة وسطية يفرض فيها الحاكم شروطه. والاستثنائي: حيث تقع الكوارث الطبيعية وحوادث سياسية كبيرة، فان الخطابة تأخذ بوصلتها وفق مؤشر هذه الحوادث. والأجنبي: وهي إقامة المجالس في البلدان غير الاسلامية، ومراعاة المناخات الاجتماعية في مثل هذه البلدان. وبشكل عام فان مادة الخطابة في معظم المناخات لا تخرج عن إيراد القرآن الكريم والحديث الشريف وواقع الحال والسيرة والأدب.

أما في مقام "العلم والخطابة" فان المصنف يحدد معالم العلاقة لدى علماء الهند وإيران والعراق والشام والخليج والخطابة الحسينية، فعلماء الهند وفقهاؤهم لا يجدون غضاضة من صعود المنبر الحسيني، وكذلك في ايران، أما في العراق فقد أوجدت الثقافة الخاطئة فاصلة بين العلم والخطابة، فللفقهاء دورهم وللخطباء دورهم، ويمارس علماء الشام ولبنان المحاضرة بدل الخطابة الحسينية، وأما علماء الخليج فهم تبعا للمدرسة التي تخرجوا منها.

الخطيب الحسيني كما يجب

ويستقل المصنف بعناوين فرعية للبحث في خصوص "الخطيب الحسيني" الذي يعتبر نفسه جنديا من جنود الإسلام، ومتابعة "مواصفات الخطيب الحسيني" الذي ينبغي أن يتوفر على مؤهلات جسمية ومواصفات عملية وعلمية وصفات نفسية. فمن من المؤهلات الجسدية، أن يكون جهوري الصوت غير منكر وقوي البنية وخال من العاهات والأمراض المنفرة ويتصف بالذكاء وقوة الذاكرة. أما الصفات العلمية فتكتسب بالدراسة والمطالعة كالنحو والفقه، والعملية بالممارسة والتمرين كأسلوب الخطابة. ومن الصفات النفسية الإيمان والعمل والتقوى والإخلاص وحسن الأسلوب والأخلاق والصفاء والتواضع والأمانة في النقل والصبر عند الصعاب والشجاعة.

وفي "الخطيب ومرادفاته" نقرأ مرادافات الخطيب من الواعظ والمرشد والذاكر والمبلغ والمداح والروض خون والقاري، على إن الخطيب قبل أن ينخرط في سلك الخطابة: "عليه أن يكون مستمعا جيداً قبل أن يكون خطيباً، بل عليه أن يتتلمذ على خطيب ماهر ويتمرن عنده"، وأن يقرأ عن "الوسائل التطبيقية" للخطابة من قبيل كتاب الخطابة للمؤلف الأميركي ديل كارنيجي (Dale Carnegie) (1888-1955م).

وفي "زي الخطيب" يتابع المصنف مع الصور لباس وزي الخطيب الحسيني من كل الجنسيات وفي كل البلدان. كما يتابع "لغة الخطيب"، مؤكدا على دور اللغة العربية كأساس للخطيب العربي وأساس لغيره في نقل النصوص العربية من مظانها. وفي هذا المجال يستطلع "آراء حول الخطابة والخطيب" لعدد من العلماء.

وتحت عنوان "إحياء المجالس الحسينية" يبين الكتاب الموارد التي تقام فيها المجالس الحسينية. ولان الخطباء ليسوا على مستوى واحد، فان الكتاب يفصل القول في "طبقات الخطباء"، ويجدهم المصنف ثلاث: الطبقة المتقدمة وهي الأقلية بحدود 10 في المائة، ممن يفي أفرادها بحق المنبر، والطبقة المتوسطة وهي بنحو 75 في المائة وهي دون الطبقة الأولى وفوق الطبقة الثالثة التي يقصر أفرادها عن الإيفاء بكامل شروط المنبر الحسيني. وبشكل عام ترد عنهم وعن غيرهم "شكوى" عدم مراعاة الخطيب لدور الشباب، وعدم مراعاة المجالس الحسينية في البلدان الغربية للإتيان بخطباء يجيدون لغة ذلك البلد.

وبعد هذه المقدمة المستفيضة عن تاريخ الخطابة بعامة والحسينية بخاصة، ينتقل المصنف الى "هذا المعجم" وبيان الخطوات التي اعتمدها لوضع تراجم الخطباء فيدرج 133 خطيبا تحت حرف الألف من جنسيات ولغات مختلفة، يشير في ترجمته الى اسلوبه الخطابي وسيرته الخطابية وبيان جوانب من خصوصياته.

كما لا يغمط حق القارئ في أن يعرف كل ما تضمنه الكتاب فترك له فهارس غنية بالمعلومات، يتابع من خلالها: الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، الأشعار والأوزان، التأريخ، اللغة، الآيات المباركة، الأحاديث والأخبار، الأمثال والحكم، مصطلحات الشريعة، المصطلحات العلمية والفنية، الطوائف والملل، الوظائف والرتب، الآلات والأدوات، الإنسان ومتعلقاته، الحيوان ومتعلقاته، النبات ومستحضراته، الفضاء ومتعلقاته، الأرض ومتعلقاتها، المعادن، الأماكن والبقاع، الزمان، الوقائع والأحداث، المؤلفات والمصنفات، لغة الخطيب، انتماء الخطيب، المصادر والمراجع، مؤلفو المراجع.

كما لا يتوان المصنف عن تقديم وجهات نظر الأعلام من جنسيات ومذاهب وأديان مختلفة، في أجزاء الموسوعة الحسينية برحابة صدر، وقد ذيل الجزء الأول من معجم خطباء المنبر الحسيني بوجهة نظر الفيلسوف النمساوي السيد جوزف لافزل (Josef Lavzl) حيث أكبر في دائرة المعارف الحسينية وأثنى على صاحبها الذي يقدم في كل جزء، الجديد من حضارة الإسلام. 

* إعلامي وباحث عراقي

الرأي الآخر للدراسات – لندن

alrayalakhar@hotmail.co.uk

شبكة النبأ المعلوماتية-الاحد 25 شباط/2007 -8/صفر/1428