الإمام علي (ع) وروح المبادرة

 الشيخ عبد الله اليوسف

 من صفات العظماء والقادة والزعماء امتلاكهم لروح المبادرة في فعل الخير، والمسارعة لاغتنام الفرص، والمسابقة إلى الخيرات والأعمال الصالحة.

فالمبادرة سر من أسرار النجاح والتفوق، وعنوان للتقدم والرقي في مدارج الكمال، وخطوة نحو تحقيق الإنجاز على مختلف الصُعُد والمستويات. وكما أن المبادرة ضرورية في صناعة النجاح للأفراد؛ كذلك هي مهمة لصناعة النجاح للمجتمعات الإنسانية.

ولأهمية صفة المبادرة في تقدم الأفراد والمجتمعات أشار القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى هذه الصفة، بألفاظ مختلفة كالمسارعة والمسابقة، قال تعالى: {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}(1) ويقول تعالى: { فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ }(2) فعلى الإنسان ـ كما المجتمع ـ أن يبادر إلى فعل الخير، واغتنام الفرص، والمسارعة في إتيان الأعمال الصالحة.

والمبادرة صفة من الصفات البارزة في شخصية الإمام علي (ع)، فقد كان المبادر إلى كل خير.

فهو أول من أسلم ...

وأول من أعلن نصرته لرسول الله (ص)...

وأول من ضرب بالسيف في سبيل الله تعالى ...

وأول من كان يعلن استعداده للتضحية عندما يطلب الرسول الأعظم (ص)، ذلك من أصحابه...

وأول من جاهد وهاجر بعد رسول الله ...

وكان الإمام علي (ع) كثيراً ما يوصي أصحابه بالمبادرة في فعل الخير، إذ يقول (( بادروا بالأعمال عُمُراً ناكساً، ومرضاً حابساً، أو موتاً خالساً ))(3) وقال (ع) أيضاُ: (( بادروا آجالكم بأعمالكم، فإنكم مرتهنون بما أسلفتم، ومدينون بما قدمتم )) (4) وقال (ع) أيضاً: (( بادروا بعمل الخير قبل أن تشتغلوا عنه بغيره )) (5) فعلى الإنسان أن يكون مبادراً قبل أن يفقد القدرة على فعل المبادرة بفعل الأمراض أو الشيخوخة أو الأشغال المختلفة أو العوائق التي تعيق قدرته على القيام بمبادرات في طريق الخير والصلاح.

وكي يتحلى الفرد يروح المبادرة عليه أن يثق بنفسه، ويكون شجاعاً في اتخاذ القرار، ويغتنم الوقت من دون أي تأخير، وإلا فإن ( التواني إضاعة ) (6) كما قال الإمام علي (ع)، كما أن التأخير قد يمنع الإنسان من الإقدام على فعل الخير، ولذلك قال الإمام الباقر(ع): ((من هَمَّ بشيء من الخير فليعجله، فإن كل شيء فيه تأخير، فإن للشيطان فيه نظرة)) (7) فمن أراد النجاح في الدنيا، والفلاح في الآخرة، فعليه بالمبادرة والمسارعة في فعل الخيرات.

وكما أن المبادرة مهمة في حياة الفرد ومستقبله، كذلك هي ضرورية جداً في حياة المجتمعات ومستقبلها، وكما يتفاوت الأفراد في مدى الاستعداد للمبادرة كذلك هي المجتمعات البشرية، فنجد أن مجتمعاً ما تكثر فيه المبادرات الخيرية في مختلف المجالات، في حين تفتقر بعض المجتمعات إلى روح المبادرة.

وكلما تحلى المجتمع بصفة المبادرة كلما كان أكثر تقدماً وتطوراً، أما المجتمع الذي يفتقد روح المبادرة فتراه متخلفاً وفي القائمة الأخيرة في قياس التقدم والتطور.

إن مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون إلى تعميق صفة المبادرة فيه، وتشجيع الناس على امتلاك روح المبادرة، فكل مجتمع يعاني من نواقص ونقاط ضعف في بنيته الاجتماعية، ولا يمكن معالجة ذلك إلا بقيام المجتمع بمبادرات إيجابية لمعالجة ذلك؛ بل ولصنع التقدم الاجتماعي، وتنمية المجتمع في مختلف أبعاده ومفاصله الرئيسة.

أما الاكتفاء بالكلام دون العمل، وبالنقد دون الفعل، وباجترار المشاكل دور السعي إلى حلها، فهذا ما يوبخ عليه القرآن الكريم من يتحلى بهذه الصفات، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (8)

والإمام علي في أكثر من موقع يوبخ أصحابه الذين يكثرون من الكلام في المجالس ولكنهم لا يفعلون شيئاً لتغيير الواقع، يقول (ع): (( كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كًيْت وكًيْت، فإذا جاء القتال قلتم حٍيْدٍيْ حَيَاد !! )) (9)

وفي موضع آخر بوبخ الإمام علي (ع) أصحابه الذين لا يبادرون إلى الجهاد، ويتسلحون بالأعذار لتبرير تقاعسهم عن روح المبادرة، يقول (ع): ((فقبحاً لكم وترحاً حين صرتم غرضاً يرمى، يُغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارَّةُ القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارة القُر أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً ًمن الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون؛ فإذا أنتم والله من السيف أفر )) (10) .

وهكذا ما ترك مجتمع من المجتمعات روح المبادرة في أي شيء من شؤون الحياة إلا كان متأخراً ومهزوماً ومتخلفاً. واليوم إذا ما أردنا أن نتقدم بمجتمعنا، وأن ننهض بأمتنا، فعلينا كأفراد وكمجتمع أن نبادر إلى فعل الخيرات؛ وإلا فإن الكلام وحده لا يصنع التقدم، والتضجر والتذمر من الواقع لا يغير فيه شيئاً، بينما المسارعة والمبادرة إلى فعل الخيرات هو طريق التقدم، وعنوان النجاح.

فلنقتدِ بإمامنا الإمام علي (ع) في التحلي بصفة المبادرة في فعل الخير، وعندها سنتقدم كأفراد، وسيتقدم المجتمع أيضاً.

http://alyousif.org

ــــــــــــــ

الهوامش:

1 ـ سورة آل عمران: الآية 114.

2 ـ سورة البقرة: الآية 148.

3 ـ نهج البلاغة، ص 56، خطبة رقم 230.

4 ـ نهج البلاغة، ص 419، خطبة رقم 190

5 ـ بحار الأنوار، ج68، ص 215، رقم 15.

6 ـ ميزان الحكمة، ج6، ص2705، رقم 17676.

7 ـ الوسائل، ج1، ص113، رقم282.

8 ـ سورة الصف: الآيتان 2 و3.

9 - نهج البلاغة، ص128، رقم الخطبة 29.

10 ـ نهج البلاغة، ص 124، رقم الخطبة 27. 

شبكة النبأ المعلوماتية-السبت 14/تشرين الاول  /2006 -20/رمضان /1427