المشهد العراقي ما زال حرجا والوضع الإنساني هو الأصعب؟

 

شبكة النبأ: ما زال حجم الإرهاب والتطرف الذي يهدد وجود الدولة الذي يتعرض له العراق كبير جداً، كما يرى اغلب المحللين والمتابعين، خصوصا وان الصراع في منطقة الشرق الأوسط بين الدول الإقليمية المؤثرة من جهة، وبين دول كبرى من جهة أخرى، عزز من تواجد الاجندات المتطرفة، وغذى الكثير من التحركات المسلحة التي عصفت بالوضع الأمني وأربكت حسابات الحكومة العراقية، إضافة الى ضعف وبطء الحركة السياسية وانعدام التوافق بين الكتل الكبيرة داخل البرلمان، والذي أدى الى عزوف وانعدام ثقة متبادل فيما بين السياسيين، أدى بالمحصلة الى المزيد من التعقيد والتدخل الخارجي في شؤون العراق الداخلية، كما يرى متابعون.

ومع ان الخطوة الأولى (اختيار رئيس البرلمان العراقي الأسبوع الماضي) كانت ناجحة، وأدت الى كسر الجمود السياسي الذي مر به العراق منذ انتهاء الانتخابات، الا ان الكثير من الخبراء والمحللين يتخوفون من وجود المزيد من العقبات التي قد تقف امام العملية السياسية، سيما وان اخيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، إضافة الى الخلافات الحادة بين إقليم كردستان والمركز، والمطالبة بالانفصال، كلها أمور ما زال الخلاف بها مؤجلا حتى يأتي دورها.

فيما انعكست هذه الأوضاع والظروف الاستثنائية، بصورة سلبية على الأوضاع الإنسانية التي عانى منها اكثر من 2 مليون نازح ومهجر قسرا من المدن ومناطق سكناهم بعد ان وقت تحت سيطرة المتطرفين والجماعات المسلحة، كما ذهب الالاف كضحايا لعمليات القتل الجماعي خلال الفترة الماضية.

فقد قالت منظمة الأمم المتحدة في تقرير صادر عنها إن 5576 مدنيا على الأقل قتلوا في العراق خلال الشهور الستة من السنة الجارية مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية حينما قتل 7800 مدنيا، وأضاف التقرير أن أكثر من 11665 شخصا جرحوا خلال الفترة ذاتها والتي تتزامن مع هجوم يشنه تنظيم الدولة الإسلامية المرتبط بتنظيم القاعدة، وأدى استيلاء مسلحين على أجزاء واسعة من شمال وغربي العراق بما في ذلك مدينة الموصل والفلوجة إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين عن منازلهم.

وكانت الأمم المتحدة قالت في وقت سابق إن قتلى شهر يونيو/حزيران بلغ 2400 شخصا منهم 1531 مدنيا، ووثق التقرير ما وصفه بـ "انتهاكات ممنهجة وفظيعة" للقانون الدولي من طرف تنظيم الدولة الإسلامية، وذكر التقرير أن الدولة الإسلامية أعدمت مدنيين وارتكبت عنفا جنسيا ضد نساء وفتيات، ونفذت اختطافات وقتلت أطفالا من بين انتهاكات أخرى، وقال التقرير إن قوات الحكومة العراقية والمتطوعين الذين يحاربون إلى جانبها ارتكبوا انتهاكات بما في ذلك إعدامات جماعية وأعمال قتل خارج نطاق أحكام القضاء طالت سجناء ومعتقلين، مضيفة أن هذه الجرائم قد ترقى إلى جرائم حرب.

وأضافت الأمم المتحدة أن "تدهور الوضع الأمني" حد من قدرتها على رصد الانتهاكات والتأكد من مدى صحة الحوادث، واضطر أكثر من 1.2 ميلون شخص إلى النزوح عن منازلهم منذ أن احتدم العنف الشهر الماضي، حسب التقرير الأممي.

كما انتقد المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني وكالات حكومية ودولية لتقاعسها عن مساعدة مئات الآلاف من المدنيين الذين اضطروا للنزوح تحت وطأة القتال بين القوات الحكومية ومتشددين مسلحين من السنة، وقال السيستاني في خطبة ألقاها أحد معاونيه إن هؤلاء النازحين يعيشون تحت ظروف اقتصادية وانسانية قاسية وشاقة، وقال معاون السيستاني احمد الصافي إن المؤسسات المعنية بذلك لم تتجاوب بعد مع حجم المصاعب والمعاناة رغم الوعود التي ترددت بشأن مد يد العون.

وتقول الامم المتحدة إن أكثر من مليوني شخص اضطروا للنزوح داخل العراق بعد ان أجبر معظمهم على ترك ديارهم جراء الصراع الناشب في محافظة الأنبار الغربية والهجوم الذي شن بقيادة تنظيم الدولة الاسلامية الشهر الماضي، ولجأ معظم النازحين عن ديارهم بسبب القتال الذي اندلع الشهر الماضي الى منطقة كردستان الشمالية شبه المستقلة إلا ان معظم السكان الشيعية فروا الى بغداد والمحافظات الجنوبية التي تقطنها أغلبية شيعية، وقال السيستاني إن الاموال التي تعهدت بها جهات لمساعدتهم لم تصل بعد مما جعل النازحين يعتمدون على شهامة وكرم أفراد مانحين.

وقال إن على السلطات ان تنهض بمسؤوليتها كاملة للتعامل مع هذه القضية الانسانية بكل جدية سواء كانت هذه السلطات محلية أو دولية، وكرر السيستاني (83 عاما) دعوته لساسة العراق لأنهاء حالة من الجمود استمرت عدة اسابيع وان يتفقوا على حكومة وحدة جديدة يمكن ان تتصدى لحملة المتشددين المسلحين. بحسب رويترز.

وعلى صعيد آخر، يعود الرئيس العراقي، جلال الطالباني، إلى العراق بعد شهور خارج البلد قضاها في العلاج، وقال حزب الطالباني، الاتحاد الوطني الكردستاني، إن "الرئيس الطالباني سيعود إلى الوطن بعدما توج علاجه بالنجاح في ألمانيا"، وأضاف الاتحاد الوطني أن الطالباني سيعود إلى السليمانية حيث سيستأنف مسؤولياته رئيسا للعراق، ورغم أن معظم السلطات مركزة في يد رئيس الوزراء العراقي، فإن الطالباني ينظر إليه على أنه شخصية سياسية قادرة على التوفيق بين مختلف الفصائل العراقية، ويبلغ الطالباني من العمر80 عاما، ويقول مراقبون إن الطالباني استهلك رصيده السياسي والصحي إذ أخذ رئيس إقليم كردستان، مسعود البارزاني وهو منافس للطالباني يدير دفة الأمور في الإقليم.

التنسيق لمواجهة التحديات

فيما اكد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي خلال لقائه امين عام مجلس الامن القومي الايراني علي شمخاني في بغداد على ضرورة ان ينسق البلدان بينهما لمواجهة تحديات المنطقة، وذكر بيان صادر عن رئاسة الوزراء العراقية ان المالكي وشمخاني بحثا "اخر التطورات الامنية والسياسية في العراق والمنطقة"، واكد الجانبان "على ضرورة التنسيق والتعاون بين البلدين لمواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة"، ويتعرض العراق منذ اكثر من شهر لهجوم كاسح يشنه مسلحون متطرفون يقودهم تنظيم "الدولة الاسلامية" تمكنوا خلاله من السيطرة على مناطق شاسعة من شمال وشرق وغرب البلاد، بينها مدينة الموصل (350 كلم شمال بغداد). بحسب فرانس برس.

ودفع هذا الهجوم الواسع إيران الى الاعلان عن استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة في ملف العراق المجاور، وفي موازاة هذا الهجوم، يشهد العراق ازمة سياسية على خلفية تمسك المالكي الذي حظي في العام 2010 بدعم طهران لتولي ولاية ثانية، برئاسة الوزراء لمدة اربع سنوات جديدة رغم الاتهامات الموجهة له باحتكار السلطة وتهميش السنة، وكان نائب وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان اعلن في حزيران/يونيو ان بلاده تدعم ترشح المالكي لولاية ثالثة لكنها لا تمانع وصول اي شخصية اخرى يختارها البرلمان العراقي.

الأردن تحتضن المسلحين

من جانبهم قال زعماء المتشددين والعشائر السنة بعد اجتماع مغلق إنهم سيواصلون القتال حتى يسيطروا على العاصمة العراقية ويسقطوا نظاما سياسيا فرضته الولايات المتحدة مكن الشيعة من حكم العراق وقام بتهميش السنة، وحضر الاجتماع الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان بضع مئات من الشخصيات العشائرية وممثلي الجماعات الإسلامية وضباط الجيش السابقين وشخصيات سابقة من حزب البعث، وقال رجل الدين السني عبد الملك السعدي الذي أشاد بالمجاهدين الذين يقودون المسلحين الإسلاميين إن العشائر هي العمود الفقري لحركة ذات قاعدة عريضة تكافح حكم رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي، وقال إن هذه القوات استولت الآن على أجزاء كبيرة من غرب العراق وشماله.

وقال أرفع شخصية دينية بين السنة إن الدولة الإسلامية التي تتبع تنظيم القاعدة ليست سوى جزا من هذه الحركة، وقال السعدي إن هذه الثورة يقودها أبناء العشائر التي تتصدرها وإن الدولة الإسلامية جزء صغير منها، وكان السعدي قاد بعضا من الاحتجاجات في معقل السنة بالعراق في عام 2013 والتي طالبت بإنهاء الانتهاكات الأمنية والتهميش والإقصاء السياسي، وقالت معظم الشخصيات السنية إنه لم يبق أمامهم من بديل سوى قتال المالكي الذي يعتمد الآن بشكل متزايد على ميليشيات مثل عصائب أهل الحق يقولون إنه يجري تمويلها وتسليحها من إيران في معركته لمواجهة المحافظات المتمردة. بحسب رويترز.

وقال عبد الناصر الجنابي (وهو شخصية سلفية بارزة ومن أبرز أنصار المسلحين الإسلاميين) "نحن الآن في حالة جهاد متواصل لإنهاء فلول الاحتلال الأمريكي واستعادة حقوق الشعب العراقي، ونحن ننتظر بزوغ فجر جديد للعراق من هذا الثورة"، وكانت صحف موالية للحكومة وقريبة من المالكي انتقدت اجتماع عمان قائلة إن بعض المشاركين فيه ساسة متهمون بالإرهاب.

من ناحية أخرى قررت السلطات العراقية استدعاء سفير العراق من العاصمة الأردنية للتشاور، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية، وذلك بعد يومين من استضافة عمان لهذا المؤتمر، وجاء في بيان مقتضب، نشر على موقع وزارة الخارجية التي يدير شؤونها حاليا نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة حسين الشهرستاني مكان هوشيار زيباري الذي يقاطع جلسات الحكومة، "العراق يقرر استدعاء سفيره من العاصمة الأردنية عمان للتشاور".

تقسيم العراق

بدوره رأى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ان رئيس الجمهورية المقبل يجب ان يكون كرديا مؤمنا بوحدة العراق ورافضا لأي استفتاء على تقسيمه، في اشارة الى استفتاء الاستقلال الخاص باقليم كردستان، وقال المالكي في خطابه الاسبوعي للشعب العراقي "لم يبق من المدة المقررة لتسمية رئيس الجمهورية الا قرابة 15 يوما ويبدو من خلال منح المكونات دورها في المواقع الاساسية في الدولة انه سيكون من حصة الاخوة الكرد"، واضاف ان رئيس الجمهورية المقبل ينبغي ان يكون "مؤمنا بوحدة العراق ورافضا لدعوات التقسيم والاستفتاءات والتجاوزات على الدستور والتمديدات غير المشروعة هذه كلها اتمنى ان يرشح من يرفض بكل صراحة من لديه افكار التقسيم او الانفصال".

ويوجه المالكي كلامه هذا الى رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني الذي دعا البرلمان المحلي في الاقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي الى الاستعداد لطرح استفتاء على حق تقرير المصير، وعلى البرلمان العراقي ان ينتخب رئيسا للجمهورية بحلول الاول من اب/اغسطس المقبل، وهو منصب يتوقع ان يكون من حصة احد الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني والديموقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني، وخاض رئيس الوزراء الذي يحكم البلاد منذ 2006 معركة كلامية مع السلطات الكردية في كردستان التي اتهمها بايواء منظمات متطرفة بينها "الدولة الاسلامية" و"القاعدة"، فيما ردت هذه السلطات بدعوته الى "الرحيل" وترك منصب رئيس الحكومة. بحسب فرانس برس.

ونشر على الانترنت تسجيل صوتي منسوب الى الرجل الثاني في نظام صدام حسين عزة الدوري حيا فيه هذه التنظيمات المتطرفة، مؤكدا ان "تحرير بغداد الحبيبة بات قاب قوسين او أدنى"، واكد المالكي فيما بدا ردا على الدوري القيادي في حزب البعث المنحل "اقول لأيتام البعث الذين يتحدثون عن بغداد ان بغداد اصبحت عصية عليكم ولن تتمكنوا" من دخولها.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 20/تموز/2014 - 21/رمضان/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م