عاشوراء وأولوية نبذ التطرف

رؤى من أفكار الامام الشيرازي

 

شبكة النبأ: تتجدد ذكرى عاشوراء، في كل عام بمثل هذا الوقت، إذ يستذكر المسلمون عبق الكفاح الانساني العظيم، وموقف الحق المدوّي الرافض للظلم، حيث نعيش واقعة الطف وبطلها سيد الاحرار الامام الحسين عليه السلام، لنرى أمام ابصارنا وبصائرنا سبل السلام، ونوافذ النور الطاردة للعنف، فقد تعلمنا من الامام الحسين عليه السلام حب الانسان قريبا او غريبا، لاننا نلتقي معه في الصفة الانسانية، استنادا الى كونه نظيرا لنا في الخلق، وهكذا تحمل هذه الذكرى بشائر السلام ونبذ التطرف، والابتعاد العقلاني عن كل اشكال التصادم، فالحوار الانساني السليم، هو الطريق الاقصر والأسلم لتحقيق الوئام بين الجميع، بغض النظر عن الاختلاف في الفكر او الثقافة او طرق العيش.

إن الشهر المحرّم يحمل لنا انسانية الفكر الحسيني ويدعونا الى التقارب، ويطالبنا ان نكون اقرب الى السلوك الذي اتسم به أئمة أهل البيت الاطهار، في تعاملهم مع غير هم، متبعين سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، في تعامله الانساني مع الجميع، حتى مع اعداء الاسلام، حيث العفو يتقدم على العقاب حتى مع القتلة، فقد تم العفو عن قاتل الحمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مثلما طال العفو كثيرين مم وقفوا ضد الاسلام والمسلمين في احرج المواقف واكثرها خطرا على الاسلام، ومع ذلك كان العفو عنوان السياسية النبوية في الدولة الاسلامية، من اجل ان يسود الوئام بين الجميع ويتم القضاء على التطرف ومنابع العنف التي غالبا ما يشتعل اوارها نتيجة التصادم والعنف الذي يتولد عنه عنف متواصل.

محرّم ونبذ العنف  

ان المتبحّر في مبادئ الامام الحسين عليه السلام والفكر الحسيني، سوف يلاحظ من دون عناء، الجوهر الواضح لتلك المبادئ وذلك الفكر، وجلّها تهدف الى خلق الانسجام والتقارب بين بني الانسان، من خلال بث روح التعايش بين الجميع، لذا لابد أن نستفيد من هذه الشهر ومن استذكارنا المتجدد لواقعة الطف بأقصى ما يمكن، من اجل تطوير الحياة الى ما هو افضل واكثر انسجاما وتراحما.

يقول الامام الراحل آية العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه الموسوم بـ (الحسين -عليه السلام- مصباح الهدى) في هذا المجال: (ها هو المحرّم قد أطلّ على البشريّة فاللازم أن يستفيدوا منه بالقدر الممكن).

نعم ليس امام المسلمين في ظرفهم الراهن المعقد، سوى اللجوء الى الفكر الحسيني الانساني الداعي الى نبذ التطرف والعنف، وعدم إثارة العداوات بسبب حالات التعصب والقبلية التي تحكم عقول البعض، خاصة اننا اصحاب ارث ديني انساني اخلاقي، يحث على التعاون والتعايش، وينبذ التطرف، ويجنح دائما الى السلم كما اكد على ذلك الامام الشيرازي إذ نقرأ في كتابه نفسه: علينا (الإتّصاف بالأخلاقيات الرفيعة، كما قال سبحانه: *كُنْتُمْ خيْرَ اُمَّةٍ اُخرِجَتْ لِلنّاس تَأمُرونَ بِالمَعْروف* كالتعقّل والتدبّر واللين والرفق والتعاون والإخلاص والتشاور والتّحابب وغير ذلك - وَتَنْهَوْنَ عن المُنْكَر- وعن العنف والقسوة والإستبداد والفرقة والتباغض والتشاحن وغيرها، فقد ورد في الحديث: تخَلَّقُوا بِأخلاقِ اللّه).

ولا يصح مطلقا أن يكون التنافس من اجل الوصول الى السلطة مبررا للعنف، كما لا يجوز ولا يص لمن يصل اليها ان يتحول الى فرعون، يظلم الناس ويمارس عليهم الطغيان، بل ليس امام الحاكم والحكومة سوى تحقيق الاصلاح عبر الاستخدام السليم لوسائل العدالة كافة.

لذلك نقرأ في هذا المجال قول الامام الشيرازي في كتابه المذكور نفسه: (لقد علّل الإمام الحسين عليه السلام ثورته الخالدة بقوله: - اللّهمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ انّهُ لَمْ يَكُنْ ما كانَ مِنّا تَنافُساً في سُلْطان وَلا التماساً مِنْ فُضول الحُطام ولكنْ لِنُرِيَ المَعالِم مِنْ دينِكَ ونُظْهِرَ الإصلاحَ في بِلادِكَ ويَأمَنَ المَظْلومونَ مِنْ عِبادِكَ وَيُعْمَلُ بِفَرائِضِكَ وَأحْكامِكَ-...).

المسلمون تأخروا كثيرا

عندما تخلى المسلمون عن طريق الحق تأخروا كثيرا، كل النتائج التي افرزها التاريخ والواقع ايضا، تؤكد ذلك، فقد عاش المسلمون حالة الفوضى، وكانت حكوماتهم تسوسهم بادارات لا تضع معايير الحق منهجا لها، وغالبا ما تنتهج العنف والاستبداد طريقا لها، بل وغالبا ما يتقدم هدف حماية العرش على كل شيء، في حين بقيَ الاهتمام بالشعب من آخر الاهداف التي تهتم وتسعى إليها الحكومات الاسلامية أو التي تعلن الاسلام دينا رسميا لدولها، الامر الذي كان ولا يزال يزيد من الجهل ويضاعف من بؤر التطرف، فيما تتمثل حاجتنا بصورة قاطعة الى نبذ التطرف، لذلك تأخر المسلمون كثيرا، وتقدمت عليهم امم كانت تسير خلفهم!.

يقول الامام الشيرازي حول هذه النقطة بالذات: (إن الفوضى التي تُشاهد في بلاد الإسلام دليلاً على اليأس، بل حالها حال التثاؤب الذي يتّصف به الناعس بعد نوم طويل، حيث ان التثاؤب في هذا الحال، دليل الشروع في اليقظة، لا الأخذ في النوم، وقد نام المسلمون طويلاً طويلاً حتى قُسِّمَتْ بلادهم، ونُهِبَتْ أموالهم، وهُتِكَتْ أعراضهم، واُريقَتْ دمائهم، وسادَتْ فيهم القوانين الكافرة، وعمّت فيه الفوضى والجهل والمرض والفقر والعداء والفرقة).

لذلك لابد من مغادرة الفوضى والعنف وحالات العداء الى العكس تماما، اي الى التقارب والتعاون والتعايش، والتعاضد من اجل القضاء على كل ما يؤدي الى الفرقة والتشاحن والخصام، وزيادة النسيج الاجتماعي تقاربا، فقد ورد في كتاب الامام الشيرازي أن الإمام الحسين عليه السلام قال: (أيُّهَا النّاس... إنَّ أعْفى النّاس مَنْ عَفى عَنْ قُدْرَةٍ وَإنَّ أوْصَل النّاس مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ... وَمَنْ أحْسَنَ أحْسَنَ اللّهُ إلَيْهِ وَاللّهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ).

كما يؤكد الامام الشيرازي قائلا: (لا يتوهّم أحد ان الإسلام إذا أخذ بالزمام يعمل استبداداً، أو ينتقم، أو يعمل عملاً ممّا تعمله حكومات الشرق والغرب).

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 4/تشرين الثاني/2013 - 30/ذو الحجة/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م