الصيام حبا

بدر شبيب الشبيب

 

العبادات قد تؤدى إسقاطا للواجب وإبراء للذمة، فيكون التركيز على الطريقة. وقد تؤدى انطلاقا من معرفة عميقة بالمعبود جل شأنه، وبالعبادة ذاتها وأنها طريق موصلة إلى الله تعالى، فيكون التركيز على الحقيقة، فتصدر العبادة عن قلب بروحها شغوف، وعقل بلبها مستمسك، وجوارح بهيئتها متعلقة. إنها باختصار: العبادة عن حب.

والصيام عبادة من العبادات قد تؤدى بإحدى الكيفيتين السالفتين؛ كيفية الفعل وكيفية التفاعل. وبما أن الصوم هو فعل الامتناع عن الفعل، فإن دائرة الامتناع تختلف بين الكيفيتين. في الكيفية الأولى يتم الامتناع عن المفطرات المذكورة في كتب الفقه، وفي الثانية تصوم الجوارح عن ذلك وأكثر، كما تصوم الجوانح أيضا عن محارم الله جميعا لتبلغ النفس مرتبة التقوى التي هي غاية الصوم. وقد عبر عن ذلك الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في دعائه عند دخول شهر رمضان أبلغ تعبير قائلا: وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتى لا نصغي بأسماعنا إلى لغو ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثلت، ولا نتكلف إلا ما يدني من ثوابك، ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابك.

ولا يقف الاختلاف عند حدود دائرة الامتناع، بل يشمل ما وراء ذلك، حيث يلحظ الإمساك التفاعلي غايات الصوم الأخرى المتمثلة في تربية الذات وتقوية الإرادة والإحساس بآلام الآخرين والمساهمة في رفع معاناتهم وترويض النفس على الوقوف عند الحدود، بينما قد تغيب هذه عن الإمساك الفعلي، فكم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش.

في حديث للإمام الرضا (عليه السلام) عن علة وجوب الصوم، قال: لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش، ويستدلوا على فقر الآخرة، وليكون الصائم خاشعا ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا عارفا صابرا لما أصابه من الجوع والعطش، فيستوجب الثواب مع ما فيه من الإمساك عن الشهوات، وليكون ذلك واعظا لهم في العاجل، ورائضا لهم على أداء ما كلفهم ودليلا لهم في الأجر، وليعرفوا شدة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا، فيؤدوا إليهم ما فرض الله تعالى لهم في أموالهم.

إن فعل الامتناع عن الفعل أو ما يسمى بتحدي الامتناع هو من أقوى الأمور تأثيرا على شخصية الفرد وشخصية المجتمع أيضا. فالفرد القادر على التحكم برغباته سيكون بالتأكيد أقدر على إدارة حياته إدارة جيدة. وكذلك المجتمع الذي يستطيع أن يحد من شهوة استهلاكه لصالح الإنتاج والإبداع، سيكون أكثر استعدادا لفعل المقاطعة والمقاومة في سبيل حريته وكرامته.

في هذا الصدد يمكننا أن نذكر ما يعرف بتجربة مارشملو. وهي مجموعة من الدراسات أجريت في جامعة ستانفورد في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي على عدد من الأطفال الصغار لاختبار قدرتهم على مقاومة أكل قطعة حلوى «مارشملو» توضع أمام كل واحد منهم. ويتم تخيير الطفل بين تناول هذه القطعة التي أمامه أو الانتظار لفترة تقرب من 15 دقيقة كي يحصل على قطعتين. في الغالب يفشل الطفل في الاختبار. وعندما تتبع الباحثون لاحقا الأطفال الذين نجحوا في فعل الامتناع والمقاومة، وجدوا أنهم في سن المراهقة كانوا الأفضل من حيث الأداء المدرسي والانضباط والاعتماد على النفس، ويتوقع لهم مستقبل أفضل.

لقد كان الصيام كما هو معلوم أحد أسلحة المهاتما غاندي اللاعنفية لتوحيد شعبه ولمقاومة الاحتلال البريطاني. بل إننا لا نبالغ إذا قلنا بأن أبرز سمات شخصيته كان الكف والامتناع والإمساك.

إننا مدعوون جميعا لاستثمار الصوم في صقل شخصياتنا وتغيير عاداتنا وسلوكياتنا السلبية واستبدالها بأخرى إيجابية. ولن يتحقق ذلك إلا بإشاعة ثقافة الصوم التفاعلي وممارسة الصوم عن حب.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.

http://www.facebook.com/profile.php?id=692249194

http://annabaa.org/news/maqalat/writeres/badirshibib.htm

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 21/تموز/2013 - 12/رمضان/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م