الفضائح الجنسية... علل مزمنة تنخر بالفاتيكان!

 

شبكة النبأ: بين الحين والآخر يضرب الكنيسة زلزل فضائح بسبب حوادث التحرش الجنس المتكررة، خصوصا قضايا التحرش الجنسي بأطفال، فمازال يرزح الفاتيكان تحت عبء فضائح جنسية جديدة لرجال دين حتى بعد تنصيب خورخي برغوليو أول بابا من الأمريكيتين على رأس الفاتيكان، وخلفا لبنديكت السادس عشر الذي استقال من منصبة بشكل المفاجئ، لا تزال فضائح الفساد واستغلال الأطفال جنسيا تهز اركان الكنيسة الكاثوليكية وترهق الفاتيكان، وعلى الرغم من إشادة وتعاطف الحشود مع البابا فإن الكثير من الكاثوليك يشعروا بالقلق من أثر ذلك على مستقبل الكنيسة التي تعاني من مشاكل، الفساد والفضائح والاتهامات غير الأخلاقية التي يقوم بها رجال الدين او أتباع الكنيسة، فعلى الرغم من المعالجات التي يقوم بها الفاتيكان، تستمر الممارسات والانتهاكات الحقوقية والاتهامات التي تعيشها الكنيسة اليوم على أكثر من صعيد، فقد تضعها كل هذه الأمور انفة الذكر، بوضع مقلق لمستقبل هذه الفئة الدينية، ويسعى بدوره البابا الجديد والفاتيكان ومجموعة من زعماء الكاثوليك الى مكافحة الأزمات والمشكلات المتكررة، لتبرئة الكنيسة من تلك الاتهامات، وتغير الأجواء السيئة السائدة في مابين الكنيسة والفاتيكان والصورة السلبية الراسخة عليهما خاصة في الآونة الأخيرة.

كنيسة بريطانيا

في سياق متصل وجه تحقيق صحفي أصابع الاتهام بقضية التغطية على جرائم جنسية إلى أسقف يورك السابق في بريطانيا، ديفيد هوب، مشيرا إلى أنه قام بإخفاء حقائق تتعلق بإقدام رجل الدين الراحل، روبرت وادنغتون، على استغلال أطفال في المدارس وفرق الترتيل الديني والاعتداء عليهم.

وجاءت الاتهامات بعد تحقيق مشترك عملت عليه صحفية "تايمز" البريطانية بالتعاون مع "الصحفية الأسترالية" التي تصدر من سيدني، جاء فيه أن هوب لم يبلغ الأجهزة الرسمية أو الشرطة عن الانتهاكات المنسوبة إلى وادنغتون - الذي مات عام 2007 - رغم معرفته بها خلال الفترة ما بين عامي 1999 و2003. بحسب السي ان ان.

ولكن الأسقف السابق الذي منح لقب "لورد" بعد تخليه عن منصبه عام 2005، دافع عن نفسه عبر بيان أشار فيه إلى أنه كان يعمل وفق "متطلبات القانون" في ذلك الوقت مضيفا: "أنفي بشدة الفرضيات التي تشير إلى أنني وفريق عملي أهملنا هذه القضية أو أي قضية تتعلق بالسلامة العامة، كما أعرب عن خيبة أملها حيالها."

ولفت هوب إلى أن قوانين الكنيسة الإنجليزية، وحتى عام 1999، لن تكن تنص على التحويل المباشر لمثل هذه القضايا إلى الشرطة أو الأجهزة الأمنية، وكان التقرير الصحفي قد اتهم وادنغتون باستغلال شخص يدعى إيلي ورد عندما كان الأخير طفلا يبلغ من العمر 11 سنة عام 1984، وقد استمر الاستغلال لعدة سنوات، كما تقدم عدد من طلاب مدرسة أدارها وادنغتون في أستراليا بشهادات مماثلة.

كنيسة اسكتلندا

فقد أعلن الفاتيكان أن الكاردينال كيث أوبراين، رئيس الكنيسة الكاثوليكية في اسكتلندا، استقال من منصبه بعد اتهامه من قبل رجال دين بممارسة "سلوك غير لائق" معهم، بالتزامن مع مواجهة كاردينال أمريكي مزاعم جديدة بالتستر على انتهاكات، في حين نشرت الصحف الإيطالية روايات مروعة عن تجاوزات جنسية وابتزازات بين مختلف الرتب الدينية بالكنيسة، واختتمت تلك الفضائح بمزاعم الكشف عن جمعية سرية لقساوسة مثليين في الفاتيكان، أطلق عليها إعلامية ب فضيحة "فاتي ليكس". بحسب السي ان ان.

وعقب مارك داود، قس سابق من الدومنيكان وهو مثلي ويعمل حالياً كصحفي، على تلك الفضائح قائلاً لمقدمة البرنامج على الشبكة، كريستيان أمانبور: "المثلية قنبلة موقوتة في الكنيسة الكاثوليكية..عندما تكون السرية والإحساس بالإثم والكبت هي الثقافة السائدة، هذا يخلق مناخاً خصباً للابتزاز والتلاعب."

كنيسة كرواتيا

فيما يثير ادخال التربية الجنسية الى مدارس كرواتيا انقسامات في هذه الجمهورية في يوغوسلافيا السابقة كما يولد استياء لدى الاهالي وفي اوساط الكنسية الكاثوليكية البالغة النفوذ في هذا البلد والتي اعلنتها حربا على حكومة يسار الوسط.

وتضع الحكومة هذا العام برنامجا تجريبيا يستمر عامين والهدف المعلن منه توعية التلامذة على المشاكل المرتبطة بالحياة الجنسية. والمواضيع التي يتطرق اليها البرنامج تشمل وسائل منع الحمل والعادة السرية مرورا بالامراض المنقولة جنسيا وصولا الى المثلية الجنسية والمساواة بين الجنسين، واشار المسؤول الحكومي المكلف التحضير لهذا البرنامج فينكو فيليبوفيتش الى ان حوالى الفي حالة حمل لدى مراهقات و400 اجهاض يتم تسجيلها سنويا في كرواتيا، واضاف "نظرا الى هذه المعطيات المقلقة، من الضروري تثقيف الاطفال الذين يبلغون سن البلوغ الجنسي"، ويستهدف البرنامج التلامذة بين سن التاسعة و18 عاما وينص على اعطائهم ثلاث او اربع حصص تربية جنسية سنويا. وبما ان البرنامج لا يعتمد على كتب محددة فإن التلامذة سيناقشون المواضيع الجنسية مع خبراء او اساتذة.

الا ان هذا البرنامج اثار قلق الاكليروس في الكنيسة الكاثوليكية مدعومين من المعارضة وجمعيات لاهال محافظين. ويعتبر هؤلاء ان التربية الجنسية من مسؤولية الاهل كما يخشون ترسيخا لمفاهيم مغلوطة لدى التلامذة، وقال اسقف زغرب يوسيب بوزانيتش في تصريحات ادلى بها مؤخرا ان "السلام في وطننا على المحك"، منتقدا ما اعتبره برنامجا "مدمرا وخطرا"ن ووزعت الكنسية في مختلف انحاء البلاد منشورات تدعو الاهالي الى توقيع عرائض ضد البرنامج، وكتب على احدى هذه المنشورات الموزعة في المحال التجارية "الا يزعجكم ان يتعلم ابناؤكم ان علاقة جنسية مثلية امر طبيعي بالقدر نفسه لعلاقة بين رجل وامرأة؟".

من جانبها انتقدت جمعية غروزد التي تضم اهال محافظين ما اعتبرته "نظرة للحياة تناقض قيم غالبية الاهالي" في هذا البلد الذي يشكل الكاثوليك 86% من سكانه البالغ عددهم 4,2 مليون نسمة، ولم ترفض الجمعية التربية الجنسية في المدارس بالمطلق الا انها اعلنت رغبتها في ان يكون للاهالي كلمتهم في مضمون البرنامج وبان يتمكنوا من الاختيار بين برنامجين بحسب القيم والمبادئ التي يتبعونها، كما اعتبرت الجمعية ان المواضيع التي يتطرق اليها برنامج التربية الجنسية في المدارس لا تتناسب مع اعمار التلامذة، ودار جدل محموم حيال هذه المسألة في الاسابيع الاخيرة، حتى ان اسقفا اخر في زغرب هو فالنتين بوزايتش وصل الى حد الدعوة الى اسقاط الحكومة مقارنا اياها بالانظمة التوتاليتارية الشيوعية او النازية، ويبدو الكرواتيون منقسمين ازاء المسالة: فبحسب نتائج استطلاع للراي اجري مؤخرا، يرى 56% من الكرواتيين ان التربية الجنسية ضرورية وان على الكنسية عدم التدخل في هذا الموضوع، الا ان 33% منهم يعتبرون ان هذا البرنامج ليس مقبولا بالنسبة للكاثوليك. بحسب فرانس برس.

وبعض الكرواتيين يعلنون دعمهم مشروع الحكومة، مثل غوران ميليتيتش التاجر الثلاثيني والاب لولدين، الذي اكد ان "تربية الاطفال يجب ان تاخذ في الاعتبار الواقع لتحضيرهم لمواجهة كل ما ينتظرهم في الحياة"، اما اخرون فيعارضون المشروع. وفي هذا الاطار، يعتزم ايفو هورفات منع ابنه البالغ 15 عاما من المشاركة في هذه الحصص للتربية الجنسية، وهو ما لا تبدو السلطات مستعدة للقبول به. ويخشى هورفات من ان يكون البرنامج "تسويقا للمثلية الجنسية المقنعة تحت ستار التسامح"، كذلك فإن التلامذة المعنيين بالموضوع والبالغ عددهم 516 الفا منقسمون حيال الموضوع، وبراي لورا البالغة 15 عاما، فإن ما يثار لا يعدو كونه "الكثير من الضجيج لاجل موضوع لا يستحق. سنرى ما سيكون عليه الامر، الا ان الكنيسة عليها عدم التدخل في المدارس"، اما غوران وهو ايضا في سن المراهقة فيفضل "طرح اسئلة على الاصدقاء الاكبر سنا في وقت قد يشعر المدرسون بالاحراج في مناقشة بعض المواضيع مع التلامذة"، وانتقد وزير التربية الكرواتي زيليكو يوفانوفيتش ما وصفه بالتصرف "غير المقبول، الكيدي والتشهيري" من جانب الكنيسة، وقال "يمكنهم القول ما يريدونه خارج المدارس، لكنهم لا يستطيعون اتخاذ القرار بشان ما سيتم تدريسه" ضمن المناهج الدراسية، وبعد سنوات من القمع خلال الحكم الشيوعي في يوغوسلافيا السابقة، فرضت الكنيسة الكاثوليكية نفسها شريكا للسلطات الكرواتية منذ اعلان استقلال البلاد في العام 1991، وغالبا ما تشارك في النقاشات بشأن القضايا العامة، وبنظر ايفيكا ماستروكو عالم الاجتماع المتخصص في شؤون الاديان وسفير كرواتيا السابق في الفاتيكان، فإن هذا الجدل الدائر في البلاد يمثل "محاولة جديدة من الكنيسة الكاثوليكية لفرض نفسها كقوة سياسية في المجتمع".

وهذا الجدل الجديد يأتي عقب المبارزة التي تواجهت فيها حكومة يسار الوسط مع الكنيسة في شأن وسائل التلقيح الاصطناعي. وقامت الحكومة بتعديل القانون العام 2012 للسماح بتجميد الاجنة واعطاء النساء الحق في الاستعانة بتقنيات التلقيح بمساعدة طبية.

كردينال جنوب افريقيا

على الصعيد نفسه قال كردينال بجنوب افريقيا شارك في انتخاب البابا فرانسيس لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) ان الولع الجنسي بالأطفال مرض لا جريمة، وقال الكردينال ولفريدفوكس نابير الأسقف الكاثوليكي لدربان لراديو 5 التابع لبي.بي.سي ان الولع الجنسي بالأطفال "خلل" يجب علاجه، وقال "من خبرتي فإن الولع الجنسي بالأطفال هو في الحقيقة مرض. انه ليس حالة اجرامية انه مرض، واضاف انه يعرف اثنين على الأقل من الرهبان أصبحا من المولعين بالأطفال بعد أن تعرضا وهما طفلان لتحرش جنسي، "لا تقولوا لي ان هؤلاء الأشخاص مسؤولون جنائيا مثل شخص اختار ان يفعل شيئا كهذا. لا اعتقد انه من حقنا ان نتخذ موقفا ونقول ان هذا الشخص يستحق العقاب فهو نفسه قد تضرر"، واهتزت صورة الكنيسة الكاثوليكية بشدة بسبب انتشار فضائح الاعتداء الجنسي على اطفال. بحسب رويترز.

وقالت بي.بي.سي ان نابير كان واحدا من 115 كردينالا اجتمعوا في الفاتيكان لانتخاب البابا فرانسيس، واظهر البابا فرانسيس الأول - وهو اول بابا من خارج اوروبا منذ حوالي 1300 عام - تغييرا كبيرا في الأسلوب عن سلفه البابا بنديكت وفي نهج الكنيسة التي تضم 1.2 مليار كاثوليكي والتي احاطت بها الفضائح والصراعات الداخلية، وقال ان الكنيسة يجب ان تكون فقيرة ويجب ان تتذكر دورها في خدمة الفقراء.

الفاتيكان يتهم الاعلام الايطالي

من جانبه اتهم الفاتيكان الاعلام الايطالي بنشر تقارير "كاذبة وضارة" فيما انتقدته باعتباره محاولة للتأثير على الكرادلة، وقال بيان الفاتيكان "من المستنكر أنه - بينما نقترب من موعد بداية الاجتماع السري- ان يكون هناك نشر واسع لأنباء كثير منها غير محقق او زائف تماما يسبب اضرارا خطيرة لأشخاص ومؤسسات"، ورسمت تقارير وسائل الاعلام الايطالية صورة غير مشجعة للادارة المركزية للفاتيكان تصورها بأنها مليئة باساقفة يهتمون بوظائفهم اكثر مما يهتمون بخدمة الكنيسة او البابا، وقال بعض مسؤولي الكنيسة في أحاديث خاصة ان كرادلة اجانب جاءوا إلى روما لاختيار البابا الجديد انزعجوا بسبب تقارير الفساد وربما يدفعهم ذلك إلى اختيار شخص بعيد عن الادارة المركزية التي يهيمن عليها ايطاليون. بحسب رويترز.

وقال بيان الفاتيكان ان تقارير وسائل الاعلام الايطالية محاولة للتأثير على الاجتماع السري للكرادلة من خلال بناء رأي عام سلبي كما حاولت دول وملوك التأثير على الانتخابات البابوية قبل قرون.

بابا الفاتيكان استقال من أجل الكنيسة

الى ذلك لقي البابا بنديكت السادس عشر وداعا مفعما بالمشاعر من جانب حشود ضخمة تجمعت في ساحة القديس بطرس للاستماع لعظته الاسبوعية الاخيرة التي قال فيها انه يتفهم خطورة قراره بأن يصبح أول بابا يترك منصبه منذ نحو ستة قرون لكنه فعل ذلك لصالح الكنيسة الكاثوليكية، وألقى البابا عظته الأخيرة أمام 150 ألف شخص احتشدوا في الساحة قبل يوم من تركه المنصب وقال فيها إن فترة ولايته شهدت أزمات لم تخل من لحظات فرح ولحظات صعبة، وبعد أن استكمل عظته وقف الحضور ومنهم العديد من الكرادلة بقبعاتهم الحمراء وصفقوا، وسيتخلى البابا عن منصبه مساء الخميس ويبدأ الكرادلة المشاورات قبيل اجتماع سري لاختيار خليفته، وقال إن لديه إيمانا كبيرا في مستقبل الكنيسة التي تواجه مشكلات وأضاف "اتخذت هذه الخطوة وانا على علم كامل بخطورتها وندرتها وبصفاء روحي عميق."

وقال البابا إن سنه وضعفه لا يسمحان له بالاستمرار في قيادة كنيسة تشهد ازمات بشأن انتهاكات جنسية لاطفال وتسريب وثائق سرية مما يكشف عن فساد وتناحر بين مسؤولين في الفاتيكان، واحتشدت اعداد كبيرة جاءت من داخل إيطاليا ومن خارجها في الساحة منذ الصباح الباكر لحضور عظة منتصف الاسبوع التي عادة ما تجري في قاعة مغلقة لكنها نقلت إلى الهواء الطلق لتسع اعدادا أكبر من المودعين. بحسب رويترز.

وحمل العديد من المحتشدين الذين تدفقوا على الميدان لافتات يشكرون فيها البابا ويتمنون له الصحة، وقالت الراهبة كارميلا "هذا يوم دعينا فيه للثقة في الرب يوم للأمل... لا مكان للحزن هنا اليوم. يجب ان نصلي فالكنيسة تشهد العديد من المشكلات لكن يجب أن نثق في الرب"، وقالت كارلا مانتوني (65 عاما) من ابرشية في روما "إقدامه على هذا تواضع شديد منه... أتفهم سبب قيامه بذلك. كان واضحا من البداية أنه يشعر بارتياح أكبر عندما يكون في مكتبة. انه رجل صالح جدا لكنه أدرك من قلبه أن هذا هو ما يتعين عليه القيام به لنفسه وللكنيسة وهو الآن سيتجه للصلاة سيصلي من اجلنا جميعا"، وعلى الرغم من إشادة وتعاطف الحشود مع البابا فإن الكثير من الكاثوليك صدموا من قراره ويشعرون بالقلق من أثر ذلك على مستقبل الكنيسة التي تعاني من مشاكل.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 19/آيار/2013 - 8/رجب/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م