فرنسا... عاصفة فضائح تمهد لأزمة حكومية

 

شبكة النبأ: عصفت بفرنسا موجة فضائح كبيرة تتعلق بقضايا فساد عديدة خلال الاونة الأخيرة،  ولعل فضيحة وزير المالية السابق جيروم كاهوزاك المتهم بالاحتيال الضريبي غداة اعترافه بامتلاكه حسابا مصرفيا في الخارج، ابرز قضايا الفساد خطورة واثارة، فقد وجهت هذه الفضيحة ضربة قوية لهولاند الذي كان وعد سابقا بأن إدارته ستكون فوق مستوى الشبهات، كما أنها تزيد من الضغط على الحكومة التي تسعى للحد من ارتفاع البطالة وتحقيق أهدافها الاقتصادية، مما أثارت مخاوف من حدوث أزمة حكومية قد تسبب في انفجار سياسي يطال هرم السلطة ويصعب التحكم فيه.

لتأتي بعدها خطوة الحكومة الفرنسية التي تتخبط في ازمة تبعات فضيحة وزير الميزانية السابق جيروم كاهوزاك، بنشر قائمة جرد لممتلكات الوزراء في عملية شفافية تعد ثورة في العقليات بفرنسا لكنها تثير انزعاجا بين اليسار واليمين على حد سواء، مما يوجه ضربة للصورة التي كونها الرئيس فرانسوا اولوند لفريق وزاري يعيش على رواتب متدنية.

ويرى الكثير من المحللين ان نشر قوائم بأصول الوزراء الفرنسيين قد تثير عاصفة عندما يتم الإعلان عنها حيث يمكن أن تفضح عددا من المليونيرات في الحكومة الاشتراكية في وقت تواجه فيه الدولة خفضا في الانفاق وتفشي البطالة.

فقد لطخت هذه الفضيحة المثيرة للجدل سمعة الحكومة الفرنسية، وشكلت قنبلة سياسية زلزلت أركان النظام الفرنسي، الى جانب مجموعة من الفضائح الفساد المتنوعة من مخالفات الحكومة السابقة كقضية كرستين لاغارد وزيرة الاقتصاد في عهد نيكولا ساركوزي من 2007 ومديرة للصندوق النقد الدولي، بسبب دورها في تسوية نزاع سمح لرجل الاعمال برنار تابي بالحصول على اكثر من 400 مليون يورو، ما قد يضعف مركزها على راس صندوق النقد الدولي، وفضيحة الرئيس السابق ساركوزي بسبب مزاعم عن حصوله على اموال ليبية في تمويل حملة الانتخابية، فيما شكلت فضيحة حشوات الصدر "بي اي بي" العالمية قضية ضخمة، بعد عشر سنوات من الغش والخداع طالت 300 الف امرأة في العالم باسره من بينهن ضحايا تحطمت حياتهن، وعلى الرغم من اتخاذ الرئيس الفرنسي قرارات بشأن حل تلك القضايا آنفة الذكر، الا انها خطوات ربما تكون مدخلا لنشوب أزمة سياسية في فرنسا، وهذا بدوره يطرح تساؤل فهل ينزع قرار الرئيس الفرنسي فتيل الأزمة أم يشعلها؟ وهل تشكل فضائح الفساد على التوازن السياسي في البلاد؟.

ويرى مراقبون بأن الغضب تزايد في الشهور القليلة الماضية وهو ما انعكس في صورة التوتر الشديد في البلاد، قد تضع فرنسا أمام مأزق سياسي جديد سيكون له عواقب جسيمة على الأصعدة كافة.

قوائم ثروات وزراء فرنسا

في سياق متصل للمرة الأولى في فرنسا سينشر الرئيس فرانسوا اولوند قائمة بالودائع المصرفية والممتلكات الخاصة بوزرائه البالغ عددهم 38 وزيرا مع سعيه لاحتواء الغضب الشعبي بعد اعتراف وزير الميزانية السابق في حكومته بالكذب بشأن امتلاك حساب سري في بنك سويسري، وفي حين أن القائمة ستستثني الحصص المملوكة للوزراء في الشركات فقد تكشف عن ثروات كافية لإثارة الاستياء تجاه ما يطلق عليه "يسار الكافيار" في دولة تنتشر فيها ثقافة معاداة الثراء الفاحش، وقد يتصدر القائمة وزير الخارجية لوران فابيوس وهو الأقدم والأكثر خبرة بين وزراء اولوند لكنه الأكثر ثراء أيضا بثروة تقدر بملايين اليورو الكثير منها ورثها في صورة قطع فنية، وقال مسؤول كبير في الحكومة الفرنسية "نقوم بمخاطرة. إنها مخاطرة الشفافية." وأضاف متنهدا "لدى هذه الدولة علاقة خاصة جدا بالمال."

وفي الوقت الذي تقوم فيه الشخصيات العامة في عشرات الدول ومن بينها الولايات المتحدة بنشر ما يدفعونه من ضرائب بشكل منتظم تعد الحسابات المالية للسياسيين في فرنسا مسألة خاصة، ويريد أولوند الذي أسعد اليساريين في عام 2007 باعلانه كرهه للأثرياء إصدار قانون في وقت لاحق من الشهر الحالي يلزم أعضاء البرلمان أيضا بالكشف عن ثرواتهم، وسخر المحافظون في المعارضة من الخطة.

وقال جان فرانسوا كوبيه رئيس حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية الذي أطاح به أولوند من السلطة في مايو ايار الماضي إن الخطة ضرب من استراق النظر.

ووصف رئيس بلدية بوردو آلان جوبيه وزير الخارجية السابق الثري الخطة بأنها "غريبة" في الوقت الذي نشر فيه بيانا بشأن ممتلكاته وحساباته البنكية على الانترنت على الرغم من انه غير مطالب بذلك، ويعبر اولوند بشكل دائم عن كرهه للمال وهو ما سلط الضوء على اختلافه عن دومينيك ستروس كان الذي كان يطمح في السابق إلى رئاسة فرنسا والذي كانت زوجته السابقة مليونيرة بالوراثة، وقال اولوند قبل نحو عقد من الزمان إن أي شخص يكسب أكثر من أربعة آلاف يورو شهريا يعتبر غنيا. ويسعى حاليا لفرض ضريبة كبيرة بنسبة 75 % على الدخل الذي يتجاوز المليون يورو.

وسارع بعض الوزراء إلى تسليط الضوء على الحياة البسيطة التي يعيشونها. وقالت وزيرة الثقافة اوريلي فليبيتي إن كل ما تمتلكه هو شقة مساحتها 70 مترا مربعا تعيش فيها في باريس في حين قال وزير الشؤون الأوروبية برنار كازينوف إنه مازال يدفع أقساط شقته السكنية التي اشتراها بقيمة 500 ألف يورو.

وكشف الجرد -الذي يأتي ضمن سعي اولوند لتهدئة غضب بشأن حساب سري لوزير سابق للميزانية في بنك سويسري- ان وزير الخارجية لوران فابيوس يملك ثروتها قيمتها 6.5 مليون يورو (8.50 مليون دولار) باستثناء مقتنياته الفنية. بحسب رويترز.

وتمتلك ميشال دولونيه الوزيرة المكلفة بشؤون المسنين ثروة تبلغ 5.4 مليون يورو غالبيتها عقارية في حين يملك وزير العمال ميشيل سابين ووزير الصحة ماري صول تورين مليوني يورو و 1.4 مليون يورو بالترتيب، أما رئيس الوزراء جان مارك ايرو فلديه 1.5 مليون يورو، وانتقد محافظون معارضون قرار اولوند اعلان ثروات جميع الوزراء وعددهم 38 وزيرا واعتبروه تلصصا على الحياة الخاصة لكن العديد من الوزراء كانوا ابدوا رغبتهم بالاعلان المبكر عن ثرواتهم.

نشر ممتلكات الوزراء يثير جدلا كبيرا في فرنسا

على الصعيد نفسه تثير اولى عمليات كشف ممتلكات لا يمكن التحقق من صحتها ولا تخضع لعقوبات اذا كانت خاطئة، الفضول والاستغراب والتندر وخصوصا معارضة شديدة من البرلمانيين سواء كانوا من اليمين او اليسار لانهم مدعوون ايضا الى كشف ممتلكاتهم كما ورد في مشروع القانون الذي سيطرح عليهم في 24 نيسان/ابريل.

وشدد جان مارك ايرولت، رافضا الانتقادات، "سنمضي قدما في ذلك حتى النهاية" لان "هناك "حاجة الى الشفافية" واضاف ان "بلدان اخرى فعلت ذلك قبلنا ولم تتضرر"، وافاد استطلاع ان الفرنسيين يؤيدون بنسبة 63% كشف الممتلكات.

غير ان بعض الدبلوماسيين الاجانب الذين عاشوا عملية مشابهة يبدون تحفظا. وقال احدهم ان "مطلب الشفافية قد يكون بلا نهاية" متحدثا عن امر ضروري بالتاكيد في نظام ديمقراطي لكن الخضوع اليه "ليس صحيا جدا"، وحتى الان اقرة وزيرة واحدة انها تدفع الضريبة المفروضة على الثروات الكبيرة، وهي وزيرة الصحة ماري صول تورين بينما اعلن بعضهم انه يملك اريكة قديمة قيمة (ارنو موتبورغ، الوزير المكلف الصناعة) واخرون عن حلي وسيارة صغيرة تعود الى 13 سنة (سيسيل دوفلوه وزيرة السكن) ما اثار تساؤلات حول تسبب تلك السيارة في التلوث خاصة ان صاحبتها تنتمي الى حركة الخضر، وينتظر الجمهور بفضول كبير كشف ممتلكات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس المولع بالفنون والتحف الفنية.

وعلى غرار وزير الاقتصاد بيار موسكوفيتشي الذي تحدث عن "ممتلكاته المتواضعة" كشف العديد من نواب مجلسي النواب والشيوخ عن ممتلكات قليلة لدى مساهمتهم في جهود الشفافية، فاعلن رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون (يمين معارض، الاتحاد من اجل حركة شعبية) المولع بسيارات السباق انه يملك سيارة رباعية الدفع وسيارة عادية يعود كلاهما الى اكثر من عشر سنوات، وعلق دبلوماسي اجنبي معتمد في باريس طالبا عدم كشف هويته وساخرا ان "برلمانيونكم اناس فقراء جدا". متسائلا اذا لم يمكن من الضروري الزيادة في رواتبهم لتجنيبهم الميل الى الكذب، من جانبه قال نائب وسط اليمين والعمدة في جزيرة لا ريونيون تيري روبير ان موارده الشهرية تبلغ تسعين الف يورو منها ثمانين الف من العقارات معربا عن امتعاضه من "تسديد الاموال دائما" ومهددا "بمغادرة فرنسا" الى جزيرة موريشيوس، ورغم ان آراؤهما لا تتطابقان الا نادرا حذر كل من رئيس الجمعية الوطنية الاشتراكي كلود برتولون وزعيم نواب الاتحاد من اجل حركة شعبية (يمين) من شيوع "نزعة استراق النظر" التي يتوقعون شيوعها مع نشر تصريحات الممتلكات. بحسب فرانس برس.

ومن بين المعترضين يبرر البعض مواقفهم بخصوصية حياة الاسر. وقالت وزيرة الوظيفة العمومية ماريليز لوبرانشو ان "زوجي لم يتزوج بالطبقة السياسية برمتها"، بينما اعرب البعض الاخر عن الاسف "لكشف" امور شخصية جدا مثل "ما ورثته عن جدتي وابي" كما قالت يمينة بن قيقي وزيرة الفرنكوفونية، وفي موقف ساخر من عملية الشفافية التي تبادر بها الحكومة قال الناطق باسم اليسار الراديكالي جان لوك ميلنشون انه مستعد لكشف ممتلكاته، دون كشفها حقا، ومقتصرا على كشف قياس رجليه وقامته وعرضه على موقعه.

قضية فساد لاغارد

من جانب آخر طلب القضاء الفرنسي مثول كرستين لاغارد امامه نهاية ايار/مايو للاستماع اليها لمعرفة دورها في تسوية نزاع سمح لرجل الاعمال برنار تابي بالحصول على اكثر من 400 مليون يورو، ما قد يضعف مركزها على راس صندوق النقد الدولي، ولاغارد وزيرة الاقتصاد في عهد نيكولا ساركوزي من 2007 حتى تعيينها مديرة للصندوق في 2011، يستهدفها تحقيق في "المشاركة في اختلاس اموال عامة"، وذلك بشان خيارها اللجوء الى تحكيم خاص لتسوية خلاف قديم بين تابي وكريدي ليونيه حول شراء اديداس، وستدلي لاغارد بافادتها امام لجنة التحقيق في محكمة عدل الجمهورية التي تضم حقوقيين وبرلمانيين والوحيدة المكلفة محاكمة الوزراء لمخالفات ارتكبت خلال ممارستهم مهامهم، وقال ايف ريبيكيه محامي لاغارد "بذلك سيكون لدى لاغارد اخيرا امكانية تقديم توضيحات وتفاصيل الى اللجنة تعفيها من كل مسؤولية جنائية".

وتم تفتيش منزلها بباريس في نهاية آذار/مارس في اطار هذا التحقيق. وكانت لاغارد اختارت اللجوء الى التحكيم اي القضاء الخاص الذي حكم في تموز/يوليو 2008 على هيكل عام يدير مصرف كريدي ليونيه بعد افلاسه شبه التام نهاية تسعينات القرن الماضي، بان يدفع لتابي 285 مليون يورو كتعويضات (400 مليون يورو مع الفوائد).

واعتبرت محكمة عدل الجمهورية اللجوء الى التحكيم الخاص امرا "قابلا للطعن". كما انه يشتبه في ان لاغارد "ساهمت شخصيا في الوقائع" من خلال اعطاء تعليمات تصويت لممثلي الدولة في مجلس ادارة الكيان الذي يراقب هيكل تسيير كريدي ليونيه، وبررت الوزيرة الفرنسية استمرار اللجوء الى التحكيم بالرغبة في وضع حد للاجراءات التي اعتبرت انها طويلة ومكلفة، نافية اي تورط للرئيس السابق نيكولا ساركوزي، وفي نهاية كانون الثاني/يناير اكدت مديرة صندوق النقد الدولي مجددا ان ذلك كان "افضل حل في تلك الفترة". بحسب فرانس برس.

غير انه في ربيع 2011 احال النائب العام لمحكمة التمييز حينها جان-لوي نادال القضية الى محكمة العدل للجمهورية دون ان يستثني لاغارد، فقد اخذ عليها اللجوء الى تحكيم خاص في شان يتعلق باملاك عامة وبانها تعرف انحياز بعض القضاة المحكمين وبانها عدلت مذكرة التفاهم الاساسية لتضيف اليها الضرر المعنوي ما سمح للزوجين تابي بالحصول على 45 مليون يورو، كما اخذ عليها عدم طعنها في هذا التحكيم المثير للجدل في الوقت الذي حثها كثير من الخبراء على القيام بذلك، وفي الجانب غير الوزاري من التحقيق تم فتح تحقيق قضائي في ايلول/سبتمبر 2012 بتهمة "استغلال مجحف لسلطات اجتماعية" واخفاء هذا الجرم عن سلطة محكمة العدل الجمهورية. ويستهدف هذا التحقيق ضمنا جان فرنسوا روكشي رئيس المحكمة الذي نفذ التحكيم، وفي هذا الجانب ايضا تم اجراء عمليات تفتيش في منزل ومكتب كلود غيان الامين العام للرئاسة في عهد نيكولا ساركوزي ومنازل برنار تابي وستيفان ريشار مدير مكتب لاغارد في فترة التحكيم والحكام الثلاثة الذين حددوا مبلغ التعويض، وقال صندوق النقد الدولي في تعليق على الامر انه لا يرى "شيئا جديدا" يحدث، وفي نهاية آذار/مارس قال الصندوق الذي مقره واشنطن، انه مستمر في منح "الثقة" للاغارد وذلك في افتتاح الجمعية العامة لصندوق النقد الدولي بواشنطن.

فساد ساركوزي

من جهة اخرى قال مكتب النيابة العامة الفرنسية ان فرنسا فتحت تحقيقا قضائيا في مزاعم بأن حملة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي لانتخابات 2007 حصلت على اموال من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي بشكل غير مشروع، ويأتي هذا التحقيق كحلقة في سلسلة من المشكلات القانونية التي تواجه ساركوزي الذي يتوقع البعض ان يرشح نفسه في انتخابات 2017 بعد ان خسرها العام الماضي امام فرانسوا اولوند وهي خسارة كلفته الحصانة من المحاكمة التي تمتع بها لخمس سنوات كان خلالها رئيسا لفرنسا.

وقال مسؤول في مكتب النيابة ان التحقيق فتح بعد مزاعم رددها رجل الاعمال الفرنسي اللبناني زياد تقي الدين الذي يخضع هو الاخر لتحقيق منفصل له صلة ببيع اسلحة لباكستان في التسعينات، وينفي ساركوزي - الذي التقى بالقذافي عام 2007 في باريس - دائما ارتكاب اي مخالفة واشار إلى انه كان الداعي الاول لحملة عسكرية شنها حلف شمال الاطلسي واسفرت عن الاطاحة بالقذافي وقتله على ايدي قوات معارضة في 2011.

ويخضع تمويل انتخابات 2007 التي فاز فيها ساركوزي بالفعل للتحقيق والمراجعة في اطار تحقيق اخر في العلاقات بين حزب الاتحاد من اجل الحركة الشعبية الذي ينتمي لتيار يمين الوسط الذي يقوده وبين اغنى سيدة في فرنسا ليليان بيتانكور وريثة امبراطورية لوريال لأدوات التجميل، وخضع ساركوزي لتحقيق رسمي الشهر الماضي في مزاعم بأنه استغل تراجع القوى العقلية لبيتانكور (90 عاما) للحصول على تمويل لحملته. وينفي ساركوزي ارتكابه أي مخالفة في هذه القضية ايضا.

فضيحة حشوات الصدر "بي اي بي" العالمية

الى ذلك تنطلق في مرسيليا (جنوب فرنسا) محاكمة ضخمة مع خمسة الاف مدعية تقريبا في اطار قضية حشوات الصدر المعيبة لشركة "بي اي بي" الفرنسية، بعد عشر سنوات من الغش والخداع طالت 300 الف امرأة في العالم باسره من بينهن ضحايا تحطمت حياتهن.

تستمر المحاكمة حتى 17 ايار/مايو وتشمل خمسة مسؤولين في شركة "بولي ايمبلانت بروتيز" (بي اي بي) سيمثلون بتهم الغش والاحتيال. وهم متهمون بملء حشوات الصدر، بسيليكون غير مطابق للمعايير ما يزيد مخاطر تمزق هذه الحشوات، لكن لم يقم اي رابط بين هذا السيليكون المغشوش وبعض حالات سرطان اصيبت بها نساء وضعت لهن هذه الحشوات، والمتهم الرئيسي في هذه المحاكمة هو مؤسس "بي اي بي" جان كلود ماس (73 عاما) الذي تمكن في العقد الاول من الالفية من جعل شركته المتوسطة الحجم ثالث مزود عالمي في هذا المجال. وهو يواجه مع اربعة كوادر سابقين في شركته احتمال الحكم عليهم بالسجن خمس سنوات.

وقبل الكشف عن هذه الفضيحة في العام 2010 كان مصنعه في سان-سور-مير (جنوب) يصدر 80% من انتاجه الى اكثر من 65 بلدا بدءا باميركا الجنوبية (فنزويلا والبرازيل وكولومبيا والارجنتين) حيث كانت تتركز اكثر من 50% من مبيعاته.

وكانت اوروبا الغربية (اسبانيا وبريطانيا والسويد والمانيا وايطاليا بلجيكا وهولندا والبرتغال وسويسرا) تشكل منطقة التصدير الكبرى الاخرى مع 27 الى 28% من المبيعات. ومن الزبائن الاخرين ايضا اوروبا الشرقية (بلغاريا والمجر وروسيا وبيلاروسيا وبولندا وتشيكيا) مع 10% في 2009، وقد انضمت الى الشكوى المرفوعة اكثر من 5100 مدعية نهاية اذار/مارس من بينهن 4900 فرنسية. وتعتبر النيابة العامة ان 10% منهن قد يأتين لحضور جلسات المحاكمة. وسيعمل في اطار القضية 300 محام.

وتقول جويل مانيغيتي التي اضطرت الى سحب حشوات من نوع "بي اي بي" بعد عملية اسئتصال كاملة للثدي في 2009 "لقد تأثرت هؤلاء النساء مدى الحياة حتى لو لم يترك الامر لديهن اثارا جسدية ونفسية كبيرة"، وتبين اخر حصيلة حصول اكثر من 4100 حالة تمزق لحشوات والتهابات لدى نحو 2700 امرأة، وبدأت القضية مع عملية تفتيش قامت بها الهيئة الفرنسية لمراقبة سلامة الادوية بعدما تبلغت شكاوى من اطباء حول تمزق حشوات اصطناعية بشكل متكرر، وقد سحبت الحشوات من السوق ورفعت القضية الى القضاء. وفي مصنع "بي اي بي" عثرت الشرطة في شاحنة على زيت سيليكون من نوعية صناعية وليس طبية، وكان محتوى هذه الحشوات يكلف عشر مرات اقل من محتوى "نوزيل" المادة المعلنة اي ان الشركة كانت تقتصد حوالى اكثر من مليون يورو في السنة. بحسب فرانس برس.

في فرنسا البلد الوحيد الذي قرر تغطية كلفة العملية، سحبت 15 الف امرأة الحشوات الاصطناعية من بينهن 11 الفا بصفة وقائية. ومع ان السلطات رأت ان لا مؤشر يؤكد وجود خطر اكبر الا ان دراسة واسعة على عشر سنوات ستطلق، ويرى محامو بعض الضحايا ان قفص الاتهام يفتقر الى اطراف ينبغي ان يكونوا فيه مثل شركة "توف" الالمانية المكلفة التحقق من تطابق الحشوات مع المعايير الاوروبية. وتقول المحامية كرستين رافاز "لا احد جلب جراحي التجميل ايضا"!، وتساءل زميلها رولان مينو "النيابة العامة سعيدة بتنظيم هذه المحاكمة التي تحظى بتغطية اعلامية كبيرة ستكلف نحو مليون يورو (...) لكن هل سيتم التعويض على الضحايا فعلا؟"، ويقول المحامي اري اليمي الذي يدافع عن المدعيات الفنزويليات "على الاتحاد الاوروبي ان يستحدث صندوقا للتعويض على الضحايا" لان بروكسل من خلال مراقبة "متراخية" على الحشوات "تقف وراء هذه الكارثة".

استقالة الحاخام الأكبر في فرنسا

على صعيد ذو صلة تخلى الحاخام الأكبر في فرنسا جيل برنهايم الذي كان حتى وقت قريب يمثل صوت الجالية اليهودية في البلاد عن موقعه بعد اعترافه بسرقات أدبية عند تأليفه كتابين وبالخداع فيما يتعلق بمؤهلاته العلمية، وقدم برنهايم (60 عاما) استقالته واعتذاره في اجتماع طارئ لقيادة الكنيس المركزي أعلى سلطة دينية يهودية بعد أن حاول في البداية الاحتفاظ بمنصبه رغم اعترافه بأخطائه، وقال في بيان إنه يقدم استقالته لأنه "لم يعد ممكنا أداء مهامه بالصفاء والهدوء اللازمين " وعبر عن أمله ألا يؤثر الجدل على السنوات التي أمضاها في خدمة اليهودية في فرنسا.

وقبل تفجر الفضيحة الشهر الماضي كان الحاخام برنهايم شخصية مشهورة ككاتب ديني مرموق في الشؤون العامة بما في ذلك قضية العداء للسامية المتزايد في فرنسا فضلا عن مشاركته النشطة في الحوار بين الأديان، ونال الكتيب الذي نشره مؤخرا لمعارضة خطة الحكومة لتقنين زواج المثليين إعجابا غير متوقع في ديسمبر كانون الأول الماضي من البابا السابق بنديكت الذي وصفه بأنه "دراسة تفصيلية للغاية ومؤثرة بشدة" للدفاع عن الزواج التقليدي، وقال مجلس الكنيس المركزي في بيانه إنه "أحيط علما -بمشاعر مفعمة بالحزن- بقرار الحاخام الأكبر بالاستقالة" وأضاف أن "سلطته ومساهماته الروحية كبيرة". بحسب رويترز.

ووصف رئيس الكنيس المركزي في فرنسا جويل ميرجي فضيحة السرقة الأدبية بأنها "أزمة خطيرة" بالنسبة للجالية اليهودية في فرنسا وقوامها 600 ألف وهي أكبر جالية يهودية في أوروبا وقال إن انتخابات ستجرى خلال شهور قليلة لانتخاب حاخام أكبر جديد، ونفى برنهايم في البداية السرقة الأدبية عند اتهامه الشهر الماضي بنسخ نص للفيلسوف الفرنسي الراحل جان فرانسوا ليوتار في كتاب أصدره الحاخام الأكبر في عام 2011 بعنوان "تأملات يهودية"، واعترف في النهاية بالسرقة الأدبية لكنه أنحى باللائمة على باحث مساعد. ثم اتهمه مدون آخر بسرقة أدبية في كتاب آخر صدر في عام 2002 ثم كشفت مجلة لو اكسبرس إنه لم يكن أستاذا للفلسفة كما كان يوصف غالبا ولم يرفض قط هذا الوصف عندما كان يظهر في مقالات بالصحف أو عند نشر كتبه.

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 16/آيار/2013 - 5/رجب/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م