المجتمع ومنعشوه

بدر شبيب الشبيب

في اللغة الانجليزية هناك مصطلح يتداولونه كثيرا، وهو «Acronym» والذي يشير إلى الكلمة المؤلفة من الحروف الاستهلالية لعدة كلمات. فبدلا من أن تُكتب as soon as possible مثلا، والتي تعني «في أقرب وقت ممكن» تُختصر فتُكتب ASAP مما يوفر الوقت والجهد، كما يسهل حفظها أيضا إذ غالبا ما يستخدم هذا المصطلح لتذكر نقاط بعينها.

وكما هو معروف فاللغة كائن حي يتفاعل طرديا مع أصحابه صحة وسقما. اللغات الأكثر حياة هي المنتمية لأصحاب أكثر تأثيرا في الحياة، يتفاعلون معها بقوة عطاء وأخذا، ولذا تكون في نمو مضطرد وابتكار دائم. أما الأقل حياة فهي تعيش عالة على غيرها، تماما كما يعيش أصحابها عالة على غيرهم. عندما كانت اللغة العربية في أوج شبابها قامت بابتكار أمثال هذا المصطلح الانجليزي، كما هو الحال بالنسبة لاختصارات علم التجويد مثلا. أما اليوم، فبما أن أصحابها نائمون في العسل حتى بعد الضحى، فهي نؤوم مثلهم تتناول معهم «كبستهم» الثقيلة المشفوعة بمشروب «دايت» في محاولة فاشلة لإقناع مخادع للنفس بأهمية الريجيم والصحة، ثم تستسلم للنوم والأحلام «الكبستية».

في مقال سابق بعنوان «قبل ضحى الغد» قمت باشتقاق Acronym جديد مستل من كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التي وجهها لأصحابه بعد قضية التحكيم في صفين، والتي ذكر فيها صفات المشير الخبير الذي ينبغي الإنصات له والأخذ برأيه، خصوصا في القضايا المصيرية الحساسة. يقول :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ - تُورِثُ الْحَيرَةَ وتُعْقِبُ النَّدَامَةَ - وقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي - ونَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي - لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ - فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ والْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ - حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ - فَكُنْتُ أَنَا وإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ: -

أَمَرْتُكُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى * فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ

الصفات الأربع التي ذكرها الإمام في بداية كلامه هي «الناصح، الشفيق، العالم، المجرب»، والمصطلح المختصر الذي استللته منها هو «منعش»، حيث استخدمت الحروف الأولى للكلمات الأربع بعد حذف «أل» التعريف، ومع شيء من التصرف فيها تقديما وتأخيرا، وذلك تسهيلا لحفظها وترسيخا لها في الأذهان، خصوصا مع الدلالة الإيجابية لكلمة «منعش» في اللغة العربية. فقد جاء في لسان العرب: نَعَشَه اللَّهُ يَنْعَشُه نَعْشاً وأَنْعَشَه: رَفَعَه. وانْتَعَشَ: ارتفع. والانْتِعاشُ: رَفْعُ الرأْس. والنَّعْشُ سَريرُ الميت منه، سمي بذلك لارتفاعه، فإِذا لم يكن عليه ميّت فهو سرير.

وجاء فيه أيضا: ونَعَشَ الإِنسان يَنْعَشُه نَعْشاً: تَدارَكَه من هَلَكةٍ.

من هنا فإن الكلمة تدل على الارتفاع إلى الأعلى، كما تدل على الإنقاذ بعد الإشراف على الموت، ومنه الإنعاش الطبي. وهذان معنيان جميلان لهما علاقة مباشرة برأي الخبير المشير المطابق للمواصفات العلوية.

لا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات الحية من أفراد «منعشين» من ذوي الخبرات والكفاءات، الذين يتفاعلون مع هموم وآمال وتطلعات المجتمع، ولا يألون جهدا في بذل النصح وتقديم الرؤى السديدة الرشيدة لأبنائه، مبتغين بذلك إما المساهمة في تنمية مجتمعهم ورفعته في مختلف المجالات، أو إنقاذه من تردي حالته الصحية وإنعاشه في بعض المواقف الصعبة الحرجة.

المجتمعات المتقدمة تقوم باحتضان هؤلاء وتوفر لهم البيئة السليمة للإنتاج والمزيد من العطاء، بل تحاول اكتشافهم والتعرف عليهم كما يكتشف المدربون اللاعبين الجيدين في فرق «الحواري». أما في المجتمعات المتخلفة فنصيبهم الإهمال والعصيان، وبالتالي فهم لا يملكون إلا أن يرددوا: لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ.

العلاقة بين المجتمع ومنعشيه هي مؤشر على تقدم المجتمع أو تخلفه

« هلك من ليس له حكيم يرشده ». يصدق هذا القول من الإمام علي بن الحسين على الفرد وعلى المجتمع. ومنعشو المجتمع هم أهل الحكمة فيه الذين صقلتهم التجارب، وامتلكوا رصيدا وافرا من الخبرة العلمية والعملية بشؤون الحياة الاجتماعية وإدارتها. وبناء على هذا فإنهم يمثلون في المجتمعات الناجحة مرجعية مهمة ترفد المجتمع بالرؤى الثاقبة والبصائر النافذة التي تحفظ الكيان الاجتماعي من تكرار التجارب الفاشلة، وتنبهه للمنزلقات الخطرة، وتوجهه نحو أفضل الطرق لتحقيق تقدمه ورفعته، وتوفر عليه الكثير من الجهد والوقت، لما تزوده بخُلاصاتها المنيرة التي تكفيه عناء مطالعة مجلدات الحياة الكبرى وموسوعاتها الضخمة.

المنعشون ليسوا نخبة فوقية تتعالى على الآخرين، بل هم جزء فاعل من المجتمع يندك مع همومه وتطلعاته، ويسعى جاهدا لخدمة كل أفراده بدون استثناء. المنعشون هم أعضاء اجتماعيون منغمسون في الهم الاجتماعي العام، لديهم من القدرات والمهارات الذاتية والفنية والإنسانية ما يؤهلهم للقيام بدور ريادي.

من تلك القدرات والمهارات مثلا؛ توفر بعض السمات الشخصية الجذابة لديهم، حيازتهم على قدر كبير من المهارات العقلية المتميزة في الربط والتحليل والتخيل والاستنتاج، القدرة على ابتكار الحلول، المبادأة، ضبط النفس، تحمل المسؤولية، التواضع الجم، الإنصات للآخرين، النظرة الكلية المحيطة، الاستقامة، القدرة على التفاعل والتكامل مع الآخرين، امتلاك القدرات والمهارات الإدارية الفذة،... الخ.

تتخيل بعض المجتمعات أن المنعشين هم «سوبرمانات» يستطيعون إيجاد كافة الحلول لأي مشكلة اجتماعية، وأن عصاهم السحرية لا تخطئ أبدا. وهذا التصور مرده إلى خيالنا المشبع بصور ذهنية غير واقعية عن «البطل» وما يمكن أن يفعله. فالبطل في مخيلتنا شخص استثنائي لا يتكرر، يستطيع أن يجر قاطرة المجتمع حيث يشاء بمجرد أن يضع حبل القاطرة بين أسنانه.

ونتيجة لذلك، فإننا لا نكتشف المنعشين الذين يعيشون بيننا، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، إلا بعد رحيلهم. ننتبه متأخرين للخسارة الفادحة التي حلت بنا، والثلمة العظيمة التي أحدثها فراقهم، فنعوض ذلك بالمراثي الغارقة في الحزن الطويل والأسى المفجع، ثم ننام بعد أن ارتحنا من وخزات تأنيب الضمير منتظرين رحيلا آخر كي نصحو.

مسؤولية المجتمع في اكتشاف منعشيه الحقيقيين من أهم ما يساعد على رقيه وتطوره، والخطأ في تشخيص «الناصح الشفيق العالم المجرب» يؤدي إلى بقاء المجتمع رهن التخلف والتقهقر.

إن العلاقة بين المجتمع ومنعشيه هي علاقة اعتمادية تبادلية «interdependent»، فلا أحد من الطرفين يستغني عن الآخر. المجتمع يحتاج حكمة وخبرة منعشيه في توجيه مسيرته ودفعها للأمام، والمنعشون يحتاجون من مجتمعهم التعاون والتعاضد والتكاتف ورص الصفوف والتفهم. إن مجتمعنا بشكل عام بأمس الحاجة إلى إعادة رسم العلاقة داخله، وهذا يحتاج إلى تفاعل ديناميكي بينه وبين منعشيه، قائم على الاحترام المتبادل والتقدير المشترك وتحديد مجال وفضاء التحرك لكل منهما.

العلاقة كما قلنا اعتمادية تبادلية، إذ لا يمكن للمنعش أن يعمل بنجاح في بيئة اجتماعية لا تعترف به أو تئد أفكاره ورؤاه. وهذا ما يؤكده لنا تاريخ المنعشين الذين لم يلقوا من مجتمعهم سوى الصدود والسخرية والاستهزاء والاتهام، بل والكيد أيضا. المدرب الناجح لا يستطيع وحده تحقيق الفوز مهما كانت خطته فذة ورائعة، إذا لم يكن اللاعبون مستعدين لتطبيقها. طبعا في نهاية المباراة نستطيع - كما نفعل دائما - أن نتهم المدرب ونفصله، ونمعن في إبعاد المسؤولية عن أنفسنا بإلقاء التهمة على حكم المباراة والملعب والطقس أيضا، بل ربما نذهب إلى أبعد من ذلك باتهام شخص ما بعمل شعوذة سحرية أبطلت مهارات اللاعبين. المهم أن لا تقترب المسؤولية من ساحتنا.

http://www.facebook.com/profile.php?id=692249194

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 15/كانون الأول/2012 - 30/محرم الحرام/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م