بين (باشا) الامس و(دال) اليوم

الالقاب الاجتماعية واستقتال البعض في سبيلها

عبد الكريم ابراهيم

يسعى الكثيرون من الناس ويجهدون انفسهم في الحصول على لقب يكون لهم واجهة اجتماعية يفتخرون بها امام اقرانهم، وتختلف هذه الالقاب تبعا للزمن الذي يعيش فيه الانسان ويخضع لنواميسه ومعطياته الاقتصادية والثقافية والسياسية، فنجد قبل اكثر من نصف قرن شيوع مفردات (باشا، بيك، افندي، محفوظ، اغا) لتأتي بعدها الالقاب جديدة تماشي وتواكب العصر مصيفة شيئا جديدا الى ما سبق واحيانا تنفض الغبار عن القديم وتحييه.

ولعل الالقاب (الحاج – بعد ان خرج عن مفهومه الديني – الاستاذ، الدكتور) هي من تشغل بال البعض اليوم مع عملية ترويج لها بين اوساط التي يعشونها قدر مستطاع مع عودة الى بعض الالقاب القديمة ولكن بشكل محدود وعلى نطاق معين كما الحال مع لقب (الباشا) الذي نسمع به دائما في الافلام والمسلسلات العربية وانتقال هذه العدوى الى المسلسلات العراقية في السنوات الاخيرة!

تعد دورة الالقاب ظاهرة اجتماعية اقترنت بطبقة معينة هي سمة عالمية عاشتها اغلب المجتمعات كما يقول الباحث الاجتماعي لؤي فرهاد: تقسيم مجتمع ما الى طبقات هي ظاهرة قديم تعود الى الحضارات القديمة: وادي الرافدين والفرعونية والاغريقية والرومانية حيث نجد طبقة الكهنة والحاكم والامراء والنبلاء والعامة والعبيد، وكل هؤلاء يحملون ألقاباً تدل على مكانته الاجتماعية التي ينتمي اليها.

ويضيف فرهاد: عندما جاء الاسلام عمل على دمج افراد المجتمع في بودقة واحدة من خلال الغاء الفوراق الطبقية بشكل تدريجي بحيث لايضر بالتركيبة الاجتماعية السائدة كما فعل مع طبقة العبيد عندما حث على عتق العبيد كجزء من الحل النهائي، وبعد ذلك كانت الالقاب تمنح لإرضاء اشخاص كما الحال في الإمبراطوريات البريطانية والعثمانية وان اختلف اللقب من دولة الى اخرى ولكنه يحمل نفس المضمون مثلا عند العثمانيين لقب (الباشا) وهو يعادل لقب (اللورد) عند البريطانيين الذين عندما احتلوا العراق عام 1914 ابقوا على الالقاب (الباشا، البيك) حتى نهاية العهد الملكي.

وتعلل الدكتورة سهام محمد/علوم نفسية وتربوية تهافت البعض على الالقاب بانها حالة لتعويض ما سبق من الحرمان والنقص الذي يشعر به البعض وتضيف: السعي نحو الالقاب محاولة لتعبير عن رغبة كامنة وراءها ابعاد نفسية تعتقد انها تستطيع كسب احترام الاخرين من خلال هذا اللقب كما الحال في ظاهرة (التدين) التي يعتقد البعض انها عبارة عن لحى طويلة ومسبحة وخواتم والحقيقة عكس ذلك إن الله (عز وجل) يبحث عن الروح الصافية والنقاء النفوس.

 لماذا عاد (الباشا) الى الوجهة وغاب (البيك) و(الافندي)؟ سؤال اجاب عنه الاستاذ حسن عبد الكريم: دائما القاب الطبقات علية القوم هي السائدة في التداول وان اختلف الزمان والمكان، و(الباشا) من الالقاب الاجتماعية التي منحت الى الولاة والطبقات الثرية في الدولة العثمانية، وعودة التداول ماهي الا حنين نفسي لاحياء طبقة اجتماعية بصورة جديدة، وقد تكون بعض الالقاب شائعة في بعض الدول العربية ولكن في العراق اختفى جزء كبير منها لعامل التطور الايدلوجي وما العودة الا نتيجة ظهور طبقة معينة مسيطرة على الاوضاع، واحيانا الاستخدام يدخل في باب المجاملة والتملق من قبل البعض.

اغلب الالقاب ذكورية 100% ما جعل بنات حواء غائبات عن الساحة كما تقول الباحثة الاجتماعية هند احمد: الالقاب النسائية في العراق محدودة جدا، حيث كان لقب (خاتون) هو الشائع وهو يدل على المرأة المحترمة صاحبة الشأن ولكن بدأ هذا اللقب ينحصر لدرجة ولو خاطبنا احدهن بـ(خاتون) ستواجه ردة فعل سلبية من المقابل، لاعتقاد الجيل الحالي من النساء أن غايته التقريح، اما (انسة) و (مدام) فهي غير شائعة في العراق وربما يكون لقب (ست) هو الاكثر رواجا في الدوائر الحكومية. وربما لقب (الحاجة) هو اكثر حساسية من غيره على مسامع النساء لانه يدل على كبر السن ودائما المرأة اكثر الاشياء التي تثيرها هو العمر الذي تريد ان يبقى سرا من الاسرار الخاصة.

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 16/نيسان/2012 - 25/جمادى الأولى/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م