الجمهور التشريعي وصياغة القوانين

القاضي سالم روضان الموسوي

الفصل بين السلطات مبدأ استقر العمل به في اغلب نظم الحكم وأصبح من سمات الأنظمة الديمقراطية، ونلاحظ إن الجميع يتمسك به ويدرج في دساتيرهم، حتى وان كان نظاما شموليا وديكتاتوريا، وهذا المبدأ من انعكاساته ظهور السلطة التشريعية وأوكلت لها مهمة رئيسية تتمثل بتشريع القوانين ودور آخر هو الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

وبما إن أهم مهام السلطة التشريعية تشريع القوانين، إذاً لابد من أن تكون على معرفة ودراية في فن الصياغة التشريعية الذي أصبح علم قائم بذاته، ويرى الدكتور أكرم الوتري الذي قضى ردحا من الزمن يعمل مدونا قانونيا في ديوان التدوين القانوني والذي حل محله مجلس شورى الدولة الحالي احد مكونات وزارة العدل التي تعد جزء من السلطة التنفيذية، فيقول (نستطيع تشبيه تقنين القوانين بالهندسة المعمارية والمقنن بمهندس القانون ومعماره) وعلى وفق بحثه المنشور في مجلة القضاء العدد الثالث عام 1971 التي تصدر عن نقابة المحامين في العراق، وبعد هذا التاريخ تطورت الصياغة التشريعية فأصبحت علم يدرس في الجامعات.

 ويرى المختصون في هذا العلم إن العملية التشريعية تبدأ بفكرة ثم يتم دراستها عبرة معرفة المشكلة التي ترمي إلى معالجتها وتحليلها وبيان أسبابها ورسم خط عام، ثم يتم جمع المعلومات ذات الصلة بها، وينصح هؤلاء المختصون بان تدرس الحاجة العامة واليومية للمواطن لأنه محل تطبيق التشريع بعد صدوره وان يراعى جمهور الناس الذي أطلقت عليه تسمية (الجمهور التشريعي)، لان التشريع يهدف إلى تنظيم علاقة بين أفراد المجتمع أو بين مكونات الدولة التي يكون أفراد المجتمع النواة والمركز المستقطب لكل الأعمال.

 ومراعاة المشرع ومن بعده الصائغ القانوني او المدون القانوني للجمهور التشريعي يكون باتجاهين الأول قبل إصدار التشريع من خلال إشراكه في المناقشة للمشكلة عقدة التشريع المستهدف، واعني بالمشاركة الاتصال بالجهات ذات العلاقة، فإذا كان التشريع يتعلق بالطفولة أن تشرك الجهات الحكومية التي تعمل في هذا المجال والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والمجتمع المدني للوقوف على حجم المشكلة محل البحث والاستماع لما لديهم من حلول نابعة من عملهم الميداني، مما يغني المشروع ويحصنه من الغفلة والذهول التشريعي، والاتجاه الثاني لغة وأسلوب التشريع والجهة المستهدفة بأحكامه، لان لغة النص التشريعي الموجه إلى فئة المحامين، القضاة والحقوقيين ممن يتعاملون مع القانون بشكل يومي تختلف عن لغة وأسلوب التشريع الذي يستهدف تنظيم علاقة تعنى بالمواطن العادي غير المختص في القانون مثل قانون مكافحة التدخين لأنه يعنى بشكل مباشر بالمواطن ويتعامل معه لحظياً، وهذه المراعاة لابد وان يدركها المشرع او المدون القانوني من خلال مشاركة أهل الاختصاص في اللغة حتى لا يفقد النص التشريعي رصانته وأهل المعرفة في السلوك الإنساني والاجتماعي لبيان أفضل المصطلحات التي تستخدم فيه لشد الأفراد إليه بسهولة ومقبولية عالية دون التضحية بجلال القدر الذي يتمتع به التشريع.

 ومن الآثار التي لمسناها في عملية تشريع القوانين في العراق بعد مرحلة عام 2003 تتراوح بين تشريع رصين عندما اشترك الجميع في صياغته وبين ضعيف يعتريه الخلل والهوان من خلال ضعف الصياغة التشريعية واضرب مثلين لذلك الأول قانون مكافحة تهريب النفط ومشتقاته رقم 41 لسنة 2008 فهو مثال على حالة النكوص عن مبدأ الاقتصاد الحر الذي أشير إليه في الدستور وعلى وفق ما تقدم بيانه، إذ تدخلت الدولة في تفاصيل من الممكن ان يكون للقطاع الخاص دور في توفير هذه الخدمة، والقانون أعلاه تضمن خروقات أخرى تتعلق بمبادئ حقوق الإنسان التي ورد ذكرها في الدستور، وهذا القانون يدخل ضمن مفهوم قوانين الجرائم الاقتصادية، إذ ورد في أسبابه الموجبة إن تهريب النفط يعد من الجرائم الاقتصادية، وهذا التسبيب ينطوي على آثار خطيرة منها إن مجال الجرائم الاقتصادية يتسع فيه التفويض التشريعي ويقتصر دور المشرع على إصدار نصوص على بياض ويعهد بها إلى السلطة التنفيذية لملئها على وفق قناعتها، وهذا ما ذكره الدكتور فخري عبدالرزاق الحديثي في كتابه الموسوم (قانون العقوبات ـ الجرائم الاقتصادية ـ منشورات جامعة بغداد عام 1981 ـ ص96) وفي هذا الباب كان لقانون مكافحة تهريب النفط ومشتقاته دور في منح الحكومة سلطة تقديرية تجاه أي حالة تشتهي أن توقع بها.

 والمثال الثاني قانون تعويض المتضررين من جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية رقم (20) لسنة 2009 الذي ورد فيه خطاء في الصياغة القانونية لنص المادة (17) التي جاء فيها الآتي (يستثنى من أحكام هذا القانون من صدرت بحقهم قرارات قضائية إلى حين ثبوت براءتهم عن جرائم الإرهاب المنصوص عليه في قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005) ونرى بان حكم المادة أعلاه اعتبر الشخص المتوفى الذي يعد ضحية عمل عسكري أو إرهابي ويظهر بعد ذلك انه إرهابي بموجب قرار قضائي فتحرم عائلته من مزايا هذا القانون لأنه أشار في الفقرة (أولا) من المادة (2) إلى حالة الاستشهاد من جراء العمليات المشار إليها في القانون أعلاه، والخطاء يكمن في استحالة إصدار قرار قضائي بحق المتوفى لان الدعوى تنقضي بحقه عملا بحكم المادة (300) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل التي جاء فيها الآتي (تنقضي الدعوى بوفاة المتهم.....الخ)، وهذه الأخطاء كان بالإمكان تداركها لو استمعت اللجنة المختصة بتشريعه إلى المختصين من الحقوقيين والمحامين وأهل الاختصاص، وهو ما نسميه (الجمهور التشريعي) الذي سيوفر الغطاء التشريعي السليم لعملية التشريع.

 وبذلك بجد ان الجمهور التشريعي لاعب أساس في عملية الصياغة التشريعية ولابد من الاهتمام به وتطويره بعدة وسائل منها الإكثار من ورش العمل المشترك بين أعضاء السلطة التشريعية والمختصين في الصياغة التشريعية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والمجتمع المدني لان هذه الورش ستنمي قابلية الجمهور من خلال الإطلاع على ما يستجد في علم التشريع، وسيوفر قناعة لدى الجمهور عند تطبيق القانون، لان المواطن سيدرك إن هذا القانون صدر في ضوء حاجته التي عبر عنها من خلال الجمهور التشريعي، وتوجد وسائل أخرى متعددة منها نشر مشاريع القوانين عبر المنتديات القانونية في شبكة الانترنيت أو الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي في وصول مشاريع القوانين ومقترحاتها واستلام ملاحظات وأفكار المعنيين بالمشروع وهذه من أفضل الوسائل التي تجمع اكبر عدد من الجمهور التشريعي، فضلا عن الوسائل الأخرى المتاحة للمشرع أو صائغ التشريع.

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 14/نيسان/2012 - 23/جمادى الأولى/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م