الخصومة والقرينة القضائية في تطبيقات القضاء العراقي

(تعليق على قرار محكمة استئناف القادسية بصفتها التميزية)

القاضي سالم روضان الموسوي

قرار الحكم

أصدرت رئاسة محكمة استئناف القادسية الاتحادية بصفتها التمييزية قرارها العدد 77/ت/ح/2012 في 13/3/2012م وجاء فيه الآتي (من خلال التدقيق والمداولة لوحظ بأن الطعن التمييزي مقدم في مدته القانونية قرر قبوله شكلا، ولدى عطف النظر على القرار المميز وجد بأنه قد جانب الصواب ومخالف لروح القانون لان محكمة البداءة قد عللت قرارها المميز برد طلب الكشف المستعجل بعدم توجيه الخصومة تجاه المطلوب الكشف المستعجل ضده وزير الداخلية إضافة لوظيفته كونه ليس طرفا في عقد المقاولة الخاص بتشييد مركز شرطه النغيشية في غماس وهذا السبب غير كاف لرد طلب إجراء الكشف المستعجل لان موضوع القضاء المستعجل برمته هو أداة لضمان تحقيق الحماية للحق وتحصينه عند إقامة دعوى بأصل الحق وهو بهذا الوصف أداة مجردة للاحتياط وينتج عن هذا بأن شروط الخصومة في القضاء المستعجل تختلف عن شروط الخصومة عند إقامة دعوى بأصل الحق، وطالب الكشف المستعجل يهدف بطلبه إجراء الكشف المستعجل إلى حماية حقه المحتمل الوجود ويترتب على هذا بأن المطلوب الكشف ضده باعتباره جهة مستفيدة من العقد إن يكون خصما محتملا عند إقامة دعوى بأصل الحق مستقبلا. لذا لا تثريب من قيام طالب الكشف المستعجل بتوجيه الخصومة تجاه المطلوب الكشف المستعجل ضده، فكان ينبغي على محكمة البداءة ان تتعاطى مع طلب الكشف وفقا لهذه المعطيات طالما احتمالية خصومة المطلوب الكشف المستعجل ضده واردة مستقبلا وان تستنبط الخصومة من جملة قرائن قد طرحت في طلب الكشف لان القرينة القضائية هي استنباط أمر مجهول من أمر معلوم فالأمر المعلوم هو ادعاء طالب الكشف بقيامه بتشييد مركز للشرطة يستنتج من هذا الأمر المعلوم أمرا مجهولا هو استفادة وزارة الداخلية من هذا المركز.

وبالتالي يتم استنباط خصومتها لطالب الكشف المستعجل المحتملة مستقبلا فكان على محكمة البداءة إجراء الكشف المستعجل وتثبيت الوضع المادي الراهن دون المساس بأصل الحق، هذا من جانب ومن جانب آخر لوحظ بأن محكمة البداءة قد حملت طالب الكشف الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة وهذا لا يجوز قانونا إذ لا يتم الحكم بمصاريف الدعوى إلا عند صدور حكم حاسم بأصل الحق، ولما كان القرار المميز قد جاء على خلاف ما تقدم. قررت المحكمة نقض القرار المميز وإعادة اضبارة الكشف المستعجل إلى محكمتها للسير فيها وفقا للمنوال المتقدم على أن يبقى رسم التمييز تابعا للنتيجة النهائية. وصدر القرار بالاتفاق وفق المادة 3،210، 216 من قانون المرافعات المدنية و 102 من قانون الإثبات في 19 / ربيع الثاني/1433 ه الموافق 13 / آذار / 2012 م.)

التعليق

يرى المختصون في القضاء إن وظيفته تكمن في العملية القضائية، التي هي مقياس منطقي، مقدمته الكبرى النص التشريعي ومقدمته الصغرى الواقعة محل الخصومة والنزاع، ونتيجته الحكم الذي يصدره القاضي وبذلك فان وظيفة القضاء ليس فض النزاع وإنما إعطاء نتائج منطقية بإتباع أساليب الاستقراء المنطقي لاستنباط الأحكام القضائية وحيث ان القضاء يسهم كثيرا في تعزيز الأمن والسلم الاجتماعي كما له دور في تطوير النصوص القانونية النافذة، وان كان ذلك إلزاما على القضاء بإتباع التفسير المتطور للنصوص القانونية وعلى وفق حكم المادة (3) من قانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 المعدل التي جاء فيها الآتي (إلزام القاضي بإتباع التفسير المتطور للقانون ومراعاة الحكمة من التشريع عند تطبيقه) وهذه المهمة ستكون موكله حصرا للقضاء لأنه سيعمل على تطوير روح النص وليس النص بذاته لان العبرة بالأحكام التي يسعى إلى تحقيقها النص القانوني معبرا عن فلسفة المشرع، ووجود النص لا يشكل اثر تجاه المجتمع والأفراد ما لم يفعل ويطبق، وجهة تطبيقه هي المحاكم التي تتشكل منها السلطة القضائية ونجد إن مهمة تطوير النص تكون عبر القراءة المتجددة لأحكامه واستنباط الأحكام التي تنسجم وروح النص وغاية المشرع وحاجة المجتمع، وهذه مهمة كبيرة تولاها القضاء العراقي عبر العديد من أحكامه التي أصدرها تجاه حالات لم يرى في ظاهر النص حكم ينظمها إلا أن قدرة القاضي وحرفيته ومهنيته مكنته من استجلاء الغاية واستنباط الحكم.

 وفي الحكم القضائي لمحكمة استئناف القادسية محل البحث والملمع عنه مثال حي على تطوير النصوص من خلال القضاء ومحاكاة حاجة المجتمع باستجلاء روح النص والتعامل بها، وعقدة الحكم القضائي أعلاه تكمن في مفهوم الخصومة لان محكمة البداءة لم تقبل خصومة المطلوب الكشف ضده لعدم وجود علاقة تعاقدية بين طالب الكشف والمطلوب الكشف ضده وبذلك أضحى من المهم التطرق إلى هذا المفهوم وعلى وفق الآتي :ـ

تعريف الخصومة

الخصومة في اللغة تعني الجَدَلُ. خاصَمَه خِصاماً ومُخاصَمَةً فَخَصَمَهُ يَخْصِمهُ خَصْماً: غلبه بالحجة، والخُصومَةُ الاسم من التَّخاصُمِ والاخْتِصامِ والخَصْمُ: معروف، واخْتَصَمَ القومُ وتَخاصَموا، وخَصْمُكَ: الذي يُخاصِمُكَ، وجمعه خُصُومٌ، وعلى وفق ما ورد في لسان العرب أما التعريف الاصطلاحي فان الخصومة القضائية هي مجموعة من الأعمال الإجرائية والتي تكون وسطاً إجرائياً وبمثابة الإطار العام الذي يحيا بداخله مشروع القرار القضائي الذي سيصدر في نهاية الخصومة منهياً لها والمسمى حكماً. فالخصومة القضائية تبدأ بتقديم عريضة الدعوى وتنتهي بصدور حكم يحسم النزاع على الحق المتنازع عليه. وهناك من أطلق عليها اسم أداة تطبيق القانون ويرى الدكتور احمد أبو الوفا إن الخصومة القضائية هي حالة قانونية ناشئة عن مباشرة الدعوى وترتب علاقة قانونية بين الخصوم، وبذلك فان الخصومة القضائية عبارة عن مجموعة من الإجراءات القانونية التي تباشر أمام القضاء وأول إجراء فيها هو المطالبة القضائية ثم تتوالى سائر الإجراءات ويجد الدكتور إبراهيم نجيب سعد في كتابه الموسوم (القانون القضائي الخاص ـ موسوعة القضاء والفقه للدول العربية ـ الجزء السدس والستون ـ طبعة بيروت ـ ص 10) والمشار إليه في كتاب المحامي فوزي المياحي الموسوم (الخصومة القضائية أمام الاستئناف ـ ص 31) بان الخصومة القضائية تمر بثلاث مراحل رئيسية تمثل تدرجا منطقيا في تحقيق غايتها، فتبدأ بمرحلة المطالبة القضائية (الادعاء) ثم مرحلة التحقيق (الإثبات) وتنتهي بصدور الحكم القضائي.

القضاء المستعجل

إن طلب الكشف المستعجل الذي يطلبه طالب الكشف من القضاء ناشئ عن تخوف وخشية طالب الكشف من فوات الوقت على بعض المسائل المستعجلة وعلى وفق حكم المادة (141) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 المعدل وهذا ما يسمى بالقضاء المستعجل الذي يتميز عن القضاء العادي بأنه يسعف الأفراد بأحكام عاجلة تصدر بعد إجراءات مختصرة ومواعيد قصيرة وقابلة للنفاذ المعجل عند صدورها مما يعجز عنه القضاء العادي على وفق ما ذكره المرحوم عبدالرحمن العلام في كتابه الموسوم (شرح قانون المرافعات المدنية ـ ج3ـ ص4) ومن خلال ما تقدم نجد إن مهمة القضاء المستعجل تتجلى في كونه أداة لضمان تحقيق الحماية للحق وتحصينه عند إقامة دعوى بأصل الحق وهو بهذا الوصف أداة مجردة للاحتياط.

وزادت أهمية هذا النظام في العصر الحاضر تبعاً لاتساع نطاق المعاملات وتشعبها وتعقدها من جهة،وللسرعة التي يتسم بها هذا العصر من جهة أخرى مع ما يتبع ذلك من ضرورة اتخاذ إجراءات كفيلة بإيجاد حلول سريعة ومؤقتة تستقر بها العلاقة والأوضاع مؤقتاً إلى أن يبت بجوهر النزاع وحرص المشرع على حقوق الخصوم ومراكزهم القانونية فأوجد المشرع إلى جانب القضاء العادي نظام القضاء المستعجل، الذي يمكن الالتجاء إليه كلما كان هناك خطراً يتضمن ضرراً لا يمكن تلافيه فيما لو لجأ الخصوم إلى القضاء العادي. إلا إن هذه الخصوصية لم تمنعه من الخضوع لذات القواعد الإجرائية عند التصدي له باستثناء مدة التبليغ فإنها تكون قبل أربع وعشرين ساعة على خلاف التبليغ في الدعوى الاعتيادية أن تكون قبل ثلاثة أيام على الأقل وعلى وفق حكم المادة (150) مرافعات وهذا يقودنا إلى نقطة البحث المتعلق بالخصومة لان قانون المرافعات أشار إلى الخصومة في حكم المواد (4،5، 6) من قانون المرافعات، إذ ذكر الخصومة المتعلقة بالمدعى عليه ولم يتطرق إلى المدعي وعلى وفق حكم المادة (4) مرافعات التي جاء فيها الآتي (يشترط أن يكون المدعى عليه خصما يترتب على إقراره حكم بتقدير صدور إقرار منه وان يكون محكوما أو ملزما بشيء على تقدير ثبوت الدعوى. ومع ذلك تصبح خصومة الولي والوصي والقيم بالنسبة لمال القاصر والمحجوز والغائب وخصومة المتولي بالنسبة لمال الوقف. وخصومة من اعتبره القانون خصما حتى في الأحوال التي لا ينفذ فيها إقراره.) إما المدعي فان المشرع اكتفى له أن يكون متمتعا بالأهلية اللازمة لاستعمال الحقوق وعلى وفق حكم المادة (3) مرافعات التي جاء قيها الآتي (يشترط ان يكون كل من طرفي الدعوى متمتعا بالأهلية اللازمة لاستعمال الحقوق التي تتعلق بها الدعوى ولا وجب أن ينوب عنه من يقوم مقامه قانونا في استعمال هذه الحقوق) ويرى جانب من الفقه إن ذهول المشرع عن ذكر الخصومة في المدعي لا يغير من مركزه القانوني لان المدعي لابد وان يكون خصما للمدعى عليه أيضا، وبما إن المدعي صاحب المصلحة الشخصية فيكون ذلك الشرط هو معيار توفر الخصومة سواء كان المدعي مارس حقه في التقاضي بصفته الشخصية أو بواسطة نائب او وكيل وعلى وفق ما ذكره المرحوم عبدالرحمن علام في كتابه المشار إليه أعلاه (الجزء الأول ـ ص 54) وهناك تفصيل فقهي واسع حول الخصومة وما يلتبس معها من مصطلحات، مثل الصفة والدعوى والنزاع والمرافعة لا محل لها في هذا البحث.

 ومن خلال ما تقدم نجد إن الخصومة واحدة من حيث توافرها في المدعى عليه ولامناص من التحقق منها في الدعوى الاعتيادية أو القضاء المستعجل لان القضاء المستعجل يكون بمواجهة طرفي الدعوى، فإذا لم يتوفر احدهم على شرط الخصومة فان المرافعة لا تنعقد وعلى وفق حكم المادة (51) مرافعات التي ألزمت المحكمة بوجوب التحقق من صفات الخصوم، وهذا يؤكد إن المطلوب الكشف ضده لابد أن يكون خصما لان المحكمة عند إجراء المرافعة في دعوى طلب الكشف المستعجل تعمل بموجب أحكام المادة أعلاه وغيرها من المواد التي تنظم جلسة المرافعة فضلا عن التأكيد الذي ورد في حكم المادة (58) مرافعات التي أشارت إلى عبارة الخصوم في أول جلسة ولم يرد فيها استثناء يتعلق بأحد طرفي دعوى القضاء المستعجل ومنه طلب الكشف المستعجل لان مطلق النص يشير إلى ذلك، وإذا أردنا الاستثناء لابد من وجود نص يسند هذا المسعى وعند مطالعة مجمل المواد القانونية التي تنظم جلسة المرافعة وسماع الدعوى لم نجد ما يشير إلى وجود الاستثناء وعلى وفق حكم المواد (58 ـ 65) مرافعات، وبذلك فان ما توجهت به محكمة استئناف القادسية بصفتها التمييزية في قرارها محل البحث، بان الخصومة في القضاء المستعجل هي غيرها في القضاء الاعتيادي، فانا لا اتفق معه ولا مع توصيف الخصومة المحتملة الذي ورد نصه في القرار أعلاه كآلاتي (احتمالية خصومة المطلوب الكشف المستعجل ضده واردة مستقبلا) والسبب في ذلك كما أراه إن الاحتمالية تكون متأرجحة بين الوجود والعدم وتتعلق بأمر مستقبلي بينما في الخصومة عند المباشرة بإجراءات التقاضي لابد من وجودها حقيقة، حيث تكون الخصومة وعلى وفق ما تم تعريفه من فقهاء القانون عبارة عن مجموعة من الإجراءات القانونية التي تباشر أمام القضاء وأول إجراء فيها هو المطالبة القضائية ثم تتوالى سائر الإجراءات، وشرط تحققها في لحظة المباشرة شرط أساسي للمباشرة ببقية الإجراءات وأي تأرجح في أمكانية وجودها أو احتمالية تحققها مستقبلا سيقف عائقا دون إكمال ما تبقى من إجراءات، لكن وجدت إن محكمة الاستئناف قد تداركت ذلك الاتجاه في الدعوى محل التدقيق حينما عرجت على المصلحة المحتملة عندما ذكرت في الحيثيات الآتي (وطالب الكشف المستعجل يهدف بطلبه إجراء الكشف المستعجل الى حماية حقه المحتمل الوجود) وفي هذه الالتفاتة تداركت ذلك التوجه لان احتمالية وجود المصلحة دون تحققها وقت المباشرة بإجراءات التقاضي لا يمنع من إقامة الدعوى وعلى وفق الاستدراك الوارد بحكم المادة (6) مرافعات والتي جاء فيها (يشترط في الدعوى أن يكون المدعى به مصلحة معلومة وحالة وممكنة ومحققة ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي ان كان هناك ما يدعو الى التخوف من الحاق الضرر بذوي الشأن ويجوز كذلك الادعاء بحق مؤجل على ان يراعى الاجل عند الحكم به وفي هذه الحالة يتحمل المدعى مصاريف الدعوى) ويرى شراح قانون المرافعات أن القاعدة والأصل أن تكون المصلحة قائمة وغير محتملة، إلا إن الاستثناء الوارد في الاستدراك الملمع عنه في حكم المادة (6) مرافعات أجاز أن تكون المصلحة محتملة، بمعنى إن الضرر فيها لم يقع بعد والاعتداء لم يحصل وإنما محتمل الوقوع ومتوقع الحصول، فيجوز آنذاك رفع الدعوى لتوقي الضرر وتسمى هذه الدعاوى بالدعاوى الوقائية وعلى وفق ما أشار إليه المرحوم عبدالرحمن العلام في كتابه المنوه عنه في أعلاه (الجزء الأول ـ ص95) فضلا عن الفقه المقارن فان شراح القانون اللبناني والإماراتي أشاروا إلى هذا النوع من المصلحة، إلا إنهم حددوا لها شرطين إما لدفع ضرر او لاستيثاق حق يحتمل إنكاره، ومنها دعاوى إثبات الحالة التي تماثل دعوى طلب الكشف المستعجل في القانون العراقي المشار إليها في حكم المادة (144) مرافعات وعلى وفق ما ذكره الدكتور عبده جميل غصوب في كتابه الموسوم (الوجيز في قانون الاجراءات المدنيةـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ طبعة بيروت الاولى عام 2010ـ ص160).

القرائن القضائية

وجدت إن محكمة الاستئناف بقرارها محل البحث قد عرجت على قاعدة من قواعد الإثبات (القرائن القضائية) وهذه تعد من وسائل الإثبات التي تتيح للمحكمة فرصة الوصول إلى الحقيقة وعلى وفق حكم المواد (102 ـ 104) من قانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 المعدل، الذي عرفها بأنها استنباط القاضي أمرا غير ثابت من أمر ثابت لديه في الدعاوى المنظورة، إلا أن المشرع اشترط للأخذ بالقرينة القضائية أن تكون متعلقة بواقعة من الممكن إثباتها بالبينة الشخصية، وذلك على وفق حكم الفقرة (ثانيا) من المادة (102) إثبات التي جاء فيها الآتي (للقاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون وذلك في نطاق ما يجوز إثباته بالشهادة) وهذا الشرط ورد في العديد من قوانين الإثبات أو البينات في بعض البلدان ومنها قانون الإثبات المصري في المادة (100) وفي قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني المادة (302)، ويرى شراح القانون الخاص إن الإثبات بالقرائن هو إثبات غير مباشر لأنه لا ينصب على الواقعة المراد إثباتها، وإنما على واقعة أخرى إذا ثبتت أمكن أن يستخلص منها ثبوت الواقعة المراد إثباتها وعلى وفق ما ذكره الدكتور محمد حسن قاسم في كتابه الموسوم (قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية ـ منشورات مكتبة الحلبي الحقوقية ـ طبعة بيروت عام 2008 ـ ص 339) و جاء في تعليل محكمة الاستئناف اعلاه عند الاخذ بالقرينة القضائية القول الآتي (تستنبط الخصومة من جملة قرائن قد طرحت في طلب الكشف لان القرينة القضائية هي استنباط أمر مجهول من أمر معلوم فالأمر المعلوم هو ادعاء طالب الكشف بقيامه بتشييد مركز للشرطة يستنتج من هذا الأمر المعلوم أمرا مجهولا هو استفادة وزارة الداخلية من هذا المركز. وبالتالي يتم استنباط خصومتها لطالب الكشف المستعجل المحتملة مستقبلا) وفي هذا التعليل تظهر عدة أسئلة منها هل الاستنباط يتعلق بواقعة الخصومة؟ فإذا كان كذلك، هل يجوز أن نثبت الخصومة بالبينة الشخصية (شهادة الشهود) الجواب سيكون بالنفي لان الخصومة يستدل عليها بآليات حددها القانون بعضها يتعلق بشخص المدعي او المدعى عليه ومنها ما يتعلق بصفته وهذه جميعا لا يجوز إثباتها إلا في بينات تحريرية معتبرة قانوناً مثل الهوية التعريفية أو سند الوكالة أو صك التفويض أو أي وثيقة رسمية أخرى، وبذلك فان الاستنباط اعلاه لا محل له في هذا الاتجاه، أما إذا اعتبرنا إن الواقعة المستنبطة تتعلق بعنصر الاستفادة من وزارة الداخلية لمركز الشرطة محل نظر الكشف المستعجل وعلى وفق ما ورد في القرار أعلاه، وفي هذه النقطة لابد من وقفة تجاه كلمة (الاستفادة) التي قصدها القرار أعلاه لان المصلحة في الدعوى هي الفائدة العملية التي توخاها صاحب المصلحة في ممارسته لحق قرره القانون، وافهم من النص أعلاه إن الاستفادة المقصودة هي الانتفاع بالعين محل الكشف، وهذه لابد أن تكون بموجب سند قانوني لان مجرد الانتفاع بدون سند يعد فعل غير مشروع مثل واقعة الغصب المشار إليها في المادة (192) من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 المعدل وبذلك لا يمكن أن نستنبط قرينة قضائية مشروعة من واقعة غير مشروعة، إذ لا يكون عنصر الانتفاع بمفرده سببا لإنشاء الرابط القانون أو العلاقة التعاقدية، ويبقى السؤال هل ذلك الاستنباط توفر على أسبابه القانونية على وفق حكم القانون ؟

وفي الختام لابد من رفع القبعة احتراما وإجلالاً لهذا الاجتهاد الذي تجلت فيه أعمال الفكر والاستقراء الواعي المستند إلى آليات المنطق القضائي والقانوني السليم، ويعلن بكل وضوح إن ناصية الفن القضائي وعلم القانون مازال من يعتليها هم رجال الفكر القانوني المخلص لبناء وطنه وإصلاح سلوكيات أهله تجاه رفع الإنسان إلى مستوى إنسانيته التي بموجبها كرمه الله عز وجعل بمصداق الآية (70) من سورة الإسراء (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)

والله ولي التوفيق

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 1/نيسان/2012 - 10/جمادى الأولى/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م