السعودية: امراء يبغضونكم وتبغضونهم

د . مضاوي الرشيد

تقوم جمعية الحقوق المدنية والسياسية السعودية (حسم) بجهد جبار في فضح نظام الاعتقال التعسفي الممنهج ففي السابق وجهت الجمعية بياناتها للثلاثي الحاكم في السعودية الملك وولي العهد والنائب الثاني ومؤخرا خاطبت مدير عام المباحث العامة عبد العزيز الهويريني وحملته مسؤولية سلسلة طويلة في الاجراءات والاعتقال والتعذيب وشبهت جهازه الامني والاستخباراتي بجهاز السافاك الايراني وتحدثت عن تفاصيل الممارسات اللاأخلاقية من قبل العناصر الفاسدة والمليشيات التي ترعب الناشطين وتروع اطفالهم ونساءهم بأساليب الابتزاز والضغط المادي والمعنوي ناهيك عن الزنزانات الانفرادية ووسائل التعذيب المبرمجة والاهانة النفسية عند تفتيش اجساد النساء الى ما هنالك من وسائل اصبحت معروفة يمارسها جهاز الامن المرتبط ارتباطا مباشرا بوزارة الداخلية واميرها نايف بن عبد العزيز.

وحسنا فعلت جمعية حسم عندما اسمت الامور بأسمائها حيث ان جهاز المباحث لن يعتبر بعد اليوم عبدا مأمورا يأتمر بأوامر اسياده بل هو شريك فعلي وحقيقي في جرائم ترتكب بحق الناشطين والمدافعين عن حقوق الانسان وجملة من الحقوق المدنية والسياسية المشروعة وبعد هذا البيان من غير المعقول ان يبقى موظفو هذا الجهاز الاداري الامني يروعون شعب الجزيرة تحت ذريعة حماية أمن النظام منذ اكثر من نصف قرن ويمارسون إرهابا مبرمجا تحت مظلة مؤسسة ضخمة متمثلة بوزارة الداخلية ذات المبنى الشاهق المنمق في وسط الرياض والذي تعرض في الماضي لهجوم مسلح ناهيك عن محاولة اغتيال النائب الثاني وقبلها محاولة تفجير ابنه المسؤول الذي يتعاطى مع يوميات القمع والتعذيب والسجن التعسفي.

 لقد اصبحت هذه المؤسسة عبئا ثقيلا على شعب الجزيرة العربية النظام لم تختبر بعد فذلك لان شعب الجزيرة قد أفرز نشطاء احرارا لجأوا الى الكلمة والبيانات ولم يضعوا الاجهزة الامنية على المحك بعد. وان كان النظام لا يتردد في ان يتغنى بسلميته حيث انه لا يفتح النار على شعبه فذلك لان شعبه لم يخرج بعد وقرر التزام الصمت او الحراك السلمي فيستغل النظام هذه المرحلة وينكل بالنشطاء واحدا واحدا مستغلا ضعف المجتمع وهشاشة مؤسساته المدنية حيث اصبح بمقدور اجهزة الامن ان تستفرد بالاشخاص المعروفين على خلفية صمت مجتمع يحفر قبره بيده عندما تستشري به فردية مقيتة تغذيها صدقات النظام الآنية وطموحات ترتبط بقرب الاشخاص من هذا الامير او ذاك فلا يحرك ساكنا عندما تنتهك حرماته ويعتقل شبابه لمجرد حراك بسيط لم يدخل حتى هذه اللحظة في موسوعة حراك الامم الحية.

فلماذا يظل ناشط حقوق الانسان محمد البجادي اسيرا وهو الذي دافع وساند نساء خرجن يطالبن بحقوق ازواجهن المعتقلين. ولماذا يظل مخلف بن دهام الشمري معتقلا لانه اثبت عدم طائفيته وتصدر نصرة المواطنين بكافة اطيافهم الطائفية وهل ارتكب ابن شمر البار جريمة ليتعرض لمحاولة اغتيال حسب ما قالته ابنته وهو في حضن عبدالعزيز الهويريني وكأنه قربان او اضحية عيد يتقرب بها الى سيده وولي أمره وما هي جريمة الشمري الذي يعاقب عليها بسجن طويل الامد وأين هي قبيلته التي تتغنى بأمجادها وتنظم قصائدها في خيامها وعلى شاشات اليوتيوب الم يعد فيها من الرجال من يدافع عن اسيرهم ام ان مصاهرتهم للسلطة قد حولتهم الى شيوخ كالدجاج تنثر لها الحبوب حسب وصف شاعر نجد الراحل بندر بن سرور وكان على ابنته المنكوبة بسجن والدها ان تصرخ بأعلى صوتها وتسأل 'اما في هذه الجموع رجال' وأين شيعة توفيق العامر من قضية اعتقاله وهل وجهاؤهم منشغلون بلعب دور الوسيط بين حاكمهم في المنطقة وابناء جلدتهم يتلمسون الاعذار ويوعدون بتهدئة الشارع وكبح جماح الشباب الغاضب يستدعون الى مراكز الحكم ليعيدوا صياغة ولائهم واستعبادهم علهم بذلك يحققون وجاهة آنية واين المثقف منهم الذي لا يزال يناجي النظام باطروحات الوطنية المفقودة وعنده في سجل المفقودين ما يملأ صفحات ومجلدات

اما الدواسر فجاؤوا يلهثون مستنكرين بطولة ابنهم الودعاني متبرئين من الرجولة اليانعة بعد ان اصابتهم شيخوخة مهلكة حلت بهم قبل موعدها. اما وجهاء جده هم في سبات عميق وعروسهم تنتظر الافراج عن رجالات لم يركضوا خلف الصفقات والربح والاستثمارات بل ركضوا خلف قضايا ربما هي اكبر من طبقة مخملية لا تزال تتغنى بتراث مفقود تحت سيطرة نظام قزمهم وقزم تراثهم واستبدله بناطحات سحاب تطوق اقدس المقدسات وكيف يرضى هؤلاء بصفوة الرجال من سعود الهاشمي وعبدالرحمن الشميري وموسى القرني ان يقبعوا في سجون النظام وهم الذين تصدوا المبادرة ودافعوا عن حقوقهم الجماعية بالكلمة السلمية فبئس بزمن اصبح فيه المدافع عن الشأن العام ارهابيا والارهابي الحقيقي يتخفى بقفازات الكرم وسياسة القمع الخفية تارة وسياسة الضرب بالحديد والسيف تارة اخرى.

اما قصماننا الاعزاء فمشغولون بادارة الدولة وتكديس الثروات وتمثيل النظام في مجلسه المعين وبرمجة اعلام فشل حتى في الصدق مع نفسه بل اصبح عبئا ثقيلا على العالم العربي بقصصه وحكاياته المفبركة التي لا تخدم الا حقبة سعودية في طريقها الى الزوال واين هم عن معتقلي بريدة الم يسمعوا صوت زوجات المعتقلين يناشدون فرع المخابرات في مدينتهم ان تطلق سراح رجالهن الذين لم يحاكموا ولم توجه لهم تهم واضحة وصريحة وهل نسوا موقف ريما الجريش واخواتها أم التخمة قد اصابتهم لدرجة فقدوا فيها الاحساس والشعور ودعاتهم ومشايخهم وما اكثرهم قد انشغلوا في قيل وقال ودعاء لولي ارمهم علهم بذلك يكسبون موقعا مميزا في هذه الدنيا فهم اليوم لا ينطقون الا بما انزل النظام رغم حرصهم وادعائهم انهم ينطقون بما انزل الله. فلم نسمعهم في هيئتهم او مجامعهم يدافعون عن سجين او مظلوم بل هم صامتون لا ينطقون الا بقضية مظاهرات او قيادة سيارة او اختلاط عابر.

لقد تجاوزت حسم كل هؤلاء ببيانها الاخير بعد ان قدمت لشعب الجزيرة ما لم يقدمه كل هؤلاء المسبوق ذكرهم وتعرض القائمون عليها للسجن والتخويف لكنهم صامدون يبغون حياة هؤلاء وهؤلاء يبغون مماتهم لم تثنهم مليشيات الهويريني وسيده في القصر بل هم ماضون في مشروعهم يفضحون المسكوت عنه وان كانوا اليوم وحيدين على الساحة الا انهم يقدمون اكبر خدمة لشعب الجزيرة اذ انهم يلقنونه درسا يختلف عن دروس حقوق الانسان التي تنظمها الهيئة الرسمية المعينة من قبل النظام فشتان بين هذا وذاك.

وان اعتادت حسم على توجيه خطابها للثلاثي الحاكم فنتفهم موقفهم ونقدره خاصة وهم ناشطون في الداخل يتعرضون لنفس انواع التنكيل والترويع الذي يتعرض له الاشخاص الذين يدافعون عن قضاياهم. استطاعت حسم ان تبلور رؤية عبدالله الحامد وهو من القدامى الذين تصدروا مشروع الاصلاح السلمي دخل على خلفيتها الى السجن اكثر من مرة وهو صاحب الجهاد السلمي الذي لا يرضاه النظام اذ انه المعادلة الصعبة العصية التي يأباها بل هو يفضل اصحاب المتفجرات على هذه المعادلة حيث يحشد المجتمع خلفه عند اول عملية تفجيرية متلاعبا بعواطف ومخاوف مجتمع فقد قدرته على تقرير مصيره وتحول بأكثريته الى مجتمع يقبل الذل والمهانة والصدمة بل انه اصبح شريكا في ذله وقمعه وهذا ما اشار اليه بيان حسم.

وان كان هناك من رسالة مبطنة لجهاز المباحث المكروه واقزامه فهي تنطوي على شراكتهم في التعذيب والسجن دون حسيب ولا رقيب وربما يعتبرون من المحاكمات التي تطال هؤلاء ولن يشفع لهم في المستقبل عبوديتهم حينما يساقون الى المحاكم بتهم واضحة وصريحة فيقتص منهم شعب الجزيرة بقدر تماهيهم في ترويعه وان وجد بعضهم في المنصب والرتبة والنياشين مجدا مفقودا يعوضون فيه عن وضاعة اخلاقهم فلن يشفع لهم ذلك ساعة الحسم والقصاص ولن يجدوا مقاعد فارغة على طائرات خاصة تنقلهم مع اسيادهم الى ملاذات في الخارج بل سيتحولون الى 'طعم' كما قال ذلك البدوي الفصيح وفي السابق طالنا منهم ما يطال شعب الجزيرة اليوم ولن تخوننا ذاكرتنا في الوقت المناسب ولن ننسى ترويع اطفالنا ونسائنا والزج برجالنا في سجون النظام حيث اصبحت هذه الممارسات والتي اعتقدنا سابقا انها شاذة هي النمط المتبع اليوم مع شريحة كبيرة من المجتمع في طول البلاد وعرضها.

نقدر اسلوب حسم القانوني والاعلامي الا انها قد تصل الى طريق مسدود خاصة وان القائمين عليها هم اعلم الناس بأسرار التعذيب السعودي فالمساجين سيظلون رهينة المكارم الملكية وهي المشغولة حاليا بتدبير خطة جهنمية للمنطقة العربية تقوض بذور الديمقراطية التي بدأت تشرق في سمائها تحت مظلة تعتيم اعلامي رهيب على شؤون الداخل والقاء المحاضرات عن الديمقراطية خارج الحدود. وربما تنتقل حسم الى الخطوة الثانية وهي تنظيم المسيرات الاسبوعية المطالبة باطلاق السجناء السياسيين واصحاب الرأي وعندما تصل الحشود الى كثافة مناسبة نتحدى حينها ان يطلق النظام رصاصة واحدة لانها ستصيبه في العمق وسيعلم شعب الجزيرة ان من سيقتله لن يكون من ابناء جلدته حيث ان النظام سيلجأ الى جحافل بلاك وتر المجاهدين في سبيل النظام الذين يستوردهم من دول الجوار العربية وما بعدها تماما كما فعل في السابق.

لقد ساهمت حسم في رفع الوعي وتثقيف الشباب بحقوقهم وتسليط الضوء على قضايا منسية وبالفعل قد اثبتت اننا نعيش في زمن يولى علينا امراء يبغضوننا ونبغضهم.

* كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

صحيفة القدس العربي

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 28/آب/2011 - 27/رمضان/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م