قراءة في كتاب: الاستشراق بين المعرفة والسلطة والإنشاء

 

 

 

 

 

الكتاب: الاستشراق.. المعرفة والسلطة والإنشاء

المؤلف: ادوارد سعيد

ترجمة: يوسف حجازي

قراءة: شتيفان فايدنر، موقع قنطرة

 

 

 

 

شبكة النبأ: تُشكِّل كتابات الفلسطيني الأمريكي الراحل، إدوارد سعيد، عن الاستشراق وأصوله مادة غنية للمفكرين والباحثين، إذ تمت ترجمة أعماله، لاسيما كتاب "الاستشراق" إلى لغات متعددة ومنها الألمانية التي شهدت ترجمة جديدة لهذا الكتاب. شتيفان فايدنر في قراءة نقدية لهذه الترجمة.

مبالغة في القول بأن العمل الذي صدر للمرة الأولى في العام 1978 قد أصاب علوم الاستشراق الكلاسيكية بصدمة مهولة. جاءت الترجمة الألمانية الأولى لكتاب في العام 1979 واعتُبرت غير دقيقة لكنها نفدت من الأسواق منذ زمن بعيد. أما ترجمة الكتاب الجديدة فتوفر الفرصة لمراجعة وفحص مقولات العمل على خلفية التطوُّرات التاريخية التي جرت في العقود الثلاثة الأخيرة.

من شأن القارئ العادي الذي يتناول هذا الكتاب اليوم أن يستصعب فهم التوتر الذي أحدثه الكتاب في السابق، إذ بالكاد يوجد باحث جاد رصين ممن ما زالوا ينكرون اليوم تأثير مطامع الاستعمار البريطاني والفرنسي عند أعتاب القرن التاسع عشر على علوم الاستشراق. وقد تناول إدوارد سعيد بإسهاب دور سيلفستر دو ساسي Sylvestre de Sacy (1758 - 1838) وإدوارد لين Edward Lane (1801 – 1876).

ولم تكن حال علوم الاستشراق في حينه أفضل منها في الفن والأدب، حيث إن كاتب الرواية الفرنسي فلوبير Flaubert قد وجد أثناء رحلته إلى مصر كل الغرائب التي قرأ عنها في تقرير إدوارد لين بخصوص المصري "الحديث" في عام 1836، وقد اعتَبَر كلُّ من سافر إلى البلاد العربية أن رحلته الاستشراقية غير موفقة إن هو لم يجد تلك الصور النمطية في الشرق. إن برهان إدوارد سعيد اللافت بشكل خاص يكمن في إثباته أن علوم الاستشراق لاقت ترحيب السياسيين وصناع الرأي، إذ استخدموها لتبرير هجومهم على الشرق.

جدلية فكرية

ويمكن مدّ خطٍ مستقيمٍ يبدأ بمقولاتٍ تهاجِم الإسلام، ويصل إلى مدونات الانترنت الراهنة الناقدة للإسلام، كما يمكن لمراقبٍ شكاك أن يُجرب وضع خطاب الحبر الأعظم في ريغينزبورغ في سياق هذا التقليد.

إذا كان إدوارد سعيد موضع خلافٍ إلى يومنا هذا، فيعود ذلك للاستمرار المديد لتلك المواقف حيال الشرق التي وجدها سعيد لدى الكتاب الذين درسهم. ويكمن ارتكاس Reflex مختال خلف التنوير الأصولي الراهن الذي لا يعرف خصمًا له سوى الإسلام والمدافعين عنه، وينبعث متخذًا شكل الحجج التبشيرية بالمدنية مجددًا من أجل الحرب في العراق وأفغانستان.

الشرق بعيدًا عن الصور النمطية

أما بخصوص السؤال الموروث عن إدوارد سعيد فيما إذا كان الكلام عن الشرق واردًا بعيدًا عن الصور النمطية الاستشراقية، وكيف يمكن لهذا الكلام أن يكون، فقد وجد الباحثون في العلوم الإسلامية من الشباب وبخاصةٍ في هذا البلد جوابًا مناسبًا عن هذا السؤال. يقول الجواب بالتفكُّر بالبحوث التي يجريها الباحث وبمراجعتها، وبإعطاء المسلمين الفرصة الأكبر الممكنة ليقولوا قولهم، وبالتخلي عن المقولات التعميمية الجوهرانية من طراز "الإسلام هو كذا وكذا..." واستبدال ذلك بدراسة الإسلام على تنوعه، وبدراسة كل قراءة للإسلام على حدة.

لو كان كل هذا بدهيا كما هو مفترض له أن يكون لغدت مقولات إدوارد سعيد جزءًا من تاريخ العلوم، ولما كان من شأننا أن نحتاج لقراءتها في عصرنا الراهن، وبخاصة أننا نجدها اليوم في كثيرٍ من الدراسات المفردة والأعمال الشاملة على نحوٍ أدق وغالبًا مصاغة بشكلٍ أكثر إقناعًا. لدى قراءتنا الجديدة للـ"استشراق" نجد مقالةً تعدت الحدود وتتسم بالارتباك أحيانًا، وقد أتت بأسلوبٍ غير منسق بعض الشيء، وهي متسرعة قليلاً في استنتاجاتها، التي نادرًا ما تكون خاطئة، ولكن يا حبذا لو جاء استنباطها أكثر إتقانًا. يفسح إدوارد سعيد المجال لانتقاده حيث لا داع لأن يكون نقد، وبسبب غياب الفصل الواضح وفَّر لجيلٍ من المسلمين الأصوليين الأسس لصورهم النمطية "الاستغرابية" التي لا تقل تأثيرًا.

ترجمة جديدة يشوبها الخلل

تبرز في النسخة الجديدة نقاط الضعف المذكورة آنفًا بشكلٍ أقوى منه في النسخة الإنجليزية الأصلية، حيث للجُمَل وقع جذل ومقنع، بيد أنها لا تلقى الترحاب بصورتها الألمانية لأن الترجمة الجديدة مهمِلةٌ إلى حدٍّ بعيد، ليس فقط لأن المترجم استبدل في الترجمة مصطلح "باحث في العلوم الإسلامية" بـ"إسلاموي" (التي تعني إسلاميا أصوليا!) بل لأن الجمل غالبًا ما جاءت مبهمةً ولا يمكن فك رموزها إلا بالعودة إلى النص الأصلي.

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 4/شباط/2010 - 19/صفر/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م