بقلم رئيس التحرير

 مرتضى معاش

[email protected]

 

المأزق الكبير الذي يعيشه العالم اليوم، خصوصاً بعد الأحداث الخطيرة التي وقعت أخيراً، يعبر عن عمق مشكلة الإنسانية وضياعها الكبير؛ فتصاعد العنف ما هو إلا حلقات متواصلة من الإشكالات الكثيرة التي أخذت تنشر حالات اللاأمن والقلق والخوف واليأس والإحباط. فمن جهة يعيش عالمنا الإسلامي التخبط المشوش وفقدان التركيز في الرؤية، وعدم القدرة على اتخاذ الخطوات الحضارية السليمة للتخلص من التخلف والبؤس، بل إن القرارات الانفعالية والسلوك العاطفي كان أساس حركة الشارع وتصاعده الدراماتيكي نحو الصدام مع الغرب، رغبةً بالثأر والانتقام عبر استخدام مختلف أساليب العنف، والتعبئة الجماهيرية الجامحة التي أغلقت الرؤية عن أي طريق عقلاني يضعها على الطريق الصحيح. وعندما تصبح الأمة بعيدة عن مبادئها الأصلية ورسالتها الأصيلة، فإنها تجتهد في إصدار الأحكام الفوضوية البعيدة عن روح الرحمة والتسامح والإصلاح وحب الآخر والعفو عنه، وهذا مأزق خطير يقود العالم الإسلامي إلى مزيد من التخلف والانفصام عن حقيقة وروح الاسلام.

الغرب يشاركنا بقوة في تجذير هذا المأزق العالمي، بل يساهم في صنعه وتقويته وتأجيجه؛ إذ هو يملك كافة وسائل القوة القادرة على تدمير العالم؛ فالغرب يعيش مأزقا استئصالياً غير قادر على الخروج والتخلص فيه؛ فهو مبتلٍ بمشاكل كبيرة كان قد ساهم بصورة أساسية في خلق جذورها واستيعابها وتطويرها، مثل مشاكل العنف والإرهاب والفقر والبطالة والتفاوت الاقتصادي واختلال البيئة وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وهي مشاكل خلقها الغرب أولاً؛ لانغماسه في مصالحه المادية الضيقة، دون التفكير بعواقب المستقبل الذي أصبح غير آمن له قبل غيره.

يمكن رؤية مأزق العالم الغربي من خلال ذلك التناقض الغريب الذي يستغرقه بين مبادئ تؤمن بالديمقراطية لتوفير العدالة الاجتماعية، وبين سلوك أناني يعتمد الربح والمنفعة بشكل محوري، دون اكتراثٍ بحقوق الآخرين، فالديمقراطية بالنسبة لهم وسيلة لتحقيق الأرباح عبر استغلال القوة الاقتصادية والسياسية للضغط على الآخرين واستغلالهم؛ لذلك تنسلخ الديمقراطية عندهم عن بعدها الإنساني والحقوقي والأخلاقي، وتتحول إلى مجرد وسيلة نفعية لتحقيق غايات مصلحية. والمشكلة في الديمقراطية عندهم أنها ممتزجة بالليبرالية التي تحول الإنسان إلى وحش بادعاء الحرية الفردية المطلقة الفوضوية، وممتزجة بالرأسمالية الاقتصادية التي تعتمد القيمة المطلقة لرأس المال، دون أي اعتبار للقيم الأخرى في مقابله، حتى لو كان ذلك يعني إنتاج الأسلحة، وصناعة الحروب، وإنتاج الإعلام الفاسد الذي يخلق العنف..

فمع الليبرالية والرأسمالية تصبح الديمقراطية في طريقها نحو الفناء، لأنها بالنتيجة تتعارض في كثير من جوانبها مع مصالح القوى الرأسمالية والليبرالية ذاتها.

يقول الإمام السيد محمد الشيرازي في كتابه (الغرب يتغير) الذي كتبه قبل أكثر من عشر سنوات: (الرأسمالية أفقدت المجتمع الغربي العدالة الاجتماعية، حيث تكدست في جانب، وانحسرت في جانب آخر. وهذا التمايز الطبقي أدى إلى الفقر والمرض والجهل والفوضى والاضطراب والبطالة.. وبناءً على ذلك فإني أتنبأ بانهيار الرأسمالية؛ لأنها تتعارض مع الديمقراطية التي يدعونها، حيث أنهم يستخدمونها كعامل حاسم في الانتخابات وغيرها لصالح الطبقة الأكثر ثراءً، وهذا مالا يتفق مع الفطرة الإنسانية السليمة).

يمكن القول بأن الخروج من مأزق العالم يتمثل بالرجوع إلى أخلاق الإنسان الفطرية التي استقر عليها الضمير البشري، وآمن بها العقلاء المنصفون، وكذلك فإن الابتعاد عنها يمثل سيراً حثيثاً نحو الهاوية؛ لذلك فإن مأزق الديمقراطية المعاصرة يتمثل في إشكالياتها الأخلاقية، وعدم التقيد بالقواسم المشتركة التي تحفظ التوازن العالمي عبر مفهوم العدالة للجميع وليس لواحد فقط، فعلى سبيل المثال نرى الولايات المتحدة ترفض التوقيع والالتزام بالكثير من الاتفاقات الدولية مثل حظر الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل؛ واتفاقية منع الغازات السامة، وهي بامتناعها هذا إنما تساهم في اختلال التوازن العالمي بيئيا وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، ونشر كثير من الأمراض والمشاكل الحديثة، من قبيل ارتفاع درجة حرارة الأرض وانتشار الإرهاب والأسلحة الجرثومية والفقر وانهيار الاقتصادات النامية.

ومنذ باكورة تشكلها ظهرت الحضارة الغربية بأشكالها المادية الفريدة من نوعها، فقد قدمت هذه الحضارة الكثير من الإبداع والتقدم الكبير في مجال الصناعة والاتصالات والرفاهية، لكن من المؤكد أنها عجزت عن توفير الأمن والاطمئنان الذاتي لأنها انغمست بالمادة إلى قرنها، فأصبحت غايتها وجوهرها. والسنن التاريخية تؤكد أن الحضارات المادية تنتهي وتتلاشى، لأنها تتغاضى عن بعد أساسي يحرك التاريخ ويقوم عليه وهو الإنسان؛ إذ الإنسان بالدرجة الأولى هو عقل وروح وضمير وجوهر.

فالعالم الغربي بدأ مأزقه يوم تخلى عن الأخلاق، وبالتالي تخلى عن الإنسان، ونقصد بالأخلاق تلك القيم الفطرية التي تنسجم مع الكون والضمير والتي نادت بها الرسالات السماوية.

فالديمقراطية الغربية لا تهب للإنسان حرية مسؤولة يقف بها أمام نفسه والآخرين بتجرد؛ فالحرية لا تعني أن نقدمها لأنفسنا ونسلبها من آخرين؛ إذ لم يقدم الغرب من حريات بقدر ما صنع من أنانية مفرطة لا تقوم على حس المسؤولية الإنسانية، بل إنها تحمل شراهة حيوانية للترف واللذة والمنفعة، حتى لو تم ذلك عبر سحق الآخرين دون تحمل نتائج الأفعال.

والعالم الغربي بانطلاقاته النفعية نحو مصالحه الخاصة الضيقة، بدأ بمرحلة امتهان الإنسان وسحق كرامته. والتاريخ يذكر أن النهضة الصناعية الحديثة قامت على أكتاف الرقيق المستعبدين، ولازال ذلك مستمراً ولكن بأساليب أخرى. فالديمقراطية هي لشعوبهم، أما عند التعامل مع الآخرين فإن الديمقراطية تتضاءل أمام المصالح والمنافع، والاستعمار هو شاهد حي على ما فعلته الديمقراطيات الغربية في الكثير من دول العالم. وعندما تضيع المبادئ في زحمة التنافس المسعور على الاستغلال والاستعباد، تصبح العدالة غير مفهومة، ويختل التوازن العالمي، وتعلو صرخات الثوار المنادين بالعدالة، مستخدمين نفس الأسلحة التي ابتكرها الغرب لتحقيق أمنه وأرباحه.

والمشكلة في الحضارة الحديثة أنها أحدثت تطوراً مادياً كبيراً رفع من مستوى المعيشة لطائفة من البشر، لكن هذه الحضارة لم تستطع أن تحدث تطوراً أخلاقياً وإنسانياً يتناسب مع التطور المادي الحاصل؛ مما أدى إلى حدوث فجوة كبيرة في الحياة؛ إذ تحول الإنسان إلى مجرد حيوان مستهلك للمادة والمعلومات، دون حصول تطور ونضج وتكامل في سلوكه العقلاني والإنساني؛ وهذا أدى إلى حدوث صدمة كبيرة في المجتمعات البشرية، سماها (آلان توفلر) صدمة المستقبل، بعدم قدرة الإنسان على التكيف النفسي مع التطورات التكنولوجية المعقدة. والمشكلة في الحضارة الحديثة أن كل شيء فيها حتى العلم والمعرفة والعواطف والقيم قد تحول إلى اقتصاد استهلاكي، فأصبح الإنسان كسولاً عن بناء حياته الأخلاقية والارتقاء بمستواه النفسي والعقلي والروحي؛ إذ إن التقدم الحديث حول حياته إلى ترف مشبع بكافة الحاجات المادية؛ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً).

الأخلاق المتمثلة بالسلوك الإنساني الوسطي المعتدل، هي خيارنا الوحيد للبقاء في هذه الأرض، والخروج من دوامات العنف والقتل والدمار؛ حيث يقول الإمام الشيرازي في كتابه (الغرب يتغير): (الغرب رغم ابتعاده عن كثير من القيم المعنوية والفطرية وتمسكه بالمظاهر المادية البحتة سيضطر بالتالي للعودة إلى وجدانه وفطرته خوفا على مؤسساته وحضارته من الانهيار). وهي دعوة لنا نحن المسلمين لتحمل مسؤوليتنا وإنقاذ أنفسنا، وإنقاذ الغرب من مآزقه، عبر التحلي بالأخلاق الإسلامية القائمة على روح التسامح والعفو والهداية والإصلاح ونبذ العنف والقتل والصدام، وهي لاشك دعوة عالمية كما هي رسالة الإسلام لهداية كافة البشر إلى طريق الاستقامة والصلاح؛ يقول رسول الله (ص): (الخلق وعاء الدين)، ويقول (ص) أيضاً: (عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله بعثني بها وإن من مكارم الأخلاق أن يعفو الرجل عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه وأن يعود من لا يعوده).

والباء في كلمة (بها) قد تكون سببية؛ وتعني حينئذ أن سبب البعثة هو مكارم الأخلاق القائمة على العفو والعطاء والتواصل مع الآخرين. ويؤيد هذا حديث آخر عنه (ص): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وإذا أردنا أن نحمل رسالة الهداية والإصلاح للعالم، فعلينا أن نتجاوز حالات الانتقام والحقد والعنف والثأر، وأن ننزع الغل من قلوبنا، ونحب الجميع لإنقاذ العالم من مآزقه، بالرحمة والسلام.

بالأخلاق الإسلامية الفطرية - سلوكاً وفهماً ووعياً ونضجاً - نكون قادرين على أن نضع أنفسنا في المكان الصحيح، والقرار السليم، والتفكير المعتدل.