عودة إلى صفحة عاشوراء >>

شارك معنا

أرشيف الأعداد السابقة

الصفحة الرئيسية

 
 

المنبر الحسيني بين الواقع والطموح

في حوارٍ مع سماحة الشيخ فيصل العوامي

حاوره: حسن آل حمادة

الشيخ فيصل العوامي- سماحة الشيخ.. لكل مشروع ديني رسالة وأهداف معينة، فما هي رسالة المنبر الحسيني، كما ترسمونها؟ وما هي أهدافه؟

في الحقيقة، أعتقد أن للمنبر الحسيني رسائل متعددة، وأهدافاً كثيرة، ولكن على رأس تلك الأهداف أموراً ثلاثة، أعتقد أنها تشكل رسالة المنبر الحسيني الناهض، واعتمدها في عملي المنبري، وهي:

أولاً: تعميق الأصالة الدينية: فالمنبر الحسيني يهدف من خلال نشاطه وعمله وأدائه وعطائه، إلى تعميق الأصالة الدينية في وسط الأمة، وأقصد من تعميق الأصالة الدينية أمرين، هما:

الأول: تعميق صلة الإنسان المسلم مع أهل البيت (ع)، بصفتهم رموزاً دينية للإنسان المسلم.

الثاني: تعميق صلة الإنسان المسلم مع الفكر الديني المستظل بظل أهل البيت(ع).

فتكون المحصلة النهائية للهدف الأول - وهو تعميق الأصالة الدينية - هي: تقوية الارتباط مع أهل البيت الكرام (ع)، بصفتهم رموزاً وفكراً؛ فتعميق الأصالة الدينية تعني ربط الأمة بأهل البيت (ع) بصفتهم رموزاً، بكل ما لهذه الكلمة من معنى في ساحة القيادة، وبصفتهم فكراً؛ أي المغذي الأساسي لفكر الأمة.

ثانياً: بيان الموقف الديني الموافق لمنهج أهل البيت (ع)، تجاه كل الأحداث اليومية والمستجدات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وذاك بأن يتصدى المُرتقي للمنبر لمتابعة كل المستجدات الاجتماعية والسياسية، ثم يسعى لتقويمها من خلال أدائه المنبري؛ أي يكون المنبر مزوداً للأمة بالموقف الديني الأصيل تجاه كل هذه الأمور الثلاثة؛ أي المستجدات الفكرية، والاجتماعية، والسياسية.

ثالثاً: بعث الحركة والنشاط في وسط الأمة، كي تنطلق نحو إصلاح واقعها؛ فالأمة قد تصاب بحالات من الفتور والسكون والغفلة، والمنبر يمكن أن يكون باعثاً ومحركاً ودافعاً لها كأمة، حتى تنطلق نحو واقعها؛ فتسعى لإصلاحه وتقويمه، وتتحرك لمعالجة مشاكلها المستجدة والمستحدثة، وإصلاح كل ما يطرأ عليها من نواقص ونقاط ضعف.

هذه في تصوري الأهداف الأساسية للمنبر الحسيني، وينبغي أن تكون حاضرة في ذهنية الخطيب، ومحفزة له في كل خطاباته.

- للمنبر الحسيني -كما نعلم- دورٌ فاعل في تعميق الحالة الإيمانية والولائية، كما أن له دورا في إثراء الفرد ثقافياً؛ فهل تلحظ قيامه بهذين الدورين حالياً؟.

كان المنبر -كما هو معلوم- الزاد شبه الأوحد للإنسان الشيعي، وكانت الحاجة الثقافية لهذا الإنسان محدودة، وقد نجح المنبر الحسيني في توسيع الحاجة الثقافية للإنسان الشيعي، ودفعه نحو الثقافة والمعرفة الأوسع، وأيضاً سجل المنبر نجاحات مهمة في هذا الحقل، وبالذات في السنوات الثلاثين الأخيرة، حيث أن المنبر لم يكتفِ -والكثير من المنبريين الناهضين على امتداد العالم الإسلامي المتحرك- بتلبية الحاجة التقليدية والمحدودة للإنسان المستمع، وإنما بدأ يدفع المستمع نحو شيء أوسع، وهي الحاجة الثقافية الأوسع.. بدأ يدفعه نحو الثقافة والعلم.. نحو الكتاب والكتابة.. نحو الحوار والمناظرة.. نحو الجريدة والمجلة.. نحو ملاقاة العلماء والمفكرين والمناظرة معهم والاستفادة منهم.. نحو الاهتمام بالشأن العام... وما إلى ذلك.

المنبر الحسيني وسّع الأفق الثقافي للإنسان -طوال الثلاثين سنة الماضية- ولهذا فإني أعتقد جازماً بأن الكثير من المثقفين هم -في الحقيقة- صنائع للدفع الهائل الذي قدمه المنبر. لكن الآن، هذه التلبية للمنبر غير تامة لطروء بعض النواقص عليه، وإن كانت بعض المنابر متكاملة من هذه الجهة، يعني قد تكون بعض المنابر على مستوى العالم الإسلامي، وعندنا في منطقة الخليج، وفي السعودية في منطقتي القطيف والأحساء، قد تكون بعض هذه المنابر متكاملة من هذه الجهة، بمعنى أنها تشكل غذاءً ثقافياً للإنسان الشيعي المستمع، وغذاء ثقافياً ممتازاً أيضاً. لكن، بشكل عام، لا يمكن أن يكون المنبر اليوم مغذياً بشكل كامل لثقافة الفرد، والسبب في ذلك أمور ثلاثة:

الأول: اكتفاء بعض المنابر بمعالجة الفكرة بإسلوب خطابي صرف، حيث تغيب في تلك المعالجة (الحالة العلمية)؛ إذ يسعى الخطيب لاستخدام الأسلوب الوعظي فقط، ومع أن الأسلوب الوعظي مطلوب وجيد في المعالجة، لكن في كثير من الأحيان يستخدم الخطيب الأسلوب الوعظي الصِرف في معالجته للفكرة من على المنبر، ويتغافل ويتناسى المعالجة العلمية. وهذا لا شك يسبب نقصا وثغرة كبيرة في ذهنية المستمع؛ لأن المستمع في كثيرٍ من الأحيان، يريد معالجة علمية، ولا يمكن أن تثري الحاجة الثقافية للفرد، إلاَّ المعالجة العلمية؛ لأن المعالجة الخطابية الوعظية الصرفة معالجة مؤقتة، أما المعالجة التي تكون دائمة وتشكل غداء مهماً وثابتاً للإنسان المستمع فهي المعالجة العلمية.

الأمر الثاني: اعتماد أسلوب التهجم على الأشخاص في بعض المنابر بدلاً من مناقشة أفكارهم بأسلوب هادئ؛ لأن التهجم لا يضع علاجاً حقيقياً للمشكلة، والمستمع يمكن أن يتأثر في اللحظة الأولى، ولكن في النهاية عندما يراجع نفسه يجد أن الخطيب لم يقدم له علاجاً ثقافياً صحيحاً.

في بعض الأحيان قد يتهجم خطيب على شخصٍ عندما يجد أن فكرته خاطئة، في حين ينبغي له أن يأتي بأسلوب هادئ ورزين، وينتهج الطريقة العلمية في معالجة الفكرة، وإن كانت خاطئة، بدلاً من اتباع أسلوب التهجم؛ لأن المستمع لا يستذوق التهجم، وخاصة في هذه اللحظة الثقافية الراهنة، وإنما يريد علاجاً علمياً.

الأمر الثالث: عدم طرح النظريات المعاصرة على المنبر – لاسيما النظريات الفقهية والعقلية- بمعنى أن المنبر يطرح آراء جميلة ولطيفة، غير أن المستمع يريد جديداً، والجديد موجود، ولكن يحتاج إلى تحرير.. الجديد في الوسط الديني موجود وعميق، وإنما يحتاج إلى أن يتصدى المنبر لتحويله إلى أفكار اجتماعية؛ ففي الوسط الفقهي، عندنا نظريات جيدة، تعالج الكثير من الأمور المعاصرة، وفي المجال العقلي لدينا نظريات عقلية رائعة جداً قادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر. هذه النظريات ينبغي أن يتصدى المنبري والخطيب لطرحها بأسلوب اجتماعي، لا أكاديمي، بمعنى أن يتعرض لها بأسلوب مبسط، ويطرحها أمام الناس، ويبحث عن أمثلتها الاجتماعية القريبة لذهنية المستمع والعرف العام..

فهذه الأمور الثلاثة المذكورة لا شك أنها متوفرة في بعض منابرنا، إلا أن المنبر يشكو بشكلٍ عام من نقص متعلق بهذه الأمور؛ ولذلك فمن الصعب أن يكون المنبر مثرياً بشكل كامل لثقافة الفرد. نعم يمكن أن تكون له مساهمة جيدة في هذا الصدد، ومع ذلك فإني أعتقد أن المنبر مرشح وبشكلٍ جيد لأن يتكوّن ويتطور من هذه الجهة.. بمعنى أني أرى أن المنبر الآن يستخدم المعالجة العلمية، وبدأ الكثير من المنبريين يستخدمون الأسلوب الهادئ في معالجتهم للإثارات المطروحة في الساحة، كما بدأ العديد منهم بالتصدي لعرض النظريات الفقهية والعقلية، بأسلوب رزين؛ وذاك لأن الكثير من المنبريين الآن، ليسوا -فقط- من الخطباء السريعي التحصيل، وإنما هم أيضاً من العلماء والمجتهدين، أو حديثي الاجتهاد، ومن المتواصلين ثقافياً، ومن أصحاب التجارب الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما إلى ذلك.

- يحتاج الخطيب لزادٍ معرفي واسع ومتنوع حتى يستطيع مخاطبة الجمهور؛ فما هي الأدوات الرئيسية التي ارتكزتم عليها في مشروعكم الخطابي؟ وهل يمكن للخطيب الاكتفاء بدروسه الحوزوية في مشروع كهذا؟.

بالطبع، لا يمكن للخطيب أن يكتفي بدروسه الحوزوية في المشروع الخطابي المعاصر، ولكن أيضاً الدرس الحوزوي يشكل أساساً للمشروع الثقافي؛ لأنه يعتبر العمق الأساسي في انطلاق الخطيب نحو كل أفكاره. وبناءً على ذلك، ففي تجربتي الخطابية، كانت هناك عدة أمور ركزت عليها، واستفدت منها كثيراً، وأعتقد أن الخطيب ينبغي أن يتزود بها باستمرار، بالإضافة إلى الاتكاء على العمق الحوزوي، وهي:

الأول: السعي لمناقشة الأفكار التي تطرح على المنبر مع أهل الاختصاص، قبل طرحها أو طرح كبرياتها، فنحن نمتلك أفكاراً أساسية وكبرى، وتلك الأفكار الكبرى تولِّد الكثير من الأفكار والرؤى، وتُستخدم كأساس في اتخاذ المواقف وتسجيل الرؤى المتطورة والمستحدثة.

وينبغي للخطيب أن لا يكتفي بمعرفته الشخصية في أمهات الأفكار وتحصيله الخاص؛ وإنما ينبغي باستمرار أن يطرحها للجدل، وخاصة مع أهل الاختصاص. فإذا كانت هذه الأفكار ترتبط بالأمور العقلية، فينبغي أن يناظر فيها المهتمين بعلم الكلام، أو بالفلسفة الإسلامية، وإن كانت من الأفكار الفقهية، فيجب أن يناظر فيها الفقهاء، وإن كانت من الأفكار الأصولية فيلزم أن يناظر فيها الأصوليين، وإن كانت من الأفكار القرآنية فعليه أن يناظر فيها الخبراء المتشبعين في البحث القرآني، وما إلى ذلك.

كما أنه ينبغي أن يطرح أمهات الأفكار على عدة من أهل الاختصاص -لا على شخص واحد- وخاصة إذا كانوا مختلفين في وجهات النظر، حتى تتكون عنده فكرة ناضجة وواضحة.

على سبيل المثال: من الأفكار التي أعتمد عليها كثيراً في الطرح هي مسألة الاستناد اليقيني، أي إني أرى بأن الشك لا يمكن أن يكون منهجاً في وصول الإنسان إلى الفكرة الصائبة والأصيلة؛ إذ إن طريقة التشكيك ومنهجيته خاطئة في نظري، والمنهجية التي ينبغي أن يعتمد عليها الخطيب، هي منهجية يقينية تساؤلية، كما أوضحت ذلك في كتابيّ، وهما:

1- (عن ثقافة النهضة.. دراسة في قيم العقل والروح والنهضة الاجتماعية).

2- (المثقف وقضايا الدين والمجتمع).

هذه الفكرة، هي بمثابة الأم لكثير من الأفكار التي أُناقشها من خلال المنبر، ومن خلال القلم. وقد ناقشت هذه الفكرة مع كثيرين من أهل الاختصاص، سواء من الفقهاء، أو من المتعقلين، أو من المفكرين، ولهذا تكونت لدي في نهاية المطاف، رؤية واضحة، أستطيع أن أُسخرها في كل مناقشاتي..

فمثل هذه الفكرة، وغيرها الكثير، إذا تكونت عند الخطيب فقبل أن يطرحها من خلال المنبر، وقبل أن يناقش أفرادها من خلال أدائه المنبري لها أو لتلك الأفراد، ينبغي أن يناظر فيها الكثير من أهل الاختصاص، حتى تتكون عنده رؤية واضحة حولها، وبالتالي لا يتعجل في طرحه لآرائه ونظرياته، فتكون الآراء التي يطرحها آراءً هو يعتقد بصحتها ويستطيع فعلاً الدفاع عنها بشكلٍ جيد.

الأمر الثاني: التواصل المستمر على الصعيدين الحوزوي والثقافي العام؛ أي إن الخطيب بصفته يستمد دعمه العملي الأساسي من العمق الحوزوي، فلا ينبغي له أبداً أن ينقطع عن هذا العمق، وإنما ينبغي أن يتواصل معه باستمرار ليكون تزوده مستمرا، هذا على الصعيد الحوزوي، كما ينبغي له التواصل مع العمق الثقافي العام، بمعنى أن يكون متواصلاً ومطلعاً على هذا الزخم الهائل الذي تنتجه الساحة الثقافية، من مؤلفات وكتابات ودوريات، ويكون مطلعاً بشكل كافٍ على الإثارات الثقافية المطروحة في الساحة، السليم منها والسقيم، ويتعاطى قدر الإمكان مع المفكرين والمثقفين تواصلاً وتحاوراً.

فلا بد للخطيب أن يتواصل بشكلٍ مستمر على هذين الصعيدين؛ لتكون لديه قدرة كافية على الأداء المنبري.

الأمر الثالث: التأمل المستمر في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة -لا أقول القراءة، وإنما التأمل-؛ لأن القرآن فيه عمق عظيم، وفيه آراء عملاقة جداً، وكذلك الأحاديث الشريفة الواردة عن المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين)؛ فلا ينبغي للخطيب أن يقرأها (الآيات والأحاديث) فقط وأن يعرضها على المنبر، وإنما ينبغي له أن يتمعن فيها باستمرار، وإذا استطاع أن يأخذها دراسة فهو أفضل.. فيتأمل فيها باستمرار، وينظر إلى العمق الموجود بها؛ ليشكل ذلك له خطاً عاماً في كل طروحاته من خلال المنبر الحسيني. هذا بالإضافة إلى ما توفره من زادٍ علمي يمكن أن يرفد المنبر بالكثير من المستجدات؛ لأن القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، نور كما قال تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين وهذا النور يضيء باستمرار، وفي كل لحظة من الممكن أن يقدم للإنسان شيئاً جديداً، فإذا استمر الخطيب في تأملاته، وطرح تلك التأملات من على منبره فسيجد المستمع باستمرار شيئاً جديداً عند ذلك الخطيب.

الأمر الرابع –وهو مهم جداً-: ملاحظة التجارب الاجتماعية؛ لأنها يمكن أن تشكل غذاءً لا ينقطع للمنبر. وأقصد بالتجارب الاجتماعية، أن يدخل الخطيب، مع أصحاب التجارب المختلفة، السياسية والاجتماعية والثقافية، ومع العلماء، والمبلغين، والخطباء، وأهل الرأي، والتجار، وكل من لديه تجربة وخبرة معينة، في مناظرات وحوارات؛ ليكتشف تجاربهم في الحياة؛ فبعضهم لديه تجارب اجتماعية رائعة، وبعضهم لديه تجارب في طريق الدعوة مميزة جداً، وبعضهم لديه تجارب في الجانب السياسي ناجحة وملفتة، وما إلى ذلك.

وهذه التجارب يسعى الخطيب إلى معرفتها، وبالتالي يطرحها من خلال المنبر؛ لأن هذا الأمر سيجعل الخطيب قادراً على أدائه –وأيضاً- يشبع ويثري المستمع؛ لأنه باستمرار يقدم له تجارب واقعية وثرية.

الأمر الخامس: معاصرة المجتمع لمعرفة مشاكله وحاجياته الأساسية، فمن الطبيعي أن المنبري والخطيب إذا صار بعيداً عن المجتمع فلن يكون قادراً على معالجة قضاياه؛ لأنه لا يطلع عليها، أما إذا كان قريباً من المجتمع - كما مثلت بالشيخ حسن الصفار (حفظه الله) والسيد هادي المدرسي (حفظه الله)، وأمثالهما ممن هم أصحاب رسالة، وقريبون جداً من المجتمع- فسيستطيع أن يعالج المشاكل الاجتماعية بشكلٍ واضح، وبالتالي فإن المتلقي والمستمع سيشعر بأن هذا الخطيب يقدم له علاجاً واضحاً لمشاكل فعلية هو يعيشها. هذه المسألة مهمة جداً وينبغي للخطيب أن يستفيد منها ويهتم بها.

الأمر السادس: السعي قدر الإمكان لتقويم المنبر من خلال المستمعين له، خاصة إذا كانوا من أهل الرأي، وقد لمست فعلا الآثار الإيجابية والمهمة لهذا الأمر؛ فالمنبر باستمرار يحتاج إلى تطوير، والتطوير معناه توفير الكثير من الإيجابيات ، والتخلص من النواقص والسلبيات.

فكيف يمكن للخطيب أن يعرف النواقص؟!.

لا يمكن أن يعرفها في كثير من الأحيان بمفرده، وإنما الذي يستمع هو من يتمكن أن يطلعه على تلك النواقص والملاحظات.. فالمستمعون كثير منهم من أهل الرأي والمثقفين والعلماء والخطباء والواعين وأهل التجارب؛ ولذلك ينبغي أن يستفز الخطيب هؤلاء بعد الإلقاء، أو في لقاءاته الخاصة معهم؛ ليقدموا له تقويماً حول منبره، ويعرفوه بالنواقص والثغرات الموجودة، ثم هو يسعى بدوره قدر الإمكان للاستفادة من تلك الملاحظات التي تقدم إليه. وينبغي -أيضاً- أن يستفيد من الإيجابيات التي يحتاجها المنبر، كي يزود بها منبره. وبهذه الطريقة، من الممكن أن يتطور المنبر بشكلٍ مستمر.

على كل حال، هذه الأمور الستة تشكل مرتكزات أساسية لكل خطيب وينبغي لكل خطيب ومنبري أن يحركها في مشروعه الخطابي، كي يكون مشروعه مشروعاً ناهضاً وفاعلاً وناجحاً.

- نحن الآن نعيش في زمن الفضائيات والإنترنت؛ فهل نستطيع أن نجاري هاتين الوسيلتين بالاكتفاء بما نقدمه عن طريق المنبر من خطاب وعظي مكرر -كما يجهر به البعض-؟

بالطبع لا نستطيع؛ فالمنبر له دور كبير، ويجب أن يبقى ذلك الدور و يُفَعَّل أيضاً، ولكننا ينبغي أن نتحرك باتجاه الاستفادة من أساليب عديدة لتعميق الحالة الدينية، كالفضائيات، والإنترنت، والمراكز والمؤسسات المتخصصة، وما إلى ذلك.

المنبر لوحده في هذه اللحظة المعاصرة، لا يمكن أن يكون كافياً في تعميق الحالة الدينية والمحافظة على توازنها، وإنما ينبغي أن نستفيد من كافة الوسائل المعاصرة التي يستخدمها غيرنا، وعلى رأسها الفضائيات، والإنترنت، وأيضاً المؤسسات المتخصصة، والمؤسسات التوعوية والاجتماعية المتخصصة. ومع ذلك ينبغي أن نضع نصب أعيننا أمراً مهماً هو المحافظة على المنهج الوعظي للمنبر، وتفعيله باستمرار؛ فهو من أفضل الطرق للتأثير على الآخر/المستمع. وبخاصة إذا كان الأداء الوعظي من قبل المنبري أداء صادقاً؛ والسبب في ذلك يعود لما يحيط الوعظ عندنا من حالة توقيرية؛ لأن المستمع يأتي وهو في أتم الاستعداد والتهيؤ للاستفادة، أي يأتي باحثاً عن تلك الفوائد التي يمكن أن يجدها، لما يعتقده من قدسية للمنبر الحسيني، باعتبار أنه يعتقد بقدسية المنبر؛ لأنه يستمد مشروعيته وقوته من الإمام الحسين، ومن أهل البيت الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لما يعتقده المستمع من قدسية للأماكن والأزمنة التي يقام فيها ذلك المنبر، لأن المنابر تقام إما في (الحسينيات) -وهي لها قدسية خاصة- أو في (المساجد). أما عن الأزمنة، فهي إما (شهر رمضان)، أو (أيام محرم الحرام)، أو سائر المناسبات. كمواليد أهل البيت (ع) ووفياتهم والمجالس العزائية.. فمن جهة المنبر هو منبر مقدس، ومن جهة المكان والزمان فهما مقدسان في نظر المستمع، وأيضاً من جهة المنبري؛ لأنه في نظر المستمع رجل دين، يفترض أن تتوفر فيه العناصر المهمة لرجل الدين، وهي الإيمان والعلم، وبالتالي، هو إنسان له قدسية وتوقير خاص أيضاً في نظر المستمع.

فهذه الحالة الوعظية أو هذا المنهج الوعظي مهم جداً لما يسببه من أثر فاعل على المستمع لهذه الجهات الأربع، وأيضاً لأن المنبر الوعظي يطرح ما هو ضروري لكل إنسان مؤمن من جهتين، هما:

أولاً: أن هذا المنبر الوعظي يطرح أمهات الأفكار الدينية التي يحتاج إليها كل مسلم، هي تلك الأفكار المرتبطة بالتوحيد، وبالنبوة، وبالإمامة، وبالمعاد، وسائر أصول الدين والنظريات الاعتقادية والمباني الفقهية والعقلية، وما إلى ذلك؛ فالمنبر الوعظي يتولى طرح هذه الأمهات بشكلٍ مستمر وجميل، وهذه ضرورة بالنسبة لكل إنسان مؤمن.

ثانياً: الإنسان -أيضاً- يحتاج باستمرار إلى وعظ غير منقطع؛ إذ مهما تقدم في المستوى، فهو يحتاج إلى وعظ، وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في وعظه، ففي أول سورة منه يؤكد على التقوى، وعلى الفضيلة، وعلى الأخلاق، وفي آخر سورة يؤكد على ذلك، وفي أوسطها، وفي الثانية، وما إلى ذلك. فالقرآن يؤكد باستمرار على هذه المعاني.

القرآن الكريم حدثنا ثلاثمائة وأربع عشرة مرة عن مسألة الرحمة، فلماذا لم يكتفِ القرآن بمرة واحدة.. لماذا؟.

لأن الإنسان مهما تقدم فهو يحتاج إلى وعظ، لما يطرأ عليه باستمرار من نقاط ضعف، واسترخاء، وغفلة، وسهو، ونسيان، وتراجع، ولما يرتكبه من أخطاء يحتاج فيها إلى تقويم؛ فهو -باستمرار- كلما نما احتاج إلى وعظٍ.

ولهذا نجد أن (لقمان الحكيم) يعظ ابنه (باثار) ، فمع أن باثار كانت له منزلة عالية، إلا أن لقمان الحكيم كان يعظه وعظاً. حتى أن القرآن الكريم أكد على هذه الكلمة (كلمة الوعظ) بشكلٍ دقيق في وصايا لقمان الحكيم لابنه؛ فيقول الباري جّل وعلا:( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، يا بني لا تشرك بالله). فمع أن ابنه كان صاحب منزلة عالية، إلا أن لقمان كان يوجه له وصايا يُفترض أنها متوفرة عنده أيضاً، ومع ذلك وجهها له؛ فابنه كان موحداً ومعتقداً بالله، ومع ذلك، فإن أول موعظة وجهها لقمان الحكيم له، هي أن لا يشرك بالله ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).

ومع أنه كان باراً بوالديه، إلا أنه أوصاه ببر الوالدين ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً).. وأوصاه بالكثير من الأمور الأخلاقية (ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحاً، إن الله لا يحب كل مختال فخور). مع أن هذه وصايا بسيطة جداً، ومواعظ يمكن أن نعتبرها مواعظ تقليدية وكلاسيكية، إلا أن لقمان وجهها إلى إنسان صاحب قيمة معنوية وهو ابنه (باثار) الذي كان ابناً موحداً لله، وباراً بوالديه، وخلوقاً ورعاً، ومع ذلك أوصاه! وهذه هي طريقة القرآن الكريم.. فالإنسان يحتاج باستمرار إلى وعظ، ويحتاج إلى توجيه، ويحتاج إلى إرشاد، والمنبر يتكفل بهذا الأمر. ونحن أيضاً ينبغي أن نحافظ على المنهجية الوعظية، وعلى الطريقة القديمة أيضاً، ونضيف إليها الجديد.

لماذا ينبغي أن نحافظ على الطريقة القديمة أيضاً؟.

لأن الأجيال الجديدة ينبغي أن تسمع مفصلاً ما سمعته غيرها من الأجيال؛ باعتبار أن حاضري المنبر ليسوا أولئك القدامى فقط، فالقدامى يحتاجون للاستماع لافتقار مسيرتهم للوعظ المستمر، والجدد أيضا يحتاجون للاستماع مفصلاً للمباني الدينية، والآراء الفقهية، والسيرة المعصومة.

- المنبر الحسيني يعاني من حالة عزوف نسبية -خصوصاً في شهر رمضان المبارك- وهذا الأمر لا يخفى عليكم، فما هي الوسائل المناسبة والكفيلة باجتذاب أكبر عددٍ ممكن من الناس ليتحلقوا حول المنبر، ولينهلوا بالتالي من دروسه؟

أنا أقول إن هناك ثلاث ملاحظات ينبغي أن تراعى لتحريك الناس نحو المنبر. مع العلم أنني لا أؤيد مسألة العزوف؛ إذ لازلت أرى أن للمنبر رواده الكثر، وغاية ما هناك أن المنابر كثرت في هذه الأيام؛ ومع ذلك لا يعدم منبر من حضور، بل العديد من المنابر يحظى بحضور هائل، ولكن ينبغي أن ندفع بشكل أكبر باتجاه المنبر.. نعم هناك بعض الفئات الشابة غير متوجهة للمنبر، ونحن يمكن أن نساهم في دفعهم نحوه بمراعاة ملاحظات ثلاث:

أولاً: أن يدخل العالِمُ في أوساط الشباب، ويتقرب منهم اجتماعياً؛ لأنه إذا عاش في أوساطهم لأمكن أن يتجهوا لحضور منبره. ويمكن أن يشجعهم فعلاً لحضور المنبر، فإذا كانوا هم في جهة، وهو في جهة أخرى، فمن سيدفعهم لحضور المنبر؟ العالم بنفسه ينبغي أن يدخل في أوساط الناس، حتى يرغبوا بحضور منبره.

ثانياً: أن يسعى العالم لمناقشة هموم الشباب المعاصرة، بشكلٍ جدي.

ثالثاً: أن يستخدم أساليب التشويق في منبره؛ فمن الأمور المهمة اعتماده على الجانب التسامحي في الدين؛ لأن الجيل الجديد يعتقد، أو ربما تكونت عنده رؤية بأن الدين مجموعة من العقد، ومجموعة من الالتزامات فقط. وينبغي أن نوضح للشباب من خلال منبرنا الحسيني أن الدين مليء بالجانب التسامحي، والمسائل المشوقة.

ومع ذلك لا بد من إيجاد البديل أيضاً، من الكراسات، والأشرطة السريعة، والبرامج المتنوعة؛ لإيصال الفكرة الدينية للجيل الشاب.

- ما هو الطموح الذي تنشدون الوصول إليه، من خلال ولوجكم عالم الخطابة الحسينية؟

طموحي يتشكل من ثلاثة أمور، أذكرها بسرعة:

أولاً: إيصال الرسالة الدينية للمجتمع، وهو دور الرسل والأوصياء؛ وذلك من أجل إقناع المجتمع بأن الدين هو الخيار الأساسي والوحيد للإنسان.

ثانياً: ربط المجتمع بالقرآن ربطاً عميقاً، وحقيقياً؛ فالمجتمع ينبغي أن يعرف حقيقة القرآن ويندفع نحوه. والمنبر ينبغي أن يزاول هذه المهمة، ويسعى للنجاح فيها.

ثالثاً: المساهمة في إصلاح واقع الأمة، أي إصلاح عقل الأمة وروحها؛ لأن مشكلة الأمة الحقيقية تكمن في عقلها -عقل إنسانها- وثقافتها، وتكمن أيضاً في روحها ونفسيتها؛ وينبغي أن تكون للمنبر مساهمة فعلية في إصلاحهما، وتطويرهما، ودفعهما نحو الإصلاح. وأنا من خلال منبري أسعى للمشاركة مع كافة العلماء والخطباء، لتعميق هذه الأبعاد الثلاثة، والنجاح فيها، بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى في كل ذلك.

- يثار في الوسط إشكال حول المنهج التسطيحي الذي يعتمده المنبر في خطابه، فكيف تنظرون لهذا الإشكال؟

هذا الكلام في أصل الدعوى صحيح؛ فالمنبر ينتهج التسطيح في خطابه، ولكن هذا الانتهاج ليس نقطة ضعف بقدر ما هو نقطة قوة؛ فمن المسائل التي حقق فيها المنبر نجاحاً كبيراً ما يرتبط بهذا النهج، حيث استطاع رواد المنبر أن يبسطوا نظرياتهم ويجعلوها في متناول الجميع، كما فعلت الرسالات على امتداد التاريخ، حيث سعت إلى تحويل القيم الكبرى للدين إلى أفكار سهلة التناول، فقيمة التوحيد العميقة التي تتحكم في مسيرة الكون بأكمله اختزلها الدين في كلمة يسهل حفظها وتناولها للجميع وهي ( لا إله إلا الله )، ولهذا أصبحت القيم الدينية واضحة في أذهان جميع المنتمين للدين الإسلامي، على اختلاف مستوياتهم، وذلك بخلاف ما قام به الفلاسفة عبر التاريخ؛ ولهذا بقيت أفكارهم حبيسة دوائرهم الخاصة.. فالمنبر يسعى لتحويل القيم الكبرى إلى أفكار سهلة التناول ليستفيد منها الجميع. وهذا أمر حسن ينبغي أن نحافظ عليه كي لا يتحول المنبر إلى أداة نخبوية جافة.

- كلمة أخيرة تودون تسجيلها؟

الكلمة الأخيرة.. أقول: نحن كمؤمنين، وكعقلاء ومهتمين، ينبغي فعلاً أن نحافظ على هذه الوسيلة الإعلامية والدينية العظيمة، التي خدمت الدين، وخدمت المسلمين على هذا الامتداد الطويل منذ بداية الغيبة الكبرى، بل قبلها وحتى هذا اليوم، وأن نحافظ على هذا العطاء الهام للمنبر الحسيني، ولا نضيعه أبداً بتشاغلنا بالزحف الهائل لوسائل الاتصال الجديدة.

ويلزم أن نضيف للمنبر أموراً كثيرة، ولكن تلك الإضافات لا ينبغي أن تصرفنا أو تجعلنا نضيِّع هذا الكنز العظيم، الذي ينبغي أن نحافظ عليه كخطباء، وكمستمعين، وكمثقفين، ونعتبره الزاد الثقافي والديني المهم لمجتمعاتنا الإسلامية والشيعية على وجه الخصوص.