الإنسان الكبير لا يشتغل بالمحقرات إنّه أكبر من ذلك ولا وقت له يصرفه في التوافه، إن وقته أثمن منها ولذا نرى إن العظماء لا يأبهون بكلمة تجرح كرامة النفس أو عداوة أورثتها نفس صغيرة، وكلما كانت النفس أكبر وكان الشخص أعظم كان عفوه وصفحه أكثر، وبالعكس صغار الناس ذو نفوس ضيقة وعقول خفيفة لا تشتغل إلا بمعاداة فلان وتتبع عورات فلان...

والعداوة غالباً لا تقطن إلا في النفوس العفنة ولا تورق إلا في الأرواح القذرة وهي وفروعها، من حقد وضرب وفحش ولعن وطعن وتربص للانتقام إلى غيرها.. كلها دليل على وساخة النفس والتياثها بالأقذار مما ليس إلا من شأن رجل الشارع العديم الشرف.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (المؤمن ليس بحقود)(1).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما كان جبرائيل يأتيني إلا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم)(2).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما عُهد إلى جبرائيل قط في شيء ما عهد إليّ في معاداة الرجال)(3).

الرجل العادي يحتاج إلى اتقاء شحناء الرجال حتى يعيش فكيف بنبي عظيم يريد أن يبث الدعاية إلى كل خير وفضيلة؟ وهذا تعليم جليل لمن يريد توجيه الناس، إنّه يلزم جهده أن يجتنب عن معاداتهم، إذ القيام بالتوجيه كافٍ في جلب عداوات من صغار النفوس وضعاف الأرواح، فليتق عن جلب العداوات بما يصنعه بنفسه!

ثم إن العداوة لا تسبب إلا الخسارة يقول الشاعر: إنّك لا تجني من الشوك العنب، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من زرع العداوة حصد ما بذر)(4).

وقد أرصد الإسلام لمكافحة العداوة وثمراتها أحاديث كثيرة ترغيبية وترهيبية ليأمن المجتمع الإسلامي من هذه الثمار البشعة.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء)(5).

وقال (صلى الله عليـه وآله وسلم): (إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش)(6).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها)(7).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء)(8).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق)(9) والبيان كشف ما لا يجوز كشفه.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى ـ وعدّ منهم ـ رجلاً يسيل فوه قيحاً وهو من كان في الدنيا فاحشاً)(10).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تسبّوا الناس فتكسبوا العداوة منهم)(11).

وقـــال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله حرم الجـــنة على كل فحـــّاش بذيء، قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له...)(12).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه فإنّه لِغيّه أو شرك شيطان)(13).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله ليبغض الفاحش البذيء والسائل الملحف)(14).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن من شرار عباد الله من تكره مجالسته لفحشه)(15).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة)(16).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (المتسابان شيطانان متعاديان ومتهاتران)(17).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه)(18).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (شر الناس عند الله تعالى يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرّهم)(19).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (المؤمن ليس بلعّان)(20).

أتريد أكثر من هذا؟ إن من يقوّم الحق تكفيه واحدة منها، ومن لا يعتدل لم تكفه مجلدات.

وللأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث بهذا النسق وإليك بعضها:

قـــال الــصادق (عليه السلام): (من علامـــات شرك الشيطان الــذي لا يـــشك فيه أن يكون فحّاشاً لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه)(21).

وقال (عليه السلام): (البذاء من الجفاء، والجفاء في النار)(22).

وقال (عليه السلام): (من خاف الناس لسانه فهو في النار)(23).

وقال (عليه السلام): (إنّ أبغض خلق الله تعالى عبد اتقى الناس لسانه)(24).

وقال الكاظم (عليه السلام): (في رجلين يتسابّان البادئ منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم)(25).

وقال الباقر (عليه السلام): (إن اللعـــنة إذا خرجـــت من فم صاحبهــــا ترددت بينهما فإن وجدت مساغاً وإلا رجعت إلى صاحبها)(26).

وقال (عليه السلام): (إياكم والطعن على المؤمنين)(27).

وقال (عليه السلام): (ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات شرّ ميتة وكان قمناً ألا يرجع إلى خير)(28).

وليس عدم اللعن والطعن مختصّاً بالإنسان بل الإسلام ينزّه الفرد من أن يخرج من فيه لعن أصلاً وإن كان على حيوان أو جماد، أليس الإسلام دين النظافة والطهارة في اللسان والعمل والقلب؟ وأليس اللعن قذراً مهما كان الملعون جماداً أو حيواناً أو إنساناً؟ إذا فالإسلام يمنع عنه فقد روي: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنكر على امرأة لعنت ناقة وعلى رجل لعن بعيراً)(29) بل فوق ذلك، ففي الحديث: (انه ما لعن أحد الأرض إلا قالت: اللعن على أعصانا لله)(30) ومن أعصاهما؟ انّه اللاعن، فالأرض مطيعة لأمر ربها: (... فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين)(31).

وهكذا يريد الإسلام أن يهذّب أمته حتى لا يبدر منهم ولا لفظ جاف وليس هذا فحسب، بل يأخذ الإسلام جانب الإيجاب شوطاً آخر، فيحبذ دعاء الشخص للآخر وبذلك تتأكّد الاخوّة وتقوى الصلة وينقلع جذر العداوة عن النفوس، فإن من يتعاهد نفسه بالدعاء لشخص لا بد وأن تلين نفسه إلى ذكره، وتتصل بنفسه، فللنفوس أمواج تتصل كما إن إلقاء الحجر في الماء يحدث أمواجاً، ولذا من دعا لأخيه بظهر الغيب، لا يمضي زمان، حتى يحبه وبذلك يربح خير الآخرة، مع ارتياح النفس في الدنيا: (المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فيقول له الملك: آمين ويقول العزيز الجبار: ولك مثلا ما سألت وقد أُعطيت ما سألت بحبك إياه)(32).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يستجاب للرجل في أخيه، ما لا يستجاب له في نفسه)(33).

وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): (إن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب، أو يذكره بخير قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك تدعو له بالخير وهو غائب عنك وتذكره بالخير وقد أعطاك الله عز وجل مثلي ما سألت له وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه، ولك الفضل عليه)(34).

وأفضل من الدعاء للحي الدعاء للميت إذ إنّه انقطع عن الدنيا ويتحسر على ما قدمت يداه، وليس له مغيث ولا مجير، ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مثل الميت في قبره مثل الغريق، يتعلق بكل شيء، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ أو قريب، وانه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء من الأنوار مثل الجبال، وهو للأموات: بمنزلة الهدايا للأحياء، فيدخل الملك على الميت، معه طبق من نور عليه منديل من نور فيقول: هذه هدية لك من عند أخيك فلان أو من عند قريبك فلان فيفرح كما يفرح الحي بالهدية)(35).

وبالعكس الدعاء على الأموات ولعنهم فإن وزره عظيم!

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)(36).

ثم لعن الميت والدعاء عليه: يدل على خسّة نفس الداعي اللاعن وإلا فما يأتي من الميت؟ وأي نفع في الدعاء عليه ولعنه؟.

* مقتطف من كتاب الفضيلة الإسلامية للمرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي

..............................
1 ـ جامع السعادات: 1/346.
2 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 1/347.
3 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 1/347.
4 ـ أصول الكافي: 2/302 ـ جامع السعادات: 1/347.
5 ـ جامع السعادات: 1/349.
6 ـ جامع السعادات: 1/349.
7 ـ جامع السعادات: 1/349.
8 ـ جامع السعادات: 1/349.
9 ـ جامع السعادات: 1/349.
10 ـ جامع السعادات: 1/349.
11 ـ أصول الكافي: 2/360 ـ جامع السعادات: 1/349.
12 ـ أصول الكافي: 2/323 ـ جامع السعادات: 1/349.
13 ـ جامع السعادات: 1/349.
14 ـ أصول الكافي: 2/325 ـ جامع السعادات: 1/349.
15 ـ أصول الكافي: 2/325 ـ جامع السعادات: 1/349.
16 ـ أصول الكافي: 2/359 ـ جامع السعادات: 1/350.
17 ـ جامع السعادات: 1/350.
18 ـ مكارم الأخلاق: 470 ـ جامع السعادات: 1/349.
19 ـ أصول الكافي: 2/327 ـ جامع السعادات: 1/350.
20 ـ جامع السعادات: 1/351.
21 ـ أصول الكافي: 2/323 ـ جامع السعادات: 1/350.
22 ـ أصول الكافي: 2/325 ـ جامع السعادات: 1/350.
23 ـ أصول الكافي: 2/327 ـ جامع السعادات: 1/350.
24 ـ جامع السعادات: 1/350.
25 ـ أصول الكافي: 2/360 ـ جامع السعادات: 1/350.
26 ـ أصول الكافي: 2/360 ـ جامع السعادات: 1/351.
27 ـ أصول الكافي: 2/361 ـ جامع السعادات: 1/355.
28 ـ أصول الكافي: 2/361 ـ جامع السعادات: 1/355.
29 ـ جامع السعادات: 1/354.
30 ـ جامع السعادات: 1/354.
31 ـ سورة فصّلت: آية 11.
32 ـ أصول الكافي: 2/507.
33 ـ جامع السعادات: 1/354.
34 ـ أصول الكافي: 2/508 ـ جامع السعادات: 1/354.
35 ـ جامع السعادات: 1/355.
36 ـ جامع السعادات: 1/354

اضف تعليق