سُئِل أحد الكتّاب بعد أن صار شهيرا، لماذا تكتب، و ماذا تعني لك الكتابة؟، فأجاب:

إنها الحل الوحيد المتاح أمامي كي أتمّم ما ينقصني. بمعنى هناك نقص ما يعاني منه الكاتب، وقد اكتشف أن التدوين أو الكتابة قادرة على معالجة هذه النواقص، وهو أمر قد يكون صحيحاً إلى حدٍّ ما، فيما يجيب بعض الكتاب عن سبب لجوئهم إلى الكتابة، بأنها محاولة لتأجيل الموت.

أما ماركيز صاحب رواية مائة (عام من العزلة)، فقد وصف حكاياته الروائية بأنها نوع من الأكاذيب، والدليل على ذلك عندما جاءه هاتف من صديق فجراً مهنئاً إياه بفوزه بنوبل، ردّ عليه شاكراً صارخاً وبفرحة الفوز الكبير: (لقد انطلت عليهم الأكاذيب) ويقصد بذلك لجنة نوبل.

هناك أوهام تسيطر على ذهن الكاتب، بالطبع هو لا يقرّ بأنها أوهام، ولذلك يسعى بتدوينها ومن ثم دفعها إلى النشر على شكل حكايات وقصص وأحداث تدخل في إطار الفن الروائي، تلك الأوهام قد نجدها في أحد أبطال النص الحكائي أو الروائي أو حتى القصصي، أو ربما يحملها البطل الرئيس للرواية، ولا يتردد في طرحها، وهذا البطل هو صنيعة الكاتب، هو من يخلقه، وهو من يضاعف معاناته بالأوهام في خط درامي متصاعد.

القارئ يكون على النقيض من أوهام الكاتب، صحيح يندمج القارئ مع الرواية وأحداثها وأبطالها، لكنه يميل إلى عقلنة (الرواية وأحداثها وشخصياتها)، ويسعى إلى تحويل الأوهام الكتابية إلى وقائع تقترب أو تنطبق على أسلوب حياته وتفكيره، وهذا النوع من القراء هو (القارئ الذكي) الذي يصحح مسارات الكتابة، ويعالج (أمراض الكتّاب النفسية)، ويكبح تطلعاتهم الخيالية التي غالبا من تهزأ بالواقع.

القارئ يدخل حالة صراع عندما يبدأ القراءة، وعليه أن يحقق نوعا من التوازن الذي ينتهي بنتائج طيبة لصالحه، فهو محتاج إلى أن يقرأ كي يتعلم ويسد نواقصه الفكرية والتجريبية وحتى المعنوية، ويريد أن يتعلم من الآخرين (أشخاص الرواية)، لكنه في نفس الوقت لا يريد أن يمتلئ رأسه بأوهام الروائي وشخصياته، إنه في الحقيقة يريد أن ينجح في إقامة نوع من التوازن بين مواصلة قراءة (الأوهام)، ومن ثم تحويلها وتطبيقها على واقعه كي يحسّنهُ ويجعله واقعا أفضل.

أوهام الكاتب تُرسم في كلمات، لكنها سرعان ما تتحول إلى صور متحركة، إنها (أوهام حقيقية)، لا يمكن تحاشي مخاطرها ولا يمكن التخلي أو الابتعاد عنها، هذه الأوهام لا يمكن مقاطعتها لأن القارئ بحاجة لها، فهي في الغالب تنطوي على أفكار مهمة وبعضها كبيرة ومتميزة وإنْ جاءت مغلّفة في إطار من الأوهام، لذلك يوصف القارئ الذكي بأنه (ليس الذي يفرّ من فعل القراءة)، لكي يتخلص من مخاطر أوهام الكاتب، بل هو القارئ الذي لا يبتعد عن الكلمات حتى لو كانت أوهاماً، فهو عليه أن يحوّل هذه الأوهام الفكرية إلى صالحه، بعد أن يهبط بها من (أعالي الوهم)، إلى مستوى الواقع، وبهذا يعدّ هذا النوع من القراء الأذكى والأكثر قدرة على مواصلة فعل القراءة دون الخشية من أوهامها أو موجات التضليل التي قد تتوجّه بها نحو القراء بقصدِ أو من دونه.

الكلمات لا يمكن لنا إهمالها، أو مقاطعتها كلّيا، الكلمات التي ترسم الأفكار والأوهام وسوها، هي سبيلنا ووسيلتنا إلى فهم العالم والواقع الذي يحيط بنا.

في كتابه فن القراءة، ترجمة عباس المفرجي، دار المدى، يقول البرتو مانغويل: أعتقد أننا في الجوهر حيوانات قارئة وأن فن القراءة في المعنى الأوسع للكلمة، يميّز جنسنا. نحن ننشأ مصمِّمين على العثور على قصة في كل شيء: في المناظر الطبيعية، في السماوات، في وجوه الآخرين، وبالطبع في الصور والكلمات التي يخلقها جنسنا. نحن نقرأ حياتنا الخاصة وحياة الآخرين، نقرأ المجتمعات التي نعيش فيها وتلك الواقعة خارج الحدود، نقرأ الصور والأبنية، نقرأ ما يكمن بين غلافيّ كتاب.

هذه الأخيرة هي بشكل خاص جوهرية. بالنسبة لي، الكلمات التي على الصفحة تُضفي على العالم ترابطا منطقيا. حين أبتلي سكان ماكوندو بمرض شبيه بفقدان الذاكرة، أصابهم ذات يوم أثناء عزلتهم التي دامت مئة عام، أدركوا أن معرفتهم عن العالم كانت تختفي بوتيرة متسارعة وأنهم قد ينسون ما تعنيه بقرة، أو شجرة أو بيت. الكلمات فقط، كما اكتشفوا هم، يمكن أن تكون هي الترياق. كي يتذكروا ما كان عالمهم يعني لهم، كتبوا بطاقات وعلّقوها على البهائم و الأشياء: (هذه شجرة)، (هذه بقرة، ومنها تحصل على الحليب، الذي يُمزَج مع القهوة فيعطيك كافيه كون ليش). تنبئنا الكلمات بما نعتقد نحن، كمجتمع، أن يكون عليه العالم.

إذاً حتى نفهم العالم ونعي ما يدور حولنا، وحتى في أعماقنا، علينا أن نتعامل بدقة وشجاعة مع الكلمات من خلال مواصلة (فعل القراءة)، إننا بحاجة إلى بلورة أوهام الكتّاب بطريقة ذكية تجعلنا قادرين على الاستفادة من تجاربهم وأفكارهم حتى لو جاءت على شكل أوهام، وبالتالي فإن مهمة القارئ يمكن أن تتلخص بتحويل (أوهام) الكتاب إلى وقائع ملموسة ومفهومة وذلك بوساطة فعل القراءة.

اضف تعليق