دارت الكثير من المعارك الكلامية بين مختلف المدارس العقائدية حول مسألة كيفية صدورِ الفِعل من الإنسان، وأنه مجبور في أفعاله أم مفوض أم غير ذلك، وقد ذَهَبَ المجبرة إلى اختيار عقيدةِ الجبر، وقالوا بأنَّ الإنسان فاعلٌ مجبور ومسيَّر. وفي المقابل ذَهَبَ المفوضة إلى اختيار نظرية مخالفة، وقالوا إنّ الإنسانَ كائن متروكٌ لحاله، ومفوض في أفعاله وأعماله، وأنّ أفعاله لا تستند إلى الله مطلقاً.

وفي ظل هذا الانقسام بين مختلف المذاهب يومذاك حول هذه المسألة العقائدية الهامة أوضح أئمة أهل البيت (عليهم السلام) رؤيتهم حول الموضوع وقالوا: «أمر بين الأمرين» فأساس العدل الإلهي قائم على الإحسان إلى من يفعل الأعمال الصالحة ومعاقبة المسيء الذي يفعل الأعمال السيئة.

وهذا الأمر يضفي على هذه المسألة أهمية كبرى كونها لها ارتباط وثيق بمسألة العدل الإلهي؛ إذ هناك ارتباط مباشر بين الاختيار والعدل من جهة والجبر ونفي العدل من جهة أخرى، أي عندما يكون الإنسان مختاراً فإنّه يكون للجزاء والثواب العادل مفهوم ومعنى. أما الإنسان المسلوب الإرادة والمحروم من حرية الأفعال أو الذي يقابل الإرادة الالهية أو العوامل الطبيعية فلا يكون معنى لتكليفه ولا معنى للجزاء والثواب بالنسبة اليه.

أما نظرية (أمر بين الأمرين) فلها انعكاسات إيجابية مهمة على المستويين العقائدي والاجتماعي، وتنفي اللوازم الباطلة لنظريتي الجبر والتفويض معاً.

وتتناول نظرية (أمر بين الأمرين) مسألة أفعال الإنسان وأنها اختيارية من غير جبر ولا تفويض، وهذه النظرية التي تبنتها مدرسة الإمامية في مقابل عقيدة الجبر التي تتبناها مدرسة (المجبرة) حيث ذهب أصحاب هذه المدرسة إلى سلب إرادة الإنسان وأنّ الفعل صادر حقيقة عن الله عز وجل وأنّ الانسان مجرّد وعاء للفعل؛ أما أصحاب مدرسة (المفوضة) فذهبوا الى القول بالتفويض في أفعال الإنسان، وأن الفعل صادر منه فقط، وأن الله تعالى ليس له إرادة فيها؛ لأنه عز وجل قد فوّض للإنسان بعد خلقه جميع أفعاله من دون تدخل للإرادة الإلهية في ذلك الفعل وإنّما ينحصر عمل الله تعالى بخلق الانسان وقدرته فقط.

وأهمية نظرية (الأمر بين الأمرين) تنبع من أنها ترفع عمومية النظريتين؛ فلا سلب إرادةٍ مطلق ولا تفويض فعلٍ مطلق بل فعل الإنسان في حال كونه مستنداً إلى العبد، مستند إلى اللَّه أيضاً وأنّ الفعل تتدخل فيه إرادتا الله والانسان معاً.

وهذا الموقف الوسط الذي تبنته المدرسة الإمامية يقوم على أساس قاعدة: «لا جَبْرَ ولا تفويضَ، ولكن أمرٌ بَين الأمرين» بمعنى أنّ فعل الإنسان في حال كونه مستنداً إلى العبد، مستند إلى اللَّه أيضاً، لأنّ الفعلَ صادرٌ مِن الفاعل، وفي نفس الوقت يكون الفاعلُ وقدرتهُ مخلوقين للَّه تعالى، وأن الفعل تتدخل فيه إرادتا الله تعالى والإنسان معاً.

وقد بيّن الإمام الرضا (عليه السلام) رؤية أئمة أهل البيت لمفهوم «أمر بين أمرين»، فعن بريد بن عمير بن معاوية الشامي قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلت له: «يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: إنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، فما معناه؟

قال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله عز وجل فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك.

فقلت له: يا بن رسول الله فما أمر بين أمرين؟

فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه.

فقلت له: فهل لله عز وجل مشيَّة وإرادة في ذلك؟

فقال: فأما الطاعات فإرادة الله ومشيَّته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيّته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها.

قلت: فهل لله فيها القضاء؟

قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قضاء.

قلت: ما معنى هذا القضاء؟

قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة[1].

وفي حديث آخر، وقد ذُكر عنده الجبر والتفويض، يقول الإمام الرضا (عليه السلام) لجالسيه: «أَلَا أُعْطِيكُمْ فِي هَذَا أَصْلًا لَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلَا يُخَاصِمُكُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرْتُمُوهُ؟

قُلْنَا: إِنْ رَأَيْتَ ذَلِكَ.

فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُطَعْ بِإِكْرَاهٍ، وَلَمْ يُعْصَ بِغَلَبَةٍ، وَلَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ فِي مُلْكِهِ، هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ، وَالْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنِ ائْتَمَرَ الْعِبَادُ بِطَاعَتِهِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَنْهَا صَادًّا وَلَا مِنْهَا مَانِعاً، وَإِنِ ائْتَمَرُوا بِمَعْصِيَتِهِ فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ وَفَعَلُوهُ، فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): مَنْ يَضْبِطْ حُدُودَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَدْ خَصَمَ مَنْ خَالَفَهُ»[2].

إن رؤية الإمام الرضا (عليه السلام) في هذه المسألة العقائدية الهامة هي: إن الإنسان مطالب بفعل العمل الصالح، وهو قادر على ذلك، وقد أمره الله -عز وجل- بذلك، وهو كذلك قادر على فعل المعصية وقد نهاه الله -عز وجل- عنها، ولذا فالإنسان مسؤول عن أفعاله وأعماله، وإنه تعالى إنما كلفه بما يطيق، ولم يكلفه ما لا يطيق، وأمره فيما فيه صلاحه وفلاحه، ونهاه عما فيه فساده وخسارته.

ومن جهة أخرى تصدى الإمام الرضا (عليه السلام) لفرقتي المجبرة والمفوضة، وقام بالرد على الانحراف العقدي والفكري لهما، من أجل بيان فساد معتقداتهما، ومنع التأثر بهما، وكان يستهدف الأفكار والأقوال تارة، كما يستهدف الواضعين لها والمتأثرين بها تارة اخرى.

ففي رده على المجبرة والمفوضة قال (عليه السلام): «من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها، فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام)، فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك»[3].

كما دعا الإمام الرضا (عليه السلام) إلى مقاطعة القائلين بالجبر والتفويض والغلو مقاطعة شاملة لمنع تأثيرهم في الأمة، وأسند هذه الأوامر إلى آبائه الأطهار (عليهم السلام) تارة وإليه ابتداءً تارة أخرى.

فقد قال الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا المجال: «حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد (عليهم السلام)، أنه قال: من زعم أن الله تعالى يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون، فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً»[4].

وقال (عليه السلام) عن مقاطعة الغلاة والمفوضة: «الغلاة كفار والمفوضة مشركون، من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم، أو شاربهم، أو واصلهم، أو زوجهم، أو تزوج منهم، أو آمنهم، أو ائتمنهم على أمانة، أو صدق حديثهم، أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عز وجل وولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولايتنا أهل البيت»[5].

ذلك لأن القائل بالجبر ينفي العدل الإلهي، فلازمه الظلم، لأن العباد مجبورون على فعل المعاصي، ومع ذلك فإن الله تعالى يعاقبهم ويعذبهم عليها، أما القائل بالتفويض فلازمه تعطيل قدرة الله تعالى عن إعمال سيطرته على سلطانه وإشراك غيره معه في الخلق والرزق، ولذلك فالقائل بالتفويض مشرك.

وقد أصّل الإمام الرضا (عليه السلام) نظرية أهل البيت التي أطلقها الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «لا جبر ولا تقويض، بل أمر بين أمرين» وعنى بذلك: أن الله تبارك وتعالى لم يجبر عباده على المعاصي ولم يفوض إليهم أمر الدين حتى يقولوا فيه بآرائهم ومقائسهم[6] فإنه عز وجل قد حدَّ ووظف وشرع وفرض وسن وأكمل لهم الدين، فلا تفويض مع التحديد والتوظيف والشرع والفرض والسنة وإكمال الدين[7].

وهذا يعني إن الإنسان مطالب بإتيان الأعمال الصالحة، وهو قادر على ذلك، وقد أمره الله عز وجل بذلك، أو حببه إليه، كما نهاه عن فعل المعصية، مع قدرة الإنسان على فعلها، وهو مسؤول عن تصرفاته وأفعاله، وسيثاب إن عمل الصالحات، وسيعاقب إن فعل المعاصي وارتكب الموبقات.

................................
الهوامش:
[1] عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 114، رقم 17.
[2] عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج1، ص132، رقم 48.
[3] عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 114.
[4] عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج1، ص 113، رقم 16.
[5] عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج 2، ص 119، رقم 4.
[6] في البحار: ومقائيسهم.
[7] التوحيد، الشيخ الصدوق، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ص 206.

اضف تعليق