المعنى الرابع عشر من معاني النسبية(1): وهو مقولة (الشيء، في ذاته)، (أن الشيء كما يبدو لنا، يختلف عن الشيء في حد ذاته). وهذا هو ما ذهب إليه كانط، وسنتوقف عند كلامه بعض الشيء فنقول:

إن هذه المقولة قد يكون المقصود بها:

1: إن العقل النظري لا قابلية له للبحث عن (وإدراك) الموجودات غير الحسية، على العكس من دعاوى علماء ما بعد الطبيعة، الذين كانوا يفترضون قدرة العقل على الوصول إلى أسرار الحقيقة المطلقة.

2: إن العقل لا قدرة له على إدراك بواطن الأمور، بل هو يدرك ظواهرها (كالشكل واللون) فقط، وسيأتي الكلام حول ذلك لاحقاً.(2)

3: وقد يكون المقصود بها: ذلك المفهوم الذي يرتضيه النسبيون الهِرمينوطيقيون أي أن (الشيء في ذاته، لا تناله عقولنا كما هو هو، بل إنه في مسيرته ليتحول إلى "معلومة" في أذهاننا، فإنه يتشكل ويتلون، بلون مسبقاتنا الفكرية وخلفياتنا النفسية).

وبعبارة أدق: لا يتطابق (الشيء كما يبدو لنا مع الشيء في ذاته).

وبعبارة أخرى: الصور الموجودة في الذهن، أو الإدراكات الذهنية، لا تعكس الواقع كما هو، بل قد تضيف عليه، أو تحذف منه، أو تشوهه، أو تكون شيئاً آخر بالمرة.

والناتج من ذلك كله: أنه لا يستطيع أحد أن يدعي أنه وصل للحقيقة كما هي، إذ أن ذلك من المستحيل تماماً، والكل قد يكون مخطئاً في تصوره عن الحقيقة، بل ـ حسب هذا الرأي: الكل مخطئ حتماً بشكل أو آخر ـ.

وسنناقش فيما يلي هذا المفهوم الثالث فقط، وإن كانت بعض الأجوبة تنفع للإجابة عن المفهوم الثاني لـ(الشيء في ذاته، والشيء كما يبدو لنا) الذي ذهب إليه (كانط)، بل والمفهوم الأول في الجملة إلا أننا سنقطع النظر الآن عن ذلك المفهوم، ونحيل النقاش فيه إلى موضع آخر.

وهذه بعض المناقشات:

أولاً(3): هذه الثنائية استقراء ناقص

إن هذا التقسيم الثنائي يعتمد على استقراء ناقص، من وجهين:

فهو استقراء ناقص، من جهة أن منشأ هذه الدعوى، هو تتبُع (بعض القضايا)، وملاحظة أنها كانت كذلك، أي أنها في أنفسها، أمر، وكما بدت لنا (أي متلونة متشكلة على حسب خلفياتنا ومسبقاتنا)، أمر آخر، لكن لنا أن نعترض ونتساءل: على فرض قدرتكم على برهنة ذلك في بعض القضايا، لكن من أين (التعميم)؟ أي من أين لك، وأي دليل وبرهان دلّك على أن كل قضية وكل معرفة ـ حسية أو شعورية(4) أو عقلية ـ هي كذلك؟

وهل يستطيع أحد أن يقول: إن كافة المعادلات الرياضية والمسائل الهندسية، واقعها شيء، وهي (كما تبدو لنا) شيء آخر؟ وكذلك: (الأوليات) و(الفطريات) وغيرها من البديهيات ـ وقد أشرنا لها في موضع آخر ـ؟ وكذلك الكثير من القضايا الطبيعية في (الكيمياء) و(الفيزياء) وغيرها (أي في أصولها والحقائق المسلّمة فيها)، لا أقل من مثل (النار حارة) و(الماء بشكله الأولي سيال)؟

وهو استقراء ناقص، من جهة، أن منشأ هذه (الدعوى) هو ملاحظة (بعض أفراد البشر)، واستقراء حالات بعض العلماء، وهل ينتج الاستقراء الناقص، إلا قضية جزئية؟ فمن أين التعميم، مرة أخرى؟

ولذا نجد (كانط) بنفسه، يعترف في نهاية (التحليل الأسمى)، بـ:

(ولعل الله أعطى مخلوقاً آخر، غيرنا فهماً وعقلاً قادراً على إدراك ذوات الأشياء (حقائقها وبواطنها) كما أعطانا قدرة وجدان العوارض (أو الظواهر) ولكن عقلنا مع أنه يحكم بوجود تلك الذوات لكنه لا وجدان له بها، ولا يستطيع أن يدرك إلا الظواهر).(5)

وهذا القول صريح في رفض المفهوم الثاني للمقولة كما سبق، لكن يجري نظيره تماماً في المفهوم الثالث (إذ لعل الله أعطى مخلوقاً آخر فهماً وعقلاً قادراً على إدراك ذوات الأشياء دون تلون وتأثر بالمسبقات والخلفيات).

ثانياً: الثنائية تنقض نفسها بنفسها

بل نقول: من أين لك أن تنفي أن تصورك الثنائي هذا (الشيء لذاته، والشيء كما يبدو لنا) ليس إلا (تصوراً بدا لك) فقط؟

وبعبارة أخرى: إن هذا التصور الثنائي ينقض نفسه بنفسه، إذ لو إلتزم بأن هذه القاعدة عامة، لشملت نفسها، فلا يصح القول (أن كل شيء حقاً في حد ذاته، غيره كما يبدو لنا).

بل لابد من التنزل إلى القول: (أنه يبدو لنا: أن كل شيء في حد ذاته، يختلف عنه كما يبدو لنا).

وهذا القول أكثر تواضعاً و(يبدو لنا) أنه الأقرب للحقيقة!

ولو التزم بأن هذه القاعدة غير عامة، فهي إذن باعترافكم غير عامة، وتعني (أن بعض الأشياء قد تكون كما تبدو لنا، مختلفة عنها كما هي عليه في حد ذاتها) وهي قضية بديهية، لا تحتاج إلى أن تثار حولها كل تلك الضجة المعرفية!

ثالثاً: ليس تأثير القبليات قسرياً

إن تأثير القبليات النفسية والمسبقات الفكرية، على (لون المعرفة أو شكلها أو نمطها) ليس تأثيراً جبرياً قسرياً لا يمتلك معه الإنسان حرية التعرف على الحقائق، في الهواء الطلق، حتى لا يكون بمقدوره أبداً بأن (يتجرد) عن القبليات والمسبقات والأهواء، وليس تأثيراً جبرياً فوقياً يسلب الإنسان القدرة على (تحييد) تلك العوامل الضاغطة أو اهمالها، وليس تأثيراً إلزامياً لا فكاك للإنسان عنه، ولا محيص له عنه.

بل إن هذا التأثير مما يمكن للإنسان (مقاومته) بل و(شن الحرب عليه) و(التخلص منه)، وذلك إذا عزم على ذلك وصمم وقرر، ثم راقب بوعي وانتباه تامّين، حركة تفكيره، واحتمالات انفعاله بالمؤثرات، خاصة إذا تسلح بالمضادات والآنتي بيوتيك الفكري؛ فإن عالم المعرفة، كعالم التكوين، لا يخلو من فايروسات ومكروبات وجراثيم (مادية، أو فكرية)، والعلاج هو بالمضادات الحيوية، وكما أن (التخلص) من الجراثيم الطبيعية، قد يكون سهلاً، وقد يكون صعباً، وقد يتطلب ذلك وقتاً، كذلك تماماً (التخلص والتحرر) من (الجراثيم الفكرية) العالقة بالنفس الإنسانية والتي تحجب عنه رؤية الشيء إلا ملوناً بالقبليات والخلفيات والأطر؛ فإنه قد يكون سهلاً وقد يكون صعباً، وقد يتطلب علاجاً بسيطاً، وقد يستدعي علاجاً مركباً معقداً وجرعات عالية، إلا أنه يبقى على أية حال ممكناً، عملياً.

وذلك ما أشار إليه تعالى بقوله: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)(6) وبقوله: (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً).(7)

تلك هي المرتبة العليا التي وصل إليها النبي إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) أبو الأنبياء، (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).(8)

وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه سلام الله: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً).(9)

وبتعبير آخر:

إن الإيمان بثنائية حديدية قاسرة قاهرة جبرية لـ(الشيء كما هو، والشيء كما يبدو لنا) يناقض الإيمان الوجداني بحرية الإنسان، وحرية إرادته، ويناقض حكم العقل بأن (القبليات) و(الخلفيات) و(العادات) ليست عللاً تامة، بل هي، في أقصى الفروض، (مقتضيات) كما سيأتي.

كما يناقض الإيمان الفطري بقدرة الإنسان على التخلص من (الرواسب) و(العوالق) و(المسبقات).

بل إن نفس إلتفات الإنسان ـ إذا كان فطناً ذكياً ـ إلى وجود مطبِّ كالمسبقات، أو دوّامة كالخلفيات، وإلى خطورة عاملي (المسبقات) و(الخلفيات) كافٍ ليمنح الإنسان دفعةً وطاقة جبارة لـ(التخلص) من هذا (الأخطبوط المعرفي) وهذه الأغلال الفكرية.

نعم يبقى أن البعض يمتلك إرادة فولاذية وعزماً لا يلين لمواصلة المشوار حتى الوصول إلى (التحرر من الأغلال الفكرية والآصار النفسية) وللوصول للواقع كما هو عليه في حد ذاته، والبعض الآخر يستسلم وسط الطريق؛ لعلة أو أخرى، ولكن: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا).(10)

ومن هنا نكتشف أيضاً دليلاً آخر على ضرورة بعث الأنبياء والرسل ثم الأوصياء؛ إذ أنهم السبب الأكبر ـ إلى جوار العقل ـ للتخلص من المسبقات الفكرية والآصار النفسية التي تشوّه الواقع والحقيقة وتحجب عن البشرية المقدرة على رؤية بواطن الأمور وحقائق الأشياء، كما هي هي، في حد ذاتها.

ولذلك كله قال تعالى في ضمن تعداد الغايات من بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: (يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(11)، أنها أغلال مادية، ونفسية، ومعنوية فكرية وجسدية، عرفية وقانونية.

بل نقول: إن الواقع الخارجي يشهد أكبر الشهادة على أن الإنسان، بمقدوره التخلص من (الأغلال): (أغلال المسبقات الفكرية والرواسب النفسية)، سواء بـ(هداية) خارجية، أم (بإضاءة) داخلية، أم حتى على العكس تماماً بـ(عناد وتكبر واستعلاء) على الحقيقة.

والدليل على ذلك الألوف بل مئات الألوف بل الملايين، من العلماء والمفكرين والمثقفين والناس العاديين، الذين قاموا بثورة شاملة على كافة (أو بعض) مسبقاتهم الفكرية وأغلالهم النفسية والعاطفية، فتحولوا من دينٍ أو مذهب نشؤوا عليه، وتعلقوا به عاطفياً كأشد ما يكون التعلق، إلى دين آخر، أو من اللادينية نحو التدين، أو العكس.

وكذلك: مئات الألوف من العلماء، ذوي المسبقات الفكرية القطعية، الذين نفضوا عن عقولهم (النظريات العلمية التي اعتبروها بديهية من قبل) واتجهوا إلى إتجاه مناقض تماماً، لاحظ مثلاً نظرية بطليموس في الأفلاك، ونظرية تسطيح الأرض، ونسبية أنشتاين وثورة فريدمان(12)، وكذلك الألوف من المفكرين والمبدعين الذين اتجهوا نحو (تعديل) أو (تكميل) نظريات، أو قواعد، أو مناهج أو معارف، كانت نواقصها أو شوائبها السبب في عدم تطابق (الشيء كما يبدو لنا) مع (الشيء في حد ذاته).

إن ذلك كله دليل على أن (المسبقات) و(الخلفيات) ليست قَدَراً لازماً وقضاءً حتمياً، لا يمكن الفكاك منه، بل إنها خاضعة لعامل (الإرادة الإنسانية) المحتفة بالشروط الموضوعية، من صبر وإناة، وبحث وتنقيب، وتشكيك وتقليب، ومناقشة وحوار.

وبعبارة أخرى: لا تعدو (المسبقات) و(الخلفيات) أن تكون مقتضيات، لا عللاً تامة، وعلى مدعِّي (العليِّة) تقع كُلفة البرهنة، وبعهدته تكون... لكن هيهات... ثم هيهات.

رابعاً(13): الوجه الآخر: التأثير الايجابي للخلفيات

إن تأثير الخلفيات الفكرية والقبليات والأطر النفسية، ينقسم إلى نوعين: فإن تأثير (الخلفيات) قد يكون تأثيراً سلبياً ضاراً وقد يكون تأثيرها تأثيراً إيجابياً نافعاً، وما نعنيه هنا بالضبط، هو أن الخلفيات والقبليات، ليست بالضرورة كلها مما تعاند الحقيقة، أو مما تشوه الواقع، أو تبتره وتمثَّل به، أو تحيك له أنسجة إضافية كاذبة.

بل إن من الخلفيات والقبليات ـ وما أكثرها ـ ما يدفع بإتجاه جلاء الحقيقة، ووضوحها، أو ما يساعد على تكامل الصورة عن الحقيقة، بل وما يساعد على حذف (الشوائب) والطفيليات الملتصقة بـ(المعرفة) المعبّرة عن (الحقائق) والعاكسة لها، والمتجلية في (الكتب الفكرية) أو (النظريات العلمية) أو (الأطر النفسية)، أو العادات والتقاليد أو غيرها.

وعلى هذا فإن (الشيء كما يبدو لي) لايعد بالضرورة مجانباً للصواب، بل قد يكون الشيء كما يبدو لي هو الشيء في أكمل صُوَرِه وأبهاها، أو قد يكون الشيء كما يبدو لي، هو تلك المعرفة المتجردة عما يشوه الحقيقة الخارجية ويلوثها ويغمطها حقها أو يصفها بصفات أضدادها.

توضيح ذلك: إن الخلفية المعرفية للمتكلم والفيلسوف مثلاً والتي تتكون نتيجة بحوثه ودراساته وتأملاته في (المجرد عن المادة) مثلاً هي التي تساعده على فهم أن (الله) تعالى مجرد عن الشكل والهيئة والزمان والمكان وكافة الحجب المادية ـ سواء ذهب إلى وجود مجردٍ سوى الله تعالى أيضاً، أم لا ـ.

أما الخلفيات المعرفية للقروي أو الصحراوي الذي لم يألف التفكير الراقي ولم يعش في حياته العلمية والفكرية إلا في أجواء المادة، والتراب، والأغنام، والأشجار، والمياه، والحشرات؛ فإنها تدفعه عند التفكير أو الإيمان بالله الواحد الأحد، ليتصور الله تعالى بيدين ورجلين، ووجه وشعر وبشرة، وأنه نتيجة ذلك قد يركب على دابة أو حمار، وأنه يعيش في الأعلى وقد ينزل إلى السماء الدنيا، وهكذا.

وسواء آمن المسلم أو المفكر الهِرمينوطيقي بأن الحق مع الفريق الأول، أو الفريق الثاني، فإنه لا مناص له من أن يعترف بأن واحداً من تينك النوعيتين من الخلفيات كانت هي الدافع بإتجاه كشف الحقيقة والشيء كما هو في حد ذاته، هذا إذا درسنا هذه الظاهرة على ضوء (ما يبدو للمفكر الهِرمينوطيقي).

وإذا درسناها على ضوء (حاق الواقع كما هو) فإنه لا يخلو من أحد الشقين أيضاً؛ لاستحالة إرتفاع النقيضين، كما هو أوضح من أن يخفى على اللبيب.

وكذلك الخلفيات الفكرية والأطر النفسية، لكل من (العادل) و(المنصف) بطبعه، أو الظالم بطبعه فإن الأولى تؤثر في اكتشاف أن عدالة الله تعالى، هي القاعدة التي لا يحيد عنها الإله الحكيم، وأما الثانية فتؤثر في الأذهان للتتوهم أو لتتصور، أن الله قد يظلم مادام هو الإله الواحد الأحد!

وكذلك الحال في الخلفيات المعرفية لمن يمتلك تصوراً إنسانياً عن المرأة، وأنهن شقائق الرجال، وأنها (ريحانة وليست بقهرمانة)(14)، على العكس ممن يمتلك تصوراً معاكساً، فإن خلفيات الأول المعرفية، تساعده على الوصول لحقيقة النص وتقبل أن: (عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(15) كنص إلهي، أو كنص قانوني، أو كحكمة، يستوجب ويعني السماح للمرأة بالذهاب لزيارة أبويها وأرحامها في إطار المعروف، ولا يحق له أن يمنعها عن ذلك.

ولكم أن تتصوروا التأثير المتعاكس (الإيجابي النافع الدافع بإتجاه كشف الحقائق، والضار والمانع) للخلفيات والمسبقات، في كافة النصوص القانونية، أو الشرعية، الصادرة حول القيم الأخلاقية، الإنسانية والسماوية، مثل:

• احترام الأبوين

• احترام المعلم

• إكرام الضيف

• الإيثار والمواساة

• التعاون والتضامن الاجتماعي

أو الواردة حول:

• السرقة

• الغصب

• العنف

• الاستبداد

• الاحتيال

وبعبارة أخرى: إن (القبليات) قد تكون ذات منشأ صحيح، حقيقي، وصائب، فتكون ككّشاف ضوء، يقشع الظلام عن (الشيء كما هو) عندما يسلط المرء أشعة تفكيره عليه، فيكون (الشيء كما يبدو لي) مطابقاً (للشيء في حد ذاته وكما هو) تماماً!

ومما يساعد على جلاء ذلك أكثر فأكثر، شواهد من عالم التكوين، فإن (النار كما هي) محرقة ومضيئة دون شك، أما (النار كما تبدو للطفل) فقد تساعده خلفياته المعرفية على تقبل هذه الحقيقة، كما لو تعرض من ذي قبل لتجربة مُرة احترقت فيها أصابع يده، وحينئذٍ يتطابق الواقع (وهو النار، كما هي هي) مع (المعرفة) بأن النار محرقة ومضيئة ببركة تلك الخلفية التجربية السابقة، فتكون (الخلفيات) عاملاً إيجابياً للوصول إلى الحقيقة، أو للإطمئنان بها.

وعالم الطبيعة مليء بألوف الشواهد، على التطابق (الكلي، أو الجزئي في جهة من الجهات) بين الطبيعة كما هي (سواء كانت مادة، أم طاقة، وسواء كانت جماداً أم نباتاً أم حيواناً أم إنساناً، و..) وبين الطبيعة كما تبدو لنا (سواء "تعرفنا" على ذلك في علم الفيزياء أو الكيمياء أو الفلك أو غيرها).

وذلك ببركة (المسبقات الفكرية) و(الخلفيات النفسية)...

فأين تذهبون؟!

خامساً: هناك حقائق تتحدى التلوّن

هنالك حقائق ومعارف عصِيِّة على (التلوّن) بلون (المسبقات الفكرية) أو (التشكل) بشكل النفس المدركة، وتلك الحقائق "تأبى" التشكل أو (التأطر) بإطار ثقافي سواء كان إطاراً لشخص أم مجموعة أم أمة، ومن تلك الحقائق (المقولات الإثنى عشر التي اعترف "كانط" أنها من (الأحكام القبلية العقلية)، كما فصلناه في موضع آخر. وبعبارة أخرى: إن درجة (سطوع الحقائق) مختلفة، فإن من الحقائق في سماء المعارف، ما هي كالشمس الضاحية، ومنها ما هي كالشمعة الشاحبة، وكما في عالم التكوين، كذلك في عالم المعرفة؛ فكما قد لا يسمع المرء (صوت الهمسة) وكما قد لا يرى (الأعشى) في الضوء الخافت، كذلك قد لا (يتقبل) أو (يفهم) الإنسان (حقيقة من الحقائق ذات الإشعاع الضعيف) ولنمثل لذلك بقبول بعض تفاصيل عالم البرزخ، أو الآخرة، أو بقبول أن (المساواة) ليست قيمة مطلقة، بل (العدل)؛ لأن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، فلو ناقضت المساواةُ العدالةَ، كانت ظلماً، وكان العامل بها جاهلاً ناقصاً.

وفي الاتجاه المقابل، فإن من الحقائق ما يشرق كألف شمس، وما يسمع دويّه كما يسمع المرء صوت الرعد.

ومن تلك الحقائق: وجود الألم ـ خاصة إذا كان شديداً ـ و(الحزن) و(الفرح) و(الغضب) و(الجوع والعطش)، مما يدركه الإنسان بالحواس الباطنة.

وكذلك: (إننا نفكر) و(نتخيل) و(نتوهم)، أي ندرك المعاني المجردة الكلية وندرك المعاني الجزئية، كما ندرك الصور الجزئية.

ومن تلك الحقائق: استحالة أن نكون قد خلقنا أنفسنا، واستحالة الدور والتسلسل وهكذا.

والحاصل: إن هذه الحقائق من القوة والمِنعة، بحيث لا يحجبها حجاب، وليس بمقدور أية مسبقات فكرية، أو خلفيات نفسية، أن تقوم بعملية (تحوير) أو (تحريف) أو (تشويه) لأصل تلك الحقائق، وإن أمكنها أن تقوم بعملية (مكيجة وتجميل) أو (مُثلة) لبعض التفاصيل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ومع أنه يكفي أن نسوق حقيقة واحدة فقط لنقض الكبرى الكلية، التي إدعاها كانت؛ فإن الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية.

إلا أن بمقدورنا أن نحشد عشرات المعارف بل المئات من الحقائق والمسائل المتوزعة على شتى العلوم الإنسانية وغيرها، ولعل القارئ الكريم يَعثُر في مطاوي هذا الكتاب على الكثير الكثير من الشواهد والأدلة، والمصاديق، ويكفي أن نشير الآن إلى مثالين فقط ـ رغم أنهما ليسا من عالم المستقلات العقلية بل هما من عالم مسائل العلوم الإنسانية، ولذا فإننا نعدهما مثالين تقريبيين وإن صح بوجهٍ اعتبارهما دقيقين:

ففي علم الاقتصاد نجد قانون تناسب العرض والطلب والقيمة والعلاقة المتعاكسة بينهما، فكلما كثر العرض مع ثبات الطلب، أو تناقصه، نقصت القيمة، وكلما زاد الطلب مع ثبات العرض أو تناقصه ارتفعت الأسعار.

ولا مجال للنقض ببعض صور تخلّف القاعدة؛ إذ أنها نتيجة تدخل عوامل أخرى ذات صلة، إنما الكلام في عاملي (العرض والطلب) و(القيم والأسعار) بما هما هما، أي إذا لوحظا كعاملين متغيرين، مع تثبيت وتحييد سائر العوامل، نعم مع تدخل عامل خارجي يوجب (ضبط الأسعار) كضغط الدولة، أو تدخل عامل أجنبي يوجب الزهد في البضائع، كزلازل متتالية، فإن ذلك القانون، يحل محله قانون آخر.

وفي علم النفس والاجتماع نجد قانون (الاستجابة الشرطية) الدالة على أن تكرر مشاهدة عامل أجنبي، مقترناً بالعلة الحقيقية لظاهرة معينة، أو سابقاً لها بقليل، يدفع المشاهِد لتكرار نفس (أو بعض، أو ما يقرب من) ردود الأفعال التي كانت تحدث لديه، لدى مشاهدة العلة الحقيقة لتلك الظاهرة.

وإذا أردنا تحري الدقة العقلية، نقول: إن تأثيرات قانوني (العرض والطلب) و(الاستجابة الشرطية) في مسبباتها المعهودة، إنما هو بنحو (المقتضي) لا العلة التامة، وبذلك يتضح أن ما يُرى من مواطن تخلَّف (القاعدة) فإنما هو لفقد شرط، أو وجود مانعٍ.

مواطن اختلاف الأفهام

ولعل هنالك من يعترض فيقول: إن (أفهام الناس) عن (العرض والطلب) و(الاستجابة الشرطية) وغيرهما، (مختلفة) فكل يفهم شيئاً، وما ذلك إلا لتبعية الإدراك والفهم، للمسبقات الفكرية والحالات والكوامن النفسية.

ونقول في الجواب: إن اختلاف الأفهام هذا، قد يكون عائداً للجهل، لا للتلوين وإعادة التشكيل، وقد يكون موطنه ومحوره التفاصيل، لا الأصل، وقد يكون الاختلاف في (المصاديق) لا (المفاهيم)؛ إذ قد يكون المفهوم واضحاً إلا أن الاختلاف والخلاف والتشكيك إنما هو في المصاديق.

توضيح ذلك: إن ما يتوهمه الهِرمينوطيقي اختلافاً في (عامل الإدراك) وكونه ناتجاً عن (المسبقات الفكرية) أو (العوامل النفسية) لا إطلاق له، ولا عمومية أو شمولية لذلك؛ إذ:

أ: قد يكون منشأ الاختلاف عدم وضوح التصور أو عدمه أصلاً فيعقبه عدم التصديق والتشكيك أو الإنكار (عدم فهم السامع لمعنى العرض والطلب مثلاً، أو لمعنى الاستجابة الشرطية) فيرفض تبعاً لذلك "القاعدة"، لكن رفضه هذا لا ينفع القائل بالنسبية، لأنه رفض نابع عن جهل، لا عن (معرفة متلونة)، كما أن علاج الجهل معروف وسهل وهو التعلّم والتعليم.

ب: وقد يكون الاختلاف في (التفاصيل) و(الحدود) و(الحواشي) و(المكملات) دون (الأصل) و(الجوهر) و(ذات الحقيقة)؛ ذلك أن أصل القاعدة قد تكون عصِّيةً على (التلوّن) بالمسبقات الفكرية أو التشكل على حسب الخصوصيات النفسانية، ومن دون أن تكون التفاصيل كذلك، فكيف ينقض ذاك بهذا؟ وكيف تُعمّم ثنائية (الشيء في حد ذاته) هو (غير الشيء كما يبدو لنا)؟

ج: وكثيراً ما يكون الاختلاف في (المفردات) و(المصاديق)، دون (المفهوم) و(الكلي)، لكن ذلك يبعث على الاعتقاد خطأً، بأن ذاك هو هذا!

وبعبارة أصولية: الشبهة قد تكون مفهومية، وقد تكون مصداقية، فقد نشك مثلاً في المياه الزاجية والكبريتية، أنها مياه أم لا(16)، فهذه شبهة عائدة للمفهوم.

وقد نشك في هذا الإناء الخارجي، أن السائل الموجود فيه(17)، هل هو ماء، أم عصير، أي هل هو ماء مطلق أو مضاف، أو هل هو ماء أو خل؟

والتحقيق: أن الخلاف في كافة المستقلات العقلية، قد يكون نابعاً من ذلك، ألا ترى إتفاق العقول على أن (العدل حسن)، إلا أن الخلاف والاختلاف قد يكون في (المصاديق) وأن هذا عدل أو ظلم، وذلك كإعطاء المرأة ـ في بعض الصور ـ نصف إرث الرجل.

سادسا: تطور العلوم يتجاوز (الثنائية) تدريجياً(18)

إن (تكامل العلوم) وتطور العلم والتكنولوجيا والأجهزة العلمية، كل ذلك يقضي بالتدريج ولكن باستمرار وفي حركة تصاعدية، على ثنائية (الشيء كما هو، أو الشيء في حد ذاته) و(الشيء كما يبدو لنا)؛ ذلك أن الفاصل بين الشيء كما هو في واقعه، والشيء كما يبدو لنا، يعني بنفس النسبة، الجهل بالحقيقة، وحركة العلوم أثبتت أن لها الكلمة العليا في القضاء ـ وأن التدريجي ـ على الجهل بكافة أشكاله وألوانه.

إن تكامل العلوم والمسيرة الإنسانية، سوف يفرز النتائج التالية:

أ: المقدرة على السيطرة على "اللا وعي" أو "الوعي الباطني" وعلى المسبقات الفكرية، والخلفيات النفسية.

ويشهد لذلك التطور الذي أحرزته علوم، كعلمي النفس، والاجتماع، وعلوم كعلمي الأعصاب، والمخ.

ذلك أن (علم النفس) مثلاً يقوم بدور (الكشّاف) في مجاهيل النفس، كما يقوم (الدليل) بدور المرشد في مجاهيل الغابة أو الصحراء. وكلما تكامل هذا العلم أكثر فأكثر، كانت دلالته أشمل وأوضح وأصح وأدق.

ب: الاقتراب من بواطن الأشياء أكثر فأكثر، والتحول من المعرفة السطحية لـ: الـ(فنومن) والظواهر، إلى المعرفة العميقة لـ: الـ(نومن) والبواطن وحقائق الأمور و(الشيء في ذاته).

ومما يوضح ذلك معرفة الإنسان أكثر فأكثر بواقع وخصائص الأجسام والجُزيئات والإلكترونات، والبروتونات، وبواقع (النور) وفوتوناته.

والذي يساعده على ذلك إختراع آليات أكثر تطوراً للوصول إلى بواطن الأشياء، كالمجهر (المكروسكوب)، وكدراسة الاشياء عبر مختلف أنواع الأشعة والذبذبات، التي تُوَجَّه إلى ظاهره وباطنه (كأشعة الليزر، وجاما، والأشعة السينية، والكهرو مغناطيسية، وغيرها).

كما يساعده على ذلك اختراع أجهزة قادرة على حل المعادلات المعقدة والمتشابكة والمعمقة، بسرعة مذهلة تفوق سرعة الفكر البشري العادي، بما لا يتصور.

وأوضح مثال لذلك: ما توصل إليه العلماء حديثاً من صناعة الحاسوب (الكمبيوتر) قادر على إجراء ألفين وخمسمائة تريليون عملية بالثانية، ولا يعتمد هذا الرأي بالضرورة، على إنقلاب (الكمية) إلى (كيفية)، وتحول العدد إلى كيف، بل إن هذه العمليات بذاتها قد تتناول أعماق (الذرة) و(الجينات الوراثية) و(الفوتونات) وغيرها.

سابعاً: بدائل العلم الاكتسابي(19)

إن الوصول لحقائق الأشياء وبواطنها وبدون تلّون بالخلفيات أيضاً، لو استعصى على (العلم) فرضاً، فإنه ليس لمدّع أن يدعي أنه مستعصٍ على السبل الأخرى لكشف الحقيقة.

إن (العلم) قد لا يستطيع أن يهدم الحاجز ويقضي على الفاصل بين (الشيء في حد ذاته) و(الشيء كما يبدو لنا) وقد لا يكون بمقدوره توفير الضمان للتطابق بين ما أدركناه من الشيء وبين ما هو عليه حقاً، لكن ليس للعالِم ما دام عالماً أن ينفي قدرة الطرق الأخرى على الوصول لحقائق الأشياء وبواطنها، واختراق حجب المكتنِفات والحواجز، والوصول للبواطن والأعماق، وللشيء في حد ذاته، وكما هو، والطرق الأخرى هي:

1: الوحي

2: الإلهام بالمعنى الأعم

3: الرياضات النفسانية

4: العلم الحضوري(20) حيث إن (العلم الحضوري) يعني حضور ذات المعلوم بشراشر وجوده وحقيقته، لدى العالم.

وذلك مما يستدعي البحث عنه، مقاماً آخر، وسنشير إلى بعضها في الجواب القادم بإذن الله تعالى.

هذا مع قطع النظر عن أن العلم بنفسه، قد يتطور، ليصل إلى أعماق ذاته وبواطنه، وبإزاحة عامل التلون بالخلفيات والمسبقات، كما هو حصيلة الجواب السابق.

* من الفصل الثالث لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

............................
(1) لا يخفى أن هذا المعنى يختلف عن المعنى الأول، إذ هذا المعنى، حسب نظرية "كانط"، كيفي ويرتبط بالباطن، (كما قد يقصد به كيفية الإدراك) والمعنى الأول كمي بالأساس.
(2) عند البحث في (رؤوس نقاط نظرية كانط الفلسفية)، في الفصل الخامس.
(3) هذا الجواب يصلح كإجابة على التفاسير الثلاثة لثنائية كانط.
(4) أردنا بـ(الحسية) المحسوسة بالحواس الخمسة الظاهرة، وأردنا بـ(الشعورية) المدركة بالحواس الباطنة.
(5) سير حكمت در اروبا: ص227-228.
(6) سورة العنكبوت: 69.
(7) سورة مريم: 76.
(8) سورة الأنعام: 75.
(9) بحار الأنوار: ج40 ص153 ب93.
(10) سورة العنكبوت: 69.
(11) سورة الأعراف: 157.
(12) أشرنا لها في فصل آخر.
(13) هذا الجواب يصلح مع بعض التحوير كإجابة على التفسير الثاني لثنائية كانط (من جملة التفاسير الثلاثة).
(14) الكافي الشريف: ج5، باب اكرام الزوجة، ص510، ح3.
(15) سورة النساء: 19.
(16) مع علمنا بأن هذا الموجود هنا هو ماء كبريتي مثلاً.
(17) مع معرفتنا لمفهوم الماء ومعناه وحدوده.
(18) هذا الجواب يصلح أيضاً جواباً عن التفسير الثاني، لنظرية كانط.
(19) هذا الجواب يصلح أيضاً كإجابة على نظرية "كانط" على التفسير الثاني لـ(الشيء في ذاته، والشيء كما يبدو لنا).
(20) تكلمنا حول (العلم الحضوري) في كتاب: (الحجة، المعاني والمصاديق) من سلسلة (بحوث في "المبادئ") وفي: (مباحث الأصول ـ القطع).

اضف تعليق


التعليقات

منتصر العلمي
المغرب
ما جاءفي هذا النص هو ردجميل وواضح على مفهوم الشئ كما يبدو لنا والشيء في حد ذاته عند كانط.لقد استفدت كثيرا في فهم هذه الثنائية التي تناولها كل فيلسوف بمنظوره الخاص.فبارك الله في كاتب هذا هذا النص.2021-07-07